الفصل 43 | من 47 فصل

رواية جواد ودهب الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
54
كلمة
2,669
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

الحياة تمر بنا، شئنا أم أبينا. سنعيش كل ما فيها. سنتألم، ثم نسقط، ثم نحاول أن نعود من جديد. ثم تعتصر قلوبنا ألمًا حتى نعجز عن التنفس. وفجأة، يأتي عَوض الله ورحمته يُنسينا كل وجع. يُربت على قلوبنا برحمته، يُبدل أحزاننا أفراحًا، يُشعرنا بحلاوة الجبر بعد الصبر. دائمًا وأبدًا، كن على يقين أن بعد الصبر جبر، وأن عوض الله آتٍ لا محالة.

الجميع يقف أمام غرفة العمليات القابع بداخلها جواد وفهد بقلوبٍ وَجِلة، قلوبٍ رغم الألم الذي يعتصرها إلا أنها لا تكف عن الدعاء لهما كي يعودا لهم سالمين.

فبعد أن أُصيب الاثنان ونطقا الشهادة معًا، قام مصطفى بمساعدة بعض رجال الفريق بنقلهما سريعًا إلى مستشفى القوات المسلحة. وتولى شريف قيادة باقي الفريق، وقام هو وتميم ومهند بعمل ملحمة دامية قضوا فيها على معظم هؤلاء الجبناء. حتى يسرا بعد أن نفذت طلب صديقها الصدوق وقامت بإسعاف ذلك الحقير حتى يظل حيًا، قامت بإطلاق الرصاص من الداخل على عدد من الرجال كي تساعد رفاقها. رغم دموعها، إلا أنها حاربت معهم ببسالة حتى قضوا عليهم.

تم القبض على من بقي منهم ونقلوهم إلى مقر جهاز المخابرات، ونقلوا المصابين إلى المستشفى تحت حراسة مشددة. أتموا عملهم بنجاح ثم لحقوا بمصطفى حتى يطمئنوا على من سيموتون ألمًا إذا حدث لهم شيء. كان الحاج عبيد يقف بدموعٍ متحجرة، يحاول التماسك كي لا يسقط. اقترب منه فارس وقال بصوت يملأه الحزن: "تعالى اقعد يا بابا، لسه بدري على ما يطلعوا." نظر له الأب بتيه وقال: "أخوك يا فارس... مش هقدر أتحمل لو جراله حاجة." فارس بدموع:

"إن شاء الله ربنا مش هيوجعنا عليه... ادعيله... أهم حاجة ماما... مش لازم تعرف على الأقل دلوقتي." عبيد: "لما شريف اتصل بيا، قلتلها إن جواد عايزني في موضوع مهم... فاكراني سيبت المستشفى ورحتله... بس قلبها حاسس... انتبه لشيء ما فقال سريعًا: "دهب... مرات أخوك فين؟ فارس: "محدش يعرف مكانها غيره... للأسف." عبيد: "أكيد في حد من زمايله عارف... الخبر هينتشر وأكيد هتعرف... مينفعش تبقى لوحدها."

نظر شريف لمصطفى الواقف بجمود ودماء جواد الذي حمله لينقذه تملأ يده وملابسه. ما كاد أن يستوعب تلك الحقائق الذي سمعها من عباس حتى جاءته الصدمة الكبرى. لا يعلم كيف استطاع حمل جواد وهو في حالة انهيار خوفًا عليه، لا يصدق أن يفقده فهو يعني له الكثير. تقدم منه شريف وقال له برفق: "تعالى اغسل إيدك يا مصطفى." نظر له بعدم فهم وكأن أذنه قد أصابها الصمم. أعاد شريف ما قاله فرد عليه: "دم جواد... أنا شيلته ودمه بيتصفى...

أنا مش قادر أتحرك... جواااد! ربت شريف على كتفه برفق وقال: "هيطلع... بأمر الله الاتنين هيطلعوا بالسلامة." انضم إليهم فارس وسأل: "شريف... فين مرات جواد أكيد تعرف مكانها؟ شريف: "للأسف لا... بس... كاد أن يُطلعه على من يعلم مخبأها فوجده يأتي إليهم. وقف القائد أمام عبيد وقال: "اطمن يا حاج... إن شاء الله." هيخرجوا سالمين. أكمل بثقة: أنا واثق في لطف ربنا وفي رجَّالتي، رجَّالتي وولادي أقوياء كتير اتصابوا وربنا نجاهم.

عبيد: إن شاء الله، ربنا يحميهم لشبابهم. تقدم منهم شريف، فارس، تميم، ومهند، فسأل الأول: يا فندم عايزين نعرف مرات جواد فين، أكيد الخبر هيوصلها ومينفعش تكون لوحدها. القائد: هي في أمان بس نصبر شوية نطمن عليهم لما يخرجوا من العمليات، وأنا بنفسي هاخد فارس ونروح نجيبها. زفر بحزن وأكمل: دي أمانة جواد ليا، قبل ما يتحرك مع الفريق، وصاني عليها كأنه كان حاسس باللي هيحصل.

بكى عبيد، نعم بكى، لم يتحمل أكثر من ذلك، فجواد يعني له الكثير، رجل يتمنى الكثير أن يكون له ابنًا مثله، كان صديقًا له، لا يخفي عنه شيئًا مهما كان، لن يتحمل أن يفقده، لن يتحمل أبدًا. بعد مرور عدة ساعات عصيبة للغاية، انفتح باب الغرفة التي كانت كل الأنظار متجهة إليها. خرج الأطباء وعلى وجوههم علامات الإرهاق من المجهود المضني الذي بذلوه، ثم تحرك خلفهم الممرضون وهم يجرون فراشين ممدد فوقهما كل من جواد وفهد.

أسرع الجميع نحوهم، ولكن عبيد كان الأسرع، فتحدث بلهفه: طمنوني بالله عليكم. أحد الأطباء وأكبرهم: الحمد لله، فهد إصابته ما كانتش خطيرة لأنها تحت الكتف بشوية. صمت للحظة يحاول أن ينتقي كلماته الآتية كي لا يثير الذعر بداخلهم أكثر،

تنفس بعمق ثم أكمل بعملية: إنما جواد، للأسف الطلقة اللي خرجت من القناص كانت مصوبة باحترافية، بس ستر ربنا إنه تقريبًا اتحرك سنتي واحد بس وقت ما الطلقة انضربت، هو ده اللي أنقذه وخلاها ما تخترقش القلب. مصطفى بصراخ: إحنا مش فاهمين حاجة! القائد: اصبر يا مصطفى. نظر للطبيب وقال: وضح الحالة يا دكتور، وبصراحة.

الطبيب: الرصاصة بعدت عن القلب بأقل من نص سنتي، وبص أصابت شريان حيوي، تسبب في نزيف حاد، عملنا نقل دم والعملية نجحت، بس للأسف دخل في غيبوبة بسبب نقص الدم اللي ما كانش واصل للمخ. تحول جميع الرجال إلى ثيران هائجة، لا يقبلون ما قيل لهم، والكل فقد أعصابه وبدأوا في سباب الأطباء واتهامهم بالتقصير. صرخ بهم القائد كي ينقذ الموقف: ثابت! ثابت مكانك أنت وهو!

وقف الضباط صامتين بغل احترامًا لقائدهم، لكن فارس ومصطفى وعبيد لن يهتموا بصراخه، ظل عبيد معلقًا على كلمة: ابني. فارس يقول بتيه: أخويا لا! أما مصطفى خر على عقبيه أرضًا يبكي مثل الطفل الذي فقد أبيه. القائد بثبات: يعني حالته حاليًا إيه يا دكتور، وضح أكثر. الطبيب: حاليًا نقلناه العناية المركزة، بكرة إن شاء الله هنجري ليه أشعة عشان نعرف حالة المخ ومدى تأثيره باللي حصل، إنما هيفوق إمتى من الغيبوبة الله أعلم.

القائد: وحالة فهد؟ الطبيب: ما كانتش إصابته خطيرة الحمد لله، اللي صوب تجاهه ما كانش محترف والطلقة ما أصابتش أي عضو حيوي فيه، هو حاليًا في غرفة عادية كلها ساعة ويفوق من البنج وتقدروا تطمنوا عليه. بعد أن امتص الجميع الصدمة واطمأنوا على فهد. وجه القائد حديثه لعبيد وقال: أنا محتاج فارس معايا يا حاج، نروح نجيب مرات جواد، هو أكيد محتاجلها دلوقت، بس طبعًا هي ما تعرفنيش عشان كده محتاج حد منكم معايا. عبيد: طبعًا.

نظر لابنه وقال: اتصل بمراتك وخدها معاكم يا ابني، ما تضمنش البنت يحصلها إيه لما تسمع الخبر، أنت عارف هي متعلقة بأخوك قد إيه وأكيد مش هتتحمل الخبر ده. انضمت منهم يسرا التي أصرت أن تكون إحدى مساعدات الطبيب أثناء إجراء الجراحة وقالت: أنا هاجي معاكم، هي عارفاني وهتطمن بوجودي. بكت وهي تقول: جواد مش محتاج حد قدها دلوقت، اللي بيدخل في غيبوبة بيحس باللي حواليه غالبًا، هي الوحيدة اللي هتقدر ترجعه لينا. هطلت دموعها

دون إرادة منها ثم أكملت: ولينا كلنا. بكت بقوة وهي تكمل: طول العمليات اسمها كان على لسانه، بينادي عليها، أنا ما شوفتش كده أبدًا. عبيد بحزن عميق: جواد بيعشقها من صغرها، من أول ما اتولدت وهو متعلق بيها، روحي يا بنتي معاهم، هاتيله دهب. بكى وهو يكمل بيقين: عشان هي اللي هترجعه لينا بأمر الله. اتصل فارس بهدى وأمرها أن ترتدي ثيابها سريعًا وتهبط له، وحينما سألته إلى

أي مكان سيأخذها صرخ بها: ااااخلصي، مش وقت تحقيق، البسي وانزلي أنا هكلم الحرس يفتحولك يلاااا. وصلوا أربعتهم مقر جهاز المخابرات، ولكنهم دلفوا إلى البناية الملاصقة له، وبالطبع لم يمنعهم الحرس الموكل بحمايتها، ليس لأن قائد الجهاز هو من حضر فقط، بل لأن هذا الجواد الذي لم يترك شيئًا للصدفة كان قد أعطاهم الأمر قبل أن يذهب، أن يسمحوا للقائد ومن سيرافقه بالدخول إليها إذا ما حدث له شيء.

حينما سمعت طرقًا فوق الباب تركت المصحف من يدها وتقدمت نحو الباب بخوف، جوادها يمتلك مفتاحًا لا يطرق الباب أبدًا. وقفت خلف الباب وسألت بصوت مرتعش: مين؟ تمالكت يسرا حالها وقالت: أنا يسرا يا دودو، افتحي يا حبيبتي. فتحت الباب وقلبها ينبض بشدة، وقد ازداد خفقانه حينما رأت الأربعة أمامها، وضعت يدها على خافقها وقالت بهمس مرعب: جواااد... تقدمت منها هدى ويسرا ثم قالت الأخيرة

بثبات حاولت إتقانه: أنا مش هقولك هو بخير، لا، هقولك جواد محتاجلك، جه الوقت اللي تمدي إيدك ليه وترجعيه ليكي. هطلت دموعها دون إرادة منها ثم أكملت: ولينا كلنا. وصلوا إلى المشفى في وقت قياسي وقد تلبستها حالة من الجمود إلى أن وصلت ووجدت هذا الكم الهائل من الرجال، هنا فاقت من حالة الصدمة التي تلبستها، انكمشت على حالها وقالت: أنا خايفة، أنا عايزة جواد.

تقدم منها والدها الذي حضر منذ قليل ومعه عبيد، وحينما أراد أن يحتضنها، عادت إلى الخلف بذعر وهي تقول بصراخ: لاااا، ما تلمسنيش، جواد قالي محدش يلمسني، أنا خايفة منكم، فين جواا... لم تكمل باقي اسمه بعد أن شعرت أن الأرض تدور حولها، ولكن قبل أن تسقط مغشيًا عليها، كانت هدى ويسرا تمسكانها بقوة. ها هي تجلس بجانبه بعد أن أسعفتها يسرا واطمأنت عليها، تمسك كف يده بقوة، تقبله كثيرًا، دموعها تهطل بغزارة وكأنها لم تبكِ يومًا.

كوبت وجهه برقة، قبلت ثغره بسطحية، ثم قالت من بين شهقاتها المريرة: جوادي، هتهون عليك دهب تسيبها لوحدها، دهب خايفة، أنا تايهة، مش أنت جواد جوه قلب دهب، قوم، اتكلم، اتحرك، عشان قلب دهبك يرجع يدق. أنا ماليش غيرك، أرجوك ارجعلي. أمسكت كف يده ثم وضعتها على بطنها وأكملت بشهقات عالية: ارجعلي أنا وابنك، أنا حااامل يا جوادي، حتة منك جوايا، مش هقدر أكمل من غيرك.

أنا عايشة بيك وعشانك، لما كنت بعيد عني زمان، كنت بصبر نفسي إنك أكيد هترجعلي وهشكيلك، وهقولك على كل اللي واجعني، وما خيبتش ظني فيك، رجعتلي واشتكتلك، حضنتني وطبطبت على قلبي، طيَّبت كل جروحي. بكت بقوة وأكملت: بس وجع بعدك ما فيش حاجة هتداويه، مش هسامحك لو سبتني. حاولت مسح دموعها وأكملت بطفولة ما زالت تتسم بها: والله مش هسامحك، عشان أصلًا أصلًا دهب خايفة، في ناس كتير بره، وأنا مش بعرف أتعامل مع حد، مش أنت عارف يا جوادي.

وضعت رأسها فوق حافة صدره حتى لا تمس جرحه وأكملت بقهر: ارجعلي بقى، اصحى، عشان خاطري. سمعت صوتًا عاليًا يصدر من جهاز قياس النبض، ارتعبت وارتعش جسدها ظنًا منها أنه حدث له شيء. كادت أن تصرخ وتستغيث إلا أنها وجدت الأطباء في لحظة أمامها، انكمشت على حالها برعب فتقدمت منها يسرا وقالت مطمئنة إياها: ما تخافيش يا حبيبتي، الدكاترة هيطمنوا عليه مش أكثر.

التف عدد من الأطباء حوله بعدما تلقوا إنذارًا من هذا الجهاز، قاموا بفحصه وبعدها ابتسم كبيرهم وهو يقول بارتياح: الحمد لله، اطمني، واضح إنك غالية عنده أوي، أنتِ كنتِ بتكلميه؟ هزت رأسها علامة الموافقة وهي متشبثة بيد يسرا.

أكمل الطبيب بفرحة: عشان كده استجاب، هو أكيد سامعك وحاسس بيكي بس لأنه مش قادر يرد عليكي، نبضات القلب زادت عن معدلها الطبيعي تأثرًا باللي قلتيه ودي إشارة كويسة، استمري، افضلي كلميه، عقله الباطن هيستوعب كلامك، وهيجبر عقله الواعي إنه يفوق عشان يرد عليكي. أتى الصباح عليهم وهم ما زالوا بالانتظار، وقد انتشر الخبر كالنار في الهشيم.

علمت روبا أثناء تواجدها في مقر عملها بما حدث، حلت الصدمة عليها ولكن قلبها حرضها على الإفاقة كي تسرع في الذهاب له. لم تهتم حتى أن تأخذ إذنًا بالمغادرة، فليحترق العالم، فهدها أصيب، كم الألم الذي تشعر به الآن، كان كفيلًا أن يعرفها مدى حبها له، والذي كانت وما زالت تنكره ولم تعترف به يومًا له برغم موافقتها على الزواج منه، إلا أنها لم تتفوه قط بتلك الكلمة التي تمنى سماعها منها.

وصلت سريعًا إلى المشفى وهرولت تجاه الغرفة التي استعلمت عنها، دفعت الباب بهمجية واتجهت نحوه مباشرة دون أن تلاحظ زملاءه وأبويه الجالسين حوله. ابتسم هو باتساع حينما رأى لهفتها ودموعها، وبمنتهى الوقاحة، فتح ذراعه السليمة كي يتلقاها ويحاوطها به، ضمته بخوف وهي تبكي وتقول: فهددد، أنت كويس بالله عليك قول إنك كويس، أنا هموت من خوفي عليك.

شهقت مثل الأطفال، حقًا تلك روبا بداخلها طفلة، تحتاج من يحتويها، انهار قناع المرأة الحديدية التي ترتديه، حينما شعرت بفقدان الرجل الوحيد الذي أحبها بصدق وأشعرها باحتوائه لها. ضمها بحنان وهو يقول بصوت واهن: يا حبيبتي اطمني، أنا زي القرد قدامك أهو. كان زملاؤه وأبواه يشاهدون ما يحدث باستمتاع، غمز له أبوه بخبث، أما أمه غير الراضية عنها قالت بهمس لزوجها: إيه قلة الحيا دي، بتترمي في حضنه كده عادي! أما هو

فنظر للجميع وقال بوقاحة: العرض خلص يا جدعان، إيه ما فيش دم، ما فيش واحد ناوي يتحرك على بره ولا إيه؟ هنا، فاقت من حالتها وعلمت. فداحة فعلتها! ابتعدت عنه سريعًا بوجه متخضّب بحُمرة الخجل، ولم تقوَ على النظر لأحد. ضحك أصدقاؤه عليه بشماتة، وقال أبوه وهو يسحب زوجته للخارج: "عيال رخمة صحيح... بوظتوا عليه اللحظة... يلا يا حبيبتي إحنا عندنا دم وهنطلع لوحدنا... عشان ابن الكلب ده هيبيع الكل دلوقت." ألقى لأبيه قُبلة

في الهواء وهو يقول بمزاح: "حبيبي يا بابي... خد الكلاب دول معاك والنبي يا حااااج." خرج الجميع بعد مشاكسته قليلًا، وبعد إغلاق الباب نطقت أخيرًا بخجل: "أنا... آسفة... والله ما خدتش بالي إن في حد معاك... بكت بحزن وهي تقول: "أنا أول ما شفت الخبر عالنت ما حسّتش بنفسي مشيت إزاي ولا حتى سوقت العربية لحد هنا إزاي... بكت وهي تكمل بصدق لأول مرة: "أنا ما اعرفش إني بحبك أوي كده يا فهد." نظر لها بصدمة، وبعد استيعابها قال بتِيه

ورجاء: "قلتي إيه... بالله يا روبا قلبي هيقف قلتي إيه." ابتسمت له من بين دموعها وقالت: "قلت إني بحبك يا فهد... أوي... كنت بكدّب نفسي وبقول أنا وافقت عالجواز عشان راجل كويس وهيقدر يحميني وكده... بس مجرد ما شفت الخبر حسّيت روحي بتطلع... كنت هموت لو جرالك حاجة." على غير المتوقع في تلك اللحظة وجدته يصرخ بها بغضبٍ جم: "يخربيت أمك يا رووووبا... جاية تقولي لي بحبك وأنا متجبّس كده...

يعني مش هاعرف أبوسك حتى بعد الكلام العسل ده." هو من جنى على حاله... هو من أعاد إليها تلك الروبا القوية حينما نظرت له بِشرٍّ ثم لكمته على كتفه السليم وقالت: "طب احترم نفسك بقى بدل ما أجَبِّس لك التاااني... بووووس إيه يا عينياااا... بتحلم... واضح إن البنج أثّر على مخك." "ثم تعالي هنا قولي... ما تهبّبتش على عينك ليييه ودخلت غيبوبة زي صاحبك وخلّتني أعيش الدور بقى وأقول لك ارجع لي تقوم محرك صوابعك وكده... هاااا...

هو أنا أقل من بتوع الروايات في إيه؟ أغمض عينه بقهر وقال مواسيًا حاله: "أنا مني لله... أنا اللي جبت ده كله لنفسي." فتح عيناه التي تلمع بالشر وقال بتهديد واضح جعلها ترتعش: "بس وحياااااة أمي يا روبا الكلب... لأكون قاصص لسانك اللي متبري منك ده... كلها يومين وأطلع وهربّيكي أنتي وأبوكي ابن الكلب اللي مدوّخني." ردت بغضب: "ما تغلطش في أبويا أحسن لك." فهد باستهزاء: "يعني غلط في البخاري... فهد هييجي معايا وهينفخو.....

صمت فجأة وظهرت ملامح الحزن جلية على وجهه وهو يكمل: "ربنا يرجعك لينا بالسلامة يا صاحبي... نظر لها وأكمل بقهر: "الطلقة اللي أخذها كانت المفروض تيجي فيا... فداني بروحه يا روبا... مش هاقدر أتحمل لو جراله حاجة... جواد ده مش مجرد القائد بتاعي... لا ده صاحبي وأخويا... واحد من الناس القليلة اللي تتمنى تقابليها في حياتك." ردت عليه برفق لتواسيه: "ربنا هيقومه بالسلامة ليك ولكل حبايبه... أكمل...

وبعدين ما تحمّلش نفسك الذنب ما أنت كمان فديته بروحك يا فهد... ده كل السوشيال ميديا ما وراهاش سيرة غير عن الاثنين الضباط اللي كل واحد فدّى الثاني بنفسه... ادعي له ربنا كريم." مر ثلاثة أيام على هذا الوضع... لم يحدث أي جديد... توحيدة أصيبت بشلل إثر إصابتها إصابة مباشرة في العمود الفقري... وقام الأطباء بمداواة جروح عباس وتم نقله إلى محبسه لتحسن حالته الصحية ولكنه... كان في حالة صدمة وعدم استيعاب لكل ما حدث له.

أما عن إيمان... تلك الأم المكلومة فقد انهارت بعدما علمت بما حدث لوليدها... ولكن يد زوجها وسندها في الحياة كانت ممتدة لها... تسندها وتشد عليها كي تتحمل تلك الفاجعة... شجعها على أن تدعو له بدلًا من البكاء... شد من أزرها وقلبه من الداخل يتمزق خوفًا على ولده الغالي. أما تلك العاشقة الصغيرة... فقد وضعوا لها فراشًا بجوار جوادها الراقد بسلام. لا تكل ولا تمل من التحدث له... وقلبها المتيم به وروحها المتعلقة بروحه...

يخبرانها أنه سيعود لها... فهو يسمعها بقلبه... الذي فهمت دقاته التي تعلو كلما قبلته أو ألقت عليه كلمات الحب... والتي لا تعلم حقًا من أين أتت بها. حتى أنها قد قامت بالغناء له ذلك المقطع الذي كانت دائمًا تسمعه حينما كان بعيدًا عنها. من أغنية نجاة الصغيرة "الطير المهاجر": "وبعتنا... وقولنا... ليه غبتوا عنا... يا نور عيونا... وحكايتك إيه... جلست جانبه تمسح على وجهه بحنان وهي تقول: "وحشتني يا جوادي... اصحى بقى...

أكملت بمزاح: "عارف كنت عاملة صينية مكرونة بالبشاميل تحفة... ومغرّقاها جبنة زي ما بتحبها... شهقت بخضة وقالت بغيظ: "هااااااا... أنا نسيت أحطها في الثلاجة... يا خسارة زمانها باظت... الله يسامحك يا جواد بجد بقى... دي كانت كلها جبنة... إيه ده بقى ده ياااا ربي؟ تصنمت بموضعها حينما سمعت صوته الواهن يقول بغلب: "يعني مش شايلة هم جوزك اللي متصاب... وقهرانه عالجبنة اللي مغرّقة المكرونة... آآآه يا غلبك يا جواااد...

ده أكيد ذنب أنا عملته وربنا بيخلصه مني." دهب: ...........

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...