داخل غرفة العناية المشددة كانت إبريل ترقد غائبة عن الوعي في سكون يتناقض مع ثوران الغضب المشع في مقلتي ريهام، المثبتة بهدوء ظاهري على تلك النائمة، وهي واقفة بجوار سريرها وذراعاها مطويتان.
بينما على الجانب الآخر من السرير يقف يوسف ووجهه متغضن من الأسى، وعيناه الحزينتان تجوبان ملامح إبريل البيضاء بشيء من الشحوب. نزولاً إلى أنبوب التنفس الرفيع الذي تم تثبيته داخل فتحتي أنفها، وصولاً إلى الإبرة التي تخترق كف يدها اليمنى ومتصلة بمحلول معلق أعلى السرير. دنى منها يقبل جبهتها بخفة، لتتجه نظرات ريهام نحوه، وتقوس فمها، وهي تخاطبه بهمس ناعم مليء بالسخرية: "تصدق أول مرة آخد بالي إنك بتحبها وبتخاف عليها أوي كده."
عدّل يوسف من وقفته، ونظر إليها وقد عقد حاجبيه باستغراب قبل أن يقول بصوت رجولي منخفض يملؤه الحزن: "وإيه الغريب في كده؟ مش أختي.. من ساعة ما عرفت إننا كدبنا عليها وهي ما بصتش في وشي." خفض نظره إلى وجه إبريل مردفاً بذات النبرة: "كنت خايف يحصلها حاجة وهي مش مسامحاني." هزت ريهام كتفاها، وهي تلوّي فمها متشدقة بتبرم: "ما تـأفــورش، خلاص ما إحنا اطمنا وكلها شوية وتفوق."
زفر يوسف بانزعاج، فهو يعلم جيداً أنها تشعر بالغيرة من اهتمام الجميع بتلك الفتاة المسكينة. ثم تمتم بضيق: "أنا بكلم معاكي ليه أصلاً! استدار يوسف متحركاً من مكانه، وهو على وشك الخروج من الغرفة، في نفس الوقت الذي فتح فيه الباب، ثم ظهرت من خلفه ممرضة شابة قائلة بنبرة هادئة: "من فضلكم يا ريت تخرجوا وتسيبوا المريضة تستريح، ولما تتنقل لغرفة عادية تقدروا تدخلولها."
هز يوسف رأسه بالإيجاب، وخرج من الغرفة، وتتبعه ريهام التي ألقت نظرة أخيرة على أبريل في غموض قبل أن تغادر. حمدلله على سلامتها. قالتها وسام بلطف بعد أن وقفت بجوار سلمى التي استدارت رأسها نحوها لترد بصوت أنثوي هادئ: "الله يسلمك، قلقناكم وتعبناكم معانا." ابتسمت وسام في وجهها بمودة، وتحدثت بذوق: "ما تقوليش كده.. إن شاء الله تقوم بخير وسلامة وتتطمنوا عليها." قالت سلمى ببسمة صغيرة: "ربنا يخليكي يا قلبي." عند باسم
أغلق خالد جواز سفر أبريل بعد أن فحصه بسرعة، ثم استفسر عنه بذهول: "وصلك إزاي ده؟ أجاب باسم يقول بنبرة ملتوية: "لما قابلتها قريب من البيت ووقعت قدام عربيتي.. وقع الباسبور من شنطتها، فاخدته من غير ما تحس." سأل مستنكراً فعلته بنبرة أجشة: "بس تاخده ليه؟ مش فاهم؟ هز باسم كتفيه ثم أجابه بتلقائية، في حين ارتعد بداخله شعور غريب عندما تكرر مشهد لقائهما الليلة في ذهنه مرة أخرى، مع تسلل بعض وخزات الندم على ما فعله بعد ذلك:
"شكلها كان غريب بتجري ومعاها شنطة كبيرة، ما استريحتش، فـ لاقيت نفسي باخده." صمت باسم لثوانٍ قبل أن يستكمل موضحاً له أكثر: "وتيمور قالي إن في وقت تدريبها العملي في شركة مقاولات عرضوا عليها تشتغل في فرعهم بدبي بعد التخرج.. هي اعتذرت عن العرض لأنها هتتجوز، وكانت هتتعين في الفرع اللي هنا." نظرة شك إلتمعت بعينين خالد الخضراوين الواسعتين قبل أن ينطق بسؤال مريب: "يعني كانت هربانة عشان تسافر؟ رفع باسم حاجبيه بترفع،
وهو يرد بصوت واثق: "بما إن ده معاها يبقي أكيد كان في نيتها تسافر على هناك بعد ما فسخت خطوبتها من مصطفى الترابلسي من غير ما تقوله، أصل." رفع خالد حاجبه الأيسر مع رد باسم، ليهتف بخشونة: "يعني كلامي كان مظبوط وزي ما قولتلك، البت دي وراها حوارات كتير وأنت بتعقدها زيادة." عند هالة "أنا أول ما لاقيت دراعه كله دم اترعبت.. وأول واحدة فكرت فيها هي انتي.. عشان كده جبته على هنا على طول."
كانت مرام تدردش مع هالة أثناء دخولهما غرفة الفحص قبل أن تتركها الأخيرة، لتذهب إلى الممرضة التي سألتها بنبرة جادة: "وضعه إيه؟ ردت الممرضة بصوت عملي: "جرح في الدراع اليمين وداخل فيه شظايا إزاز يا دكتورة، وفي خدوش في الرقبة وفوق الحاجب الشمال." "دول مش مهمين."
جاءت تلك الكلمات الواثقة بصوت رجولي عميق لفت انتباهها، فأدارت رأسها نحو الشخص الجالس على سرير الفحص، ذو الجسم الرياضي والأكتاف العريضة، لتمعن النظر إلى وجهه لأول مرة منذ دخولها. وإلتقت سماء عيناها الزرقاوان الداكنتان بالشهاب الذهبي في مقلتيه. أما هو كان ينظر إليها بريبة بعد أن فهم أنها طبيبة من سؤالها للممرضة، فتدحرجت عيناه بتعجب كبير على فستان السهرة الذي كانت لا تزال ترتديه.
عقدت هالة حاجبيها في عدم فهم، لكنها لم تعلق، ظناً منها أنه يهذي، فيما جاءت الإجابة على سؤال فريد الداخلي من مرام التي وضحت له بابتسامة: "دي دكتورة هالة صحبتي.. معلش أصل النهاردة كانت خطوبتها." ازدادت الدهشة في ذهنه دون تعليق على الأمر، في حين حدقتها هالة غير راضية عن ثرثرتها، ثم ما لبث أن نبست بذوق: "سلامتك." أماء بخفة، وهو يرد بتحفظ بارد: "الله يسلمك، متشكر."
تابعت مرام التعريف بينهم بعذوبة، مشيرة بكفها نحوه في امتنان وإعجاب إلتمع في حدقتاها: "ده أستاذ فريد اللي أنقذني، لولاه كان الله أعلم كان جرالي إيه؟ عند عز "عز! لم ينتبه عز لنداء وسام التي اقتربت من خلفه بخطوات هادئة، وهو يواصل النظر إلى هاتفه شارد الذهن أمام نافذة القاعة. تقوّس فم وسام باستغراب، ووقفت بجواره، تربت على ظهره بحنان، فالتفت إليها بنظرات ضائعة، لتبتسم بخفة وهي تسأل بصوت حاني: "إيه يا عز.. مش هتروح؟
زفر عز بثقل مجيباً إياها: "مستني ماما ترجع أوصلها وبعديها أروح." عارضت وسام حديثه تأمره بلطافة: "لا، أنا وعمك والبنات هنروح دلوقتي ومامتك هنوصلها طريقنا.. أنت روح لمراتك." ردد عز بآسى: "مراتي! ابتلعت وسام لعابها، وهي تنظر إليه بحزن، ثم بنبرة حذرة استفسرت: "هو أنت محاولتش تكلمها؟ أطال عز النظر أمامه بصمت قبل أن يغمغم بصوت أجش: "ما بتردش." نظرت إليه وسام بتعاطف، ولم تعجبها نبرة عز البائسة أو حالته المؤسفة، فقالت بجدية:
"اسمع، أنا لسه معرفش إيه الحكاية.. بس أنا مربياك على إيدي دول وعارفك كويس.. دايماً مندفع ومش بتفكر كويس في عصبيتك ولا بتحسب حساباتك صح.. بس انتو الاتنين بينكم حب كبير، ماتضيعوش من إيدكم يا عز." رمش عز عدة مرات متتالية، وعلق بنبرة قلقة: "كل مرة كنا بنتخانق هي ما كانتش بتسيب البيت.. بس المرة دي غير كل مرة، وخايف أروح مالقهاش."
ربتت وسام على كتفه بحنو، متفهمة تشتته، ثم نظرت إلى ساعة هاتفها، لتجد أنها قد اقتربت من الثانية صباحًا، لتقول بسلاسة: "إن شاء الله تلاقيها، الوقت متأخر دلوقتي.. وافترض مالقيتهاش روح على بيت أهلها وصالحها، بس ماتسيبوش الأمور بينكم تخرب كده." قرأت وسام التردد في ملامحه دون أن يضيف تعليقاً على كلماتها، فأردفت بنفس النبرة وهي تدفعه للتحرك: "أنت لسه واقف؟ ماتضيعش الوقت.. وأنا مش هقول لمامتك حاجة.. بلاش تعرف أحسن."
هز عز رأسه بالموافقة، قائلاً بنبرة صادقة ممتنة، فكانت كلماتها شعلة من نور ممزوجة بالأمل الذي أضاء الطريق لعقله، ليحاول استعادة ما دمرته عصبيته: "ماشي، ربنا ما يحرمنيش منك يا سوما." في الردهة داخل المستشفى كتفت دعاء ذراعيها، وهى تتساءل بتهكم: "ما بتردش على رسايلي ليه؟ تجنب صلاح النظر في عينيها، وأطلق تنهيدة طويلة من فمه قبل أن يرد عليها بتبرير: "أنتي شايفة إن اللي إحنا فيه دي حالة تسمح أرد؟
اشتعلت عيناها بالغضب الجامح من إجابته، وقاطعته بنبرة أنثوية حادة: "الحالة ماتسمحلكش تعبرني بس تفضل ماسك في إيد وسام وحاضنها طول الوقت، مش كده؟ عقد صلاح حاجبيه، وسألها مستغرباً من عصبيتها الزائدة: "دعاء، فيكي إيه؟ من إمتى بتدقيقي على الكلام ده؟ رفعت دعاء حاجبيها باستنكار تجلى في نبرة صوتها وهي تعلق على سؤاله بسؤال غاضب: "هو أنا عشان مابكلمش ولا ببينلك ضيقتي بقيت في نظرك ست باردة معنديش إحساس؟
صاح صلاح دون وعي من نفاد صبره، منزعجاً من حدة حديثها معه: "أنتي مزوداها أوي في العصبية.. وأنا مش رايقلك دلوقتي.. عندي كم مصايب فوق دماغي مش طبيعي.. من ناحية مشكلة هالة مع خطيبها ومن ناحية مشاكل باسم اللي جابها فوق دماغي والناس اللي هخسرهم بسبب طيشه." هتفت دعاء بنبرة ذات معنى يتخللها الحقد: "ليك حق، ما عيلتك وولادك رقم واحد عندك دايماً.. وإحنا دايماً آخر ناس بتفكر فيهم."
جحظت عيناه مستنكراً كلماتها المستهجنة المليئة بالاستهزاء في موقف كهذا، فهو لم يكن يعهدها بهذا الاضطراب العصبي، لذا خرجت الحروف بنبرة تحذيرية من فمه: "وطّي صوتك، أنتِ اتجننتي! أمام غرفة أبريل نظر فهمي إلى ريهام التي تجلس بجواره في صمت قبل أن يتحدث بهدوء: "ريهام، يلا ما فيش داعي تفضلي قاعدة كده، روحي لابنك." هزت ريهام رأسها نفياً، وهى تخبره بخفوت: "لا يا بابا أنا هفضل معاها.. وأنت وماما روحوا ارتاحوا."
تدخلت سلمى بالحديث موافقة ابنتها الرأي: "ريهام عندها حق يا فهمي.. أبريل نايمة جوه ولمتنا حواليها كده مش هتفيدها.. الصبح بدري نبقى نيجي وبالمرة نجبلها معانا غيار نضيف." هز فهمي رأسه دون تعليق، فيما نهضت ريهام لتتجه نحو شقيقها، وطرحت سؤالاً ذا معنى وهي واقفة بجانبه، تريد أن تجعله يغادر حتى تتاح لها الفرصة، لتتحدث مع باسم على انفراد قبل رحيله، بعد أن رأته من النافذة قبل قليل واقفاً في حديقة المستشفى مع صديقه:
"وأنت مش هتروح توصلهم؟ تبصّر يوسف فيها ملياً ببرود، ثم دحرج عينيه لينظر إلى أبريل من خلال نافذة غرفتها الزجاجية، وهو يجيبها بهمس أجش: "مش هتحرك من جنبها غير لما تفوق، ولا عايزاني أسيبها لوحدها والبني آدم ده هنا؟ لكزته ريهام في ذراعه مهسهسة بتوبيخ: "وبعدهالك ما تعقل، مش عايزين مشاكل، ومش معقولة تصرفاتك معاه، يعني هيكون عملها إيه؟ هز كتفيه معاً دليلاً على جهله بمعرفة إجابة سؤالها، ثم التفت إليها بقلب غير مرتاح،
ليقول بريبة: "معرفش، بس الموضوع فيه إن.. فجأة كده اللي كان بينه وبين الجواز مصانع الحديد في يوم وليلة يقرر يتجوز وهي بالذات.. ده كلام ما يدخلش مخ عيل صغير." عند وسام عاد وسام إلى لميس التي كانت تنتظرها أمام غرفة العناية المركزة، ويبدو الشرود إلى ملامحها، فرفعت وسام حاجبيها في حيرة من حالة الجميع غير الطبيعية هذا اليوم. جلست وسام بجانبها، ووضعت يدها على كف لميس الناعمة وسألتها بلطف: "مالك يا لميس؟ مساهمة كده ليه؟
"مفيش يا سوما، أنا تمام." تحدثت وسام بعدم اقتناع من نبرة صوتها المبحوحة، وعيناها تسير على ملامحها: "مش عارفة، حاسة فيكي حاجة.. وشك مصفر كده وباين عليكي الإرهاق.. لا تكوني تعبانة؟ سألتها بقلق حنون، فسارعت لميس بالنفس مبررة ذلك بشيء من الصدق: "لا خالص يا سوما.. صدقيني أنا كويسة.. بس مابحبش جو المستشفيات ده، ما بيريحنيش خالص." فضلت وسام عدم الضغط عليها، قائلة بإبتسامة عذبة: "ماشي يا قلبي.. اومال فين هالة؟
"معرفش، هكلمها." "خلاص كلميها وحصلوني على تحت.. أنا رايحة أشوف فين صلاح." عند باسم حدّق خالد بوجه عابس متحدثاً بحزم: "أظن كفاية لعب لحد كده." أغمض باسم عينيه للحظات، وهو يتنفس بحدة، ويطقطق رقبته، قبل أن يتمتم من بين أسنانه بسخط: "خالد، أنت صاحبي من سنين طويلة.. بس أنت عارف أكره، كره العمى اللي يدخل في حياتي الشخصية، وأقدر أتصرف وأحل أموري." أطلق خالد زفيراً يائساً، وأدار وجهه بعيداً مغمغماً بخفوت: "براحتك يا باسم."
عاود خالد النظر إليه خالد، وتابع بجدية، وهو يضع يده على صدره: "بس عشان أرضي ضميري وأبقى عملت اللي عليا للآخر.. بقولك اللي أنت ناوي عليه ده أكبر غلط وهيسبب مشاكل كتير ليك ولأبوك وللغلبانة دي.. اللي كنت عارف إنها مريضة ومع كده مرحمتش ضعفها." ضرب باسم بيد فوق الأخرى متعجباً من اتهامات صديقه له، وهو يعلق بصدمة: "محسسني إني سفاح وكأني كنت قاصد اللي حصلها!! جاء جواب خالد حازماً قاطعاً:
"ما فرقتش حاجة عن السفاحين.. تنكر إنك أنت كنت بتفش غليلك من ريهام فيها؟ زفر باسم زفيراً حاراً، وهو ينظر حوله، وبعد صمت قصير أخبره بصوت منخفض واثق، وكأنه يتحدث إلى نفسه: "ودلوقتي بقيت عارف إنها مالهاش دعوة باللي عملته ريهام.. بس كمان دي فرصة وجت لحد عندي وأبقى مغفل لو ما استغلتهاش لمصلحتي.. منها أسكت الإشاعات عني عشان أركز في شغلي ومنها أبعد ريهام عني." قست تعابير وجه خالد خلال تذكير الآخر بنبرة تحذيرية:
"بس أنت كده بتدوس على واحدة في سكتك مالهاش ذنب وأضعف من اللي ممكن تتعرضله بسببك أنت وأخته." لمعت عيناه بمكر بينما يخبره بثقة: "صدقني أنا متأكد إنها كمان مش سهلة.. بس هبقى واخد بالي أكتر في التعامل معاها بعد كده." ابتسم خالد مقهقهاً، وتحدث بشماتة: "ده إذا رضيت تبص في وشك بعد عملتك يا حلو." "أنا عارف هعمل إيه عشان ده يحصل، ماتشغلش بالك أنت." عبست ملامح خالد من لهجته الواثقة، مستفهماً بصوت أجش:
"والله بالسرعة دي حسبت حساب كل حاجة؟ نكس باسم رأسه، وفي داخله شعوران متضاربان بين الحماس لمغامرة جديدة، والتردد الذي يحذره من الخطر المتوجه إليه، ليزفر بحرارة، حاسماً أمره، الذي جاء من خلال إجابته له قائلاً بنبرة جادة يتخللها حماس: "زي ما أنا بقيت محتاجلها.. هي كمان محتاجاني، يعني المصلحة مشتركة.. وهنعتبر اللي جاي.. ماتش ودي هنلعبه فترة بالاتفاق.. وبعدها جيم أوفر وكل واحد يرجع لحياته."
نظر خالد إليه لوهلة بحاجب مرفوع، فهو يعرف صديقه كيف يعمل عقله بدهاء، حالما يتحمس لشيء، ولا يستطيع أحد إيقافه، لذا سأله بابتسامة ساخرة: "وما فكرتش إيه ممكن يحصل لو اللعبة قلبت جد؟ ضحك باسم بصوت عالٍ قبل أن يعلق على سؤاله بنبرة متغطرسة: "إيه خايف عليها لا تتعلق بيا وتحبني وتتوجع لما الجيم يخلص؟ حك خالد ذقنه، مستطرداً بذات النبرة، دون أن تتلاشى ابتسامته الساخرة من استهتار باسم بالأمر:
"أو يمكن تيجي تصيبها فتصيبك كل شيء ممكن." عند هالة كانت هالة تقف بجانب المكتب بعد أن ارتدت معطفها الطبي، وقبل أن ترتدي القفازات الطبية، جاءها صوت مرام تخبرها بإستعجال ممزوج بالنعومة حيث تريد لفت الانتباه الجالس بتعبير مبهم على وجهه: "هالة.. أنا رايحة الاستقبال، طلبني هناك." أومأت هالة بخفة دون النظر لها، وقالت بهدوء: "تمام."
أغلقت مرام الباب خلفها بإحباط من عدم التفاته لها، بينما تحركت هالة نحوه بخفة، وهي تحمل الإبرة بين أصابعها، فسألها بلهجة ثقيلة يشوبها الكثير من الشك، فهو يعاني من الوسواس القهري فيما يتعلق بنظافة الأدوات الطبية تحديداً: "الإبرة دي معقمة؟ رفعت هالة نظرها إليه بذهول واستنكار لسؤاله، لتجيبه ببساطة: "طبعاً!!
توقفت يد هالة في الهواء فور أن شعرت باهتزاز هاتفها في جيب معطفها قبل أن يرن صوته في المكان، فوضعت يدها فوقه تلقائياً، وهمست باعتذار: "عفوا.. ممكن تيجي تخيطي الجرح؟ وجهت هالة حديثها إلى الممرضة، بينما كان فريد ينظر إليها بحاجب مرفوع ونظرة حادة، غير راضٍ عن إهمالها في أداء عملها من وجهة نظره الصارمة في تلك الأمور، بينما هالة لم تنتبه لأنها ولت ظهرها له، وابتعدت عدة خطوات قبل أن ترد عليه برقة: "أيوه يا لميس." عند صلاح
تأفف صلاح داخليًا من هذا الهراء الذي تهذي به في هذا المكان تحديداً، لكنه حاول أن يتكلم بنبرة هادئة بعض الشيء: "كفاية جنان يا دعاء.. أنتِ عارفة إنك.." كانت دعاء مستمرة في هز جسدها بعصبية، وهى تلعب بأظافرها بتوتر، لتحاول قمع امتعاضها من عدم فهمه، لكنها لم تستطع الصمت طويلا، إذ نظرت إليه بعينين تشعان بحدة قبل أن توبخه بنبرة مقيتة: "كفاية.. أنت إيه؟
ما بتزهقش من.. أنا خلاص زهقت بجد من العيشة.. وزهقت من نفس الكلام اللي بتسكتني بيه كل مرة." أنهت دعاء جملتها بضيق شديد، وهي تدور بجسدها راغبة في الرحيل، لكن يده أمسكت بمعصمها، يمنعها من الذهاب وهو يسأل بتعجب: "رايحة فين؟ سحبت يدها منه بنفور، مدمدمة بعنف مكبوت: "سيب إيدي." أردفت بنبرة ساخرة، والإنزعاج يملأ تعبيرات وجهها:
"راجعة عند وسام، ولا عايزاه تلاحظ غيابنا إحنا الاتنين وتشُك فيك، وحياتك اللي تعبت عشان تبنيها تتهد فوق دماغنا كلنا؟ "في إيه؟ صوتكم عالي كده ليه؟ جاء صوت وسام المذهول التي كانت تتجول بين الممرات بحثاً عن زوجها، ولم يكن معها هاتفها لتتصل به، حتى رأت كلاً من صلاح ودعاء يقفان مقابل بعضهما البعض، وبدا من أصواتهما وأظهرت ملامحهما العابسة أنهما يتشاجران.
تدحرجت أعينهما عليها، وبحثا داخل أذهانهما المشتتة عن كلمات التبرير الواقفة على طرف ألسنتهما. أضافت وسام متسائلة في شك من صمتهم المفاجئ منذ قدومها، وهى تحدق في ملامحهم المبهوتة، لتعقد ذراعيها منتظرة الجواب: "إيه اللي هيتهد وفوق دماغ مين بالظبط؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!