في المستشفى داخل العناية المشددة أغمضت أبريل عينيها بضيق شديد، وهي تدير رأسها إلى الجانب الآخر، فرؤيته شيء لم تستطع تحمله في الوقت الحاضر. نظرت إلى الممرضة بتشوش وعدم تركيز، قبل أن تسأل بنبرة ضعيفة مشوبة بسعال خفيف: "إيه اللي حصلي؟ الممرضة بنبرة لطيفة: "جاتلك أزمة ربو شديدة والحمدلله جابوكي في الوقت المناسب، وحاليًا أنتي بخير بس... أشارت بطرف عينيها نحو النافذة الزجاجية للغرفة، وسألت بجفاء: "دول بيعملوا إيه هنا؟
التفتت الممرضة نصف استدارة للخلف، مقطبة حاجبيها، قبل أن تبتسم وهي تروي بثرثرة: "أيوه أهل حضرتك يا آنسة، كانوا مستنيين يطمنوا عليكي.. ربنا يخليهم ليكي.. الحقيقة كانوا عاملين قلق كبير قدام العناية من شوية من خوفهم عليكي." لم تبد أبريل أدنى اهتمام بما قالته، وهي تنظر إلى سقف الغرفة في صمت. ظنت الممرضة أنها متعبة، فتحدثت بهدوء: "هسيبك تستريحي شوية.. وأنا هخرج لهم أطمنهم عليكي.. لحد ما ننقلك أوضة عادية بعد شوية." عند صلاح
دعاء غلبها فضولها، فرفعت بصرها نحوه، لترى عينيه الحادتين تلتهمان تفاصيلها الساحرة، وصولاً إلى عينيها التي عاتبته بصمت. أجاب صلاح على سؤالها بكل صراحة، وهو يشرف عليها بجسده مقبلاً قمة رأسها: "شوقي اللي جابني ليكي." أنهى صلاح جملته بصوت ذكوري مثير، وهو يجلس بجانبها على السرير، مما جعل قلبها يخفق بقوة داخل ضلوعها بسبب تلهفها له. لكنها قاومت بعناد مشاعرها المتيمة به، لتتسلح بدرع السخرية الذي مزجته
بسؤالها المشوب بالغيرة: "وإيه الاختراع اللي اخترعته عليها المرة دي عشان تقدر تسيب حضنها وتجيني متسحب زي الحرامية؟! استمع لها صلاح بشرود ذهن، وعيناه تدحرجان بإفتتان على الفتحة الواسعة جدًا لقميص النوم الحريري، الذي كشف عن جزء كبير من مقدمة صدرها، قبل أن يحمحم بخشونة، محاولًا التركيز بعد أن نظر إليها مرة أخرى وهو يقول كلماته التبريرية: "دعاء.. حبيبتي ليه بتعامليني كده وإيه لازمة الكلام ده؟
وجد منها نظرات عدم رضا، لكنه قابلها بنظرات لينة قبل أن يقبل وجنتيها بلطف اعتذارًا، مواصلاً سلسلة اعتذاراته التي لا تنتهي، وكانت هذه طريقته في إرضائها بسبب إهماله الدائم لحقوقها عليه: "أنا عارف إنك زعلانة مني.. بس أنا مقدرتش أعدي الليلة وإحنا متخانقين، جيتلك مخصوص عشان أصالحك، خلاص سامحيني."
قرأت دعاء الاستعطاف على ملامحه، فلم تستطع إخفاء مشاعرها تجاهه، إذ تنفلت رغماً عنها أمامه، ويرق قلبها إليه سريعاً، فقالت بتنهيدة عميقة تدل على يأسها وضعفها أمام نفسها: "عايزني أقولك إيه ها؟ مشكلتي معاك هي هي، ما بتتغيرش. فات أكتر من تلاتين سنة دلوقتي وأنا مبعملش حاجة غير إني بسامحك وعايشة أحبك يا صلاح وعاجزة أبعد عنك." سحبها صلاح من ذراعها نحوه، وأحاط خصرها بذراعيه القويتين، وضمها بينهما، وقبل رأسها كاعتذار ثان، وهمس
بملكية بالقرب من أذنها: "ومش هسمحلك مهما يحصل بينا تبعدي عني." ضمها إليه بحنان أكثر، فتمسكت به بشدة كما لو أنها تخشى أن يتبخر من بين يديها، وأخذت تشبع روحها برائحة من أحبته وعشقته حد الجنون والمجون، بينما عيناها تقطران بالدموع لا إرادياً من شدة الألم الذي يمزق صدرها من فكرة خسارة وجوده في يوم. لذا كانت متفاعلة مع قبلاته الملحة وهمساته المعسولة بطريقة ملتهبة مليئة بالشغف واللهفة، وكأن حياتها تعتمد على هذا.
ولعل السبب في ذلك هو طبيعة علاقتهما التي يغلفها العشق الممنوع والسرية التامة، مما يجعلهما يندفعان تجاه بعضهما البعض رغماً عنهما في شوق عارم كلما اختليا ببعضهما. في ممر المستشفى خرجت الممرضة من إحدى الغرف، تحديداً التي كان الجميع يقف أمامها، وقالت بنبرة عملية: "تقدروا تدخلوا.. بس لو سمحتوا ماتجهدوش المريضة.. عن إذنكم." دخل كل من ريهام ويوسف على الفور، وعندما تحرك باسم للانضمام إليهم،
أوقفه خالد وخاطبه بخفوت: "أجلها شوية يا باسم." رفع باسم حاجبه إلى الأعلى بدهشة جالت على ملامحه، متحدثاً بأسلوبه الساخر، الذي يختبئ وراءه رغبة قلقة لا تزال كامنة في روحه المهشمة، حتى يطمئن أنها بخير: "هبص عليها بس مش هاكلها يعني." خالد بتحذير: "الأحسن ليك ماتدخلش.. ولا ماشوفتش أول ما فتحت عينيها بصتلك إزاي.. ولا نظراتها ليك من دقيقة.. شكلك مهبب معاها مصيبة.. ماتعقدش الموضوع أكتر من كده." لوح باسم بيده نافخاً
الهواء بسأم: "يوووه." "معلش اسمع مني، خليها مع أخواتها دلوقتي.. وتعالى نقعد في الكافيتريا لحد ما أعصابها تهدى." وضع باسم إحدى يديه على خصره، وهو يفرك ذقنه بيده الأخرى بطريقة عصبية، قبل أن يعترض بنبرة ساخطة غلفت صوته الرجولي الجذاب: "مش رايح كافيتريات.. خلاص هروح أعمل كام مشوار لحد ما سموها تهدى." حرك خالد رأسه بإشارة تشير دعمه بهذه الكلمات، قائلاً
بإرهاق: "يكون أحسن. وأنا خليني أروح أنام عشان خلاص بسقط مش شايف قدامي." أومأ باسم له بعينه، ثم تحرك يمشي معه محاولاً تجاهل نبض قلبه المضطرب، إذ يشعر بالخوف من رد فعلها ورفضها لمقابلته بعد ما فعله. ورغم نفاد صبره الدائم، إلا أنه أقنع نفسه أنه لن يخسر شيئاً بانتظارها حتى تصبح مستعدة للحديث معه بهدوء، والأهم أنه مطمئن على أن حالتها استقرت.
لكن كان داخله شعور بالغضب تجاهها، لأنها جعلته يعاني من آلام نفسية قديمة تجددت في هذه الليلة الرهيبة. وهكذا أخذ يبرر لنفسه معنى المشاعر المتضاربة بداخله. في غرفة أبريل داخل المستشفى "خليني أعدلهالك." نطق بها يوسف، وهو يعدل بسرعة الوسادة خلف ظهر أبريل حتى تتمكن من الجلوس بشكل مريح: "مرتاحة كده يا أبريل.. تحبيني أساعدك في حاجة، أعملك حاجة؟ هزت أبريل رأسها بالرفض قائلة بنبرة مقتضبة ومنخفضة
وهي تتجنب النظر إليه: "أنا كويسة.. شكرًا.. تقدروا تروحوا، مفيش داعي تقعدوا، أنا بقيت كويسة." اعترض يوسف، قائلاً لها بإصرار حنون، وهو يربت على كفها: "لا، هفضل معاكي ومش هتحرك لحد ما نخرج من هنا مع بعض يا حبيبتي." سحبت كفها البارد من تحت يده الدافئة دليلاً على رفضها لأي لمسة منه، مما جعله يشعر بالحزن والذنب أكثر. رفعت رأسها، ورمقته بنظرة حادة مرددة بإصرار: "وأنا قولت مفيش داعي."
ضيقت ريهام عينيها بعدم رضا على طريقة أبريل الجافة، وسألت بدهشة مختلطة بالقهر منها على ما حدث الليلة: "مالك يا أبريل.. حساكي قافشة علينا وشكلك واخدة موقف مننا.. على فكرة أنا ويوسف مالناش أي دخل في حاجة." أنهى يوسف النقاش قبل أن يحتدم حينما قال بصوت هادئ: "ريهام، خلاص روحي انتي.. أنا هستنى معاها." استمعت أبريل إلى كلامه الذي أساءت فهمه، مما أثار حالة من الغضب سيطرت عليها، وسخرت تسأل بصوت محتدم: "إيه!!
خايفين عليا وخايفين أهرب؟! رفعت ريهام حاجبيها باستنكار وردها، ولمع الذهول في عيون يوسف، وهو ينظر إلى ريهام محذراً إياها من الرد. ولأن دورها في حياة أختها سلبي، فهي لا تهتم مطلقاً بما يتعلق بأمورها، تمالكت أعصابها بصعوبة بسبب استفزاز أبريل لهم، لتقول بانزعاج مشوب بالبرود: "لأ، انتي باين أعصابك تعبانة قوي ومحتاجة وقت تهدّي وتستريحي.. عموماً، أنا هروح وهجيلك بكرة أطمن عليكي تكوني روقتي.. يلا سلام." "أبريل اا...
قطعت أبريل بقية عبارته، وهي تدير رأسها إلى الجانب الآخر قائلة في همس مرتجف: "يا ريت تسيبني أنام لأني فعلاً مرهقة قوي.. ولا حتى دي مش من حقي كمان؟ سارع يوسف بالقول: "مقصتش.." صمت يوسف فجأة عندما رأى التعب واضحاً على وجهها، فأردف مع تنهد: "طيب، على راحتك.. أنا جنبك هنا لو احتاجتي حاجة."
أغمضت أبريل عينيها بضعف بعد زوال القوة الواهية التي كانت تتسلح بها، لأنها خائفة ولا تشعر بأي أمان، مثل قطة مذعورة تاهت من أمها في شارع واسع، مما جعلها عرضة للإيذاء من كل الكائنات الحية الأخرى. جلس يوسف على الأريكة متعباً، وسرعان ما نام من شدة إرهاقه. بعد مرور عدة ساعات في المنصورة داخل منزل تحية
قطع رنين الهاتف تحية عن مواصلة قراءة القرآن بخشوع. أغلقت المصحف، وأنزلت النظارة الطبية من عينيها الفيروزيتين اللتين لم تخفت إشراقهما رغم مرور الزمن، لتستقر على صدرها وهي ترد بصوت هادئ. "السلام عليكم." "الحجة تحية معايا؟! "أيوه أنا.. انتي مين يا بنتي؟ "اسمي تقي بنت الست خديجة اللي بتشتغل عند أبو الآنسة أبريل." "أبريل.. مالها؟ هي كويسة؟ حصلها إيه؟ ومابتردش عليا ليه من إمبارح؟
"اهدّي يا حجة.. أنا كنت واخدة رقمك من عند أبريل، ماعرفتش أتصل بحضرتك غير دلوقتي عشان في حاجة مهمة لازم تعرفوها." "قوليلي بنتي جرالها حاجة؟! في منزل دعاء مرت الساعات التالية في أجواء حميمة جمعتهما كالعادة، يسرقوها خلسة من الزمن، حتى يروا عطش شوقهم الغامر ببعضهما، وهو يحتويها شغفاً وتلهفاً إليها، وهي غارقة بين أحضانه في الدفء.
انكسرت هالة العشق التي كانت تحيط بهم، بسبب رنين هاتف دعاء، لتنهض ببطء، ووضعت يدها على مقدمة صدرها، تمنع الملاءة الذي تغطيها من الانزلاق. فسألها صلاح بسرعة متعجباً: "مين هيكون بيتصل في الساعة دي؟ أجابته دعاء بلهث: "دا عز.. أكيد في حاجة؟! "ردي.. مستنية إيه؟! أومأت دعاء له قائلة قلقاً وتحذيراً: "ط.. طيب.. طيب.. ماتتكلمش." استلقت دعاء المكالمة، ووضعت الهاتف على أذنها، قائلة بصوت مرتعش، حاولت أن تجعل الأمر طبيعياً
قدر الإمكان: "آآ.. أيوه يا عز.. اهدا.. اهدا عشان أفهم؟! عقدت دعاء جبهتها غير مصدقة، وقالت شاهقة بفزع: "بتقول إيه!! انتحرت إزاي دي.. وحصل إمتى دا؟ سلط صلاح نظره إليها باهتمام، وانجذب للحديث، فيما أمالت دعاء بجسدها إلى الأمام قليلاً بسرعة، والتقطت قميص صلاح الذي كان أقرب ما وصلت إليه يدها وارتدته بإهمال، وهي تقول على عجل: "حاضر.. حاضر.. جيالك على طول.. مسافة السكة بس وهبقى عندك." رمى صلاح بسؤاله الحائر: "فيه إيه؟
ردت دعاء بتلعثم من فرط اضطرابها، دون أن تنظر إليه بعد أن قامت من السرير، ووقفت أمام خزانة الملابس، تبحث عما سترتديه دون تركيز: "مرات عز دخلوها العمليات.. بيقولوا انتحرت.. لازم نروحله بسرعة." استدارت دعاء، ورمت الملابس على السرير، ونظرت إليه ورفعت حاجبيها معبرة عن استهجانها من لامبالاته وسألته بشك: "انت جاي مش كده؟! أجاب صلاح بنظرة حذرة على سؤالها: "هاجي طبعاً بس.."
نظرة التردد في عينيه تعلمها جيداً، بينما لاحظت الارتباك الذي ظهر على وجهه، مما جعل الدموع تتجمع في مقلتيها. لن يتغير، طالما أن الأولوية ليست لهم ولن تكون أبداً. لكن هل كلمة "ليتني لم أحبك" مفيدة بعد كل هذه السنين؟ هذا هو خيارها وحدها، وها أنتِ يا دعاء تحصدين ما زرعتيه. قاطعته بصوت خافت مفعم بالانكسار والخيبة: "طالما فيها بس يبقى متكملش.. مش عايزة أسمعه." تلفظ صلاح بثبات زائف بعد أن نهض سريعاً، متقدماً منها محاولاً
الإمساك بذراعها: "دعاء.. اسمعيني.." دفعته بعيداً عنها، ورفعت وجهها إليه بنظرة ساخطة وهي تصرخ بانفعال: "أسمع إيه؟! بقولك ابنك واقع في مشكلة وانت زي عادتك متردد تقف جنبه وتساعده.. إيه.. انت مابتتعبش من الحسابات والتحليلات بتاعتك.. انت إيه.. مافيش عندك أي ذرة أبوة ناحيته أبداً؟! دعاء كانت تتحدث بصوت حاد أزعجه وأربكه كثيراً، حتى بين عبارة وأخرى، قامت بنخزه في صدره وكتفه، مما
أثار أعصابه وتحدث بنرفزة: "لزومه إيه كل الكلام ده دلوقتي.. أنا قولت إيه يخليكي تثوري بالشكل ده؟ أشارت دعاء بإصبعها إليه متهمة، وهي تخاطبه بصوت هادر بعد أن طفح الكيل بها: "ترددك وبرودك وإهمالك هما بس اللي بشوفهم منك يا صلاح وخلاص.. أنا تعبت من إني أفضل على هامش في حياتك أنا وابنك." تلفظ صلاح مبرراً: "دعاء ااا.."
بترت دعاء بقية جملته بصوت بارد كالثلج ومليء بالجفاء، فهو لم يكن يفعل شيئاً سوى استنزاف طاقتها التي لم تعد تحتمل ما يحدث، بينما ارتفع صدرها وهبط من قعقعة أنفاسها المضطربة: "ماتبررش.. كفاية.. معنديش وقت أضيعه في سماع كلام متكرر ومتعاد.. في الوقت اللي لازم أكون فيه جنب ابني." استدارت دعاء، تنوي الذهاب إلى المرحاض هرباً من وجودها معه، والدموع تسيل على خديها، لكنه قبض على ذراعها يعيدها أمامه، ممسكاً بذراعها الأخرى
قبل أن يخاطبها بحزم لاهث: "اسمعي.. أنا مراعي قلقك وخضتك دي، عشان كده.. مش هحاسبك على الكلام ده، ويا ريت ماسمعوش تاني منك يا دعاء.. يلا ندخل ناخد شاور سريع ونروح لابننا." في المنصورة بمنزل أحمد رن صوت رنين الهاتف في الغرفة، فدخل أحمد وهو يجفف يديه المبللة بالمنشفة، متوجهاً نحو مصدر الصوت ليستقبل المكالمة، بعد أن رأى اسم المتصل بنظرة متعجبة، قال ببحة خشنة: "أيوه يا ستي؟!
"لأ، أنا يدوب لسه صاحي، كنت هصلي الفجر وأمشي.. فيه إيه؟ حاسة إنك تعبانة ولا حاجة؟ اتخذت الصدمة درباً عميقاً بعقله مع تضييق نظرة عينيه المستفهمة، قبل أن تنبث شفتاه بكلمة واحدة: "أبريل؟! لم يلاحظ دخول نادية خلفه بعد أن انتهت من الوضوء، كان يعطيها ظهره، لكن أذنها تمكنت من التقاط اسمها على لسانه الذي كان مثل خنجر ذو نصل مسموم مغروس في قلبها، بينما استمع أحمد لتحية لثوانٍ معدودة قبل أن يخبرها بسرعة، والخوف
ينهش خلايا قلبه دون هوادة: "حاضر، هصلي ونازلك على طول." عند ياسر نظر ياسر إلى ساعة معصمه، وعندما رأى أنها قد تجاوزت السادسة صباحاً، قام من المقعد، وهو يشعر بالتعب من ملل الجلوس والانتظار، فهو أمضى عدة ساعات في انتظار انتهاء هالة من عملها حتى يتمكن من التحدث معها، وحتى الآن لم تخرج من غرفة العمليات. في تلك الأثناء أمام غرفة العمليات خرج كل من فريد وهالة بعد نجاح العملية، ونجاة المصاب من الموت بأعجوبة.
الآن تشعر أن أعصابها هادئة، وتنفسها منتظم بعد أن سيطرت حالة من التوتر على الأجواء بالداخل. "زين كويس يا دكتور، طمنا لو سمحت؟ أغمض فريد عينيه من الألم، وهو يفركهما بخفة بأصابعه قبل أن يجيب والدة المصاب بصوت رزين: "ادعيله يا حاجة، وضعه صعب.. الساعات الجاية هتحدد، وكله في إيد ربنا." كررت العجوز سؤالها بجزع: "بس هيبقي كويس، مش كده؟ هيعيش؟! ردت
هالة عليها بصوتها الهادئ: "إن شاء الله.. بس أكيد محتاج متابعة لأنه معرض يحصله مضاعفات بعد العملية، عشان كده هيكون تحت ملاحظتنا يا حاجة." "ربنا يطمنك يا بنتي.. طيب، أمتى نقدر نطمن عليه ونشوفه؟ فريد بنبرة حازمة: "مش قبل يومين لحد حالته ما تستقر." ترجته السيدة العجوز بإلحاح: "طيب، حتى نشوفه من بعيد بس يا بني." ردت هالة بدلاً
منه بصبر محذرة إياها بلطف: "الأفضل تسيبوه يرتاح وتبعدوه عن أي حاجة ممكن تتعبه.. ادعوا له يقوم منها بخير بس." وافقها الشاب الواقف بجانب والدته بصوت هادئ: "كلام الدكتورة مظبوط يا ماما.. عن إذنكم عشان النيابة عايزة تاخد أقوالنا." اقترب منهم رجل مسن ذو هيئة أنيقة، فسلم عليه فريد بتحية احترام: "إزي حضرتك يا دكتور جمال؟ ابتسم جمال قائلاً
بترحيب مازح: "أهلاً وسهلاً بيك يا دكتور.. أنت شكلك مستعجل جداً على الشغل معانا ولا إيه؟ فريد بابتسامة جذابة: "يشرفني طبعاً، بس الحكاية كلها كانت صدفة." "خير، خير.. جهودك أثبتت كفاءتك بسرعة جداً.. إنقاذك لحياة المريض رغم صعوبة الجراحة واستقرار الرصاصة عند القلب تستحق عليه التقدير." أدار فريد نظره إليها لوهلة وأضاف بهدوء: "متشكر جداً يا دكتور، بس الحقيقة الدكتورة هي اللي قدرت تسيطر على الوضع."
أخفضت هالة رأسها في خجل من إطرائه اللطيف على أدائها في العمل، قائلة بجدية: "شكراً، انت كمان كان ليك الفضل الأكبر في نجاح العملية يا دكتور." "طبعاً بلغني مجهودك انتي كمان يا دكتورة هالة.. مع إني استغربت أوي لما عرفت إنك هنا يوم خطوبتك.. يلا عموماً، ألف مبروك." ابتسمت هالة بمجاملة، وقالت بهمساً منخفض: "الله يبارك فيك يا دكتور.." أنهت كلامها عندما لاحظت ياسر يسير في نهاية الممر، فتحدثت بسرعة في حرج: "معلش، هستأذن منكم."
اقتربت منه هالة بخطوات سريعة، تنادي باسمه مما جعله ينتبه لها، فتوقف عن المشي واتجه نحوها، فسألت في دهشة: "ياسر.. أنت هنا من إمتى؟ تطلع ياسر بها طويلاً، ثم قال بنبرة غامضة: "بقالى شوية." بررت هالة بصوت رقيق: "معلش، أنا كنت فـ... ولم يمنحها الوقت الكافي لتكمل جملتها، إذ نظر إليها بسرعة على ساعة هاتفه: "لازم أرجع البيت أغير هدومي وأستريح شوية قبل معاد العيادة.. خلينا نتكلم لحد العربية." "طيب، يلا."
سارت معه إلى الخارج في هدوء تام، رغم أن طاقتها كانت على وشك النفاذ بعد تعرضها للإرهاق الجسدي من جهة، وعدم حصولها على الراحة الكافية لها، وكذلك التعب النفسي من جهة أخرى، بعد ليلة خطوبتها، التي كانت بشعة بالنسبة لها بكل المقاييس. في نفس المستشفى اقتربت دعاء مسرعة من عز الذي كان يجلس على أحد كراسي الانتظار، هتفت بخوف وقلق وهي تضع يدها على كتفه: "عز.. طمني يا حبيبي على مراتك.. إيه أخبارها؟
رفع عز رأسه إليها بعد أن لاحظ وصولها، فقام ببطء وأجابها بندم كطفل مذعور، واغرورقت عيناه بالدموع: "أنا السبب.. أنا اللي عملت فيها كده.. بس والله ما كنت أقصد." "مالوش فايدة الكلام ده.. سلمها على ربنا يا عز وادعيله وهتبقى كويسة.. فين الدكتور؟ نظر عز إلى صلاح الذي لاحظ وجوده للتو، ولكن من ارتباك تفكيره لم يعط الأمر أهمية، ابتلع غصة في حلقه قبل أن يرد عليه بالألم: "لسه محدش عايز يطمن."
جلس الثلاثة عدة دقائق في صمت يملأه التوتر قبل خروج الطبيب، فسارع عز إليه ليسأله بلهفة: "طمني يا دكتور.. مني كويسة.. عايشة.. عايشة مش كده؟ رد الطبيب بثبات: "الحمدلله، قدرنا ننقذ الموقف.. لو كنتوا اتأخرتوا عشر دقايق ما كناش عرفنا نعملها حاجة، خصوصاً مع النزيف الشديد اللي حصلها، بس قدرنا نوقفه وننقذ حياتها.. لكن للأسف هي وصلت هنا بعد ما فقدت الجنين و.." قاطعت دعاء استرسال كلام الطبيب بسؤال متعجب، وهي
توجه نظرها في صدمة نحو عز: "جنين إيه يا دكتور.. هي مني كانت حامل؟! رد عليها الطبيب بتأكيد، مما جعل عز يشعر بسحابة داكنة تتكون أمام عينيه، وتصلب في الأرض من قوة الصعقة التي استهدفت روحه نتيجة هذا النبأ المفجع: "أيوه يا فندم.. الجنين كان لسه عمره تلت أسابيع.. بس دي محاولة انتحار ولازم تعرضوها على أخصائي نفسي بأسرع وقت.. هي هتكون في أمس الحاجة له."
وبعد عدة ساعات، أشرقت شمس يوم جديد، ومعها المزيد من الأحداث الصاخبة للجميع. عند أبريل أغلقت المكالمة مع ريم الطبيبة النفسية، بعد أن أخبرتها أنها ستزورها قريباً لأنها تشعر بالحاجة إلى التحدث معها، ثم اتصلت برقم آخر كانت تحفظه، ووضعت الهاتف على أذنها وانتظرت الطرف الآخر ليجيبها. أتاها صوت أنثوي نائم لتجيب على سؤالها بحشرجة: "أنا أبريل.. معلش لو صحيت يا أميرة." أتاها صوت أميرة تقول بإندفاع: "أبريل.. انتي كويسة؟
انتي فين؟ وإيه الرقم ده.. أنا بكلمك من يومين وتليفونك مقفول." مسحت أبريل على صفحة وجهها، وردت بصوت مجهد: "تليفوني مش معايا.. دا تليفون يوسف.. وأنا في المستشفى." "مستشفى ليه؟ انتي إيه.. بيحصل معاكي بالظبط وإيه الكلام المنشور عليكي ده؟ اتسعت عيناها في دهشة مصدومة، وهي تشير إلى نفسها، وتسأل دون فهم: "عليا أنا!! كلام إيه اللي منشور؟ سردت لها أميرة
بمزيج من الحيرة والتعجب: "الأول قالوا إنك اتخطبتي للمخرج اللي هزقتيه في المطعم، وبعد كام ساعة اتنشر إنك سبتي مصطفى بعد ما خليتيه يطلق مراته عشان طماعة فيه، وبعديها روحتي ترتبطى بالمخرج." وضعت أبريل يدها على فمها، لتمنع شهقة قوية كادت أن تمزق حلقها، وهي تستمع إلى ما تقوله صديقتها بصدمة شديدة وشعرت أنها على حافة الانهيار. في بيت كبير رائع التصميم
بقامته الطويلة، ووقاره المميز دخل بهو المنزل، وسلم الخادمة حقيبة صغيرة بعد أن رحبت بعودته سالماً. أشار مصطفى لها بابتسامة قبل أن يواصل طريقه نحو غرفة الطعام، رأى عائلته مجتمعين حول المائدة يتناولون الإفطار في صمت، قاطعه حمحمة رجولية قائلاً بهدوء: "صباح الخير." ابتسمت والدته قائلة بترحيب: "حبيبي، حمدلله على السلامة، صباح الورد." انحنى مصطفى وقبل يدها بمحبة، ثم رفع نفسه ووضع قبلة أخرى على رأسها قائلاً مبتسماً
بشوق: "عاملة إيه يا ست الكل؟ وحشاني جداً." نهضت سمر، البالغة من العمر سبعة عشر عاماً، ممتلئة الجسم، وشعرها بني داكن قصير، من كرسيها، ثم استدارت حول الطاولة، لتقترب منه قائلة بحزن مصطنع: "هي بس اللي وحشتك يا بيه؟ اتسعت ابتسامة مصطفى، عندما احتضنته بحب أخوي، فقال بإسترضاء وهو يربت على شعرها: "أنا أقدر على الكلام ده.. وحشتيني جداً يا سمسمة." "حمدلله على سلامتك يا أبو الدراويش.. نورت القاهرة وضواحيها."
هذا ما قاله شقيقه معتز توأم سمر، الذي كان يتصفح إحدى وسائل التواصل الاجتماعي على هاتفه، واكتفى برفع يده ملوحاً له، ليرد عليه مصطفى بضحكة: "أنت لسه واخد بالك إنّي هنا؟ حثته والدته بحنان بعد أن جلس في مقعده: "يلا افطر يا حبيبي." مصطفى بلامبالاة: "ماليش نفس.. سمر عايز فنجان قهوة من إيدك يهدي صداع الطريق ده شوية." هتفت سمر بتأفف متذمر: "هو إنتو معندكوش غير سمر بتاعت القهوة يعني؟
أكملت سمر بمرح بعد أن رمقتها والدتها بنظرة تعلمها جيداً: "بس عشانك بس هعملها يا بيه، وأمري لله." مصطفى بسؤال: "أومال بابا فين؟ لسه نايم ولا إيه؟ "لأ، دا صاحي من بدري وراح يجري شوية حسب تعليمات الدكتور." فجأة غص معتز بالطعام، واهتز الهاتف في كفه، وسرعان ما قدمت له والدته كأساً من العصير أمامها قائلة بخوف أمومي: "اسم الله عليك يا حبيبي، خد اشرب." سارع معتز بتجرع العصير بعد أن وضع الهاتف فوق الطاولة. "إيه اللي حصلك؟
أجاب معتز على والدته بصوت مختنق ممزوج بالتوتر: "مم.. مفيش.. أنا تمام." نظرت إليه والدته باهتمام، وفسرت شحوبه المفاجئ أثر الغصة، قبل أن توبخه بنبرة ساخطة: "بطل تبص في الزفت ده وكل زي الناس.. ما بتسيبش الموبايل حتى وهو بياكل." أضافت والدته تشكو لمصطفى، الذي هز رأسه غير قادر على إيجاد حل للأمر، موضحاً ذلك بابتسامة جانبية: "السوشيال ميديا دي بقي زي الهوا والميه بالنسبة للكل خلاص." أضاف مصطفى بحيرة: "بالحق، ماكلمتيش سلمي؟
وعرفتي إيه حكاية أبريل وتليفونها مابيردش ليه؟ "لأ ا... قاطع معتز الحديث بنظرة متوترة، قائلاً بخوف حذر: "بيه.. في كلام مكتوب عنك وعنها مالي المواقع كلها." سألت والدته بدهشة: "كلام عن مين يا معتز؟ اعتدل مصطفى في جلسته، وقال بأمر بينما يمد يده نحوه: "هات دا وريني؟ نظر مصطفى إلى شاشة الهاتف بوجه واجم، وضاقت عيناه بشكل خطير، مما جعل الآخرين يبتلعون لعابهم، وهم ينتظرون رد فعله التالي. عند أبريل
انزلقت العبرات على خديها واحدة تلو الأخرى، فأغمضت عينيها بإحكام، وشعرت بضيق شديد يغمر رئتيها، فرفعت القناع فوق فمها ووضعت راحتيها على صدرها، ثم بدأت تستنشق الهواء بشكل متقطع، وقلبها ينبض مثل الطبول، وأحنت رأسها ووضعته بين كفيها، واستسلم عقلها لهواجسه، مما تسبب في تصاعد الذعر في خلاياها، لتتمتم معنفة نفسها بقسوة: "أنتي اللي عملتي في نفسك كده!! حطيتي نفسك في موقف زي الزفت.. كنتي منتظرة تكون إيه النتيجة؟
هل كان هناك سبيل آخر حتى تسلكه؟
فهي على وشك الزواج برجل تتمنى العديد من الفتيات أن تنال منه نظرة فقط، لكنه اختارها لتكون زوجته رغم فارق السن بينهما. وهذا جعلها سعيدة بحبه ورعايته لها، والاهتمام الذي يغدقها به، حتى اكتشفت قبل أيام قليلة من زفافها، سراً مهماً أضمره عنها عمداً، لينقلب موقفها منه تماماً. وفي الوقت الذي تمردت رافضة الزواج منه حتى لا تكرر ماضي والدتها، زوجة أبيها لم تهتم برفضها، بل حبستها لإجبارها على الموافقة رغماً عنها، لتزعم هي على
التملص من القيود والأقفال، وقررت الهروب وكتابة مصيرها بخط يدها. لكنهم كانوا وراءها بالمرصاد، فانزلقت في خدعة رسمتها الظروف، لكنها انغمست فيها بإرادتها، وأنها الآن عليها مواجهة العواقب. فلم يعد هناك مجال للفرار بعد أن أصبح معلناً للجميع.
انقطعت أفكارها ما أن سمعت طرقاً خافتاً على باب الغرفة، فرفعت رأسها، واتسعت عيناها بذهول، وفاضت بالدموع أكثر، وهي تلقي عليه نظرات فيروزية حادة في نفور واضح. لم يستغرب منه، بل أخذت رماديتيه تطوف كامل هيئتها الباكية دون تعبير مقروء على وجهه، وقبل أن يتمكن من الكلام، أنزلت أبريل القناع، وصاحت في وجهه بعدائية بينة للأعمى: "انت إيه اللي دخلت هنا؟!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!