لا يعرف ماذا يفعل في تلك الكارثة، فقد وقف في منتصف الغرفة يدور فيها بجنون وهو يحادث فهد قائلًا بصراخ: ازااااي ده حصل؟ أنت مش حاطط عليهم مراقبة غفلوك إزاي أنت والـ... عليهم؟ فهد بغضب مكتوم: يا فندم الرجالة عينيهم مغفلتش عن البيت، بس هما لما لقو عربية محملة أقفاص كتاكيت وطلعوا كام واحد البيت، الرجالة افتكرت إنها طلباهم عشان تربيهم يعني ما هي شغلتها. جواد: الرجااالة اااااافتكرت؟
هو في شغلنا في حاجة اسمها افتكرت ولا خمنت يا حضرة الظابط؟ بكره الصبح دور نفسك مكتب أنت وهو. المهم تابعت اللي حصلهم ولا افتكرت برضه؟ فهد بغيظ: تابعت يا فندم. صمت للحظة وأكمل بتوجس: التلت رجالة اللي طلعوا بالكتاكيت كتفوها هي وابنها وربطوا بوقهم، ضربوهم علقة موت وقلبوا الشقة، تقريبًا كانوا بيدوروا على حاجة ولما ملقوهاش هربوا. جواد: ومين اللي وداهم المستشفى؟ فهد:
واحدة من الجيران كانت طالعة بالصدفة ولما لقتهم مغمى عليهم وغرقانين في دمهم صوّتت ولمت أهل الحارة اللي بلغوا الشرطة. طبعًا ظابط القسم عمل معاينة ونقلوهم بالإسعاف بس لسه مبدأوش التحقيق. دلف إلى غرفة الثياب وهو ما زال يتحدث وسحب ثيابًا نظيفة وهو يقول: تطلع حالًا عالمستشفى، أمنع أي تحقيق لحد ما أوصلك. فهد باستغراب: حضرتك هتيجي بنفسك؟ طب والمراقبة اللي عليك؟ ضحك جواد بغل وقال:
طبعًا هاجي بنفسي ما أنا مش هقدر أعتمد عليكم بعد ما خلاص قربنا نوصل بغبائكم هتضيعوا كل اللي عملناه. أما بالنسبة للمراقبة... خسارة أرد عليك. وأغلق الخط في وجهه وخرج ليتجه إلى المرحاض، ولكنه توقف ببهوت حينما وجد صغيرته تجلس فوق الأريكة بعد أن ارتدت قميصه وتبكي بهدوء، فهو أسهب في الحديث دون أن يلتفت لها. تحرك تجاهها وجلس على عقبيه، أمسك كف يدها مقبلًا إياه بعشق ثم مد يده يمسح دموعها وقال: بتعيطي ليه يا حبيبي؟
نظرت له وقالت بصدمة: هو اللي أنا فهمته صح؟ اااا... أنت لسه شغال؟ قاطعها بحسم: ظابط، لسه ظابط، بس محدش يعرف. وتعمّدت إني أتكلم قدامك عشان أثبتلك إني بثق فيكي، عارف إنك مش هتكشفي سري، عشان كده اتكلمت براحتي. أنتِ وعدتيني إنك هتصبري عليا شوية وقت لحد ما أقدر أحكيلك كل حاجة، أنتِ لسه عند وعدك صح؟ نظرت له بتيه من بين دموعها وقالت: وهو في ظابط أعمى؟ ابتسم بخبث وقال: آه بتعامل بالسمع وبس. قالت بغيظ: جوااااد!
قبلها بعنف ثم قال: قلب جواد اللي كبرت وبتتلام على اللي مربيها. دهب بقوة: أو ممكن مستنية تثبتلي ثقتك فيا زي ما اتكلمت دلوقت عادي من غير ما تقفل في الكلام زي عادتك. ابتسم لها بعشق وقال: أنا مش بثق في حد غيرك يا دهبي. تاني هقولك أنتِ نور عيني اللي بشوف بيه وقبل ما أشوفك بعيني، شايفك بقلبي وحافر ملامحك جواه. دهب بحزن: ده مش رد على كلامي. قبل عيناه بوله وقال: شايفك بعيونك الحلوة. قبل وجنتيها وقال: شايف أجمل بنوتة.
قبل ثغرها برقة وقال: شايف وحاسس ومتمتع بأجمل ست في الكون. بكت بحزن وقالت: طب ليه كل ده؟ ليه ضحكت عليا؟ أنا مستاهلش منك كده، أبدااااا. قام من أمامها ليجلس جانبها ويجلسها فوق ساقيه، ضمها داخل صدره بحنان وأخذ يربت على ظهرها ويقبل رأسها كثيرًا. برغم عمله الهام الذي من المفترض أن يتحرك في الحال ليلحق بتلك الكارثة، إلا أنه لن يستطيع تركها بهذه الحال، فليحترق العالم، حبيبته أهم. أبعدها قليلًا وقال بمهادنة:
حبيبي بلاش بكي، عشان أقولك إني بشوف يبقى هحكيلك السبب، وده مينفعش في الوقت الحالي، مش عدم ثقة فيكي، لا وغلاوتك في قلبي، بس الموضوع كبير ويخص شغلي وأي غلطة صغيرة هيكون تمنها حياتي. نظر لها بقوة وأكمل: عندك استعداد إني أموت بـ... وضعت يدها فوق ثغره لتمنعه من إكمال هذا الحديث الذي ألم قلبها لمجرد تخيله وقالت: بااااس، أوعي تقولها، عشان خاطري. ألقت حالها فوق صدره وضمته بخوف وهي تقول:
أنا مقدرش أعيش من غيرك، كنت صابرة على بعدك عشان كنت مستنياك وواثقة إن مهما الوقت عدى أكيد هترجع لدهبك، مش هتسيبها تضيع، متضيعنيش يا جواد أنا مليش غيرك. احتواها بحنان عاشق وقال: عمري، أبداااا. حد يضيع روحه يا حبيبي. أبعدها وأكمل مازحًا حتى يخفف عنها قليلًا: المهم دلوقت مش هينفع واحد سريع كده قبل حبيبك ما يسافر. ابتسمت من بين دموعها وقالت بدلال فطري: تؤ، روح لشغلك يا حضرة الظابط، خليه ينفعك. ضحك بصخب ثم قال:
يولع الشغل يا قلب حبيبك، أنا أصلًا أصلًا هروح أنفخ اللي جابوهم عشان القطعة الزبالة دي، دانا مقهووور أقسم بالله. ضحكت معه بحلاوة وقالت: أصلًا أصلًا، عالعموم، أصلًا أصلًا ده عقاب ربنا ليك على اللي عملته فيا. يلا بقى قوم البس عشان متتأخرش على شغلك. غمزت له بشقاوة وأكملت بغنج لذيذ: يا ظبووووتي. صرخ بجنون: يالهووووي، هو أنا قادر على جواااد لما هقدر على ظبوطك؟ لامس مفاتنها بوقاحة وأكمل:
طب ما تظبطي ظبوطك قبل ما يلبي نداء الوطن. ضحكت من قلبها على أفعاله وما يتفوه به وهي تحاول الهرب منه. ابتسم بهدوء وقال: مش زعلانة مني صح؟ خليني أمشي وقلبي مرتاح. مالت لتقبل موضع خافقه ثم اعتدلت وقالت بحكمة:
قلبي مش بيزعل منك، بس عقلي محتاج يفهم. يمكن اللي خلاني أهدى شوية إنك فعلًا أثبتلي ثقتك فيا حتى لو بنسبة صغيرة، تكفيني عالأقل دلوقت. وزي ما وعدتك إني هصبر لحد ما يجي الوقت المناسب وتفهمني، هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أثبتلك إني قد الثقة دي، وعمري ما هخذلك، أبدًا.
بعد أن تأكد من عدم وجود أحدًا بالسرايا، هبط الدرج سريعًا وبهدوء. اتجه ناحية المطبخ ومنه إلى الحديقة الخلفية. التفت يمينًا ويسارًا وحينما تأكد أن المكان خالي، هرول تجاه الإسطبل ومشى خلفه في مكانًا ضيق بينه وبين سور السرايا. أزاح بعض الأخشاب والأشجار المقطعة وفتح بابًا صغيرًا سريًا لا يعرفه غيره وأخويه، كانوا يستخدمونه في الصغر للهروب ليلًا من عبيد ليقضوا سهراتهم بالخارج ويعودوا دون أن يشعر أحدًا بهم.
أعاد كل شيء في مكانه وحينما أصبح بالخارج تأكد من خلو المكان. صعد سيارة صغيرة تخص محروس في الظاهر، وإنما في الحقيقة هي تخصه هو ليهرب بها ممن يراقبونه. وصل بها إلى أطراف القرية ووقفها في مكانًا خالي اعتاد عليه وأبدلها بأخرى حديثة ثم انطلق بها سريعًا متجهًا إلى القاهرة وهو يجري العديد من المكالمات الهاتفية الهامة والتي يرتب من خلالها ما سيفعله حينما يصل، حتى يصبح كل شيء جاهز فور وصوله.
وقف فهد مع الضابط المسؤول عن التحقيق فيما حدث ويبدو أنه سمج للغاية، فقد كان يتأفف بنزق حينما أخبره الطبيب أن حالتهما لا تسمح بأي استجواب. الضابط: يعني إيه مش هينفع أستجوبهم هما في غيبوبة يعني؟ إيه القرف ده؟ عايز أروح أنا. الطبيب بغضب مكبوت: يا فندم حضرتك لو مش قادر تصبر اتفضل ولما حالة المرضى تسمح هبلغ العسكري. الضابط بتكبر: أنت اتجننت مش عارف بتكلم مين؟ بتمشيني من بيت أبوك؟ طب إيه رأيك إني هاخد أقوالهم، ودلوقت.
كاد أن يتحرك إلا أن فهد أمسكه من ذراعه بغل بعد أن حاول التحكم في أعصابه كثيرًا، ولكن فاض الكيل. نظر لفهد بغضب وقال: إيه اللي بتهببه ده يا زفت أنت؟ أوعي كده أنت مين؟ خرج الشرر الملتهب من أعين فهد وهو يقول بثبات يحسد عليه... ويضغط على ذراعه أكثر: "لو مش عايز النجمتين اللي فرحان بيهم دول يطيروا... اتحرك من هنا فورًا... سامع؟ نظر له بوجل، ولكنه استجمع شجاعته وقال بعصبية: "ومين بقى اللي هيطيرهملي يا شبح؟
مال فهد على أذنه وهمس له ببعض الكلمات، ثم ابتعد وهو يبتسم بشماتة حينما ازدرد الضابط ريقه وقال برعب: "أااا... يا فندم أنا... قاطعه فهد بحسم: "ولا كأنك عرفتني تمام لو خايف على مستقبلك... اتفضل شوف رايح فين والصبح تكون موجود هتلاقي المحضر جاهز." ترك ذراعه وربت فوق كتفه بقوة وقال بتحذير: "تمام ياااا... شبح." بمجرد أن وصل المشفى دلف إلى الجراج الخاص بالسيارات، وجد شريف في انتظاره. صعد بجانبه وقال:
"حمد الله عالسلامة يا باشا." جواد بهمجية: "مش راجع من الحج أنا أخلص. عملت اللي قلتلك عليه؟ جز شريف على أسنانه ليكتم غيظه وقال: "قبل وصولك بنص ساعة كل الكاميرات متعطلة سواء هنا أو حوالين المستشفى... مد يده بحقيبة وقال: "وده كل اللي طلبته حضرتك." أخذها منه وأخرج محتوياتها وهو يقول: "تمام اتفقت مع الدكتور... وفي كام واحد تبع الـ... شريف: "اتفقت معاه. هدخل أنا على أساس ممرض وحضرتك دكتور...
وفي اتنين تبعها قاعدين قدام الأوضة بيتابعوا كل حاجة بس مش بيدخلوا... ووقت ما كان فهد بيمنع الظابط إنه يدخل بعدها اتكلم بصوت عالي مع الدكتور عشان يفهمهم إنه واحد من وزارة الصحة وكان بيهدد الظابط بالوزير والإعلام وكده." بعد أن ارتدى زي الأطباء الخاص بالمشفى ووضع كمامة طبية تداري معظم وجهه... ارتدى أيضًا نظارة طبية سميكة وأمسك في يده ملفًا... تظاهر أنه يفحصه...
سار على جانبيه الطبيب المختص وشريف وهو متخفٍ في زي أحد الممرضين. دلف إلى الغرفة المحتجزة فيها سهير وابنها فقط بناءً على توجيهات فهد. بمجرد أن أغلقوا الباب خلفهم نظر لهم ببعض الشفقة. تقدم من فراش سهير والتي كانت إصابتها أخف كثيرًا من ولدها... والذي حماها من هؤلاء الجبناء حينما أحاطها وتمدد فوقها حتى لا يطالها أذاهم... فلم تتضرر إلا من بعض الكدمات البسيطة وجرح في جبهتها هو الذي أدى إلى فقدان وعيها.
أما هذا المسكين فقد كسرت ذراعه... وحدث له شرخ بسيط في الجمجمة وكدمة كبيرة في قفصه الصدري... ناهيك عن الكثير من الكدمات متفرقة في أنحاء جسده. لذلك كان ما يزال غائبًا عن الوعي بينما أمه تنظر له بقهر وتبكي على ما أصابه. جلس أمامها جواد وابتسم بهدوء تحت نظراتها المكسورة، وقبل أن تتساءل عن حالة ولدها... جحظت عيناها حينما نزع عنه الكمامة والنظارة... تعرفت عليه في الحال وقالت بخوف: "أااا... جواااد بيه... أااانت... أااا."
جواد: "اهدي... اهدي يا ست سهير أنا مش جاي أضرك." نظر لها بنظرات يبث لها الطمأنينة من خلالهم وأكمل: "أنا جاي أساعدك أنتي وابنك عشان تخلصوا من القرف اللي حواليكم... وتعيشوا بأمان." خافت أكثر وقالت: "أااا... دول شوية حرامية يا باشا." جواد بحسم: "عشان أنا مش بحب اللف والدوران هجبلك م الآخر... دول رجالة أختك توحيدة اللي محدش أصلاً يعرف إنكم أخوات... وعملوا فيكم كده عشان تعترفي على مكان الورق وتليفون فريد...
كده تمام ولا نسيت حاجة؟ حلت عليها صدمة أفقدتها النطق... فهي تخيلت أنه مثل أخيه بما أنه يعلم كل هذا... وبخبرته استشف ما تفكر فيه فقال بهدوء: "أنا مش تبعهم يا حاجة... وعرفت المكالمة اللي دارت بينكم لأني مراقب تليفوناتها... وأقولك إثبات كمان... أول مرة تكلمك من الرقم ده وأول مرة تفتح في الكلام كده من غير ما تتكلم بالألغاز صح؟ سهير بذهول: "أيوه صح عرفت منين؟ ابتسم بهدوء وقال: "لأني ببساطة مراقب كل خطوط تليفوناتها...
وفي الفترة الأخيرة ضغطت عليها من كل الاتجاهات عشان تتوتر فتفقد حذرها وتغلط... ضم قبضته بقوة وأكمل بغل: "وساعتها هتقع في إيدي ومحدش هيرحمها." "خلاصك أنتي وابنك من الكلاب دول في اتحادك معايا عشان نقضي عليهم... لو أنتي عارفاني أو سمعتي عني من المرحوم أو بنتك يبقى هتتأكدي إني ولا زيهم ولا معاهم... وإني إحنا في مركب واحدة كلنا مهددين منهم في أعز ما لينا... نحط إيدينا في إيد بعض ونقضي عليهم...
ولا يفضل كل واحد لوحده وهما اللي يخلصوا على اللي بنحبهم؟ أعقب قوله بالنظر إلى ابنها المسجى فوق الفراش لا يشعر بما يدور حوله. اقتنعت بحديثه بسهولة... فهي تعرفه جيدًا وتعلم أنه لا ينتمي لهؤلاء الجبناء... أخذت قرارها سريعًا وقالت: "وأنا معاك يا باشا... أااا... بس... بنتي." جواد بحسم: "حقك تقلقي عليها لأنك أم... بس يا ترى هي متعرفش اللي عملته توحيدة فيكم... بمعنى إنها بايعاكم من زمان يا حاجة وأنتوا أصلاً بره حساباتها...
هي كل اللي يهمها نفسها وبس... ولو عايزة تقطعي الشك باليقين اتصلي بيها من فون الدكتور وقوليلها على اللي حصل... شوفي رد فعلها إيه." أرادت أن تريح ضميرها لآخر لحظة حتى لا تندم لاحقًا... وتغلق باب "لو" إلى الأبد. طلب لها رقم ابنتها الحرباء وفتح مكبر الصوت ثم أعطاها إياه. جاءها الرد منها فقالت بوهن: "فاطمة أنا أمك." فاطمة بنزق: "خييير عايزاني أتوسطلك عند خالتي عشان تعتقك أنتي واللي عاملي فيها شيخ على آخر الزمن؟
سهير بذهول: "أنتي عارفة اللي عملته فينا وسكتي؟ ... حتى مفكرتيش تيجي تطمني علينا؟ بكت بقهر. فاطمة بلا مبالاة وجحود: "تستاهلوا أكتر من كده، ولو م طلعتيش الورق والتليفون اللي جوزك الحرامي سرقه بعد موت فريد أنا بنفسي اللي هخلص عليكم... آآآه يا روح ما بعدك روح... ياااااما." أغمضت عيناها ودموعها انهمرت بقهر بعد أن أغلقت الهاتف في وجهها ولم تعطها فرصة للحديث... مدت يدها لتعطيه الهاتف وهي تقول بانهزام:
"لله الأمر من قبل ومن بعد... هفضل أدعيلها بالهداية لآخر نفس فيا... بس برضه هقولك كل حاجة يا باشا." بكت أكثر وأكملت: "بدل ما أخسر الاتنين كفاية واحد وربنا يصبرني." جواد: "تمام عايزك تحكيلي كل حاجة جوزك قالهالك قبل ما يقتلوه وكمان مكان الورق والفون." سهير: "طلب مني أروحله زيارة عن طريق المحامي... ولما روحتله قالي... فلاش باااااااك _سهير بحزن: "خير يا أبو شيكا عايز مني إيه تاني؟ الزوج بندم:
"أنا ندمان يا سهير وبعتلك عشان تسامحيني... سهير بقهر: "أسامحك على إيه ولا إيه؟ ... على السكة الحرام اللي مشيت فيها وسحبت عيالي الاتنين معاك؟ ولا على خيانتك ليا مع أختي؟ ... رد أسااامحك على إيه؟ الزوج بكسرة وترجي: "على كل حاجة... أنتي طول عمرك قلبك طيب وقريبة من ربنا ادعيلي يسامحني أنا عارف إنهم هيخلصوا عليا عشان كده جبتك." نظرت له بقلق وقالت: "يعني إيه الكلام ده؟ نظر لها بحزن وقال:
"واحد من الرجالة مهانش عليه العيش والملح... قالي إنهم اتفقوا يخلصوا مني عشان معترفش عليهم ولا الحكومة تنخور ورايا ويعرفوا باقي التنظيم." سهير برعب: "طب ما تعترف بكل ده والحكومة تحميك! ضحك بهم وقال: "حكومة إيه اللي تحميني؟ مش بقولك أنتي طيبة... المهم عشان مفيش وقت... أنا كنت حاسس بالغدر من ناحيتهم من زمان... أول ما فريد مات وسافرنا نعزي فيه سرقت التليفون بتاعه اللي كان بيستخدمه في شغلتنا...
كان مغرور وفاكر إن محدش يقدرله على حاجة وشغله أخوه الظابط مقوي قلبه... أنا خبيته عشان يبقى ده أماني منهم... بس الظاهر اللي بيدخل عش الدبابير مبيطلعش منه غير بالموت." "هقولك على مكانه وخبيه بمعرفتك... أوعي تجيبي بيه سيرة لحد أبدًا... لو قدرتي تقنعي عيالك إنهم يبعدوا يبقى كسبتيهم... التليفون ده هو أمانك أنتي والعيال يا سهير أوعي حد يشم خبر بيه... وأنا واثق إنك مش هتستخدميه غير وقت اللزوم." باااااااااااااك
_"بس هو ده اللي حصل أول ما روحت طلعته من مكان ما قالي وخبيته بمعرفتي بعد ما فتحته وعرفت كل اللي فيه." جواد: "طب والورق اللي قولتي عليه؟ ابتسمت بهم وقالت: "مفيش ورق يا بيه أنا قولتلها كده عشان تخاف وتبعد عن عيالي... أنا لما فتحت التليفون عرفت تقريبًا اللي بيعملوه... قولت أخترع حكاية المستندات عشان يبقى معايا بدل الدليل اتنين فهمت؟ جواد: "أمّم فهمت... اسمعيني كويس... في رجالة تبعهم بره...
طبعًا هي اللي بعتاهم الله أعلم عشان يخلصوا عليكم ولا يهددوكم... وكمان عشان يعرفوا أنتي هتقولي إيه في المحضر." "أنتي هتقوليلي على مكان الفون وأنا هقدر أوصله بطريقتي... كمان ساعتين هتتنقلي أنتي وابنك لمكان تبعي... وهيكون معاكم ظابط ودكتور مقيم الأربعة وعشرين ساعة زيادة أمان... بمعنى أوضح أنتي وابنك هتختفوا لحد ما نخلص من ولاد الكلب دول... اطمني هجبلك حقك أنتي وهو... نظر للأمام وأكمل: "حقنا كلنا."
أشرقت الشمس بعد ليلة عصيبة قضاها أبطالنا، فقد ظلت دهب مستيقظة طيلة الليل قلقًا على روحها التي غادرت معه. برغم أنه كان يهاتفها كلما سنحت له الفرصة إلا أنها لن تطمئن إلا بعودته لها سالمًا. تفهمت موقفه دون أن يقص عليها أي تفاصيل عن حياته. هي تعشقه وتثق فيه... لم لا تصبر عليه؟ لم لا تقف جانبه حتى يتخطى ذلك الوقت العصيب الذي يمر به؟ لم تدع مجالًا للشيطان أن يتدخل بينهم ويشعل نار الخلاف؟
لم تتمسك بالعناد الذي يخرب معظم العلاقات؟ فلو صبر كل منا على الآخر... لو تفهمنا وقبلنا أعذار الطرف الآخر... لو تعاتبنا برقي ولم نخفِ شيئًا بداخلنا... لم تدمرت معظم العلاقات في زماننا هذا. الصبر... الثقة... العتاب اللين... هم قواعد أي علاقة ناجحة... تلك قناعتها... وذلك تفكيرها الراقي رغم صغر سنها... فبرغم أن ما فعله كان صعبًا... وإذا كان أحدٌ مكانها لكان وضع كرامته أمام عينه مع غضبه مما فعل...
ولكانت الدنيا انقلبت رأسًا على عقب وزاد الموقف تأزمًا. هو كان عنيفًا معها ولكنه راضاها... اعتذر منها... لم يستطع إكمال ما بدأه معها... في وسط انهيارها رأت لهيب الغيرة ينطلق من عينيه العاشقة... لذلك تحدثت معه بلين كي يعود له رشده... ولا يكسر روحها في لحظة غضب سيندم باقي عمره عليها. ركع أمامها... قبل يدها... طيب روحها... ربّت على قلبها... واعتذر كثيرًا ماذا ستطلب منه أكثر من ذلك؟
تلك كانت أفكارها والتي قطعها رنين هاتفها... سحبته سريعًا وقالت: "حبيبي طمني عليك." ابتسم بعشق وقال: "اطمني يا قلب." حبيبك، أنا تقريبًا خلصت شغل وراجع بأمر الله. دهب: يعني لما يصحوا ما أقولهمش إنك نايم زي ما اتفقنا؟ نظر إلى ساعة يده وقال: لا خلاص، الساعة ستة... يعني ساعة ونصف بإذن الله هأكون عندك... هأدخل عادي من باب السرايا، أكيد وقتها أمي اللي هتكون تحت بتحضر الفطار...
هأبقى أقولها إني كنت في الجنينة شوية بأطمن على الأدهم. دهب بطفولة: نفسي أركب معاك زي المرة اللي فاتت... كانت جميلة، بس المرة دي هتكون أجمل. جواد بخبث: اشمعنى؟ إيه اللي هيفرق يا حبيبي؟ ابتسمت بعشق خالص وقالت: المرة اللي فاتت كنت واحشني وكنت محتاجة لحضنك... بس ما قدرتش ولا أقول ولا أحضنك... بس المرة دي غير... بقيت جوزي... وأقدرت أقولك إني بأعشقك مش بأحبك بس... هأحضنك وهأحط راسي على صدرك قدام الدنيا بحالها...
هأطير معاك فوق حصان حتى لو من غير جناحات... مجرد وجودي جوه قلبك بيخليني طايرة في السما. تنهد بحنين وقال بنبرة تقطر عشقًا: كلامك بيداويني قلبي اللي بيتوجع لما أبعد عنك لحظة... وبيحسسني قد إيه أنا شيطان وربنا رزقني بملاك زيك... حبيبتي حقك على قلبي... أنا مش عارف كنت هأعمل كده إزاي... بس كلامك فوقني في الوقت المضبوط... ما كنتش هأسامح نفسي أبدًا لو كان حصل حاجة... مش زعلانة صح؟ ابتسمت بحب وقالت:
مش بأعرف أزعل منك أصلًا أصلًا... وبعدين أنت صالحتني كتير واعتذرت أكتر... وكمان أنا اللي بدأت بالغلط... عارفة طبعك صعب وعارفة إنك مش هتنزلني... بس كنت عايزة أتخانق معاك وخلاص عشان متغاظة منك... يلا حبيبي عدت على خير الحمد لله، ربنا ما يدخلش بينا شيطان. ابتسم بفرحة ثم قال بخبث وقح كعادته يستغل الفرص: لا لا لا، قلبي بيقول لي إنك لسه زعلانة... بصي، البسي السالوبيت اللي جبتها لك من فترة...
اللي لبستيها من كام يوم عشان تكتشفي إذا كنت شايفك ولا لا... بالله البسيها بقى عشان أصالحك بضمير. ضحكت بصخب وقالت: أنت لئيم أوووي على فكرة، بتستغل كل الفرص... يعني هو أنت اللي زعلان عشان ألبس وأصالحك... ولا أنا اللي زعلانة عشان تجيب لي هدية وتصالحني بيها؟ رد ببراءة لا تمت له بصلة: إحنا الاثنين واحد يا حبيبي، ما فيش فرق بينا ولا إيه؟ جذت على أسنانها وقالت بغيظ: ردك حاضر.
بعد مرور عدة ساعات، كان مهند متخفيًا في زي عامل صرف صحي، ومعه اثنان من رجاله. وقفوا معًا أمام مجموعة من الأطفال في الطريق التي تمر منه ماجدة لتوصل الخبز لتوحيدة مثل كل يوم. حينما رأوها تقترب، مال على أحد الأطفال وقال بخبث: البت دي بتبص لك بقرف على فكرة. الطفل بغضب: مين مااااااجدة؟ بت بياعة العيش، ده أنا أفرومها. مهند: ولا تقدر تعمل حاجة، البت شكلها جامدة وممكن تضربك ويبقى شكلك وحش قدام صحابك.
غضب الطفل من هذا الحديث وذهب سريعًا ليقف أمامها في منتصف الطريق ويقول: أنتِ يا بت، بتبصي لي بقرف؟ ماجدة بصراخ: بت أماااا تبتك يا بغل أنت! كاد أن يصفعها إلا أنها ألقت كيس الخبز من يدها بعيدًا وأمسكت في الطفل وبدأ الشجار.
انتهز أحد رجال مهند الفرصة والتقط الكيس وتخفى خلف أحد الأشجار. قام بتفتيشه جيدًا حتى وجد به ورقة مطوية. فتحها فوجد داخلها عشرة أسطر مليئة بالأرقام المتفرقة. أخرج هاتفه والتقط عدة صور لتلك الورقة ثم أعادها مكانها وأغلق الكيس. اتجه إلى الأطفال والذي بدأ مهند الفصل بينهم حينما أشار له بالانتهاء. أعطاه للفتاة وهو يقول: بترمي نعمة ربنا في الأرض، حرام عليكِ يا بنتي... خذي العيش أهو وشوفي رايحة فين، ما لكِ دعوة بحد. تفرق
التجمع فسأل مهند باهتمام: لقيت إيه، طمني؟ الرجل: لقيت جوه رغيف ورقة مسطرة مليانة أرقام... صورتها كذا مرة ورجعتها مكانها عشان ما تتشوكش في حاجة. مهند بإعجاب: براااافو عليك، اتصرفت صح جداااا... يلا بسرعة على المقر عشان نحلل الشفرة ونبلغ الباشا. صعدوا السيارة الخاصة بهيئة الصرف الصحي وتحركوا بها سريعًا خارج القرية.
بعد فترة وصلوا إلى مقر الاجتماعات. قام مهند بتوصيل الهاتف إلى شاشة عرض كبيرة. ظهر أمامهم تلك الصور الملتقطة. فهد بتفكير: دي شفرة، الله يخربيتك يا توحيدة... مش ناوية تريحنا بنت الكلب... عايزين يومين على ما نفكها. مهند بخوف: لاااا، أبوس إيدك، يومين إيه؟ أنا بلغت الباشا وبعتها له... قال لي الأرقام دي بدل الكلمات، كل رقم بيدل على حرف... والأرقام مكتوبة كل كام رقم قريب من بعض وبعدها مسافة وهكذا. فهد بجنون:
أنا بقى لي يومين ما نمتش يا نااااس... هانأخذ قد إيه على ما نعرف كل رقم بيدل على أنهي حرف وبعدها نجمع الكلمة بعدها الجملة... يا لهووووي، إلهي أشوفك محروقة يا بنت الكلب. ضحك مهند وقال: ما تولولش زي الولية المطلقة... إحنا أربعة، كل واحد يمسك سطرين يحللهم وبأمر الله يكونوا عاملينها بالطريقة السهلة، يعني الألف 1، الباء 2، التاء 3 وهكذا. فهد بقلة حيلة: اطلب لي جردل قهوة يا ابني عشان أفوق... يلا ربك كريم.
انكبوا أربعتهم على تلك الورقة ولسوء حظهم كانت مشفرة بالطريقة الصعبة والتي تعتمد على ترتيب الحروف بأرقام عشوائية. ظلوا هكذا إلى أن قاربت الساعة على الحادية عشر مساءً. وأخيرًا كان فهد يفك شفرة آخر كلمة. جمعوا الكلمات ودلت على كارثة ستقلب الدنيا رأسًا على عقب. اضطر فهد أن يتصل بجواد الذي كان يتابعهم على مدار الساعة ليطمئن إلى ما توصلوا له.
كان يجلس على إحدى الأرائك ويضم دهب بذراعه وهما يشاهدان بعض موديلات الثياب والتي لأول مرة يشاركها في تلك الأشياء. تصاعد رنين الهاتف فقام بالرد سريعًا وهو يقول بلهفة: إيه الأخبار، طمني؟ ابتلع فهد لعابه وقال بوجل: كارثة يا باشا... آسف بس بجد مصيبة. انقبض قلب جواد وقال بهدوء ينافي ثورته الداخلية: قول. فهد: ..........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!