الفصل 15 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
33
كلمة
6,457
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

لم يكسرني اكتشاف أن الوجهة كانت خاطئة، بل الوقت الذي قضيته أمشي في طريق كنت أظن أنه صحيح. طغت الصدمة على ملامحي عندما أدركت مدى حماقتي في اختياراتي. كم كنت مندفعة وساذجة حينما صدقت أكاذيبهم المنمقة. كم أخطأت عندما سمحت بتكرار الأخطاء.

لكن من هذه اللحظة فصاعداً، سأرفض الأشياء التي تحطم قلبي، والأشياء التي تجرحني، والأشخاص الذين يتعمدون إيذائي. سأتقن لغة التمرد وسأختار الانسحاب من المعارك الخاسرة، ولن أهتم بمن يتهمني بالأنانية وحب الذات. بعد فترة وجيزة. عند هالة:

خرجت هالة من الحمام، لترى فريد واقفاً بجوار الباب ومتكئاً على الحائط. وحالما لاحظ طلوعها تقدم منها متأملاً ملامحها الناعمة التي شابها شحوب طفيف بعد أن غسلت وجهها بالماء البارد عدة مرات لتمحو آثار البكاء. لكن عينيها الزرقاوين كانتا كالنافذتين الشفافتين تعكسان له مدى ضيقها من الذي حدث منذ قليل. وما شاهده حين خرج من باب المستشفى عازماً على الذهاب إلى منزله، إلا أنه وقف متردداً في التدخل حتى رآه يسحبها بالقوة من ذراعها. حينئذ لم ينجح في السيطرة على حاله وهرع نحوهما تلقائياً.

أفاق فريد من أفكاره محمحماً بهدوء: أنتي كويسة؟ أجابت هالة بصوت رقيق، متجنبة النظر إليه: الحمدلله تمام. طيب اتفضل. حدقت هالة في يده الممدودة بفنجان القهوة، قبل أن ترفض بأدب: دا بتاعك.. شكراً!! لم ينكر استنتاجها، بل فضل عدم إخبارها بأنه أرسل إحدى الممرضات خصيصاً لإحضار القهوة لمساعدتها على الهدوء. ليخبرها بحزم حنون: امسكي.. انتي محتاجاه أكتر مني. فريد بمرح: ماتقلقيش، ماشربتش منه ولسه سخن لحسن حظك.

أمسكت به بين يديها، قائلة بضحكة ناعمة أبرزت جمالها الهادئ: شكراً. أغمضت هالة عيناها، بينما ترتشف منه قليلاً مستحسنة مذاقه، قبل أن تستمع إلى رنين هاتفها في جيب معطفها الطبي. لكنها فضلت تجاهله، إذ ليس لديها الآن القدرة على الرد على أحد. وهذا ما استشعره، مما جعله يقترح عليها بلباقة: تحبي نقعد في الكافيتريا شوية، وبالمرة تعزميني على قهوة تانية؟ أثناء ذلك. داخل غرفة أبريل بالمستشفى:

قاطع باسم تحليل أفكارها، وقبل أن تدرك أي شيء، وجدته يندفع مثل السهم الناري نحو مصطفى بعد أن تخلى عن آخر ذرة من سيطرته على أعصابه، مسدداً له لكمة قوية أطاحت بفكه إلى جانب الآخر، وهو يجلجل بلكنة غاضبة: ودي مني عشان تهدد كويس. دا انت طلعت مش بس بتعرف تاخد البنات على خوانة يا ابن الشندويلي؟!

قال مصطفى مستهزئاً بغضب متألم، وهو يمسح الدم من فمه بطرف إبهامه. وبحركة خاطفة رد له الضربة بقوة فتأوه الآخر من شدة الألم بأنفه. في حين جحظت عيناي أبريل بذعر وهي ترى هجوم كلاهما على الآخر بغل وشراسة، لتتحرك نحوهم بحذر. حاسبي يا أبريل، ماتقربيش، خليكي بعيد. صاح يوسف بهذه الجملة، مشيراً إليها بعدم الاقتراب. بس كفاية، هتلموا علينا الناس.

في خضم صراعهم، تلقى يوسف نصيباً من الضرب، وهو يُقحم نفسه في هذه الفوضى العارمة وسط إهاناتهما اللاذعة المتبادلة، وصرخات أبريل المرتعبة، التي تراجعت في إحدى زوايا الغرفة، قبل أن ترى اندفاع عز الدين الذي هرول تاركاً والدته واقفة مع ريهام وسلمى تنتفض قلوبهم فزعاً من الأصوات العالية في الداخل. في اللحظة التالية، نجح عز ويوسف في فض الاشتباك بصعوبة، بينما حاول باسم التخلص من ذراعي عز، مشيراً لمصطفى بسبابته في تحذير،

وهو يصيح بصرامة غاضبة: دي حاجة بسيطة من اللي هتشوفه على ايدي إذا اتعديت حدودك تاني واتعرضتلها بحرف يا خسيس. ردت كلمات مصطفى النارية بصوت حاقد عليه: وأنا أقسم بعزة وجلالة الله ما هسيبك إلا لما أدفعك تمن اللي عملته دا غالي يا *****.. وساعتها مفيش مخلوق هيرحمك من اللي هعمله فيك. احتدمت ملامحه بنظرة ازدراء من رماديتيه القاسيتين، هاتفاً بصوت حاد متحفزاً للانقضاض عليه مجدداً:

شكل لسانك واخد على التهديد وخلاص.. لاخر مرة هحذرك، بلاش تختبر صبري. انقطعت كلمات باسم، تزامناً مع صوت الباب يغلق بقوة، ليلفت انتباه الجميع. أعقبه زمجرة صلاح بصوت عال وهو يردد محذراً: هيطلبولنا الشرطة لو ما وقفتوش شغل البلطجية اللي بتعملوه في بعض دا؟! اشتدت لهيب أنفاسه الحارقة، وهو ينفض يدي يوسف عنه، ويزمجر منذراً إياه بحدة: حساب ابنك تقيل معايا أوي يا صلاح.. وكلمة منه كمان أقسم بالله مش هبقى ضامن نفسي.

ارتفعت زاوية فم باسم بابتسامة ساخرة، وهو ينظر إليه بتحدٍ سافر، مما جعل نبيل يتدخل في النقاش الذي دلف بعد صلاح بقليل مناشداً صوت العقل برأس ابنه: صلي على النبي يا مصطفى.. عصبيتك دي أنت أول حد يضر منها. يلا خلينا نطلع من هنا قبل ما نبقى فرجة للناس أكتر من كده. صلاح بوقار وثبات: نبيل.. من فضلك هات ابنك وهنخرج نتفاهم برا ونحل الموضوع. مفيش تفاهم.. والاهانة اللي حصلت دي مش هتعدي مرور الكرام.

ما إن انتهى من كلامه المليء بالامتعاض، حتى خرج من الغرفة بعد أن حدق بها بسواديته الملتهبة بنيران الغضب في لحظات مرت كالدهر عليها، بسبب شدة خوفها منه. في ذات الوقت. في كافيتريا المستشفى: وضعت فنجان القهوة الفارغ على الطاولة، وفركت جبهتها منهكة من قلة النوم. ليسألها بعذوبة: أطلب لك قهوة تانية؟ رفضت هالة بلطافة قبل أن تعرب عن خالص شكرها: لا ميرسي أوي.. وشكراً على اللي عملته. منحها ابتسامة عذبة قبل أن يرد بصوته الواثق:

مفيش داعي للشكر، القصة بسيطة.. بس مقدرتش أفضل واقف بتفرج، خصوصاً إن الممرضات عينهم كانت عليكم. انشغلت هالة في التفكير بكلامه الذي ملأ صدرها بالضيق، ثم قالت بسخرية مريرة: حقهم يكلموا.. مش حدث هيحصل كل يوم إن دكتورة تتخطب بليل وتفسخ خطوبتها تاني يوم الصبح. التمع الإعجاب في عسيلته برقتها المعهودة التي سرقت لبه، بينما زرقاوتيها الغامرتين بحزن، جعلت شرارة من الجحيم تنفث لهيبها في صدره. فنفض من ذهنه تلك الأفكار، متحدثاً

بجدية تليق به: طالما مقتنعة باللي عملتيه خلاص.. كدا كدا الناس هتتكلم. هزت هالة رأسها تأييداً، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، فمسحتهما بسرعة قائلة بصوت منخفض: فعلاً.. بس جايز عيبنا إننا مش بنقدر نعترف إننا فشلنا، وهو دا سبب محاولتنا الكتير في حاجة عارفين نتيجتها كويس، بس مع ذلك عمالين بنحاول. جايز حاجة تتغير.

تحولت أفكار فريد تلقائياً إلى خطيبته، التي استمر في محاولات عديدة معها لتغيير أفكارها، لكن لم يفلح في ذلك. فزفر الهواء بقوة وهو يمسد بأصابعه على عينيه المنهكتين قبل أن يهمس بخفوت: مفيش إنسان بيتغير إلا إذا كان القرار نابع من جواه هو. فريد.

تصلب فريد مكانه للحظات قبل أن يرفع رأسه إلى مصدر الصوت الناعم الذي ينادي باسمه، ليجد أنها قد خرجت من أفكاره، متجسدة أمامه بهيئة باكية، مصحوبة بكلماتها المتقطعة وهي تلقي بنفسها فجأة بين أحضانه، متشبتة برقبته بكلتا ذراعيها، مرددة ببكاء: حبيبي.. أنت كويس.. جرالك حاجة!! انتصب واقفا من مقعده قبل أن يتساءل بدهشة: هدير!! أنتِ جيتي هنا إزاي؟ ارتمت بأحضانه على حين غرة متعلقة بكلتا ذراعيها في رقبته، مرددة ببكاء:

أنا خوفت أوي.. كنت هموت من الخوف عليك أوي يا فريد. تشنج جسد فريد بتوتر من فعلها الجريئة، خاصة عندما اتجهت الأنظار إليهم، فوضع يديه على ذراعيها ولإنزالهما من رقبته برفق. مررت هدير يدها على ذراعه المصابة دون قصد فصدرت عنه تأوهاً متألماً: آه. ابتعدت هدير سريعاً عنه فوراً، وهي تقول بفزع، وكل خلية فيها ترتعد خوفاً عليه: سوري والله.. آسفة خالص، إيدك بتوجعك؟ أجاب فريد بابتسامة ممزوجة بقلة حيلة، وهو يربت على خدها الناعم:

خلاص اهدي اهدي، أنا كويس قدامك مفيش حاجة. لعقت هدير طرف شفتيها بتوتر قبل أن تنبس بصوت خجول ممتزج بالندم: ماتزعلش يا فريد.. دي آخر مرة هزعلك فيها.. أنت ماتعرفش خوفت عليك.. مش هقدر أتحمل يجرالك حاجة بسببي. متخافيش، جت سليمة دك...

أدار فريد رقبته بتلقائية فوجد مقعد هالة خالياً، فحرك نظره في أرجاء المكان، ولم يجد لها أثراً، بينما كانت هالة منذ عدة دقائق تشاهد ذلك المشهد في صمت تام رافضة إصدار أي صوت حتى لا تقاطعهم. وهناك شعور بالحسد والحزن يرتجف في وجدانها، لوجود هذه الفتاة اليافعة مع شخصية مثل فريد مزجت بين الرصانة والحنان، لتشعر بالحرج وهي تنهض بهدوء شديد، تغادر الكافتيريا قبل أن يلاحظوها. قرأت هدير بعينيها الحيرة على وجهه، لتستفهم بتساؤل:

في حاجة؟ هز فريد رأسه نافياً، وتمتم بخفوت: ها.. لا مفيش. بعد مرور بضعة دقائق.

كانت إبريل تجلس على السرير، شاحبة الوجه، مطرقة رأسها إلى الأسفل، وتتساقط العبرات من عينيها لا شعورياً نتيجة انزعاجها وقهرها المتزايدين من تفاقم الوضع الذي أوقعت نفسها به، بالإضافة إلى ثورة مصطفى في النقاش الذي تحول إلى معركة دامية. لكن ما أزعجها حقاً هو انهيار أعصابها أمام الجميع الذين يتأملون في ضعفها الآن. في حين من الصعب عليها أن تخلو بنفسها، وكم كرهت هذا الشعور بشدة. ماتعيطيش يا أبريل.. خلاص أونكل مصطفى مشي.

أيقظها عمر من أفكارها حالما ربت على ركبتها بمواساة بريئة، لتبتسم له بمرارة تسري كالسم في خلاياها، وهي تمسح دموعها بكفيها، تزامناً مع انتباه باسم محدقاً بها بحاجبين عابسين. اجتاحه شعور بالانزعاج بمجرد أن رأى وجهها الباهت بهلع. لم تشعر بقدميه تقتربان منها بسرعة خاطفة، إذ فوجئت به يضع أطراف أصابعه تحت ذقنها، لتجحظ عيناها الحمراوان بدهشة وديعة بعد أن رفع وجهها إليه.

التقت نظراتها الواهنة بعينيه التي تتلألأ ببريق غامض، لعدة ثوانٍ متأملاً بحبات اللؤلؤ المتناثرة على وجنتيها، ثم صعد بإبهامه يمسحها برقة بالغة. أثارت هذه الحركة البسيطة مشاعر دافئة تغلبت على البرودة التي كانت تسيطر على كيانها منذ لحظات. انفرجت أبريل شفتاها المرتجفتين، وتجمدت عيناها على خط الدم المتدفق من فمه، واغتال قلبها شعور بالذنب، لتكسر الصمت منتفضة، وهي تشير إليه بصوت مذعور يرافقه بحة طفيفة: انت كويس؟ في دم.

رفع باسم أصابعه تلقائياً، وتحسس زاوية فمه، عاقداً جبهته وهو ينظر إلى قطرات الدم على إصبعه، مهدئاً إياها بهمس: ماتقلقيش، أنا كويس، دا جرح صغير. قاطعت ريهام التواصل البصري بينهم فور أن أدخلت نفسها بسرعة في الحديث، ناطقة باهتمام، وعيناها الحادتان تشعان بالغيرة: إيه هو اللي صغير؟ شفتك شكلها اتفتحت.. خلينا نطلع نشوف دكتور يشوفك أحسن.

أومأت أبريل تأييداً لذلك الاقتراح، تزامناً مع التقاطها أحد المناديل من داخل حقيبتها، وسلمته إليه فوضعه على فمه دون أن يظهر على ملامحه تعبير محدد أو شعور بالألم، ثم تمتم بعد برهة: هروح أغسل وشي.. وهبعتلك الدكتور يشوفك قبل ما نمشي. عجبك الحال دلوقتي؟! الكل وقع في بعضه من وراكي.. وجبتي الأذى لينا كلنا.. ياريت تبقي مستريحة دلوقتي.

أطلقت ريهام هذه العبارة باستهجان بغيض، بمجرد خروج باسم من الغرفة بهدوء. وبالفعل نجحت في إصابة مشاعرها المحطمة بنجاح، مستغلة كونها الآن بلا حماية، وفي أكثر لحظاتها ضعفاً. راقبت ريهام بابتسامة داخلية خبيثة تغضن حاجبي أبريل بتجهم صامت، وأشاحت بوجهها جانباً بمشاعر مختلطة بين الذنب والعذاب الذي يغلي مثل المراجل بداخلها. خلال ذلك الوقت. عند مصطفى في استراحة الزوار بالمستشفى:

مش ماشي من هنا.. إحنا لسه ماتحاسبناش وأنا مابسيبش حقي يبات برا يا باباي. يجلس مصطفى بإصرار كبير، وما زالت الصدمة تكتسح كل أفكاره. ليضع والده يده على كتفه ثم قال برزانة: اسمع كلامي يا بني، حاول تتمالك نفسك، أنت مش في وعيك من العصبية. صدح صوت صلاح الذي تساءل بصوت وقور شامخ، وخلفه يقف فهمي بملامح متوترة: ممكن تتفضلوا معانا، خلينا نروح أي مكان نقدر نتفاهم فيه بشكل هادي. نبيل برفض:

ماظنش إن الوضع دلوقتي مستحمل أي نقاشات يا صلاح. خرج مصطفى من أفكاره المظلمة، ووجه حديثه لصلاح بنبرة غريبة مليئة بالرغبة في الانتقام: ابنك النهارده الحظ في صفه، اتكتبله عمر جديد.. بس ماتنساش تفكره إنه لعب في عداد عمره يوم ما اتعدى على حاجة تخص صعيدي دمه حر مابيسيبش حقه لو ليوم الدين.. يعني سكوتي عليه مش هيطول زي ما انتو فاكرين. ضاقت عيناه عليه بتركيز قبل أن يقول بثبات:

تهديدك دا أنا مش هحسبه عليك عشان مراعي موقفك يا مصطفى.. بس أنت متأكد إني مش هقف قليل الحيلة ولا هرحم اللي يتجرأ يمس ابني. رأى صلاح عبوس مصطفى يطغى على ملامح وجهه الصلبة، فتجاهله وتابع بلهجة ذكورية صارمة:

وبنت فهمي تعتبر زي بنتي بالظبط.. واللي حصل منك غلط كبير في حقها وكل اللي هنا وأول أبوك متأكدين من كدا. من أول خطوبتك ليها وهي ماتعرفش إنك متجوز لحد ما جيت لعندها هنا تهددها وسطنا كلنا وما احترمتش لا كبير ولا صغير، ودي لا أخلاق ولا أصول الصعايدة. أردف صلاح بتساؤل: ولا أنا غلطان يا نبيل؟ وأنت فهمي؟ تكلم نبيل بتأييد جاد: عداك العيب في كلامك يا صلاح، وإحنا مدينون ليك يا فهمي على اللي حصل من شوية.

أومأ له صلاح بالموافقة قائلاً بجدية: وشهادة حق اتحاسب عليها قدام المولى عز وجل. ابني طلب إيد بنت فهمي قدام الناس وهي رجعت لأبوها وكبرته. سارع فهمي بالتحدث مبرراً: وأنا لا وافقت ولا رفضت الموضوع.. إحنا كنا هناخد وقت نفكر حسب الأصول، لكن كلنا اتفاجئنا باللي كان مكتوب النهارده. كان مصطفى يتابع النقاش بصمت تام، وبملامح غير مقروءة. استأنف صلاح كلامه بتنهيدة عميقة:

قصره اللي حصل حصل.. احسبها كويس يا مصطفى، أنت مش هتتجوزها بالإجبار. إذا عايز ماتطلعش خسران كل حاجة.. تطلع للصحافيين برا تنفي وتكذب خبر خطوبتك بالبنت فوراً وتقول إن كل دي إشاعات من المنافسين وإنها قريبتك من بعيد وبس. وإحنا هنتخذ كل الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عن الإشاعات السيئة اللي طلعت عليهم. انتفض مصطفى واقفاً، يعلو وجهه إمارات الغضب هادراً بشراسة مصحوبة بالاستنكار رافضاً الاعتراف بخطئه:

إيه السهولة اللي بتتكلم بيها دي يا صلاح.. أنت فاهم بتطلب مني إيه؟! أنهى جملته بزمجرة عنيفة، ليقابل صلاح على هذا السخط الناري ببرود تام، واضعاً يديه في جيوبه بطريقة متعالية، ناظراً إليه بتحدٍ. قطع نبيل حرب التواصل البصري، حالما تحدث بصوت حاسم وغير قابل للنقاش:

مصطفى، أنا مع صلاح في كل اللي قاله دا الصح، ومفيش حلول غيره. هي مش عايزة تكمل، هي حرة في قرارها، بس دلوقتي سمعتها هتدمر بسببك. وفي الأول والآخر الغلط كان عندنا كلنا اللي طوعناك. هي مالهاش ذنب. وإذا مش هتنفذ اللي اتقال، يبقى أنت مابتكبرنيش وبتعصي كلامي. بعد مرور ساعة. غادرت أبريل المصعد مع عائلتها، وقبل أن تتمكن من الذهاب خلفهم، أوقفها صوته قائلاً بنبرة هامسة غامضة بالقرب من أذنها: ما تصوتيش.

خرجت شهقة من شفتيها عندما حملها بين ذراعيه بخفة، وبحركة عفوية تشبثت برقبته، غير مصدقة تصرفه غير المتوقع، قبل أن تغمغم باعتراض خجول: انت.. وبعدين في حركاتك دي.. نزلني، هو أنا رجل مكسورة؟ في إيه؟ أنتِ كويسة يا أبريل؟ انفرج فاها استعاداً للرد على سؤال يوسف، لكن أسكتتها على الفور نظرة تحذيرية من رماديتيه، وأجاب بدلاً منها: دايخة ومش قادرة تمشي. أبريل بنفي هامس، وهي تراقب ابتعاد أخيها مع سلمى: على فكرة قادرة أمشي.. نزلني.

استهزأ باسم بامتعاض، وهو يسير بها بخطوات هادئة: أنتي وش فقر.. دا أجمد ست تتمنى تبقى في مكانك. غمغمت أبريل باغتياظ من غطرسته المفرطة: عليك وعلي أجمد ست بتاعتك. باسم باستنكار: هو أنتِ لو سمعتي الكلام مرة واحدة من غير مناهدة هتموتي محروقة؟ سخرت أبريل بعفوية: وهو أنت بقي كيف عندك تحرجني قدام الناس؟ التوت شفتي باسم في ابتسامة مستمتعة بغضبها بلا رد. في هذه الأثناء.

كان صلاح يتحدث بلهجة رسمية، وملامحه تنضح بالجدية، مخاطباً مجموعة من الصحافة والإعلام:

أظن اللي انتو شايفينه يغني عن ألف كلمة ممكن تتقال في الموقف دا.. الباشمهندسة أبريل تبقى خطيبة ابني باسم وبعد شهر من دلوقتي هنعمل خطوبة بشكل رسمي.. وكمان قدامكم بنفسه رجل الأعمال مصطفى الترابلسي اللي بيكون قريب مرات أستاذ فهمي الهادئ.. وأظن مجرد حضوره في نفس المكان يأكدلكم إن كل اللي اتنشر كان إشاعات ملهاش أي أساس ومفيش علاقة صلة بينه وبين الباشمهندسة أبريل غير قرابة واحترام وبس، وإحنا هنتخذ كل الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عن الإشاعات السيئة اللي طلعت عليهم.

عند باسم. وصل باسم بها إلى السيارة، وأنزلها بهدوء على الأرض، وقبل أن تدرك ما يفكر فيه، وجدته وضع ذراعه حول كتفيها، وجذبها بالقرب من حضنه. فرفعت وجهها بسرعة محدقة بملامحه الهادئة بامتعاض، لتهمس باعتراض: إيه الجنان اللي بتعمله؟ مقرب مني كدا ليه؟! عشان نوثق اللحظة بسيلفي، يلا اضحكي عشان الصورة تطلع حلوة. أتبع جملته بغمزة شقية بإحدى عينيه، لتظهر على شفتيها ابتسامة بعدم تصديق لما قاله.

التقط لهما عدة صور باستخدام الكاميرا الأمامية للهاتف، وبعفوية أسندت رأسها على كتفه بقلة حيلة وخجل من نظرات الناس من حولهما. على الجانب الآخر. توقفت سيارة أجرة أمام المستشفى، وترجل منها أحمد، وما إن هم بعبور الشارع حتى ثبتت عيناه في دهشة مصدومة من ذلك المشهد العاطفي أمام سيارة باسم، مما جعل جمرات الغيرة تشتعل في صدره بضراوة، عند رؤيتها تقف بين أحضان نفس الشاب الطويل الذي جمعتها به صورة على موقع التواصل الاجتماعي.

اهتزت حدقتاه بتوتر، ووجهه محتقناً بالغضب، لا يعرف ماذا يفعل. يحاول ضبط تنفسه الثائر، مانعاً رغبته في الذهاب إليهم حتى يدق عنق ذلك الوغد بمنتهى القسوة، دون أن يبالي بأي شيء آخر، لكنه توقف فور أن رأى ما حدث في اللحظة التالية. قبل دقائق بسيطة. تساءل يوسف بسخط مستنكر: دا واخدها على عربيتهم ليه دا.. إيه هنسيبها تركب معاه بعد دا كله ولا إيه؟ نهره فهمي بصوت منهك ناقم:

سيبه يا يوسف، أنت مش شايف العين علينا، هو حالياً خطيبها، يلا اركبوا خلصوني في اليوم دا. نظرت ريهام إلى والدها بعدم رضا، لتتحدث بهمس شقيقها: روح أنت اركب معاهم يا يوسف. هز يوسف رأسه معارضاً إياها بلهجة حادة: أنا مش هطيق أركب مع الجدع دا في عربية واحدة، ممكن أرتكب جناية فيه. زفرت ريهام بتبرم: خلاص روح، مافيش منك راجل يا أخي.. عمر حبيبي تعالي.

امتثل الطفل لأمرها بهدوء، فانحنت وهمست في أذنه ببعض الكلمات، حتى وافق بإيماءة من رأسه في حماس، فابتسمت له بخبث شديد. عند أبريل. تمكنت أبريل من الإفلات من قبضته، وعقدت يديها بعناد على صدرها: لحد هنا وبس، ركوب معاك لوحدي مش هيحصل. أشار باسم بإهمال، وهو يخاطبها بفظاظة مستفزة: أهي عندك عربية أبوكي، روحي اركبي معاهم واستحملي كلامهم طول الطريق. نظرت إليه بضيق شديد، وهي تنفخ خديها بتذمر طفولي.

أبريل.. أبريل.. عايز أروح معاكو ممكن!! حملق بها الطفل الصغير ببراءة، فابتسمت له ابتسامة عريضة، شاكرة إياه سراً على أنه أنقذها من هذا الوضع الصعب مع هذا الذئب المتلاعب، وأطلقت تنهيدة ارتياح، مرددة بصوت ينضح بالرقة: خلاص هركب معاك أنا وعمر. إحساس غامض مفعم بالضيق سيطر عليه حينما رأى مدى ارتياحها لفكرة عدم وجودها معه بمفردها، وكأنه سيرتكب جريمة بشعة ليؤذيها بها.

بالرغم من أنه يطمح إلى بث بعض الطمأنينة بداخلها، خاصة بعد أن شعر بتوترها ورعبها، الذي حاربت لإخفائه بمهارة خادعة خلف تلك النظرات المحتقرة المتحدية لمصطفى، لم يستطع حينها إلا أن يهجم عليه بعنف شرس يتنافى مع طبيعته اللامبالية، ليكسر حلقة التهديد المروع في قلب تلك الهرة المرتعدة خلف ظهره تحتمي به متجاهلة جميع من في الغرفة.

ربما هذا السبب فعل زر الحامي في أعماقه من أجلها، دون أن يترك لنفسه أي مجال لترجمة مشاعره الغريبة غير المفهومة. انتزع نفسه بسرعة من هذه الأفكار، وهو يتجه إلى الجانب الآخر من السيارة، ويتمتم من خلال أسنانه المطبقة: طيب يلا اركبوا وامري لله. انطلق باسم بسيارته تحت أنظار أحمد الذي كان يرمقهم بنظرات حادة قاتلة، وبعنف تتخللت أصابعه في خصلات شعره الناعم، مدمدمًا بألفاظ نابية، ثم أوقف سيارة أجرة ليتبعهم. في المنصورة.

داخل منزل والدة نادية: أنا عايزة أطلق يا مرجانة. هتفت نادية بهذه العبارة فور دخولها المطبخ حيث كانت والدتها واقفة، التي همهمت بلا مبالاة: معلش يا نادية. صاحت نادية بصوت منفعل: هو إيه اللي معلش يا ماما؟ هو أنتي سمعاني أصلاً؟ استمرت مرجانة في تحريك محتويات الطبخة فوق النار، وهي تقولها ببرود وملل: أطرشت من كتر ما سمعت منك الجملة دي. كل مرة ينزل فيها إجازة وبعد دقيقتين بترجعي في كلامك. عبست نادية بضيق

معارضة إياها بصوت مقهور: لا المرة دي غير كل مرة يا ماما، أنا هاخد موقف.. دا سايبني أنا أتحرق هنا وهو دلوقتي معاها. هو فاكرني إيه؟ من جبس؟ لطمت مرجانة على خدها، وهي تهمهم باستياء: يا خيبتك في بنتك يا مرجانة، عقلها سرح منها خلاص. أجابت نادية بنبرة مرتعشة، ودموعها تنهمر في هزيمة منكسرة، واضعة يدها على صدرها: أنا قلبي تعبني أوي يا ماما، خلاص حاسة إني هموت ونفسي بيروح من قهرة قلبي.

أطلقت مرجانة تنهيدة مليئة بالأسف، وهي تخفض الحرارة على الطعام قبل أن تتجه إليها، وتربت على ظهرها بتعاطف، وهي تسير معها إلى غرفة المعيشة لتقول بحزن: كان مين غصبك على العيشة دي يا نادية؟ ما أنا ياما قولتلك يا حبيبتي اطلقي منه وخذي معاش أبوكي الله يرحمه وعيشي بيه أنتِ وبنتك معززة مكرمة هنا. جاورتها مرجانة على الأريكة، تثني إحدى ساقيها تحتها وهي تصر على أسنانها، قائلة بنبرة ذات مغزى:

بس الأول ابقي مالية إيدي منك.. مش تعملي زي كل مرة وتجري عليه زي الخايبة. انتفضت نادية بتسرع: لا والله المرة دي غير كل مرة والله العظيم. تقوس فم مرجانة بابتسامة ساخرة، ووضعت كف يدها على خدها تنظر إليها بتفحص: اهي هي الجملة دي.. كل مرة تجيلي غضبانة وبتاكلي في نفسك وتقعدي تسخني فيا.. لحد لما السكر والضغط يعلوا عليا.. ومع أول مكالمة منه يطمن على بنته كمان مش عليكي.. بتقومي تاخدي بعضك وترجعيله.. حصل ولا محصلش؟!

استدارت نادية في جلستها، وهي تفرك كفيها ببعضهما، قائلة في اعتراف مليء بالخجل من نفسها: حصل.. حصل.. بس يعني هو ذنبي إني بحب جوزي وباقية عليه يعني يا ماما؟ أنهت كلامها بمرارة، ثم انفجرت في البكاء المرير، وتساقطت دموعها الحارقة على خديها. ربتت والدتها على كتفها بضيق مقهور:

يا حبيبتي مش عيب الست تحب جوزها وتموت في التراب اللي بيمشي عليه كمان وتعمل كل اللي يرضيه.. بس لازم تبين قدامه شوية كرامة عشان ما يستهيفهاش زي ما بيعمل دلوقتي فيكي.. اهو راح يشوف بنت خالته اللي الكل عارف إنها لسه مشعشعة في نفوخه ولا سأل فيكي يا بنت الخايبة. حدقتها نادية بنظرات جاحظة، وتذمرت بنبرة متحشرجة بالبكاء: هو انتي كدا كل ما أجلك تقعدي تقطمي فيا وخلاص.. معرفش حظي ماله مقندل كدا ليه معاكو كلكو؟!

لكزتها مرجانة في كتفها مغتاظة من سلبية ابنتها، لتردد بصوت متهكم: حظك ما كانش في أحسن منه يا بنت بطني.. أنتِ اللي ميلتي بختك بإيدك يا أختي فاكرة ولا نسيتي؟ واصلت حديثها بعتاب، وهي تهز الطفلة الباكية مثل أمها على قدميها:

ولو نسيتي أنا هفكرك يا بنت مرجانة.. كام جدع ما فيهوش غلطة اتقدمولك وكنتي بترفضيهم.. أنتِ اللي قبلتي تتخطبي لواحد وإنتي عارفة إنه جاه يخبط على بابك كيد في بنت خالته.. بس أنتِ اللي قولتي أنا موافقة على دا يا ماما أنا بحبه يا ماما وما صدقت إنه طلبني للجواز وهخليه يحبني بعد الجواز.. وادي آخرتها قاعدة بتتلوني عشانه في مية شخصية وشكل كل مرة بينزلك فيها من الكويت عشان تملي عينه وأول ما عرف إنها ما بتردش سابك وجري عليها عشان هي كرفته ومش معبره.

عقدت نادية جبهتها في انزعاج، ورغم أنها اعترفت بصدق حديثها، إلا أن قلبها يسكنه سلطان واحد، وهو الأمر الناهي في دقاتها، بينما لوت مرجانة شفتيها إلى الجانب، وأضافت بنبرة حادة غير راضية عما تسمعه: أنتِ اللي رضيتي بالقليل عشان بتحبيه، عملتي نفسك طرشة عشان ماتسمعيش البنات وهي بتكلم في فرحك وبتقول دي خطفت خطيب صاحبة اختها. خرجت من شفتيها تنهيدة حارة أعقبها صوتها المبحوح:

لازمتها إيه بلاعة الذكريات اللي فتحتيها لي دي يا ماما.. يعني بذمتك أنا ناقصة، مش كفاية حرقة دمي وبتحرقي دمي زيادة.. أنا جايلك عشان تطبطبي عليا وتبردي نار قلبي شوية مش عشان تقومي حريقة في قلبي كدا وتيجي عليا. لكزتها مرجانة بقسوة في خصرها قبل أن تصيح بسخط:

افهمي يا حمارة يا بنت الكلب.. اللي بياكل سكر على طول نفسه بتجزع، وطول ما أنتِ مدلدقة حنان واهتمام كدا وفاكرة إن دا هيلزقه فيكي تبقي هبلة.. أوقات الراجل يحب اللي تتقل عليه بس بدلع.. تنشغل عنه بحاجة مايعرفهاش وتبطل تجري وراه.. ساعتها بيبقى هيجنن ويعرف إيه اللي مركزة فيه ومش شايفاه وهو قدامها.. بس أنتِ بطريقتك دي مخلياه يتمرع عليكي وهيفضل يبيع ويشتري فيكي وممشيكي على مزاجه هو. عمال يروح ويلف على كيفه كدا.. وهو ضامن إنه هيرجع يلاقيكي على حالك مستنياه.. يا ما قولتلك خليكي معاه زي الميزان، اظبطي إيدك وايدلو كل حاجة بمقدار.. لا تجوعيه لحد ما يموت ولا تشبعيه لحد ما يفطس منك.

شهقت نادية بعفوية، وهي تتمتم بنبرة مذعورة: بعد الشر عنه يا ماما. رمقتها مرجانة بعينين جاحظتين من الصدمة، وهدرت بنبرة غاضبة: يخربيت أمك يا بت المجنونة.. جننتيني معاكي.. اتنيلي خدي البت نامت وخليني أشوف الأكل اللي على النار. في نفس المنزل.

اعتدلت أبريل في جلستها على سجادة الصلاة بعد أن أدت صلاتها بخشوع، ثم فتحت مصحفها الصغير، وبدأت في القراءة وعيناها المتضرعتان ممتلئتان بالإرهاق حتى شعرت بالطمأنينة والراحة تتسلل إلى صدرها. بعد مرور بعض الوقت، قامت من مكانها، ونزعت عنها الإسدال. سارت أبريل حافية القدمين، مرتدية بيجامة ذات لون سماوي بأكمام قصيرة مصنوعة من قماش خفيف، وهي تتأمل بفيروزيتيها، وتتفحص غرفة الضيوف التي أعدتها لها زوجة أبيها سلمى.

خرج زفير عميق من شفتيها، وهي مستلقية على السرير تضم شال جدتها الحبيبة إلى أحضانها بمزيج من الاسترخاء والهدوء، لتشرد في التفكير بأحداث اليومين الثقيلين الأخيرين، بكل ما حدث فيهما، منذ لحظة خروجها من المنزل هاربة وصدفة لقائها بهذا الذئب الباسم، مروراً بزيارة مصطفى في المستشفى، وما فعله باسم لأجلها اليوم، أقنعت نفسها بأن هذا المشهد في غرفتها بالمستشفى كان مجرد عرض في مسرحية من إخراجهما معاً، وتعترف بأنه تفوق على نفسه في لعب دور العاشق والحامي لحبيبته، ثم اختتم اليوم بالظهور غير المتوقع لأحمد قبل عودتها إلى منزل والدها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...