كاد يجنّ، قمة العجز تملّكت منه في غضون الدقائق التي استغرقها فارس وهو يقود بجنون ليصل في أسرع وقت لحبيبة أخيه. عقله يعمل في جميع الاتجاهات، يحاول أن يفصل قلبه عن عقله كي لا يخسرها، ولكن كيف له هذا؟ في الأخير هو بشر، مجرد رجل عاشق نسي كل ما تعلمه وفعله طوال عمره في لحظة شعوره بخسارتها. أخرج هاتفه وقال بغضب: دكتورة يسرا. جاءه ردها على الفور فقال: مراتي بتنزف، نص ساعة وهكون عندك، فضّي العيادة فورًا.
فقط، أغلق الخط في وجهها تزامنًا مع وقوف أخيه أمام بوابة السرايا الداخلية. بمجرد أن هبط من السيارة وجد تلك الحقيرة تأتي تجاهه وهي تقول ممثلة القلق: مالك يا جواد؟ في حاجة يا ابني؟ لم يهتم، بل أسرع إلى الأعلى وخلفه أخيه. وحينما وصل إليها صرخ بقهر: دهب! إيمان ببكاء: أهي يا ابني، أنا محركتهاش من مكانها.
هبط على ركبتيه ودموع حبيسة تلحّ للخروج ولكنه أبى أن يخرجها الآن وهو يتحسس نبضها، ثم مدّ يده ليلمس بقعة الدماء التي اتسعت ويفركها بين إصبعيه كنوع من الاختبار. أغمض جفنيه بقوة ثم بدون حديث حملها بين ذراعيه وكاد أن يتحرك إلا أنه تفاجأ بتوحيدة تصرخ به: عملت إيه في بنتي؟ موتّ البنت! إيمان بجنون: اخرسي! سيبيه يلحق البنت اللي بتنزف الأول يا غبية. توحيدة بأمر: أنا هاجي معاك عشان أوديها للدكتور بتاعي، مش هأمن لغيره.
هنا طفح الكيل، حبيبته تنزف بين يديه ونبضها ضعيف وتلك الحقيرة تتشاجر معه. صرخ بجنون: فارس! أبعد بنت الكلب دي، أبعدي! سحبها فارس بغل من ذراعها وألقاها بعيدًا مما جعل جواد يخرج من الجناح وهو يقول بصوت عالٍ أثناء جريه: هدي! اقفلي الجناح، مش عايز حد فيه خالص! حالًا! نظرت هدي لكلا من توحيدة وفاطمة اللتان ما زالتا تقفان بالداخل بعد أن خرجت روان وجيهان ليحاولا تهدئة الأطفال المزعورين، خاصة حبيبة، وقالت: أنتم واقفين كده ليه؟
مسمعتوش جواد قال إيه؟ اتفضلوا بقى عشان أقفل وأحصلهم. فاطمة بحقد: طالعين يا أختي يعني قاعدين فالجنة؟ فاقت توحيدة من صدمتها بعد أن وقعت أرضًا بسبب دفع فارس لها، هرولت خلفهم وهي تسب وتلعن في جواد وأخيه وكل ما يشغلها أن تلحق بهم لتكمل باقي خطتها. اتصلت بمحمد وقالت بصراخ كاذب: الحق يا محمد! دهب! وقع قلبه في قدميه رعبًا وقال: مالها دهب؟ عملتي فيها إيه؟
توحيدة: معملتش حاجة ومعرفش مالها، كنت جاية بالصدفة أشوفها لقيتها سايحة في دمها، والزفت اللي بليتنا بيه خدها وجري بيها، وفارس ضربني. شوف أخد بنتي فين يا محمد، أنا عايزة بنتي. أغلق معها واتصل على فارس الذي يقود السيارة بسرعة فائقة وأخيه يجلس بالخلف وبين ذراعيه تلك الغائبة عما يحدث حولها. رد فارس بجزل: عمي، أنا سايق عشان ألحق بنتك، تعالى على مركز الدكتورة يسرا. سلام. فقط، أغلق معه لينتبه للطريق. قالت
إيمان التي تجلس بجانبه: ربنا ينجّيكي يا بنتي، إيه اللي صابك بس؟ ضمها جواد بقوة، وضعف أصاب قلبه من شدة خوفه عليها، همس في أذنها بوجع: أوعي تسيبيني بعد ما لقيتك يا دهبي، جواد يموت من غيرك، هقع وهتعمى بجد لو سبتيني يا وجعي. وصل أخيرًا إلى المركز الطبي الذي يعرف صاحبته جيدًا، وبمجرد أن وقفت السيارة أمام الباب، وجد الطبيبة في انتظاره ومعها طاقم طبي كامل وفراش نقال، وضعها فوقه وسار بجانبه وهو يمسك يدها بتملك.
تركها فقط أمام غرفة العمليات الصغيرة والمجهزة للتعامل مع بعض الحالات البسيطة. ربّت فارس على كتفه وقال بغموض: أنا خدت بالي من اللي عملته في العربية، حقك مقدرش أنطق كلمة، بس عشان خاطرها هي، هي بس يا جواد خد بالك واتصرف زي ما اتعودت، تمام؟ نظر لأخيه وقال: متخافش. فقط، أسند ظهره على الحائط المجاور للباب وشرد بعيدًا، عقله يعمل ويحلل ما حدث، أما قلبه فكان بالداخل، معها.
حضرت توحيدة مع زوجها ويرافقهم عبيد الذي وقف قبالة ابنه يربّت على كتفه ويقول: سليمة يا ابني إن شاء الله. زفر بوجع ولم يستطع الرد. محمد بحزن: مال دهب يا جواد؟ هي دي أمانتي ليك؟ أنت عملتلها إيه؟ لم يلقِ بالا لما يسمعه ولكن أخيه هو من رد عنه وقال: عملها إيه إزاي يعني؟ إحنا كنا في الشغل وكان بيتصل يطمن عليها، أول ما سمع صوتها تعبان رحلها جري. نظر له محمد بتيه وقال: يعني مش هو السبب؟ وأنت مضربتش أمها؟
تدخل عبيد بحسم: مش وقت الكلام ده، نطمن عالبت وبعدين نفهم. توحيدة بدموع التماسيح: أنا عايزة بنتي ماليش دعوة، وكمان أنا مش مطمنة للدكتورة دي، أنا كلمت دكتور فخري اللي عارفينه من زمان وهو جاي في السكة بعربية إسعاف عشان ينقلها المستشفى بتاعته. نظر لها الجميع بصدمة من ذلك القرار الذي اتخذته وحدها. أما جوادنا المهموم قرر أن يطيح بها وليحدث ما يحدث، تحرك تجاهها بغضبٍ جم، ثم أمسكها من فوق حجابها بعنف حتى أنه كاد ينخلع
عنها وقال بتهديد صريح: عارفة يا بنت الكلب، لو ما غورتيش من وشي، عليّ الحرام من ديني لأكون قاتلك ومخلص الدنيا من شرك. نظر داخل عينيها وقال بوعيد: عارفة لو ليكي يد في اللي حصلها، مش هرحمك، سامعة! لحقه فارس سريعًا وأمسك به وقال بمغزى: أنت اتجننت يا جواد؟ دي أمها يا أخي استحالة تأذيها، وبعدين ما هي كانت لسه داخلة الجنينة لما وصلنا، اهدى وبلاش تخلي زعلك على دهب يأثر على عقلك.
تركها، وصمت الجميع، والكل يفكر فيما يخصه، حتى انقضت ساعة ببطء مميت، خرجت بعدها الطبيبة وقالت: اطمنوا يا جماعة، الحمد لله عدت على خير. جواد بصوت يملأه الوجع: قوليلي فيها إيه يا دكتورة لو سمحتي، متخبيش عليا. نظرت له وقالت بمغزى: اطمن، هي بس كان في بوادر حمل بس واضح إن بسبب العلاقة الحميمة مكملش. توحيدة بغل: حمل إيه؟ دي بقالها اتناشر يوم متجوزة!
يسرا: واضح إنه حصل ليلة الدخلة وكان معاد التبويض بتاعها يا حاجة، عادي بتحصل. نظرت لجواد وأكملت: بما إنك جوزها اتفضل معايا عالمكتب عشان أقدر أفهمك اللي حصل بشكل أوضح بدون إحراج. جلس أمام الطبيبة وقال بذكاء: إيه اللي مش عايزة تقوليه قدامهم يا يسرا؟ أنا عارفك من نبرة صوتك. ابتسمت الطبيبة بود وقالت: طول عمرك ذكي ولماح، من أيام ما اشتغلت معاك في آخر مهمة وأنا فهمت دماغك. جواد بنفاذ صبر: اخلصي مش وقت تطبيل.
يسرا بغيظ: يا ساتر، دايماً دبش. تنفست بعمق وقالت بجدية: احمد ربنا يا جواد إنك لحقتها، لو كنت اتأخرت ساعة واحدة بس كان زمانها شايلة الرحم. انقبض قلبه ألمًا وقال بوهن: يعني إيه؟ يسرا: النزيف اللي حصل لمراتك من خبرتي أقدر أقولك إنه مش طبيعي، أنا أخدت عينة وهحللها بنفسي عشان أتأكد من شكوكي، وطبعًا كل اللي قولته بره مش صح بس أنا اضطريت أقول كده لأني عارفة حساسية وضعك وكمان مضمنش مين معاك ومين عليك.
جواد برعب: طب هي حالتها إيه دلوقت؟ يسرا: طبعًا وقفت النزيف واديتها إبر مضادة للمادة اللي أنا شاكة إنها دخلت جسمها، يعني الحمد لله بقت تمام بس جدار الرحم اتضر شوية فهنضطر نأجل موضوع الحمل يعني عالأقل ست شهور لحد ما رحمها يرجع لحالته الطبيعية. جواد بثقة: مش مهم حمل خالص، المهم هي. يسرا بابتسامة: لا مش للدرجة دي، ده إجراء احتياطي مش أكتر والله، هي زي الفل متقلقش.
زفر بهم وقال: طب أنا عايزك تفضيلي المركز خالص الأيام اللي هتقعدها فيه، مش عايز غيرك أنتِ وممرضة واحدة بس تكوني بتثقي فيها وعلى ضمانتك، وأنا متكفل بمرتبات الناس اللي هتقعد من الشغل الكام يوم دول وكمان اللي هتطلبيه عشان قفل المكان. يسرا بزعل: كده برضه يا جواد؟ والله زعلت منك، دأنت أنقذت حياتي، جاي دلوقت مش عايز تديني فرصة أرد جزء من جمايلك عليا؟ قبل أن يرد عليها سمع أصواتًا عالية بالخارج.
توحيدة: لازم دكتور فخري يكشف عليها عشان أطمن يا محمد، مش كفاية اتهنت قدامك وسكت، كمان مش عايز أطمن على بنتي! دكتور فخري: المركز هنا مش مجهز لحالة دهب اللي وصفتها لي الحاجة، أنا جبت عربية إسعاف معايا عشان أنقلها فيها. همست يسرا لجواد بجدية: جواد، أنا بعد ما شوفت الدكتور الزفت ده، أحب أؤكدلك إن الموضوع فيه أنّه، أنت عارف إنه مرتشي وشغله كله شمال. وقف قبالة الطبيب
وقال بهدوء ما قبل العاصفة: دقيقة، دقيقة واحدة لو مكنتش اختفيت من المكان، قسمًا بربي لتكون في قبرك الليلة، سامع! انتفض الطبيب ذعرًا وغادر دون أن يتفوه بحرف، فهو يعرف هذا المتجبر حق المعرفة، ولن يستطيع مجابهته فلتحترق تلك الشمطاء، الأهم حياتي.
جلست روان وهدي وجيهان في حالة من الحزن البالغ على تلك الرقيقة التي دخلت قلوبهم من أول لحظة رأوها فيها، حتى الأطفال، لم يمرحوا كما عادتهم وحبيبة، تلك الصغيرة التي تلقت صدمة لن تنساها جلست منزوية وحدها بعد أن رفضت أن يجلس معها أحد. اقترب منها محمود ابن عمها وقال بهدوء: تيجي ألاعبك بالمرجيحة؟ هزت رأسها برفض ولكنه لم ييأس فقال متصنعًا التعب: أنا تعبان خالص. انتفضت بخوف وقالت بدموع: ليه؟ أنت هتبقى زي دهب وياخدوك المستشفى؟
ملّس على شعرها بحنو وقال: لا أنا بس عشان مكلتش. حبيبة ببراءة: قول لمامّتك تعملك أكل. محمود بحزن حقيقي: ماما مش فاضية وكمان مش بعرف آكل لوحدي. نظر لها برجاء وأكمل: تاكلي معايا يا بيبة؟ حزنت عليه كثيرًا فهو قريب لها للغاية فقالت بطيبة: ماشي بس حبة صغننة عشان أنا زعلانة. ابتسم لها برفق ثم أمسك كفها الصغير وقال وهو يتحرك بها تجاه المطبخ: تعالي نقول لدادة دلال تعملنا سندوتشات وتجبهالنا عند المرجيحة.
تحركت معه بهدوء، ولا تعلم أن شبيه عمه يفعل كل ذلك كي يخرجها من حالة الصمت المسيطرة عليها. هدي: الواد ده حنية الدنيا فيه بس أمه هتدمره. روان: محدش يعرف فاطمة دي قدي. تنهدت بحزن وأكملت: أيام ما أبويا وأخويا كانوا بيملوا دماغي كره وسواد ناحية عمي وولاده كانت هي أكتر واحدة بتبخ سمها، لولا مصطفى حبيبي هو اللي رد لي عقلي وخلاني مسمعش ليهم. جيهان: نفسي أعرف ناقصهم إيه عشان يحقدوا على عمو عبيد وولاده كده، بس هقول إيه.
ذرفت دموعها ولم تستطع تكملة حديثها. اقتربت منها هدي وضمتها بحنان ثم قالت: أنتِ قولتي لأهلك إنه خطب وهيتجوز عليكي؟ جيهان بقهر: اتصلت ببابا قولته، بهدلني وقالي حقه يتجوز بدل الواحدة أربعة قدام قادر يصرف عليهم، وأنتِ ولا أول واحدة ولا آخر واحدة جوزها يجبلها ضرة.
شهقت بقهر وأكملت: قال وأنا اللي مردتش أكلم أمي عشان مسمعش منها الكلمتين دول، فكرته ممكن ينصفني، المشكلة إني مش هتحمل الوضع ده مش حبًا فيه، لا والله، لأني عارفة إني هعيش مذلولة، بس برضه هروح فين؟ أهلي قفلوا بابهم في وشي. روان بحزن: حقك عليا والله، أنا كلمته كتير بس هو مصمم وكمان بابا مقويه. جيهان: شكلي هاخد بناتي وهطفش منهم كلهم ومحدش هيعرفلي طريق.
هدي بحكمة: اصبري، اصبري لحد الآخر وصدقيني لو لقيتي الوضع فوق احتمالك أنا بنفسي هخلي فارس وجواد هما اللي يخلصوكي منه. جلس جانبها يملّس على شعرها بحنان ويقول بداخله: فوقي يا دهبي أرجوكي، مش قادر أستحمل وجع قلبي عليكي، فتحي عينك بس خلي شمسي تطلع، وغلاوتك في قلبي اللي هيموت عليكي لأجيبلك حقك.
نظر أمامه وأكمل بتصميم: حتى لو هديت كل اللي عملته في سنين، لأجل عيونك أنتِ بس، هخسر كل حاجة، المهم تفضلي معايا وبس، يا عشق قلبي ووجعه. وصغيرته شعرت به وقررت أن ترحمه، أنت بألم طفيف وهي تحاول فتح جفونها. انتفض بقلبٍ وجِل وهو يحاول ضمها بهدوء ثم قال: قومي يا دهبي، افتحي عينك عشان جوادك يرجع يشوف بيها. همست اسمه بوهن،
ضمها أكثر وقال: يا قلب جواد وحياته اللي ملهاش لازمة من غيرك، اتكلمي يا حبيبي، سمعيني صوتك عشان روحي تترد فيا. أمسكت ثيابه بضعف وقالت: إيه اللي حصل؟ أنا فين؟ رفعها بتمهل ووضعها داخل أحضانه ثم قال: إحنا فالمستشفى حبيبي عشان تعبتي شوية. ردت عليه بصوت ضعيف: أنا آخر حاجة فكراها لما شربت المانجا وبعدها بطني وجعتني جامد وأنت كلمتني، مش فاكرة حاجة تاني. انتفضت بوهن وقالت بذعر: حبيبة؟ حبيبة كانت بتعيط وخايفة. ربّت
على ظهرها بحنو وقال: اهدي حبيبي، هي كويسة متخافيش، وأنتِ أغمى عليكي وأنا جيتلك على طول. تنهد بهم وأكمل: كنت قاعد بشتغل مع فارس، فجأة قلبي وجعني، عرفت وقتها إن فيكي حاجة عشان كده اتصلت أطمن، قلبي عمره ما كدب عليا من ناحيتك يا دهبي. كوب وجهها وقال بجدية: عايز أطلب منك حاجة، بس أرجوكي تفهميني ومتزعليش وتساعديني. نظرت له باهتمام وقالت: حاضر، مش هزعل، بس أنا مش بعرف أساعد حد.
قبلها برفق وقال: لا هتعرفي، أنا واثق فيكي حبيبي. دهب: طب قول. خرج لهم بعدما أراحها فوق الفراش وقال بجدية: فارس، هاتلي كام واحد من رجالتنا ووقفهم على باب المركز تحت وهنا، واتصل بمصطفى يجيلي حالًا. محمد بحزن: في إيه يا ابني؟ ليه كل ده؟ ودهب فاقت ولا لسه؟ أنت رافض أي حد يدخلها وقاعدين مش فاهمين حاجة. جواد بهدوء: لسه مفاقتش، أنا قولت للدكتورة تحقنها بمهدئ عشان تفضل نايمة أطول فترة ممكنة، مش هتحمل تفوق وتتوجع.
عبيد: مش مهم يا ابني، المهم إنها بخير. جواد: بخير يا بابا الحمد لله، اتفضل حضرتك خد الجماعة وارجعوا البيت، القعدة ملهاش لازمة. توحيدة بمسكنة: أنا مش هقدر أسيب بنتي، أنا هفضل معاها. جواد بحسم: محدش هيفضل معاها غيري، وهي كده كده نايمة يعني وجودك زي عدمه. إيمان: طب يا ابني اللي يريحك، أنا هرجع مع أبوك، وكمان شوية هجيلك تاني أجيبلك هدوم ليها وأكل كمان. ذهب أربعتهم وظل أخيه منتظرًا وصول مصطفى الذي أتى لهم بعد فترة قصيرة.
تحدث جواد بجدية وقد اتخذ قراره الذي لن يثنيه أحد عنه. قال بحسم: فارس، أنت هتفضل هنا متتحركش مهما حصل والرجالة هتفضل معاك، وأنا هسافر أنا ومصطفى حالًا القاهرة. فارس بعصبية: أنت اتجننت يا جواد؟ أنت كده هتهد كل اللي عملته. رد عليه بتصميم: ريّح نفسك أنا مش هرجع عن اللي في دماغي. وجه حديثه لمصطفى قائلًا: جاي معايا ولا إيه؟ مصطفى: معاك طبعًا.
وقفت سيارة مصطفى التي كان يقودها وبجواره جوادنا الجامح أمام إحدى البنايات الشاهقة القابعة داخل إحدى أرقى أحياء مدينة القاهرة. هبطا منها سويًا وبعد إحكام إغلاقها بالقفل الإلكتروني دلفا سويًا ثم صعدا بواسطة المصعد الكهربائي إلى الطابق العاشر والذي لا يوجد به غير باب واحد، فتحه مصطفى وأفسح له المجال.
وبمجرد أن دخلا اثنتيهما تحول هذا الجواد إلى أسدٍ غاضب، تحرك تجاه غرفة نومه الخاصة وفتح خزانة الثياب، أخرج منها حلة سوداء أنيقة يصاحبها قميص من نفس اللون وبدأ تبديل ما يرتديه بها. مصطفى بتردد: أنا مش هقدر أعارضك في اللي ناوي عليه، إنما حبيت أفكرك إنك متراقب. جواد: عارف وعامل حسابي متخافش، مش بسيب حاجة أبدًا للصدفة.
فقط، أنهى ما يفعله وسحب مفتاح سيارة أخرى غير التي أتيا بها، ثم اتجه إلى المطبخ ومنه خرج من باب خلفي يؤدي إلى الجهة الأخرى للبناية. ضغط على زر في يده فأصدرت السيارة صوتًا دليل على فتحها. اتجه ناحية باب السائق وفتحه بعصبية ثم صعد خلف المقود وأغلقه خلفه بإحكام. أغمض عينيه لبعض ثوانٍ ثم قام بالنظر للمرآة الأمامية، مد يده داخل عينه ليخلع عنها تلك العدسة الشفافة في شكلها، ولكن مهمتها أن تحجب الرؤيا عنه ليصبح حقًا، أعمى.
وضعها داخل جرابها الخاص ثم أدار محرك السيارة وانطلق سريعًا إلى وجهته. بعد أن صمم جواد أن يذهب الجميع لم يجد محمد له رغبة في العودة إلى المنزل مع تلك الحقيرة، اقترح عليه عبيد أن يأتي للجلوس معه على أن يعودا ليلًا للاطمئنان عليها. انتهزت هي الفرصة وعادت وحدها وبمجرد أن أغلقت الباب اتصلت بشبيهتها وحينما جاءها الرد قالت بغل: كل حاجة باظت، ابن الكلب خربلي كل اللي خططت ليه. فاطمة بذعر: إزاي؟ أوعي يكون كشفنا؟
توحيدة باستهزاء: أنتِ هبلة يا بت؟ وهو لو كان كشفنا كان زماني بكلمك. فاطمة: فهميني طيب إيه اللي حصل. توحيدة: أنا جيت زي ما اتفقت معاكي على أساس أسأل عليها، صدفة يعني، وكنت متفقة مع فخري إن هوديهالو عشان يشيل الرحم، طبعًا معرفش إني هلاقي الزفت جواد، أخدها عند الدكتورة يسرا يا أختي ولما صممت وعملت الشويتين بتوعي عشان فخري ياخدها عنده، مسك فيّا وبهدلني.
فاطمة بغل: أنا معرفش إيه اللي رجعه، إحنا كان ترتيبنا كله إنه يكون في الشغل وأنتِ تاخديها لفخري وعلى ما يوصله الخبر ويحصلك عالمستشفى يكون الدكتور شال الرحم وخلصنا. توحيدة: ده اللي هيجنني، إيه اللي رجعه؟ دي حتى معاهاش تليفون عشان تتصل بيه يلحقها. فاطمة: طب وبعدين ده الشيخ كان مرتب حاله على الرحم بتاعها، مش هو قال لعباس، عايز دم رحم بكر لسه مفتوحة، كده كل حاجة باظت.
توحيدة: لا لسه الموضوع في إيدينا، هو قال قبل ما يهل عليها هلال الشهر العربي الجديد يعني قدامنا حوالي أسبوعين نقدر نعمل فيهم اللي عايزينه. فاطمة بخوف: أنا مش هقدر أحطلها حاجة تاني يا خالتي كده هروح في داهية. توحيدة: اطمني ربنا ستر والدكتورة الهبلة افتكرته حمل ونزل لما نام معاها، وعالعموم لو معرفتيش أنتِ، أنا هبقى أخلي محمد يعزمهم عندي في يوم وأحطلها أنا الدوا، ووقتها محدش هيلحقها.
فاطمة بفضول: أنتِ ليه يا خالتي بتكرهي دهب كده؟ دي بنتك اللي محلتكيش غيرها. توحيدة بغل: تغور هي وأبوها يا نن عين خالتك، أنا أبويا وأهلي وعيالي القرش، وبس. أوقف سيارته المعتمة أمام بوابة مبنى جهاز المخابرات الحربية، وبمجرد أن رآه مسؤول الأمن فتحها له على الفور وهو يؤدي له التحية العسكرية. صعد إلى الطابق الثالث ومشى في طرقاته وهو يدق الأرض بقدميه ولم يلقِ بالا لكل من يؤدي له التحية العسكرية ويقفون له احترامًا، ولما لا؟
وهو الرائد جواد التهامي، من أكفأ ضباط المخابرات الحربية، وأكثرهم شراسة وعنفًا، تجنبه الجميع وهو يسير بينهم في هيئة غاضبة، فبرغم وسامته التي ظهرت بوضوح مع ارتدائه تلك الحلة السوداء الفاخرة، مع طوله الفارع وجسده العريض، ناهيك عن عيونه السماوية التي أصبحت ملبدة بالغيوم فكان مظهره، حقًا، مرعب.
دون أن يلقي بالا أن ذاك الذي سيقتحم مكتبه الآن هو رئيس الجهاز، أمسك المقبض وأداره بهمجية ثم دلف للداخل وأغلق الباب وراءه بقوة ثم قال لذلك الذي انتفض خلف مكتبه: تعالى يا جواد! البلد محتاجاك، ماشي؟ ابني اللي مشفتهوش ومراتي يتقتلوا، ماشي؟ أتعمى وكنت هموت، ماشي؟ كمل عشان بلدك، ماشي؟ عيش أعمى بجد عشان تكشفهم، ماشي؟ صرخ بقهر وهو يضع يده على خافقه المتألم ثم أكمل: إنما قلبي لا، سامع؟ دي بالذات، لا يا باشا سامع؟
قولتلي متخافش، قولتلي هنحميها، قولتلي كل حاجة عارفينها، صح؟ تقدر تقولي إزاي مادة محرمة دوليًا وصلت ليد الـ***؟ فين حرس الحدود هاااااا؟ كنت هخسرها في لحظة، لولا إني حسيت بيها. أنا مش هكمل، تمام. تركه يخرج غضبه الذي له كل الحق فيه، ولكن عند تلك النقطة التي لن يسمح له بفعلتها. وقف منتصبًا كقائد أعلى في الجيش وصرخ به: "ثاااابت يا حضرة الظااابط! فرد جسده سريعًا ثم رفع يده بجانب رأسه وقال بغل: "تمام يا فندم."
هكذا أعاد له رشده ولو قليلًا. اتجه إليه ووقف قبالته ثم ربت فوق كتفه وقال:
"حقك تزعل، بس مش من حقك أبدًا تنسى إنك ظابط في الجيش وإن احترامك للقائد بتاعك ده واجب عليك. وبعدين يا حضرة الظابط إحنا كلنا عارفين إن روحنا على كفنا، في أي لحظة ممكن نموت فدى تراب البلد. كام مرة اتمنيت تستشهد وإنت بتحارب الإرهاب أيام ما كنت قائد كتيبة صاعقة. حتى لما اخترناك تبقى واحد من ظباط المخابرات لكفاءتك، كنت برضه بتختار المهمات الصعبة عشان بس تنول الشهادة. جاي دلوقت تقول لي مش مكمل؟
مش جواد التهامي أبدًا اللي يهرب من واجبه تجاه بلده، مهما كان الثمن." رد عليه بانهزام عاشق:
"أنا روحي فدى بلدي، بس هي لااااا. مش هكلمك على أساس القائد بتاعي، لا هكلمك على إنك كنت في يوم وما زلت أبويا التاني اللي كمل تربيتي ووصلني للي أنا فيه. قلب ابنك اتوجع قد إيه على إيدك وأنا شايف اللي بيجرالها ومش قادر أقرب. كام مرة جات لي حمى لما كنت بحس إن فيها حاجة، والدكاترة يقولوا سبب نفسي مفيش حاجة عضوية. ومحدش كان بيصدقني غير لما تجيلك الأخبار وتعرف إنها مكانتش بخير. إنت نفسك كنت بتستغرب، إزاي ممكن حد يحس بحد كده. أنا أموت فدى بلدي، بس هعيش إزاي من غيرها؟
طب هتحمل وجعها إزاااي؟ عارف لو كان الرحم اتشال، كانت هتدمر أكتر ما هي مدمرة. أنا مكنش هيفرق معايا أقسم بالله، بس هي مكنتش هتتحمل. وجعها بيحرق قلبي. ليه مش عايز تفهم؟ عارف، أنا اتصبت كتير، وجروح الطعنات اللي أخدتها مالية جسمي. حتى الحادثة ووجعها، كل ده ميجيش واحد على المليون من الوجع اللي بحسه لو دمعة نزلت منها. أنا بعشقها يا ريس، افهم ده."
كاد القائد أن يبكي بعدما سمع هذا الحديث الذي خرج من أعماق قلبه، المتألم على صغيرته، والتي عانت كثيرًا وهو عاش سنواته المنصرمة يتألم في صمت لوجعها، ويصبر حاله أن الأيام ستمر، وستكون معه وله، وحينها سيعوضها عما عانته. ربت على يده التي وضعها فوق خافقه مع آخر كلمة تفوه بها وقال: "وحياة ابني اللي اتمنيت يكون من صلبي لأحطهم تحت رجليك، تعمل فيهم اللي يشفي غليلك." جلس جواد بتعب فوق أقرب مقعد ثم قال:
"يسرا لسه هتحلل دمها بس أنا من خلال خبرتي مفيش غير مادة واحدة بس هي اللي تعمل كده. وصلتلها إزاااااي؟ أنا هتجنن كل ما نقول خلاص قربنا وهنخلص منهم يتسربوا من بين إيدينا زي الماية. عايشين وسطنا وبيعملوا كل البلاوي دي ومش قادرين نمسك عليهم حاجة." القائد ويدعى يامن:
"هنوصل، بأمر الله هنوصل. مش هيبقي أصعب من القضايا اللي كنا فاقدين الأمل فيها واتحلت. بس أنا عايز الرائد جواد التهامي اللي اسمه بيرعب أكبر المجرمين وأخطرهم. اركن العاشق على جنب عشان تقدر تحلها بسرعة وتعيش بأمان إنت وحبيبتك." جواد: "... اليوم، لن أسألكم ماذا سيحدث، بل... اليوم، ستبدأ قصتنا. فلنرَ إذا كنا نستطيع فك الألغاز، أم لا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!