مرت سنوات عديدة قارنتها بحماقة بالنساء اللواتي عرفتهن، النساء اللواتي خذلنك، والنساء أولئك الذين خذلتهم. لقد فات الأوان لإدراك كم كانت مختلفة، وكم كان حضورها يغنيك عن جميع النساء الأخريات. مرت سنوات وأنت تفكر مراراً وتكراراً كيف فقدتها ولماذا رحلت، وتبحث عن مبررات لهجرانها لك، ثم تتهمها بالجبن والخيانة رافضاً الاعتراف بأن السبب الحقيقي هو أنت وأنك كنت ضعيفاً، أضعف من أن تحتوي امرأة بجنونها وحنانها. تقف الآن مندهشاً أمام امرأة ذات ملامح صلبة. بالماضي كنت ترى ملامحها في وجهك، وضحكتها على شفتيك، وعيونها تتألق في عينيك. كيف يمكنك الآن هزيمة حصونها المنيعة؟
*** في المنصورة عند أحمد في منزل زينب "يعني إيه راحت لأمها من غير ما تعرفني؟ إزاي تخرج برا بيتها منها لنفسها كدا تستأذني؟ زمجر بغضب وبلهجة حادة، وهو يتحرك بين الأثاث في غرفة المعيشة يكاد أن ينفجر أمام والدته التي كانت تراقبه بتوتر. ثم صدح صوتها: "استهدي بالله يا أحمد يا بني، هي برده معذورة." رفع أحمد حاجبيه مستنكراً كلامها الذي لم يعجبه، معقباً بصوت ساخط: "معذورة إيه وقرف إيه بس؟
زينب بنبرة معاتبة: "أيوه معذورة، هي واخدة على خاطرها وساكتة وشايلة في قلبها ومابتشتكيش. طبيعي يبقى فاض بيها. عايزها يعني تقعد محروق دمها وهي عارفة إنك رايح ملهوف على ست أبريل يا ابن بطني." تضخمت عروق حلقة حنقاً عند ذكر سيرتها، إذ كان لا يزال يشعر بالغضب المشتعل في أوردته، كلما ترددت كلماتها المسمومة في فضاء عقله، يضاهي لهيب سيجارته المشتعلة بين أصابعه، قبل أن يرد عليها بقسوة، مدركاً
المعنى الخفي وراء كلماتها: "ده مالوش دعوة بده يا ماما، ماتخلطيش الأمور ببعضها. مهما كان السبب، ليها راجل تعرف خط سيرها مش من دماغها تمشي، وده كان بيحصل وأنا مسافر، مش كدا؟ سرعان ما أجابت زينب على سؤاله بالنفي: "أبداً ورب الكعبة يا بني، دي أول مرة. هي لا بتروح ولا بتيجي، وحتى عدت عليا واستأذنتني. ساعتها حتى خالتك كانت عندي، لو مش مصدق أتصلك عليها وأسألها."
نفث الدخان من سيجارته بضيق، فهذا هو الشيء الوحيد الآن الذي يجعله يشعر بالصبر قليلاً حتى لا يفعل شيئاً سيندم عليه لاحقاً. بينما زينب تابعت برجاء: "بالله عليك سايق عليك النبي وأهل بيته تروح وتراضي مراتك وترجعها لبيتها. ماتسيبهاش مكسورة الخاطر كدا، دي مهما كان مراتك وأم بنتك. أنت لو لفيت الدنيا مش هتلاقي في أصلها ومحبتها ليك." نبس بنبرةٍ هادئة بعض الشيء،
وهو ينهض من مقعده: "هشوف، ربنا يسهل. أنا طالع دلوقتي أستريح من السفر." سألته بلطف: "طيب يا حبيبي، مش عايز تاكل لقمة؟ اتلاقيك على لحم بطنك." "ماليش نفس." *** في غرفة أبريل
كانت أصابعها تعبث بوشاح جدتها الحبيبة، وهي لا تزال مسترخية على ظهرها، وأفكارها تسبح في بحر مظلم. لم تكن تتخيل في حياتها أنها ستقع في فخ كهذا، لتتمركز أفكارها عند اللحظة التي رأته فيها، حيث كان الأمر بمثابة مفاجأة إضافية لصدمات هذا اليوم الطويل. لكن بالنسبة لهذا اللقاء على وجه الخصوص، لم تكن مُستعدة له على الإطلاق، فهي تشعر بإحساس مثقل بالألم يتغلغل في قلبها، وتشكل الدموع الكثيفة سحبًا بلورية فوق عينيها، كلما تذكرت كلماته.
ألم يكن كافياً استنزاف طاقتها وروحها، ليأتي ظهوره ويطيح بما تبقى من صمودها الضعيف، مما يجعل عقلها يستحضر التفاصيل الكاملة لهذا الحدث؟ **Flash back** منذ بضعة ساعات داخل سيارة "بصي لي بزاوية عينك وأنا بسوق، وبعدين أشري لي وأنا أتمتم بنبرة آمرة: اربطي الحزام، اربطي الحزام." حاولت سحب حزام الأمان من مكانه، لكنها لم تنجح لأن أعصابها كانت متوترة، فقالت بضيق: "مش بيطلع معايا." "اوعي إيدك."
نبس باسم بهدوء بعد أن أوقف السيارة على جانب الطريق، وانحنى نحوها واضعاً حزام الأمان عليها. أخفضت بصرها بعد أن حبسها بين ذراعيه، تشعر بمراقبته لملامحها الناعمة بنظرات جعلت نبضها يرتفع من شدة قربه، بينما لم يفوته الشعور بتوترها، ليسألها بهمس رجولي خبيث: "أومال فين أعصابك؟ رفعت إليه فيروزيتها، وأجابت بصوت منخفض، وعيونها مليئة بالسخرية، لتغطي خجلها: "قطعوا تذكرة هجرة على المريخ من بعد ما شفتك على طول."
ضحك باسم بلؤم: "وزعلانة أكيد عشان مش هتعرفي تحصليهم، وباسبورك تحت إيدي." دفعته بعيداً وهتفت بغيظ يلوح في نظرتها، بالإضافة إلى لهجتها المستنكرة: "تصدق أنت واحد مستفز." عاد ليجلس منتصباً في مقعده، مقلماً بغطرسة ياقة قميصه، وهو يمطرها بنظراته الماكرة بعد أن نجح في إغاظتها وإثارة غضبها، وهو ما يروقه جداً. *** بعد فترة قصيرة، كانا لا يزالان على قارعة الطريق. "أبريل هاتي تليفونك عايز ألعب عليه جيم."
حدقت أبريل عبر المرآة بأسف، ووجهت حديثها إلى عمر الذي كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة: "التليفون مش معايا." أدار الطفل عينيه بضجر، ثم مد ذراعه إلى الأمام إلى حيث يوجد مشغل الموسيقى في السيارة، وبسرعة أبعد باسم أصابعه عن الجهاز وهو يحذره ببرود: "عيب يا حبيبي." تذمر عمر بملل: "زهقان، عايز أسمع حاجة تسليني." تنهد باسم تنهيدة عميقة تشير إلى مدى إرهاقه، مصاحبة لصوته بالرفض: "مفيش حاجة هتشتغل، أنا مصدع." ساد صمت قصير
قبل أن يقطعه عمر الذي قال: "عايز أعمل التويلت." باسم ببلاهة: "توليت؟! هز عمر رأسه مؤكداً: "أيوه، ودلوقتي حالا." وجه باسم نظره الحائر إلى أبريل التي كانت تحبس ضحكتها بصعوبة قبل أن يسألها مستاءً: "ما أنت كنت في المستشفى من عشر دقايق، ماعملتهاش هناك ليه؟ رفع عمر كتفيه، وأجاب بعفوية استفزت حواس باسم: "ماجاش على بالي. يلا بسرعة عشان ما بعرفش أمسك نفسي."
ضرب باسم المقود بغضب، مما جعلها تبتعد عنه قليلاً خوفاً من ردة فعله، بينما نظر إليها بحاجب مرفوع وتمتم بتجهم: "مش طالعلك صوت ليه؟ ماتشوفي حل؟ لوحت أبريل بيديها في الهواء بارتباك، وهتفت بقلة حيلة: "أصلها مالهاش غير حل واحد. ماتفضلش مصدوم كدا. الحق قبل ما يبدلك العربية." أحس بالسخرية في لهجتها، حك فروة رأسه بعنف، وتمتم بكلمات غاضبة غير مفهومة، مما جعل أبريل تضع كفها على فمها لتخفي ضحكاتها حتى لا يتفاقم الموقف أكثر.
بعد مرور فترة وجيزة. تسألت أبريل بذهول، وهي تلتفت إليه: "أنت وقفت هنا ليه؟ تنقل باسم ببصره خارج السيارة، وهو يجيبها بفظاظة: "بدور على أي زنقة يصرف نفسه فيها." ضيقت أبريل عيناها باستنكار، وهدرت بتوبيخ: "أنت اتجننت؟ عايزو يعمل كدا في الشارع؟ وعاملي فيها مخرج وشياكة وحركات؟ طلعت بتتصرف زي الكلاب والقطط في الخربات." اقترب منها لا إرادياً، وهو يشعر بأنه على حافة الجنون، تقلصت ملامحها وهو يزمجر باستياء، مشيراً
إلى أنفه: "عايزاني أعمل إيه يعني؟ أنا روحي بقت هنا منك ومش مستحمل أسمع صوت. كفاية اللي استحملته منك لحد دلوقتي، فا لسانك هيطول كمان هـ... قاطع عمر تلك المشاجرة بينهما، مذكراً إياهم بتذمر طفولي: "ممكن تتخانقوا وقت تاني، أنا عايز أروح التويلت دلوقتي، هنعمل إيه؟ نظر إليه باسم بانزعاج، قبل أن يقلب عينيه عليها عندما قالت باحتجاج عنيد يتناقض مع ارتعاشها الداخلي خوفاً
من فورة غضبه: "مبدئياً كدا، ماتشوحليش في وشي تاني وإيدك تفضل جنبك لو سمحت. وبعدين، ما الماركات في كل حتة، اقف عند أي ماركت قريب، مش قصة." تجاهلها متمتماً بإستشاطة: "اللهم طولك يا روح." *** بعد مرور دقائق داخل إحدى متاجر التسوق.
دخل باسم عنوة إلى دورة مياه الرجال مع الطفل الصغير بعد مشاجرة كلامية مع خالته صعبة المراس، التي سارت بين الرفوف العالية تتفحص مختلف المنتجات بذهن شارد، حتى سمعت صوتاً ينادي باسمها جعل جسدها يتسمر مكانه بسبب وقع الصدمة، ثم استدارت تزامناً مع حبسها أنفاسها فور أن وجدت حالها تواجه أحمد مباشرة، الذي قال بصوت منخفض أجش: "لسه على عنادك ومش عايزة تتحجبي؟
مشت بعينيها دون أن تركز على أقواله، وكأنها جاءت من بعيد، وشعرت أن لسانها مقيد من الدهشة التي سيطرت على ملامحها الجميلة. لم تصدق أنها تراه واقفاً أمامها، وهو يطوف ملامحها، وعيناه تلمعان بلهفة، ليتحدث بنبرة تشتعل في ثناياها بنيران حنينه الغامر: "وحشتيني يا توتة.. وحشني كل حاجة فيكي. رغم إن كلك على بعضك مطبوعة بختم من نار جوه قلبي اللي مابيفكرش غير فيكي." تغيرت ملامحها المشدوهة إلى حجرية، وهي تخرج من عباءة
الصمت لتسأل بحاجب مرفوع: "أحمد!!! أنت هنا بتعمل إيه؟ ظهرت على وجهه ابتسامة ساحرة، وهو يميل رأسه إلى الجانب، وينظر إليها بعمق وشوق كبير، فأضافت أبريل بثقة: "دي مش صدفة، أنت... بلل شفتيه بطرف لسانه، ليرد بهدوء: "جيت وراكي من المستشفى على هنا." عاودت أبريل السؤال، وهي لا تزال تشعر بالريبة نحوه: "وإزاي عرفت مكاني أصلاً؟ أحمد بإختصار: "اللي شغالين في بيت أبوكي." أومأت أبريل بفهم، فأردف
بإهتمام ممزوج بالحيرة: "أنا اللي عايز أفهم إيه اللي حصلك خلاكي تدخلي المستشفى وإزاي يكتبوا عنك كلام زي ده؟ مين اللي عمل كدا؟! زفرت الهواء بتهمل، لتفرغ رئتيها بعد أن أحست بضيق فيها، وردت بنبرة ثقيلة الحروف: "شوية تعب وراحوا لحالهم. وبخصوص المكتوب، بإختصار أنا ومصطفى فسخنا الخطوبة. ومنافسين له هما سربوا الخبر ده بالقصد عشان يبوظوا شغل مصطفى، يعني مجرد إشاعات واتكذبت خلاص." "مين اللي كان خارج شايلك من المستشفى؟!!!
طفى غضبها على السطح في سؤالها المتبادل بغطرسة: "وأنت دخلك إيه؟! دحرج قلبه داخل فوهة بركان على وشك الانفجار بمجرد سماعه ردها، نفث شيطان الغيرة النار على بارود أفكاره المتضاربة،
ليهتف بإصرار شديد: "محدش له دخل بيكي قدي، ومش ده المكان اللي هنناقش فيه كلام زي ده. بس دي النهاية يا أبريل، أنا سبتك براحتك كتير أوي. كفاية لحد كدا، أنتي مالكيش مكان عند فهمي وهترجعي معايا. ابعدي عن القرف ده كله بقى، كفاياكي عناد. إحنا هنتجوز وهعملك فرح ما تتعملش لبنت قبلك، وهتعيشي معززة مكرمة معايا وهحميكي منهم. وإذا على نادية مش هتحسي بوجودها نهائي في حياتنا، أنا بوعدك."
انفلتت منها ضحكة ساخرة، ليعقد حاجبيه بإنزعاج، بينما تقول هي باستنكار: "أنت بناءً على إيه بتخطط وترسم مسارات لحياتي وعايز تنفذها كمان؟ أنت مين قالك أصلاً إني لسه بفكر فيك أو عايزك يا أحمد؟ إحنا انتهينا من سنين." تلألأ العذاب داخل عدستيه، وقال بصوت مخنوق: "دي جزاتي. ده اللي أستاهله منك عشان بحبك ولسه عايزك يا أبريل." صرخة رفض مع شعور غريب بالنفور ارتفعت في أعماقها وظهرت في صوتها بمجرد أن هسهست
بقوة نابعة من قلب مقهور: "أنت لا عمرك حبيبتني ولا قدرت تعرفني كويس. كل مرة بنتكلم فيها بتأكدلي إنك ماتفرقش حاجة عن أبويا، نفس أنانيته بالظبط." تنبهت حواسه لحديثها الذي جعل أنفاسه تتضارب في صدره، ولأول مرة يجد صورته تنعكس في عينيها بهذا التعكر والقتامة، نضحت في قولها بصوت زاخر بالخيبة: "ولآخر مرة بقولك ماتدخلش في حياتي بأي شكل. اللي اتخلى عني زمان مستحيل أصدق إنه هيبقى ليا دلوقتي سند."
صعقت من وقاحته بمجرد أن منعتها قبضته من الفرار، فارتبكت أنفاسها أمام نظراته السوداء الغاضبة قبل أن يهسهس بحدة خطيرة: "رايحة على فين؟ إيه الكام سنة اللي عيشتيهم مع أبوكي نسوكي سنين عمرك كله في حضني؟ *** خرج عمر من المرحاض، وهو يهندم ملابسه قائلاً بابتسامة: "على فكرة أنت عجبتني." باسم بعدم فهم: "عجبتك في إيه؟ أخبره عمر بحماس مقلداً إياه: "لما ضربت أونكل مصطفى كنت جامد أوي. بتعملها إزاي دي؟
باسم بضحكة: "أنت شمتان فيه كدا ليه؟ مابتحبوش ولا إيه؟ عمر بتعبيرات عابسة: "لا مابحبوش. هتعلمني الحركة دي؟ ضاق عيناه بشكل غريب من تلك النخزة المفاجئة التي أصابت قلبه بالانزعاج، حاول أن يصرفها بسرعة وهو يداعب شعر الصبي بخفة، ويحثه على الحركة وهو يتمتم بهدوء: "هعلمهالك يا لمض زي خالتك." *** عند أبريل سرعان ما استعادت وعيها، وأزاحت يده وارتدت خطوتين إلى الوراء، وقالت بين أسنانها بصوت
منخفض لا يسمعه إلا هو: "مش هسمحلك تشقلبلي حياتي، لمجرد إني جيت على بالك فجأة وجاي تشوفني. لأخر مرة بقولك بالذوق امشي من هنا وسيبني في حالي." تجاهل حديثها بالكامل، وأبرز الضوء على الكلمة الأخيرة، ممسكاً معصمها وهو يتحدث بجنون، لعله ينجح في كسر الجليد الذي يغلف مشاعرها تجاهه: "أنا حالك؟ مين بقي حالك غيري؟ ماتردي مين؟ أنتي ماحبتيش غيري يا أبريل، وبطلي تعملي عبيطة. أنتي متأكدة إني هسيبك بالبساطة دي؟ أبعدت يده عنها
بحدة صدحت في صوتها الهامس: "ممكن توطي صوتك؟ الناس بدأت تتفرج علينا. أنت عايز توصل لإيه باللي بتعمله ده؟ أحمد بصرامة: "عايزك ترجعي معايا على المنصورة حالا." أمسكت لسانها في اللحظة الأخيرة حتى لا تشتبك معه، فلا تنقصها فضيحة أخرى، فالفضائح التي تلقتها اليوم كانت كافية لها، لذا أجابت بإستخفاف: "مش كل حاجة هتعوزها لازم تحصل." ثبتت بجوابها الغامض سكين مسنون بالحيرة على رقبته،
لكنه رد بعبوس يشوب ملامحه: "لأ هيحصل. أنا مش هسيبك تاني هنا لوحدك." "هي مش لوحدها!! صدح صوت باسم بارداً من خلفهم، فانقبض فك أحمد بشدة حالما التفت إليه، وهو يشاهد عمر يندفع نحو أبريل، ويقف بجانبها قبل أن يسأل بحدة: "وتطلع مين سيادتك؟ يبقي من قرايب أبوكي؟! "باسم."
منعت باسم من الرد بمجرد أن نطقت اسمه بنعومة متعمدة، وأذهلت من نفسها، فلم تتوقع أنها ستسعد برؤيته هكذا من قبل، ربما لأنه جاء في الوقت المثالي لتتحرك تلقائياً نحوه، ثم أضافت بنفس النبرة الرقيقة: "باسم خطيبي وشبكتنا كمان كام يوم و.." باسم الذي يلعب دور المراقب في هذا المشهد الغامض بالنسبة له، استطاع أن يلاحظ مدى غضب أحمد الواضح فور أن قاطعها باستهجان مصعوق: "نعم؟ خطيبك؟ يعني إيه؟
إزاي بتفسخي وبتتخطبي كدا على كيفك من غير ما تعرفي حد من أهلك؟ ارتفعت حواجب باسم، وزاد شعوره بالريبة تجاه هذا الشخص، قبل أن يخرج عن صمته، وهو يستفسر بخشونة رجولية: "أهلها اللي هما مين؟ ويا ترى بقى بصفتك إيه تقف وتحاسبها بالعشم ده كله؟ أحمد عليه بنبرة أجش واثقة: "أهل أمها...
ارتسمت على شفتيها الممتلئتين ابتسامة زائفة تخفي الضيق وراءها الذي يستوطن قلبها، وقالت بتوتر حاولت إخفاءه وهي تضغط بخفة على أصابع عمر الذي كان واقفاً هناك لا يفهم شيئاً: "ده.. ده ابن خالي يا باسم." رفعت فيروزيتها نحو أحمد، واستطردت بصوتها الواثق، مصحوباً بضحكة مرحة: "كل حاجة حصلت بسرعة أوي، تخيل لسه امبارح كانت هتتحدد قراية فتحتي. ولسه لسه أنا كنت هعرف ستي. بس ملحقتش ودخلت المستشفى."
عقد أحمد حاجبيه بعبوس أكبر من كلامها وحركاتها المدللة نحو هذا الشخص الفارع الطول بجوارها، مما جعله يشيح بوجهه جانباً دون رد حتى لا يرتكب جريمة القتل العمد فيهم، فأكملت مبررة بعدم اكتراث: "معلش يا باسم.. أصل أحمد كان مسافر برا مصر ولسه واصل وبقالنا سنين ما تقابلناش، عشان كدا كان مستغرب." هز باسم رأسه وهو يسأل مرتاباً: "هو الأغرب الصدفة دي؟ رد أحمد سريعاً، موجهاً لأبريل
رسالة مبطنة بالتحدي: "لأ، كنت جاي مخصوص عشانها من المنصورة. جدتها بعتتني أجيبها، هي مش هتطمن عليها إلا لما تشوفها قدامها و.." استقبلت حديثه بذكاء: "ستي أنا هكلمها وأطمنها عليا. وكمان عشان أقولها على معاد شبكتي وتيجي تحضرها." ابتسمت له متظاهرة بالود، لكن البرود كان واضحاً في صوتها بمجرد إضافتها: "صحيح، إذا قاعد شوية في مصر، ياريت تحضر أنت كمان. وتجيب نادية مراتك معاك، هنستناكم."
عض أحمد باطن خده بقسوة، ليردع رداً لاذعاً بسبب استفزازها الصريح له، كان الأمر كما لو أنها ترمي عود ثقاب في فم البركان داخل قلبه، فتفجرت حمماً حارقة غير مرئية، العلامة الوحيدة على حالته هي انعكاس نظرته المظلمة التي تعادل طلقات نارية يريد أن يفرغها في صدورهم. *** في نفس التوقيت بالمنصورة. انطلقت صرخات نادية، وهي تهرع إلى غرفة والدتها: "ماما الحقي! انتفضت مرجانة من مكانها، ونظراتها المذعورة تتوافق
مع نبرة صوتها المتسائل: "جرى إيه يا بنت المسروعة؟ حرامي نط علينا؟ رددت نادية من بين لهاثها: "أحمد! أحمد! عقدت مرجانة حاجبيها، وهتفت بتعجب: "يخربيت سنينه، ماله المحروس؟ إيه بعتلك ورقتك ولا إيه؟ نادية بشهقة: "لأ لأ، تفي من بوقك يا مرجانة. ده أنا لاقيته اتصل بيا يجي أربع مرات لما كنت بحمي زينب. ولاقيته بيقولي هييجي هنا، هو في السكة دلوقتي وعايزني أجهز حاجاتي أنا وبس وهنسيب البت معاكي هنا."
هزت مرجانة رأسها بعجز أمام جنون ابنتها، وجلست بتعب وقالت بتشدق ساخر: "مش كنت لسه بقولك يا بنت الهبلة، أول ما هيكلمك هتروحي تجري عليه." التفتت نادية في حيرة حول نفسها، رددت كلمات مبعثرة من شدة سعادتها: "مش وقته مش وقته يا ماما، جوزي جاي يصالحني وأنا لسه عايزة آخد دوش وألبس." هتفت بريبة من خلفها: "استني هنا، هو عايز ياخدك لوحدك ليه؟ مصيبة يا بت، لا يكون ناويلك على نية سودة."
نادية باستنكار: "ما تبطلي تخاريف آخر الليل دي يا مرجانة." مرجانة بخوف: "أنا مش مطمنة لابن زينب والفار بيلعب في عبي. أنتِ مابتسمعيش عن الجرايم اللي مالية الدنيا؟ يمكن يعمل فيكي حاجة يا بت." نادية باستعجال: "أنتِ هتقلقيني ليه بس؟ يالهوي، الوقت بيجري، هجيبلك زوزو على ما أخلص يا ماما." فرت من أمامها فور انتهائها من الحديث، فضربت مرجانة يداً بيد،
وتمتمت بأنشداه: "يا مهبوشة، والله أنتِ اللي هتجيبلي الشلل. ربنا يسترها معانا." *** في صباح اليوم التالي داخل شقة ذات طراز حديث. "أسفة يا ريم إني جبتلك بدري كدا، بس ماقدرتش أستنى معاد العيادة. بجد حاسة أعصابي تعبانة ومابقتش عارفة أعمل إيه. حاسة إني تايهة." أنهت أبريل كلامها بقشعريرة، إذ شعرت أنها على وشك الانهيار. قدمت لها ريم، الطبيبة النفسية، فنجاناً من القهوة ليساعدها على الاسترخاء، وقالت بلطف: "اشربي دا، هيهديكي."
جلست ريم بالمقعد المقابل لها، قائلة بصوتها الهادئ: "شوفي، لازم تاخدي المهدئ اللي كتبته ليكي ده هيريحك، وتواظبي على كورس التأمل اللي ماشيين عليه عشان تصفي ذهنك والصداع ده يروح." أبريل مغمغمة: "حاضر." رفعت حدقتاها الدامعتين إليها، وأردفت بتساؤل مقلق: "بس أنتي شايفة إني اتسرعت في فسخ خطوبتي من مصطفى؟ شكلي اتهورت لما عملت كدا وورطت نفسي." خاطبتها بحنان، في محاولة للتخفيف من القلق الواضح
على ملامحها الرقيقة: "مش مهم خالص اللي أنا شايفة، المهم اللي أنتِ حاسة بيه." "أنا حاسة إن في حاجة جوايا استريحت بعد ما طلعت كل اللي في قلبي وجرحته، بس دلوقتي بعد ما هديت حاسة إني قاسية. حاسة إحساس وحش. أنا ماشوفتش حاجة وحشة من مصطفى طول السنة اللي عرفته فيها، بالعكس كان كويس معايا. بس فكرة إنه يخبي عليا موضوع مهم زي إنه متجوز وعنده ولاد صدمتني وخلتني بجرحه من قهري وصدمتي فيه. ياريت هو اللي جه وصارحني."
صمتت لعدة ثوانٍ تجمع أنفاسها المسلوبة، والعبرات الساخنة تتساقط بهدوء على خديها، لكنها أكملت بخفوت حزين: "بس اللي حسيته من كلام مراته إنه ممكن جداً يرجعوا لبعض. وقتها كل إحساس بالراحة والأمان اللي كنت برسمهم لحياتي معاه اتبخروا. والأكيد مابقتش أقدر أثق في أي كلام هيقوله ولا قدرت أحطله أي أعذار."
استمعت إليها ريم باهتمام، وأعطتها الوقت الكافي لتقول كل ما لديها دون مقاطعة حتى تفرغ شحنة الحزن الذي كان يجثو على صدرها، بينما تابعت بمرارة تجرح حلقها: "ده غير صدمتي في أهلي. إزاي قدروا يخبوا حاجة مهمة زي دي عليا طول الفترة دي." زينت شفتي ريم ابتسامة رزينة وهي تقول: "أول حاجة احمدي ربنا إنك عرفتي كل ده في الوقت المناسب قبل الفأس ما كانت وقعت في الراس واتورطتي ورطة أكبر." واصلت
حديثها بنبرة أكثر جدية: "ثانياً، أنتِ من جواكي لازم تتقبلي فكرة إن الراجل المتجوز من حقه يتجوز على مراته، ده شرع ربنا وحلال. بس كمان ربنا سبحانه وتعالى قال حقه يتجوز في حالات معينة، ولازم يكون الزوجة الأولى عندها علم والتانية عندها علم برده وموافقة تبقى ضرة. وأكيد أنا معاكي طبعاً في إنك مش عايزة تحسي بقلة قيمة ولا عدم كرامة وتقللي من نفسك ولا تسمحي لحد يدوس عليكي. كل ده تمام، بس أنتِ جرحتي كرامته جداً لما وافقتي على العريس اللي أنتِ برده حشرتيه في قصتك من غير أي أسباب."
أبريل بمعارضة: "أيوه بس هو كمان استغلني يا ريم و... قاطعتها ريم، وهي تخبرها بابتسامة واثقة: "ومـاتنكريش إن جزء كبير منك كان مبسوط بحمايته ليكي رغم أفعاله الجريئة معاك." عضت أبريل شفتيها بحرج،
لتستكمل ريم برزانة: "أبريل، محدش هيجي من برا يحل مشاكلك يا حبيبتي. سواء أحمد أو مصطفى، وحتى باسم كمان. لازم تواجهيهم وتطلعي اللي جواكي وتبطلي تنسحبي في صمت. بمعنى أصح، بطلي تهربي لمجرد إن الدنيا خربت، لأن دايماً فيه حلول. بدل ماتهربي دوري على حل واتناقشي مرة واتنين، يمكن تلاقي أسباب عندهم تعذريهم بيها. ماتظلميش حد مالهوش ذنب في مشاكلك النفسية اللي سببوها مامتك وباباكي ليكي من طفولتك. أنهي كل علاقة فيهم بشكل سليم بعد ما تدي نفسك فرصة تفكري كويس في اللي أنتِ عايزاه فعلاً."
*** في فيلا الشندويل داخل غرفة. استيقظ باسم على صوت رنين هاتفه باسم خالد، فأجاب بصوت نائم: "الدنيا اتهدت عشان تصحيني من النجمة كدا؟ انتفض من نومه، وهو يمسح آثار النعاس عن وجهه براحة يده، ليتساءل في حيرة مشوشة: "بتقول إيه!! مستشفى إيه؟ اتسعت مقلتيه بتفاجئ، وغمغم بتعجب: "حادثة!! استمع إلى صوته المتعب عبر الهاتف قبل أن يردد باستنكار: "و لميس بتعمل إيه معاك من امبارح يا خالد؟! *** عند أبريل
أوقفها صوت رجولي ينادي باسمها فور خروجها من منزل ريم. التفتت أبريل في ذهول، لتجد ثلاثة رجال بأجساد عملاقة يحدقون بها بنظرات غامضة قبل أن يشرع أحدهم في التحدث بصوت غليظ رغم هدوءه: "تسمحي تتفضلي معانا بهدوء ومن غير شوشرة." تسارع نبضها مع قلق انجل من سؤالها بعد أن ابتلعت ريقها بصعوبة: "أتفضل معاكم على فين؟ أنتو عايزين مني إيه؟ أحس الخوف والحذر من نظراتها الشفافة، فتحدث بنبرة
تحذيرية مفعمة بثقة عالية: "مافيش داعي للخوف يا باشمهندسة. ولأخر مرة بطلب منك بلطف تركبي معانا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!