الفصل 6 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل السادس 6 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
30
كلمة
5,079
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

بين الأحلام واليقظة، قصص عشق كثيرة، غرام موشوم على جدران الأعماق، خالد في العقل كخلود الأديان. منها حكاية كان فيها وجع عميق لم يُنسى ولم يلتئم الجرح على الرغم من مرور السنوات. ومنها حكاية قلوب كالأكؤوس إن أرادوا ملأوها حباً، لكنهم اختاروا أن يملأوها حقداً وطمعاً، وسيشرب كل منهم مما وضع. ومنهم حكاية كتبت بحروف عشق ذهبي، فحافظت بالوفاء والصدق على سطورها الجميلة بالقلب على مدار الزمان.

أما بعد، الحكاية الرئيسية لها قلوب تكتبها الآن بصمت. دعونا لا نفكر في النهاية، ونستمتع بتفاصيل حكايتهم التي بدأت للتو. عند خالد تراجعت لميس خطوة إلى الوراء، بعد أن تفاجئت بخالد خلفها، مما جعل الذعر يظهر على ملامحها. لذا تكلم على الفور: "آسف، ما قصدتش أخوفك." ضاق خالد مقلتي عينيه، ملاحظاً خدودها تلمع نتيجة بللها من الدموع التي سقطت من عينيها لا إرادياً، وهي غارقة في التفكير. فسألها بصوت رجولي يدل على الاهتمام

والتعجب في نفس الوقت: "هو انتي كنتي بتعيطي في حاجة ولا إيه؟ رفعت لميس عينيها، لتنظر إليه في ذهول من علمه رغم أن المكان كان شبه مظلم حولهما. ثم هزت رأسها بالنفي، وردت تكذب بلجلجة: "لأ، دا أنا حسيت بشوية دوخة وقولت أخرج أشم هوا.. على الأغلب نزل ضغطي من الإرهاق." وخزة عنيفة استهدفت قلبه، وغريزة خوفه عليها طغت على حواسه. فقال بصوت مليء بالحزم الممزوج بالحنان وهو يقترب منها خطوة: "طيب خلينا نروح نقيس ضغطك ونطمن أحسن."

عارضت لميس كلامه برعشة في جسدها حاولت السيطرة عليها، وهي تعض شفتها السفلى: "مش مستاهلة، أنا كويسة دلوقتي." عقص خالد أصابعه على بعض، وكبت رغبة دفعته إلى الإمساك بمعصمها، وسحبها إلى الداخل رغمًا عنها. فارتفع صوته بشكل لا يمكنه السيطرة عليه، وهو يقول بانفعال وقلق: "بلاش إهمال في الصحة.. انتي مش شايفة وشك مصفر إزاي ولا عايزة تقعي من طولك فجأة زي المسكينة اللي فوقت."

ذكّره لها بهذه الدخيلة على حياتهم، جعل قلبها يحترق بنار غريبة، أعمته عن رؤية القلق الحقيقي في حدقتي هذا الرجل العاشق لها. ووجدت نفسها تسأله بنبرة حادة: "انت ليه مكبر القصة؟ ومتعصب عليا ليه كدا؟ قست تعابير وجهه، ودون أن يفكر مرتين أجابها بصوت عميق نابع من أعماق روحه، جعل قلبها المسكين يخفق بجنون: "حقي أتعصب من خوفي على الناس اللي بحبهم." *** لميس

استسلمت الخيبة إلى قلبه المشتاق بعد أن قطع صوت وسام تكملة كلامه، بعد أن نادت على لميس من داخل السيارة، تحثها على الحضور. مما جعلها تلبي النداء بعد أن ظلت تحدق به مطولاً إلى خضراوتيه المذهلتين بنظراتهم العميقة، بأعين ضاقت من شدة ضوء مصابيح السيارة، وخفقاتها في تفاقم قبل أن تعي على نفسها، لتتحرك بسرعة. وهو يتبعها بعينيه اللامعتين حتى رحلت تمامًا، وبقي شاردًا في أثرها. *** في ذات الوقت داخل المستشفى عند هالة

تفاجئوا جميعًا، حالما دخل عدد من الممرضات والممرضين من باب طوارئ المستشفى، يركضون مع السرير المتحرك الذي يرقد عليه جسد رجل طويل وضخم البنية، غارقًا في دمائه. هرولت هالة خلفهم، لتسأل بسرعة: "إيه اللي حصله؟ أجابتها الممرضة على الفور بصوت لاهث: "واخد رصاصة يا دكتورة.. نزف كتير والنبض ضعيف." هتف فريد بصوت قوي، فيما يركض إليهم: "على العمليات حالا."

استرسل فريد مسرعًا، وهو يحث إحدى الممرضين على الركض أسرع بصوت آمر، مما جعل هالة تلتفت إليه بنظرات مليئة بالتعجب: "بسرعة شوية.. استعجل يلا.. استعجلوا." ازدادت دهشة هالة حالما كاد يدخل من باب العمليات، لكن إحدى الممرضات أوقفته وهي توشك على إغلاق الباب، وقالت بنبرة عملية: "عفوًا يا أستاذ.. ممنوع دخول غرفة العمليات." وضع فريد يده بسرعة على الباب قبل أن تغلقه، وسأل بجدية:

"هما في المستشفى دي بيمنعوا الدكاترة من دخول العمليات ولا إيه؟ سرعان ما هتفت هالة بنفس الجدية بعد أن كانت تتابع هذا الحديث من الداخل باستغراب: "بس انت مش دكتور." دفع فريد الباب بقوة، ليدخل رغماً عن الممرضة، هو يرد عليها بصوته الواثق: "الدكتور دكتور في أي مكان." نظرت إليه هالة في ذهول، وهو يقترب منها بخطوات واسعة، ليستأنف كلامه بثبات: "لو عايزة تنقذي حياة الراجل اللي جوا من الموت."

وقف فريد بجانبها، فأدارت رأسها إليه بترقب، ليشمل هيئتها الجميلة بعسليته الكهرمانية، وأضاف باستهزاء: "اتعقمي وحصليني." أدارت هالة جسدها، وتتبعته بسرعة دون أن تنطق بأي شيء، دون أن تعطي لنفسها فرصة للتفكير، فهذه حالة طارئة يجب أن تتعامل معها بحكمة وبأعصاب هادئة، حتى تسيطر على الوضع مهما كان كما تعلمت. *** عند باسم في كافيتريا المستشفى

يجلس باسم مرتاحًا قبالتها، وهي صامتة، تحدق به تارة، وتارة أخرى تحدق في فنجان قهوتها الذي لا يزال بخاره المنعش يتصاعد حولها، لكن في داخلها لا تشتهيه بسبب اضطرابها. "هنفضل نبص لبعض كتير!! قال باسم بتعجب بارد، مع رفع فنجان قهوته إلى شفته، وهو يرتشف منها فاستطيب مذاقه، وفي نفس الوقت كان منتبه لحالتها المتوترة بسبب نقرها المستمر على سطح الطاولة. فأضاف سؤالاً، لكي يفتح المجال لها: "كنتي عايزة تقولي إيه يا ريهام؟

وضعت ريهام يدها في حجرها، وتململت بتوتر في مقعدها، ثم سألته بهدوء بذلت قصارى جهدها، لتظهر عليه: "عايزة أفهم إيه خلاك تعمل اللي عملته؟ "وإنا عملت إيه؟ سألها باسم سؤالاً مماثلاً، وهو يقطب بين حاجبيه بتركيز، بعد أن وضع كوبه على الطاولة: "كلمي دغري بلاش أسلوب المراوغة بتاعك ده." اتسعت عيناها بصدمة، وهي تشير نحو قلبها الهادر بقوة، وسألت بصوت متعجب: "أنا اللي براوغ؟ تابعت ريهام تتساءل، وهي تبتسم بعصبية يشوبها السخرية:

"ماتستهونش بعقلي يا باسم.. منين كنت هتخطب البت الموديل اللي كنت ماشي معاها.. ودلوقتي فجأة بتتقدم لأختي.. إمتى عرفتوا بعض أصلاً؟ "ده السؤال اللي قولتي المقدمة دي كلها عشان توصلي له؟ رد باسم ساخراً، بابتسامة ظهرت على جانب فمه بخبث منتصر بعد أن جعلها تعترف بما أرادت قوله منذ لحظة جلوسهما. رفع باسم حاجبيه للأعلى، واستطرد قولاً بنفس السخرية: "كنت متأكد إن محروق دمك عشان في تفصيلة عني عدت من تحت إيديكي."

لمع الغيظ في عينيها بشدة، إذ فهمت محاولاته الخبيثة للنيل من ثقتها في التحدث، فأومأت برأسها وأكدت كلامها السابق بصوتها الأنثوي الناعم: "وأنا متأكدة من اللي بقوله.. لأ هي عمرها جابت سيرتك ولا أنت عمرك ما اتكلمت عنها.. ماتجيش تعمل المسلسل الهندي ده.. ومنتظر إني أصدقك بالبساطة دي يا باسم الكل لو دخل عليه." قاطع باسم فمه، وهو يستمع إلى حديثها، ثم قال لها بجدية رغم هدوء لهجته:

"اللي استهون بالتاني كان إنتي.. افتكرتي بغباء إنك تقدري تقتحمي حياتي بالساهل كده وفي أي وقت." أضاف باسم بتهكم فظ غلف نبرته مع تعابير وجهه: "مش معني إني كنت بتسلى شوية.. وسيبتك عايشة في جو العميلة السرية الخايبة بتاعك ده اللي بتخطط وتراقب وتتجسس على مكالماتي وعلاقاتي.. إنك تتخيلي بالسذاجة دي إن خلاص بقيتي عارفة عني اللي محدش يعرفه."

ازدادت عصبية ريهام، واشتعلت عيناها الزرقاوان بلهب حاد من ثقته المفرطة في نفسه، فضلاً عن أسلوبه الاستفزازي القادر على إصابة أعتى الرجال بالجنون. من هي لتصدم أمامه؟ خرجت الكلمات من فمها بشكل اندفاعي غير محسوب عندما سألته: "تقصد إيه يعني؟ كنتوا تعرفوا بعض من زمان وبتخدعونا كلنا بما فينا خطيبها.. عشان كده كنت رافض رجوعنا." *** عند عز

حبس أنفاسه بصدمة فور أن لاحظها شاحبة الملامح وحبيبات العرق الباردة على جبهتها، فاحتوى جسدها الساكن على صدره، وهو يضرب على وجهها بأصابعه، مع مسحه على جبهتها بيده الأخرى عدة مرات. وارتعش بدنه من القلق، وهو يحاول إيقاظها دون استجابة منها، ليهتف بصوت مترجّي، وهو على وشك الانهيار: "مني جرالك إيه بس يا حبيبتي.. ماتوقعيش قلبي بقى عشان خاطري ردي عليا!!

أخفض عز بصره، وهو يضيقهما في عدم استيعاب على قنينة عقار، لأحد الأدوية ملقاة تحت جسدها، وكانت هناك عدة حبوب بسيطة متناثرة حولها، لتحظ عيناه من الهلع، ودقات قلبه تجاوزت المعدل الطبيعي من شدة خوفه. نظر عز إلى وجهها بفم مفتوحًا، وهو يكذب هذا الهاجس الذي طرق في عقله، أنها لن تفعل هذا الشيء بنفسها. ولا شعورياً صرخ باسمها بصوت مذعور بينما يهزها بقوة: "مـنـي!!

انحنى عز فوقها بعد أن مددها على الأرضية، ليفحص نبضها، فوجد أنه ضعيف جدًا، بالكاد يسمع. وبسحابة كثيفة من الكلمات تغشي عينيه أخرج هاتفه من جيب بنطاله، ثم نقر على عدة أرقام بأصابع مرتعشة، وهو يحدق فيها بينما قلبه يرتجف من الرعب داخل قفصه الصدري، ليردد بخوف: "عملتي إيه في روحك يا مجنونة." هتف بصوت مهتز مليء بالرعب، بمجرد أن أجابه الطرف الآخر على الهاتف: "أيوه لو سمحت عايز عربية إسعاف بسرعة.. العنوان.. العنوان."

تابع عز يخبره بالعنوان، قائلاً بعجالة: "بسرعة بسرعة الله يخليك." رمى الهاتف من يده وهو يجذب شعره بتوتر شديد، ثم أحاطها بذراعه ليقربها منه. ابتلع غصة مريرة في حلقه، والدموع تنهمر على خديه، وهو يشعر بالعجز التام، ليتساءل بصوت خافت بجنون كأنه بداخل كابوس: "ليه؟ ليه تعملي كده في نفسك.. لــيــــه؟

صرخ بكل صوته في الكلمة الأخيرة بانهيار قبل أن تتدحرج نظراته على فستانها الذي كانت ترتديه في الحفلة، مستلقياً بجانبها، ممزقاً تماماً بالمقص. تشكلت الإجابة على سؤاله على الفور في ذهنه، وجسده كله ارتجف بعنف، كما لو أنه تعرض لصدمة كهربائية، وتردد في ذهنه بمرارة وندم ساحق، أنه هو الذي أوصلها إلى تلك الحالة، أو بالأحرى، الغيرة في الحب مثل الماء للورد، القليل ينعشه، لكن الكثير يقتله. *** عند باسم

تملكت منه حالة من الغضب، وهو يستمع إلى كلامها الأحمق الذي يسيء إلى أختها. إلا أنه رد عليها بصوت هادئ لا يخلو من حدة، مع الحفاظ على رباطة جأشه: "الزمي حدودك يا ريهام.. بس هقولك إيه يعني! حتى مش مستغرب إنك بتقولي كده على أختك." عبست ملامحها، وساد الصمت من الجانبين للحظات قبل أن يبادر باسم ليقطعه، مضيفاً بجدية وهو ينظر في عينيها:

"خلينا نتكلم على المكشوف يا ريهام.. اللي كانت بتخدع اللي حواليها هو انتي وأهلك.. هو مش برده كنتوا عايزين تجوزوها لواحد متجوز من غير ما تعرفوها عشان شوية المصالح اللي بينكم وبينه؟ جالت الصدمة على ملامحها بوضوح أمام عينيه الرماديتين، فابتلعت لعابها بصعوبة، وسألت بصوت خافت: "انت منين جبت الكلام ده؟ تطلع باسم بها للحظات معدودة قبل أن يهز كتفيه بلا مبالاة، وتمتم ببرود غامض: "مش مهم.. هتفرق في إيه؟

زمّت ريهام شفتيها بغضب، واحتد تنفسها، وتحدثت بنبرة حادة واضحة، رغم انخفاض صوتها: "باسم.. انت لو فاكرني هسكت على اللي بتعمله تبقى غلطان.. أنا لأ هخليك تلعب بأختي ولا هسمحلك تخليني مجرد نزوة في حياتك وإبريل هعرفها حقيقتك." استقر باسم بعينيه عليها مباشرة، ومال بجذعه إلى الأمام، وأسند مرفقيه على الطاولة، ثم شبك أصابعه ببعضها، ليتحدث بتأنٍ:

"دور الأخت الكبيرة اللي خايفة على أختها من الراجل الشر ده مش لايق عليكي يا ريهام.. وإنتي حتى ماحصلتيش نزوة في حياتي عشان لأ كان في حاجة بينا ولا هيكون في يوم.. ده أول هام." حدق باسم في محتوى الفنجان على الطاولة، ثم رفع عينيه إليها وأكمل حديثه بعد وهلة صمت:

"ولو عايزة تقولي لها حاجة.. ممكن تحكيلها مثلاً عن اللي كنتي بتعمليه معايا.. مثلاً مجيتك لحد بيتي وترمي نفسك عليا بكل سهولة.. وعشان يكون عندك إثبات لكلامك مستعد أجيبلك فيديو وإنتي داخلة للعمارة وإنتي طالعة لي وتوريهولها ساعتها هتصدقك بس."

أصابها الارتباك من علمها مقصده، وتوالت الضربات من مطرقته القاسية فوق رأسها، وهو يقترب أكثر من خلال الطاولة، مما جعلها تحبس أنفاسها تلقائياً داخل قفصها الصدري ترقباً، بينما يهسهس بصوت جاف ومخارج حروفه واضحة، تزلزل أركان قلبها جراءها رعباً وهولاً: "بس قولي هيكون شكلك إيه قدامها وقدام أهلك؟ وقتها هتطلعي خسرانة سمعتك وكرامتك ومش بعيد طليقك ياخد ابنك منك."

أشاحت ريهام وجهها المحمر عنه، بعد أن اختفت قوتها الواهية التي كانت تتشبث بها أمامه، قبل أن تنظر إليه مرة أخرى، لتسأله بمرارة تغطي على صوتها المصدوم، وتشعر بآلام تهاجم ثنايا صدرها: "معقولة بقيت بتكرهني أوي كده؟ لدرجة إنك عايز تردلي القلم بتاع زمان بالقسوة والجحود ده؟ نظر باسم إليها بوجه غير مقروء تعابير وجهه قبل أن يعتدل في مقعده، ليخبرها بصوت هادئ صادق: "بالعكس أنا مش بكرهك ولا في نيتي حاجة تضرك."

تجمعت الدموع في مقلتيها، وهي تعقد ذراعيها على صدرها، وتكمل بقية جملته بدلاً عنه: "بس كمان بطلت تحبني مش ده اللي هتقوله؟ نظر باسم إليها طويلاً، وكأنه يرتب كلماته التالية في ذهنه أولاً، قبل أن يأتيها رده بثبات: "اللي كنت حاسه نحيتك ما كانش هو الحب يا ريهام.. كانت مشاعر مش ناضجة.. والكلام في الماضي مش هيفيد.. وأنا اللي بقولك كفاية نضايق في بعض أكتر من كده.. إحنا مهما كان هيبقى في بينا نسب وهبقى جوز أختك."

قال كلماته الأخيرة مشدداً على كل حرف للتأكد من فهمها الكامل لحديثه، لكنها كانت تنظر إليه بملامح غامضة غير مقروءة، ولم يدرك أنه مزق كبرياء الأنثى داخلها، وكأنه يضعها في وسط النار، ويطلب منها أن تتنفس بعمق لدرجة الموت والاختناق، وهذا ما زادها غضباً وحقداً أكثر فأكثر. *** عند صلاح في السيارة أمام الفيلا لكن صلاح ركن سيارته جانباً أمام مدخل الفيلا، ولم يطفئ محركاتها، فأدارت وسام رأسها متسائلة:

"انت مش هتنزل معانا يا صلاح؟ أجاب صلاح بعد وهلةٍ من الصمت: "لأ يا حبيبتي.. أنا راجع على المستشفى." أفاقت لميس من شرودها، فتحدثت بسرعة من المقعد الخلفي، حيث لم تعد تحتمل الجلوس معه في مكان واحد أكثر، إذ تستشعر بغريزتها الأنثوية أنه يكذب ويخدع تلك المرأة الطيبة: "طب أنا هسبقكم.. يلا تصبحوا على خير." أومأت وسام لها بالموافقة، قائلة بهدوء: "وإنتي من أهله يا قلبي." "راجع هناك ليه؟

"هكلم مع ابنك وأشوف هحل المشكلة اللي وقعنا فيها دي إزاي؟ "ما أنا فهمتك الحكاية عاملة إزاي.. هي بلسانها قالت إنها فسخت خطوبتها من مصطفى قدام أهلها." سألها صلاح مستفسراً: "إنتي سمعتي من أهل مصطفى إنه سابها يعني؟ هزت رأسها بالسلب، متحدثة بتخمين عقلاني:

"لأ.. بس جايز متكتمين على الموضوع.. واعتقد مش كتير يعرفوا بموضوع خطوبتها منه إلا القريبين.. شوف هما أحرار.. بس بصراحة تصرف مصطفى ده أبداً معجبنيش.. إزاي يخطب واحدة ويخبي عليها إنه متجوز.. إيه العك ده؟ رد صلاح بصوت منفعل: "مش ده موضوعنا يا وسام.. اللي حصل ده ممكن يخسرنا علاقتنا بالناس.. كان لازم باسم قبل ما يتصرف من دماغه يدينا خبر إيه شغل المفاجآت بتاعه ده!! أومأت بالإيجاب، لتقول بصوت هادئ:

"في دي معاك حق.. بس من فضلك يا صلاح ما تدخلش البيزنس بتاعكم في الأمور الشخصية.. أنا حاسة إن باسم معجب بجد بالبنت دي.. انت ماشوفتش إزاي كان ملهوف عليها؟ اقتربت وسام منه أكثر، وبنبرة صوت لينة حاولت إقناعه، وهي تربت على كفه: "عشان خاطري يا صلاح." رد صلاح عليها بابتسامة، وهو يرفع يدها إلى مستوى فمه ويقبلها بلطف، ويوافقها بهدوء: "طيب يا عمري.. بس خليني أروح أشوفه وبعدين نفكر هنعمل إيه؟ "على راحتك حبيبي." *** عند أبريل

في غرفة العناية كانت أبريل مستلقية على السرير الأبيض مغمضة عينيها، ومن يراها من بعيد يظن أنها لا تشعر بأي شيء حولها. لكن الحقيقة هي أنها في عالمها الخاص كانت تصارع عقلها الذي لا يتوقف عن التفكير. إذ رأت أبريل نفسها في أرض واسعة، وهناك الكثير من الناس يحيطون بها كالدائرة، وكانت واقفة في المنتصف تستمع إلى أحاديثهم بنفس واحد بعقل مرتبك حائر. استطاعت أبريل تمييز صوت والدها الذي من المفترض أن يكون أقرب شخص إليها،

وهو يقول بصوت قوي: "هو لعب عيال ولا فاكرة نفسك مالكيش كبير.. يعني تسيبي تفسخي خطوبتك من غير موافقتي؟ أدارت أبريل رأسها، حالما سمعت صوت أنثى ناعم يردد: "أنا حنين.. أبقى مرات مصطفى الترابلسي.. خطيبك." سرعان ما تحدثت ريهام بصوت عالٍ، مما جعل إبريل تنظر إليها: "دي واحدة غيرانة منك وعايزة تبوظ فرحتك." ردت حنين بصوت منتحب: "مش عايزة بيتي يتخرب مش عايزة بناتي يتربوا بعد عن أبوهم ولا بعيد عني." جاءها صوت وسام تخبرها بتحذير:

"ما تصدقيهاش يا أبريل دي استغلت فرصة غيابه عشان تيجي وتقهرك." صاح فهمي بصوت غاضب يملأه النقمة: "اسمعي يا بنت إلهام فرحك بعد كام يوم.. ولا عايزة تصغري عريسك وتفضحين اكلنا قدام الناس." "اخرسوا.. كفاية." صرخت أبريل منهارة، تهز رأسها بالرفض وهي تركع على الأرض، تغطي أذنيها بكلتا يديها، لتحاول منع أصواتهما من التسلل إليها، فلا فائدة من الوقوف بشموخ إذا كانت الروح جاثية على ركبتيها.

بعد لحظات قصيرة، فوجئت بكفين فوق يديها، رفعت رأسها ببطء، وامتلأت عيناها بالدموع حالما رأت وجه جدها البشوش، وانحدرت العبرات على خديها شوقاً إليه قبل أن تهمس بصوتٍ مكسورٍ مذعورٍ باكٍ: "جدي.. ماتسيبنيش هنا.. أنا محتاجالك.. أنا اتأذيت منهم كلهم يا جدي.. خلاص مابقتش عايزة أفضل في الدنيا دي بعد كده.. أنا تعبت.. أنا خايفة ووحيدة يا جدي وسطهم.. خليك معايا عشان خاطري أو خدني معاك عشان خاطري." رد عليها بصوته الحنون

دون أن يخلو من الحزم: "اللي انتي بتعمليه هو الغلط.. الهروب جبن وأنا مربيتش جبانة.. واجهي يا أبريل وإلا هيفضلوا يطاردوكي زي الأشباح.. خدي حقك.. وماتسمحيش لحد يأذيكي." "قومي على حيلك." قالها الجد، وهو يساعدها على الوقوف مرة أخرى، قبل أن يرفع بكلتا يديه وجهها المملوء بالدموع، ليمسحهم بإبهامه بحنان، ثم ظهرت البسمة على وجهه الطيب، ليقول بحنو مفعم بالجدية ملأ خلاياها بالقوة:

"اقفي قدام أي حد بثبات يا أبريل.. ماتنزليش عينك في الأرض.. عشان محدش كسرها ولا حد يقدر إلا إذا انتي سمحتيله.. خليكي دايما صلبة طولك.. وخليهم هما مايقادروش يحطوا عينهم في عينك.. اخرسيهم.. وماترضيش بقليلك اللي يرضى بقليله بيعيش ويموت محدش فاكره.. ولا بيعملوا له قيمة والكل بيدوسه من غير رحمة." ساد حولهم الصمت تستوعب كلماته، ولم تكد ترد حتى تشوشت صورته أمام بصرها، واختفى تماماً كهواء. *** خلال ذلك الوقت

أبريل بجسد مسطح في صمت، قامت بتحريك جفنيها المغمضين قبل أن تفتحهما بصعوبة، وظهرت فيروزيتها المليئة بدموع من خلف ستار محفوف بالرموش، لترفرف بهم، وهي تشعر أن هناك ثقلاً كالجبال فوقها، وكأنها نامت دهرًا، وليس ساعات قليلة فقط.

ظلت نظراتها ساكنة لعدة لحظات، وهي تتذكر تفاصيل حلمها ورؤية جدها الحبيب، وتمنت لو كانت محظوظة بما يكفي للبقاء معه لفترة أطول قبل أن يغادر بسلام كما جاء، ففي الكثير من الأحيان، عندما يأتي الفراق، يتمنى القلب أن تتجمد اللحظة حتى لا يودع من يحب، فالفراق قطعة من الجحيم تجعل النفس تشعر بالغربة والضياع.

شعرت أبريل بألم حارق في يدها اليمنى، مما جعل عينيها تتجهان نحوها، رفعت كفها ببطء لترى الإبرة تخترق وريدها، وتتصل بمحلول معلق أعلى السرير، وقبل أن ترفع ذراعها اليسرى، ولمست بأطراف أصابعها أنبوب التنفس الرفيع الذي تم تركيبه داخل فتحتي أنفها، ليساعدها على إيصال الأكسجين بسلاسة إلى رئتيها، وبالإرهاق ضغطت بإصبعها على جرس الإنذار الصغير بجوار الفراش.

مرت لحظات قليلة حتى استجابت الممرضة للنداء، ودلفت إليها قبل أن تتقدم منها، وهي تبتسم لتقول بلطافة: "الحمدلله على سلامتك."

صدرت عن أبريل إيماءة صامتة، قبل أن تتجعد جبهتها بخطوط الغضب، حالما ظهر وميض مثل شريط سينمائي للمجموعة الأخيرة من أحداث الليلة الماضية، والذي مر فجأة في ذاكرتها بوتيرة سريعة، ما إن أدارت رأسها والتقت فيروزيتها برماديتيه، وكان قد أتى مؤخراً مع ريهام من الكافتيريا، ليروا يوسف واقفاً أمام زجاج غرفة العناية قبل أن يخبرهم أنها استعادت وعيها، وأنهم سينقلونها إلى غرفة عادية خلال فترة قصيرة، مما جعلهم يقفون، وينظرون إليها بمشاعر مختلفة غمرتهم.

لم تستطع أبريل حبس دموعها أكثر، فقد انزلقت واحدة تلو الأخرى مبللة الوسادة، وهي تتذكر ما فعله بها هذا الشخص الحقير الذي يقف بكل برود وثقة بعد أن كان سبباً في وصولها إلى هذا المكان، وهي لا تدري أن نظراتها الكارهة له، بمثابة طعنة في قلبه فعلت به الأفاعيل، وعيناها من بعيد تديران المعركة بكل قوتها، دون عدالة أو رحمة. أغمضت أبريل عينيها بضيق شديد، وهي تدير رأسها إلى الجانب الآخر، فرؤيته شيء لم تستطع تحمله في الوقت الحاضر.

*** بعد مرور فترة وجيزة توقفت سيارة باهظة الثمن أمام الفناء الخارجي للمنزل، ثم ترجل منها فسقط ظله الطويل على الأرض، وسار عدة خطوات متوازنة حتى وصل إلى الدرج المؤدي إلى باب الفيلا، لكن بدلاً من الصعود، انحرف إلى اليمين، وأحنى ظهره، ليجلس على عقبيه أمام حوض الزرع. مد أصابعه، وفتش فيه بخفة حتى أخرج المفتاح، ونظفه بمنديل، ثم مسح كفه به من آثار الطين، وبدأ يصعد الدرج بخفة.

دخل المنزل بعد دقيقة، تقدم إلى الأمام، وهو يبحث عنها بعينيه، فلم يجد أحداً، فواصل سيره بخطوات تشير إلى أنه يعرف كل شبر وركن من هذا المكان. صعد إلى الطابق العلوي، وفتح باب غرفة النوم، فجاءت عيناه عليها، وهي مستلقية على السرير تشاهد التلفاز، قبل أن تدير رأسها في اتجاهه فور دخوله بنظرة مذهولة، سرعان ما أخفتها وهي تنظر إلى الأمام، وتسأل ببرود: "إيه اللي جابك يا صلاح؟

اقترب صلاح من دعاء، يستشعر غضبها الرقيق، ثم توقف أمام السرير، يتأملها بعينين شاردتين، يغطي جسدها شبه العاري ملاءة خفيفة. دعاء غلبها فضولها، فرفعت بصرها نحوه، لترى عينيه الحادتين تلتهمان تفاصيلها الساحرة، وصولاً إلى عينيها التي عاتبته بصمت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...