بيني وبينك حروبٌ صامتة .. لا أنت بدأت السلام لتنهي المعركة، ولا أنا انسحبت مهزومًا لينهيه. بيني وبينك جدرانٌ من مكابرة، بنيناها بأنفسنا دون أن نشعر ولو للحظةٍ أننا لن نستطيع هدمها. بيني وبينك مللٌ وإحباط، لم نكن نعرف في بداية الأمر أننا سنصل إليه يومًا. كنا نظن أن قصتنا ستكون مثل بداياتها الرائعة. بيني وبينك نار الغيرة الحمقاء التي لا تعرف المنطق أبدًا. بيني وبينك كل موقفٍ أهوجٍ تصرفنا به كالغرباء مع بعضنا البعض.
بيني وبينك حماقة. بيني وبينك تسرّع. بيني وبينك انفعالاتٌ بغير مكانها سببت لي ولك جراحًا. بيني وبينك محادثاتٌ بالساعات مليئةٌ بالحُب والأمل. بيني وبينك محادثاتٌ لم تكمل الخمس دقائق لا نجد فيها ما نقوله! بيني وبينك تحّولٌ جذريٌّ مخيف. بيني وبينك فراق كان مثل بداياتنا .. عنيف وصادق. *** عند عز "ولو انطبقت السما على الأرض عمري ما هسامحك." "اهدي يا مني، كفاية تعملي في نفسك كدا."
اقترب عز بلهفة بعد أن انتابه القلق عليها بشدة، رغم حزنه من شراسة هجومها عليه: "خلاص يا حبيبتي.. اهدي، انتي تعبانة وفقدتي دم كتير. غلط عليكي كدا عشان صحتك و... "صحتي!! " غضبت حاجباها بإستنكار، ورددت بقهر منتَحِبَة: "أنا عايزة ابني يا ماما، مالحقتش حتى أحس بوجوده ولا أفرح بيه." ألقت بنفسها على صدر أمها مع كلماتها الأخيرة، لتربت سوسن على خصلات شعرها البنية بحزن،
محاولة التخفيف عنها: "ربنا هيعوضك يا حبيبتي.. استهدي بالله كدا، دا قضاء الله، مكنش مكتوب له يكمل." جلس عز سريعًا على حافة السرير ليخبرها بأسلوب رقيق حنون، محاولًا استرضائها: "أنا مستعد أعملك كل اللي تطلبيه، كل حاجة، الدنيا كلها متغلاش عليكي عشان تسامحيني وتتحسني يا حبيبتي." "مش عايزة أي حاجة منك غير ورقة طلاقي، تبعتهالي وبعدها مش عايزة أشوفك تاني."
حدقت مني إليه بضراوة حارقة مع إختتام حديثها القاسي على قلبه الذي يرتعد بين ضلوعه من شدة اللوعة. إنه لا يعرف ماذا يفعل، فهل يبكي على حاله أو حالها؟ يلتمس لها كل أعذار العالم لما فعله بها، ولكن فكرة ابتعادها عنه تفقده عقله وتنتزع روحه من جسده، مما جعل دموعه تتساقط من مقلته لا إراديًا قائلًا
بخوف من فقدانها: "انتي بتقولي من قهرتك وجرحك كبير ومقدر إن اللي مريتي بيه مش سهل، وأنا مستعد أستحمل منك كل حاجة.. بس أنا مقدرش أبعد عنك يا مني، انتي محتاجالي زي ما أنا محتاجالك ومش هسيبك. هردك لعصمتي تاني ودلوقتي." امتزج إصرارها الحاد بدموعها الغزيرة على خديها المحتقنتين من شدة الانفعال في قلبها المحطم: "إذا عملت كدا هخلعك يا عز.. مش كفاك كل الأذى اللي وصلته بسببك؟ انت أكتر مخلوق على الأرض بقيت بكرهه وبحتقره، فاهم؟
بحتقرك وبكرهك. اطلع من حياتي خالص، مش طايقة أشوفك قدامي ومش عايزة منك حاجة." ظلت تتلوى بشكل متشنج بين ذراعيه التي كان يحاول أن يحيطها بهما حتى يسيطر على حركاتها الخرقاء، لكنها استمرت في الصراخ وهي منهارة، تبكي بمرارة، حتى جاءتهم الطبيبة بسبب الضجيج، قائلة بنبرة جدية: "كدا مينفعش يا جماعة، حالة المدام ماتسمحش بكل الانفعال دا، خصوصًا مع كمية النزيف اللي حصلتلها." تابعت بعملية: "لو سمحتم اطلعوا برا."
وقف مكانه بعينين متحجرتين وملامح جامدة، نقشت العذاب على ملامحه بإتقان، بينما تنهدت الطبيبة بإستسلام وأعطتها حقنة مهدئة بعد أن أصيبت بانهيار عصبي من قوة صدمة فقدان جنينها، وبعد عدة لحظات بدأ الدواء يسير مفعوله في عروقها مما جعلها تسترخي تدريجيًا على السرير، وهي لا تزال تتعرق وتهذي بكلمات غير مفهومة حتى ذهبت إلى عالم آخر أمام نظراتهم الحزينة والمشفقة. *** في غرفة ابريل بالمستشفى "عمر!!
حاظت عيناها على اتساعها بذهول، واحتبست أنفاسها تلقائيًا في صدرها، وهي تنطق بسعادة مشدوهة: "عمر؟ ركض الطفل نحوها مباشرة، ورمى جسده الصغير بين ذراعيها، وهو يقول بصوت لاهث: "جيت أديكي حضن كبير بتاع انهاردة وامبارح.. انتي وحشتيني." "ابريل انتي كويسة؟ " سأل عمر باهتمام، لتقبل خده بلطف تحت أنظار باسم، حيث كان مذهولًا من تغيرها الجذري مع عقلة الإصبع هذا،
بينما قالت بحب حقيقي: "يا حبيب قلبي أنا زي الفل.. وانت كمان وحشتني أوي.. انت ازاي جيت هنا؟ أجابها عمر بتلقائية طفولية: "مع ماما وجدو وتيتة، بس أنا سبقتهم وجبتلك دي. عارف إنك بتحبيها هناكلها مع بعض." نظرت إلى الكيس البلاستيكي بإنشداه، ثم قبلت خده مجددًا بضحكة جميلة: "يا روح قلبي ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا."
همت بفتح الكيس، فقاطعها باسم، وهو يأخذها منها بحركة مباغتة بعد أن جلس بجانبهما على الأريكة، ومد يده لها بالكوب قائلًا بنبرة آمرة باردة: "اشربي اللبن الأول." رد عمر بسرعة بدلاً منها: "لا ابريل بتكح كتير ووشها بيحمر من اللبن." ابتسمت للطفل، وأخذت الكأس من يد باسم، وأعطته له قائلة بحنان: "خد انت اللبن اشربه يا حبيبي، ولما تخلصه هناكل غزل البنات، اتفقنا." تعجب باسم من هذا الحب الشديد بينهما،
وقال بتساؤل: "بتاكلي بسكوت مع الشاي ولا عايزة كروسون؟ .. أوعي وشك يبقى بيحمر منه دا كمان!! انزعجت إبريل من أسلوبه الساخر المعتاد معها، وهمست بحدة: "مش عايزة حاجة، قلتلك انت مابتفهمش عربي. رجعلي باسبوري واتفضل امشي من هنا، كتر خيرك لحد كدا." مال باسم نحو أذنها، وتمتم بنفس النبرة: "طيب، عناد فوق عنادك مش ماشي، ولا هرجعلك باسبورك إلا لما تسمعي الكلام وتخلصي فطارك. ادينا قعدينا." اغتظت ابريل من تهديده لها،
لتدمدم بعناد رهيب: "مش سامعة كلام، وهات الباسبور بالأدب وإلا... قطع صراع الهمس بينهما صوت أنثوي يقول بهدوء: "صباح الخير." اتجهت أنظارهما نحو الباب، ليجدوا ريهام تدلف بطلة أنثوية جذابة، ورائحة عطرها الرائعة تسبقها، فردا التحية في نفس الوقت. "ازيك يا باسم.. عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟ حاسة إنك أحسن." اكتفى باسم بهز رأسه، في حين ردت ابريل بإقتضاب: "الحمدلله." شعرت ريهام بإستمرار ابريل في الانزعاج منها،
لتقول بنبرة عادية: "بالمناسبة بابا بيتكلم مع الدكتور برا عشان يطمن على صحتك وداخلين يشوفوكي." أضافت وهي تشير إلى الطفل: "تعالي يا عمر اغسل إيدك، عن إذنكم شوية وجاية." *** عند هالة "انتي بتعملي إيه؟! أمسكت هالة كف يده الباردة بأطراف أصابعها المرتجفة وبسطتها، لتضع خاتم الخطوبة الذي لم تلبسه إلا ساعات قليلة، قالت بابتسامة باهتة: "اتفضل.. دي مش بتاعتي وماكنش المفروض ألبسها، وهي من حق واحدة تانية."
رمق ياسر الخاتم الذي في يده بتعجب، وخاطبها باستنكار: "هالة.. انتي منفعلة دلوقتي، بلاش قرارات نندم عليها بعدين عشان شوية حكايات في بالك مالهاش أساس." "بالظبط، هي فعلاً كانت حكاية وكل حكاية وليها نهاية.. بس تصدق أنا كنت عارفة النهاية قبل ما تبدأ الحكاية دي، بس كنت بقاوح مع نفسي." قالت هالة ذلك لتهم بالرحيل، لكن قبضته على معصمها منعته،
قائلة بنبرة غاضبة: "استني هنا.. انتي عمالة تجيبي كلمة من الشرق وكلمة من الغرب ومش مديني فرصة أدفع فيها عن نفسي، ولا عايزة تسمعيني." نظرت هالة إلى يده بارتباك، وتحدثت بأهدأ لهجة تملكها، وأشارت إليه بحزم: "الكلام بينا خلص خلاص، لو سمحت سيبني أمشي." هز ياسر رأسه بالنفي، وشدها إليه أكثر، قائلًا بحدة: "مش قبل ما تسمعي اللي هقوله." لم يترك لها أي مجال للرد، بل سحبها خلفه إلى الباب الخلفي للسيارة،
وقال بنفاذ صبر: "اتفضلي اركبي." هل أصابه الجنون؟ هذا ما كان يدور في رأسها، من تحوله المفاجئ، لتهتف بارتياب، وكأن أذنيها لا تسمعان ما أمرها به؟ : "هو انت مسكني كدا ليه؟ صرخ ياسر على أسنانه، وهو يشدد قبضته عليها، وقد وصل سخطه منها إلى أقصى حد، وهو يتمتم بتحذير: "الناس بدأت تتفرج علينا، خلينا نروح نقعد في حتة ونتفاهم."
وضعت هالة يدها على يده، تحاول أن تدفعه عنها، وكانت على وشك الرد، لكن قاطعها جسم ضخم وقف كالحاجز بينها وبين ياسر، وقال بصوت رجولي بارد: "مش من الأصول تسحب بنات الناس من إيدها في الشارع وتركبها العربية وبالعافية، ماينفعش." *** في غرفة ابريل بالمستشفى مرت عدة دقائق، وهما يستمعان إلى صوت صنبور الماء من داخل الحمام، فيما جلست إبريل بجوار باسم، تهز قدميها بحركة متوترة، وعيناها على باب الغرفة.
رمقها باسم بنظرة خاطفة، وهو يعلم ما يدور في ذهنها. "إذا وجودي مش مريحك فإنا ممكن أمشي." قال ذلك بهدوء خبيث، ثم نهض من مقعده ينوي الذهاب إلى الباب، لكن أبريل انتفضت بسرعة خلفه، وتلقائيًا تشبثت بذراعه لتمنعه من الخروج، قائلة بلهفة متوترة: "هتروح فين؟ انت هتسيبني هنا وسطهم لوحدي؟ خليك وانسي مؤقتًا للي كنا بنقوله."
كتم باسم ابتسامته، وهو يحاول الحفاظ على ملامحه الجدية، بينما كان يستمتع بعنادها الذي تتمسك به بإستماتة، فرفع وجهه إلى أعلى وكرر بمكر: "مؤقتًا ها؟ لا يا ستي ماتجيش على نفسك كدا.. شكلي فرضت نفسي عليكي أكتر من اللزوم ودي مسائل عائلية وأنا غريب!! ردت ابريل بإرتباك: "عادي مفيش مشكلة إذا قعدت." جلس باسم على حافة الأريكة، فأصبح مستوى طولها تمامًا، وتساءل في دهشة: "تغيير مش متوقع صراحة.. بس عارفة الجملة دي ناقصة حاجة."
عقدت ابريل ذراعيها إلى صدرها، وتساءلت بعدم فهم: "إيه بقي؟ تأملها عن كثب للحظات قبل أن يقول: "إحساس واحترام." ارتفع حاجبها بتعجب، وهمست بتساؤل: "انت بتتلكك بقير؟ رفع باسم حاجبه بحركة مماثلة، وأجابها بتحدي هامس: "آه بتلكك.. قولتي إيه؟ زفرت أبريل الهواء بضيق يظهر مدى الحنق الذي يشتعل في عروقها، قالت بتبرم: "لو سمحت ممكن تخلي." هز باسم رأسه بعدم رضا، وقال بإبتسامة جانبية: "بنفس عشان أصدقك."
مضت عدة ثوان أدارت بهم وجهها إلى الجانب الآخر، لتتنفس بعمق قبل أن تنظر مرة أخرى إلى عينيه الرماديتين الداكنتين، ثم تحدثت بصوت رقيق مملوء بالرجاء الصادق: "ممكن لو سمحت تفضل معايا وماتسيبنيش هنا لوحدي." تبادلا النظرات للحظات بين الحاجة والقلق والرضا والصمت، قبل أن يقرب شفتيه بجوار أذنها، لتتغلغل رائحتها الرقيقة إلى رئتيه، وهمس في تساءل شارد بصوت حانٍ جعلها ترتجف كأنه يحادث نفسه: "أسيبك وأروح على فين؟ ***
أمام غرفة في ممر المستشفى جر قدميه إلى خارج الغرفة منهكًا، وعيناه غير قادرتين على رؤية أي شيئًا مملوءتين بالحزن، وكلماتها القاسية لا تزال تتردد في أذنيه، مما جعل حياته سوداء كالليل المظلم، لكن قلبه الهادر باسمها سيظل متمسكًا بالأمل، ربما تحدث معجزة سحرية حتى يعود حبيبته بين ذراعيه مرة أخرى. أفاق عز من حالته على صوت يهتف بأنفاس لاهثة: "ماما." رأت سوسن ابنها قادمًا بخطوات واسعة نحوهم، وعندما
وصل إليهم قالت بتعب: "تعالى يا حازم شوف اللي جرا لأختك؟! التقط كفها الباردة بين يديه، يربت عليها بلطف، ويقول لها في حرج: "معلش اتأخرت عليكم غصب عني." تسأل حازم بقلق: "طمنوني، إيه أخبار مني؟ عملت في نفسها كدا ليه؟ سوسن بمرارة متجاهلة وقوف عز ودعاء الصامتة: "حالتها لا تسر عدو ولا حبيب.. أختك مدمرة. على أول ما تقدر تقف على رجليها هاخدها ونسافر على الشرقية." سارع عز بالتدخل بشكل فظ: "تسافر إزاي يعني يا حجة؟
حازم بهوادة: "استهدي بالله يا عز.. أكيد مني محتاجة تغير جو، والسفر هيساعدها." أطلقت سوسن تنهيدة ساخرة، ولم تعجب عز نبرة التهديد منها عندما تحدثت بحزم: "اسمع يا عز، قدام الكل بقولك بنتي ورقتها توصلها لحد عندها، ومتتقربش منها تاني، كفاية اللي جرا لها بسببك لحد كدا." تدخل حازم يقول بإستنكار: "أهدي يا ماما، طلاق إيه بس؟ قالت سوسن بجفاء مغمور باللوم: "اسأل جوز أختك، ولا أقول طليقها بعد ما رميت عليها يمين الطلاق امبارح."
تكلم بخشونة تضاهي سوداويته الحادة: "اسمع يا حازم، خلاص أنا موافق إنها تسافر عشان تهدي أعصابها وتعرف تفكر كويس، بس مش هطلقها رسمي إلا لما تبقي متأكدة من قرارها، وأي حاجة هي عايزاها أنا هنفذها، ودا آخر الكلام."
مشى بجانب أمه بضيق شديد، وقلبه يغلي غضبًا وقهرًا، لا يصدق أنه سيسمح لها بالابتعاد عنه، لا يستطع تحمل فكرة الفراق عنها بتلك السهولة، لكن كان عليه أن يمنحهما فرصة للتفكير والاسترخاء، ربما تغير قرارها الذي اتخذته عن مستقبلهما معًا. *** في شقة زينب "اه يا ركبتي بقالي يا أختي مدة ركبتي بتنقح عليا. العيال وطلباتهم هدّت حيلي." قالت ذلك أختها بنبرة متعبة، بينما كانت تجلس معها في غرفة المعيشة،
فخاطبتها زينب بلطف: "سلامتك يا حبيبتي، ابقي فكريني وإنتي نازلة أديكي اسم مرهم هيسكنلك الوجع." ردت بابتسامة: "تعيشي يا قلبي.. طمنيني، صوتك في التليفون قلقني، خير حصل إيه؟ انتي خوّشتيني أوي." خفضت زينب عيناها، قائلة بتنهيدة يتخللها الأسى: "مش خير خالص يا سناء.. أنا في غلب من ساسي لراسي يا أختي وضغطي واطي وتعبانة." وسناء بفضول: "سلامتك.. غلب إيه؟
خير كفالله الشر.. هو مش أحمد اسم الله عليه رجع من السفر وخدتيه في حضنك واطمنتي عليه؟ قلباها محزنة ليه بقي؟ زينب بتبرم: "يا فرحتي برجوعه.. رجع وناوي يخرب بيته بإيده." "مش فاهمة حاجة؟ روت لها زينب بسخرية الحديث الذي دار بينها وبين أحمد بعد قراره السفر إلى القاهرة: "امبارح فتحني في سيرة اللي ماتتسمي." حكت سناء طرف حاجبها بحيرة: "قصدك على مين؟ هتفت زينب بنزق: "البت ابريل، هو فيه غيرها ماتتسمي؟
لوت سناء شدقها بعدم رضا: "إيه اللي فكروا بيها تاني؟ مش اتقفلت السيرة دي من يجي أربع سنين؟ من يوم ما فركشتي خطوبتهم والغندورة سافرت عند أبوها وخلصتوا من همها وابنك بسم الله ماشاء الله عليه اتجوز وخلف وارتاح قلبك." هزت زينب رأسها بالنفي عدة مرات، وقالت بحسرة: "مفيش حاجة اتقفلت يا سناء يا أختي." "يعني إيه الكلام دا يا أختي؟ معقولة لسه حاططها في دماغه؟
"الله يسامحك يا ابن بطني.. من لحظة ما عرف إن المحروسة خطوبتها اتفسخت والموضوع رجع يشعشع في نفوخه من تاني." سناء بإستفهام: "طيب ومراته؟ ردت بابتسامة متكهمة ممزوجة بالقهر: "بيقول إن معندوش حاجة تمنع ويقدر يفتح بيتين.. الحكاية دي تدخلنا في خناق ومشاكل من تاني مش عارفة أعمل إيه." سناء بدراما: "يا خبر زعلتيني ليه كدا؟ هي مراته مالها؟ ماهي زي القمر وبتحبه وتتمناله الرضا يرضي."
"أهو اللي حصل مش راضي باللي مقسوم له، وكل ما أفتح بوقي يقلبلي خلقته.. كأنه بيقولي انتي السبب يمه وأنا سبتها عشان خاطرك.. بس لسانه مابينطقش.. وأنا قلبي حرقني عليه. يعني كنت مفكرة لما يتجوز ومراته تبقي في بيته هيركز معاها وينسي ابريل وأيامها." "يا زينب ماهو دا الطبيعي، مش سهل على البني آدم ينسى حد كان بيحبه ومتعلق بيه، خصوصًا إنهم متربين مع بعض من صغرهم."
زينب بضيق شديد: "مش عارفة، مش عارفة أعمل معاه إيه بس يا خوفي لا ينخرب بيته ويرجع يندم." ربتت سناء على كتفها بمواساة يتخللها اللامبالاة بالأمر: "إن شاء الله خير، اهدي انتي بس." *** في غرفة ابريل "الله الله.. واضح إن صحتك ردت. لابسة ومحضرة شنطتك كمان. إيه؟ كنتي عايزة تكرريها تاني؟ مش كدا يا بن... صاح فهمي مستنكرًا بشدة بعد أن اقتحم الغرفة وسلمى خلفه،
ثم واصل حديثه الغاضب: "ومعناه إيه اللي منشور في الجرايد وعلى المواقع دا يا ابريل؟ يعني إيه انتي تعلني للصحافة إنكم مخطوبين؟ حتى قبل ما يتقدملك في الحفلة؟ ممكن تفهمونا؟ وزع فهمي نظراته بينهم، ليبادر باسم بالتحدث بصوت هادئ: "ممكن تقعد يا عمي وتهدى عشان نعرف نتكلم." بدأ يغزو الارتباك كيان أبريل، لذا حاولت الحفاظ على بعض الهدوء والاستقرار الانفعالي، وهي تسأل بصوت متقطع: "هو مين قال أصلًا إنها هربت؟
فهمي بنفاذ صبر: "أومال إيه كل اللي حصل دا إيه؟ تقدري توضحي لنا؟ حركت قدميها نحو السرير، وعقلها يعمل بأقصى سرعة حتى جلست على مسافة قليلة من باسم، وكأنها تبحث عن ملجأ آمن بجانبه، وأجابت بتوتر: "حصل بالغلط غصب عني.. كنت مضايقة ومخنوقة من القعدة في الأوضة لوحدي.. لقيت نفسي بلبس عشان أروح الخطوبة." استنكرت سلمى بعدم اقتناع: "أومال مين ولع في الفستان إن شاء الله؟ كانت الولاعة بتعمل معاكي إيه من الأساس؟! أخبرتها ابريل بلهجة
مغلفة بالثبات والثقة: "كانت هدية من مصطفى.. كنت رامية الفستان على الأرض من عصبيتي.. واظاهر إن شبكت فيه النار لما وقعت مني الولاعة من غير ما آخد بالي وأنا خارجة.. ولما خرجت لقيت الأمن بيجروا ورايا فاتخضيت وجريت منهم لحد ما وصلت لفيلا أونكل صلاح.. وهناك قابلت باسم وهو اللي فاجئني بطلب جوازه مني وقتها اتجمع المصورين علينا وسمعونا معرفناش نوضح لهم حاجة وكل حاجة حصلت بسرعة."
سلمي بسخرية: "واحنا المفروض نصدق التمثيلية العبيطة بتاعتك دي؟ اندفعت ابريل تقول بنبرة قوية ذات مغزى: "زي ما أنا صدقت تمثيليتكم الخايبة ليا." صرخ فهمي بعنف على إثر ذلك انتفضت ابريل وشحبت بخوف: "شكلك مش حاسة بالفضيحة اللي حصلت بسببك لينا ولمصطفى ولأهل باسم كمان." ضاقت عيناها بدهشة حقيقية، وهي تجيبه بدفاع عن نفسها: "فضيحة ليه؟
أنا معملتش حاجة أخاف منها.. ومصطفى مالوش عندي حاجة، خطوبته وفسختها لأنه واحد كداب وغشاش.. وقرار خطوبتي من باسم محدش له إنه يدخل فيه، دي حياتي ومن حقي أنا اللي أختار أعيشها إزاي؟ زجرها فهمي بصرامة حانقة: "اخرسي يا بنت، انتي جايبة البجاحة دي منين؟ بقي دا جزائنا على اللي بنعمله عشانك يا بنت إلهام؟
سارع باسم بالتحدث بدفاع: "فهمي بيه، المكتوب دا كلام جرايد ومتفبرك.. أظن إنك المفروض تكون أكتر واحد فاهم كدا كويس.. المهم دلوقتي نحضر في أسرع وقت ترتيبات الخطوبة عشان نقفل على إشاعات طلعت دي نهائيًا." ريهام بإنخراط في الحديث: "وانت تعرفها أصلاً منين يا باسم وامتى عشان تتقدملها؟ وليه عايز تتجوزوا بالسرعة؟ تابعت ريهام بخبث خفي: "إلا إذا انتو حصل بينكم حاجة وعايزين تتجوزوا عشان تداروا عليها؟ *** في شقة تحية
"تفتكري يا ماما يعني لو كان جاب البنت دي من أبريل مش الحياة كانت هتبقى أحسن؟ هتبقى متشحطة معاهم كدا؟ هزت تحية رأسها بسرعة مستنكرة بشدة، وقالت: "استغفري ربنا يا صابرين، لو دي من الشيطان يا صابرين.. دي إرادة ربنا، هو اللي بيوفق وهو اللي بيفرق.. يلا ربنا يكتب لهم الخير كلهم ويوفق كل واحد في حياته." "اللهم أمين يارب العالمين."
تابعت صابرين بإغتياظ: "بس أنا برده لحد النهارده مفروسة من زينب.. فضلت تزن على ودانه بكلام فارغ، قال إيه.. أبريل دي عاملة زي الطير المهاجر من عشه وبكرة تتلوى عليك لو صالحته ونفذتلها طلبها، وهتركبك وتسوق هي.. وشحنته كلام زي الزفت في حق البت الغلبانة.. ومافيش شهر وراحت خطبتلو نادية وقال إيه إحنا هنجوزهم بسرعة، البت أهلها مجهزينها من الإبرة للصاروخ وهي موافقة ماتكملش بعد الثانوية كمان عشان خاطر عيونه، وفي الآخر أهو بقي بيسيبها بالشهور لوحدها وبيطل عليها شهر واحد في السنة. بالذمة دا مش حرام عليه؟
تحية بتنهيدة: "الله يصلح حالهم، هنقول إيه، دا النصيب.. فكرتيني صحيح من ضمن حجج مرات أخوكي اللي مابتخلصش عشان تسم بدنها.. أبريل مش فاضية تجهز نفسها وملخومة في دراستها، الله يهديها ويسامحها." صابرين بتأكيد: "أبريل عزيزة النفس، وكانت مابتتكلمش عن جهازها دا خالص ولا بتجيب سيرته." تحية بقلة حيلة: "الله وحده يعلم الحال، كان ممشينا بالعافية، أنا لو عليا كنت جبت لها الدنيا عندها."
"بس بابا الله يرحمه ليه فضل رافض خالص إنها تشتغل رغم إنها كانت بتزن عليه كتير؟ "أبوكي ماكنش عايزها تتبهدل عشان صحتها ومذاكرتها ماتتأثرش، مش هتبقى خربانة من كله.. واختك الله يسامحها مابتسألش في بنتها، حاطة إيديها في الميه السقعة وأبوها يدوب بيبعتلها مصاريف دراستها بالمعافرة والمحايلة كأننا بنشحت منه." صابرين بخفوت: "يلا في الأول والآخر دا نصيب يا ماما." ابتلعت تحية تلك الغصة
في حلقها قبل أن تردف: "أيوه بس أنا لحد دلوقتي قلبي مش مسامحها خالص.. أبريل السنة دي أخدت الشهادة الكبيرة، وزي ما زينب كانت عايزة أحمد يتجوز عشان تشوف عياله، اهو اتجوز من أربع سنين وعنده بنوتة ربنا يخليهاله، بس اهو مش راضي بعيشته وسابلها البلد كلها وسافر، استفادت إيه بأنانيتها دي؟ هزت صابرين رأسها بالإيجاب، وهي تقول بأسف: "ربنا يهديهم يا ماما، اهدي انتي وروقي، لا ضغطك يعلى مش ناقصين.. هتعملي إيه في تفكير زينب يعني؟
أمه وماحلّيتهاش غيره ومتمسكة بيه أوي.. ومن زمان وهي مش متقبلة حبه لإبريل، وكانت بتغير منها خصوصًا بعد ما بقت خطيبة ابنها." تحية بإنفعال طفيف ينم عن شدة القهر الذي تشعر به على صغيرتها: "هي اللي عقلها صغير ومابتفكرش غير في نفسها.. كل دا عشان معاملته كانت كويسة معاها ومراعي ظروفها، استكترت على البت تفرحلها شوية." اهتز صوتها في نهاية العبارة بالحزن، فربتت صابرين
على فخذها بلطف قائلة بضيق: "هو دا مربط الفرس يا ماما.. ظروف أبريل ودلعها مننا كلنا.. البنت حلوة شكلاً ومضمونًا، والناس اللي حواليها بيحبوها ومهتمين بيها وكأن الكون بيدور حواليها، دا خلي زينب تفكر إن ابنها هيبعد عنها ويقرب من مراته حبيبته وتكون واخداه من أمه طول الوقت." *** في غرفة ابريل "أبريل." "الله الله.. واضح إن صحتك ردت. لابسة ومحضرة شنطتك كمان. إيه؟ كنتي عايزة تكرريها تاني؟ مش كدا يا بن...
صاح فهمي مستنكرًا بشدة بعد أن اقتحم الغرفة وسلمى خلفه، ثم واصل حديثه الغاضب: "ومعناه إيه اللي منشور في الجرايد وعلى المواقع دا يا ابريل؟ يعني إيه انتي تعلني للصحافة إنكم مخطوبين؟ حتى قبل ما يتقدملك في الحفلة؟ ممكن تفهمونا؟ وزع فهمي نظراته بينهم، ليبادر باسم بالتحدث بصوت هادئ: "ممكن تقعد يا عمي وتهدى عشان نعرف نتكلم." بدأ يغزو الارتباك كيان أبريل، لذا حاولت الحفاظ على بعض الهدوء والاستقرار الانفعالي،
وهي تسأل بصوت متقطع: "هو مين قال أصلًا إنها هربت؟ فهمي بنفاذ صبر: "أومال إيه كل اللي حصل دا إيه؟ تقدري توضحي لنا؟ حركت قدميها نحو السرير، وعقلها يعمل بأقصى سرعة حتى جلست على مسافة قليلة من باسم، وكأنها تبحث عن ملجأ آمن بجانبه، وأجابت بتوتر: "حصل بالغلط غصب عني.. كنت مضايقة ومخنوقة من القعدة في الأوضة لوحدي.. لقيت نفسي بلبس عشان أروح الخطوبة." استنكرت سلمى بعدم اقتناع: "أومال مين ولع في الفستان إن شاء الله؟
كانت الولاعة بتعمل معاكي إيه من الأساس؟! أخبرتها ابريل بلهجة
مغلفة بالثبات والثقة: "كانت هدية من مصطفى.. كنت رامية الفستان على الأرض من عصبيتي.. واظاهر إن شبكت فيه النار لما وقعت مني الولاعة من غير ما آخد بالي وأنا خارجة.. ولما خرجت لقيت الأمن بيجروا ورايا فاتخضيت وجريت منهم لحد ما وصلت لفيلا أونكل صلاح.. وهناك قابلت باسم وهو اللي فاجئني بطلب جوازه مني وقتها اتجمع المصورين علينا وسمعونا معرفناش نوضح لهم حاجة وكل حاجة حصلت بسرعة."
سلمي بسخرية: "واحنا المفروض نصدق التمثيلية العبيطة بتاعتك دي؟ اندفعت ابريل تقول بنبرة قوية ذات مغزى: "زي ما أنا صدقت تمثليتكم الخايبة ليا." صرخ فهمي بعنف على إثر ذلك انتفضت ابريل وشحبت بخوف: "شكلك مش حاسة بالفضيحة اللي حصلت بسببك لينا ولمصطفى ولأهل باسم كمان." ضاقت عيناها بدهشة حقيقية، وهي تجيبه بدفاع عن نفسها: "فضيحة ليه؟
أنا معملتش حاجة أخاف منها.. ومصطفى مالوش عندي حاجة، خطوبته وفسختها لأنه واحد كداب وغشاش.. وقرار خطوبتي من باسم محدش له إنه يدخل فيه، دي حياتي ومن حقي أنا اللي أختار أعيشها إزاي؟ زجرها فهمي بصرامة حانقة: "اخرسي يا بنت، انتي جايبة البجاحة دي منين؟ بقي دا جزائنا على اللي بنعمله عشانك يا بنت إلهام؟
رفع فهمي ذراعه، وهو ينوي أن يصفعها، لأنها تمادت في الحديث معه بهذه الحدة الجريئة منها، ولكن فجأة باسم رمح كالسهم الحاد، ليقف بينهما قبل أن يصل كف فهمي إلى خد إبريل التي انكمشت بخوف، وهي تتوارى وراء باسم بصدمة. رمقه باسم بجدية، وهو يمسك بذراعه، وخرج صوته شديد البرودة، كنسيم
هادئ قبل هبوب عاصفة مخيفة: "أظن من باب أولى نهدا عشان نعرف نتعامل مع دستة الصحافيين اللي مستنين ع باب المستشفى ومنتظرين لحظة خروجنا، واللي حضرتك عايز تعمله مايصحش، ولا هيوصل لنتيجة سليمة، ولا هسمح إنه يحصل للإنسانة اللي هتبقى مراتي وعلى اسمي." فهمي بزمجرة، وهو يسحب ذراعه من قبضة باسم: "إيه هو اللي ماتسمحش وتسمح.. اتفضل ابعد عن طريقي وما تدخلش بيني وبين بنتي." رفع باسم حاجب واحد بتحدي،
ثم خاطبه برسمية: "أفهم من كدا إنك شايفني ماستحقش شرف نسبك يا فهمي بيه؟ فهمي بصوت مضطرب: "أكيد مكنتش أقصد كدا.. لكن إزاي عايز عايز تتجوزها وهي مخطوبة و... ضيق رماديتيه الذئبية بتفكير، ثم تساءل بلهجة غامضة: "كدا الكلام متغير ومش متركب على بعضه، لحد امبارح كانت مفسوخة خطوبتها وانت موافق عليا، إيه اللي اتغير؟ في إيه بالظبط؟ خرجت الكلمات من فم فهمي مثل قنبلة موقوتة،
حان وقت انفجارها: "في إن مصطفى رجع من السفر وزمانه جاي على هنا." اتسعت فيروزيتها من الصدمة، وهي مازالت تحتمي بظهر باسم، وتستمع إلى حديثهما بذهن شارد وإحساس دافئ بالأمان يتسرب إلى ثنايا قلبها الهادر بقوة، حيث لأول مرة منذ رحيل جدها تشعر أن سندها يعود من جديد ولا يستطيع أحد أن يؤذيها طالما هو معها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!