في سيارة نبيل الترابلسيقان السائق يقود سيارة نبيل بهدوء متوجهاً إلى المستشفى، فيما جلس صاحب العمل في المقعد الخلفي وزوجته بجانبه. حتى قطع الصمت فجأة بصوته وهو يقول بنبرة الندم: "احنا سبب كل اللي حصل؟! استفهمت هناء بعد أن أثار دهشتها بكلماته المفاجئة: "قصدك إيه؟ استأنف حديثه موضحًا، وعذاب الضمير يفتك به:
"اتحولنا أنا وانتي ناس أنانية.. من خمس سنين من يوم ما حنين شالت الرحم بسبب الورم بعد ولادتها التانية لتالا واحنا بنضغط على مصطفى عشان يتجوز تاني. فضلنا من كل جهة ننخر في الخشب لحد ما كرهها وكره حياته بعد ما كان راضي بنصيبه ومكتفي بمراته والبنتين." صمتت هناء لبعض الوقت قبل أن تبرر الموقف بالإنكار، متجاهلة صوتًا بداخلها يؤكد صحة أقوال زوجها:
"احنا كنا بنعمل كدا عشان مصلحته يا نبيل. أي أم وأب من حقهم يسعوا في اللي في مصلحة ابنهم وفلوسه." هز رأسه بقلة حيلة وهو ينظر من خارج النافذة، وقال بأسي: "وادي النتيجة يا هناء. دنيا ابنك بتتهد فوق دماغه ودماغنا، وحتى الشغل بيتدمر عشان مابقاش مركز فيه. واللي كانوا مستنيين له غلطة عشان يسنوا أسنانهم عليه، استغلوا نقطة ضعفه عشان يخسروا كل حاجة." طرق الهلع والخوف باب قلبها على ابنها، وانعكست مشاعر التوتر على وجهها،
عندما تحدثت بصوت مضطرب: "ماتشيلش نفسك أكتر من طاقتها يا نبيل.. ضروري هنلاقي حل.. وبعدين حنين كمان كانت تصرفاتها الأخيرة معانا مستفزة وكل مناسبة تجمعنا بقت تتعمد ماتحضرهاش عشان مانشوفش مصطفى ويكون وسطنا. لو مش ملاحظ هو من يوم ما انفصلو عن بعض واغلب وقته معانا." نبيل بإعتراض مثقل بالضيق:
"ماتحطيش مبررات لغلطتنا يا هناء. احنا اللي خربنا حياة ابنك من كتر الوسوسة في ودانه.. من تدخلنا في حياته مع حنين لحد تدبيرنا مع قريبتك ومقابلته بإبريل وخطوبته ليها. ظلمنا بنت مالهاش ذنب عشان أنانيتنا ودلوقتي كلنا بنرمي اللوم على رد فعلها." أقرت هناء بنبرة منخفضة: "مانكرش اني لما شوفت ابريل عجبتني وكلمت سلمى عليها.. بس هو بعدها أعجب بيها وهو اللي طلب مانقولهاش على جوازه من حنين لحد ما يعرفها بنفسه." نبيل بعبوس أشد:
"ودي كانت أكبر غلطة غلطناها.. كله عك في عك.. ياريتنا ماسكتناش. بسبب كدبته دي اتفضحنا كلنا وسمعتنا هتبقي في الأرض." في نفس الوقت بالمستشفى داخل غرفة ابريل "عمالين نضيع الوقت في كلام لا هيودي ولا هيجيب.. بدل ما نفكر إزاي نمنع الفضيحة اللي هتحصل لما مصطفى يتأكد إنك اتخطبتي لغيره!! رددت سلمى تلك العبارة بلهجة حانقة، فانجلى الاستنكار من عينيها الفيروزيتين اللامعتين بالغضب، وهي عقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم قالت احتجاجًا:
"ولو عرف يعني هيعمل إيه!! مين اللي لازم يخاف؟ مين اللي غلط في حق مين الأول؟ مين خبي وكذب!! ليه عايزيني أسكت وما أواجهوش؟ هو ملوش عندي حاجة يبقى أخاف وأستخبى منه من الأساس ليه؟! اتسعت عينا ريهام بذهول الكاذب، وهي تسأل بتهكم ساخر: "عايزة هتقوليله إيه؟! عايزة تخربي الدنيا أكتر من كدا؟ خلاص سيرتنا بقت على كل لسان." تجهمت معالم فهمي بحنق، وصاح بصوت نافذ الصبر:
"بنت انتي اسكتي خالص.. مش مكفيكي المصايب اللي عملتيها لحد دلوقتي.. ماسمعش ليكي حس وخليني أشوف صرفة لمصيبتك الجديدة دي." ضاقت عيناه الرماديتان من حالة العصبية المفرطة التي تظهر على فهمي قبل أن يسأل بحذر ولبااقة مشوبة بالدهاء: "اعذرني يا فهمي بيه في سؤالي.. بس ابريل عندها حق في كلامها. هو ليه عندك حاجة عشان تبقي متوترة أوي كدا منه؟! تأكدت شكوكه فور أن توترت تعابير فهمي الذي بذل قصارى جهده لإخفائه، كما قال بصوت مرتعش:
"ولا حاجة طبعًا لكن.. لكن ما يصحش اللي حصل.. ولا أي راجل هيقبل إن خطيبته تسيبه بدون معرفته وتتخطب لواحد غيره بين يوم وليلة كدا." ظلت ملامح باسم هادئة، وهو يوزع نظراته على الجميع، ثم زفر الهواء من فمه قبل أن يتحدث بجدية: "طيب خلينا نخرج من هنا الأول بدون شوشرة وبعدين نشوف حكايته." وافقه فهمي بهدوء: "خلاص أنا رايح الاستقبال أبلغهم ما يطلعوش مصطفى علي هنا."
"طيب على ما تجهزي حاجتك يا ابريل.. أنا وريهام هنروح نطمن على منى مرات ابن عم باسم مش هنتأخر.. وانت يا يوسف روح هات إذن من الدكتور عشان ناخد أبريل ونرجع البيت." أنهت سلمى جملتها بهدوء، فاكتفت أبريل بالرد عليها بإيماءة صغيرة، ولم تخرج من شرنقة المراقبة الصامتة التي وقعت فيها مستسلمة لأرائهم، فماذا عليها أن تفعل إذا أصروا على توجيه مسار حياتها كما يريدون؟ خلال ذلك الوقت أمام بوابة المستشفى عند هالة
قاطعها جسم ضخم وقف كالحاجز بينها وبين ياسر، وقال بصوت رجولي بارد: "مش من الأصول تسحب بنات الناس من إيدها في الشارع وتركبها العربية وبالعافية. ماينفعش." بهتت هالة مصدومة، بينما جهر ياسر بإستنكار: "دي خطيبتي يا أستاذ.. ثم إنت تطلع مين عشان تدخل في شيء مايخصكش؟ "مبسوطة دلوقتي؟ خليتينا نسمع كلمتين مالهمش لازمة من اللي رايح واللي جاي." قطب الآخر جبينه بعبوس الآخر عند سماع تلك الكلمات الفظة من ياسر، ليهندم ياقة قميصه
بكبرياء ثم قال بنبرة لبقة: "لو عايز تعرف أنا مين مفيش مانع.. أعرفك بنفسي أنا الدكتور فريد عبد العزيز." ياسر بعنجهية: "ومين يعني الدكتور فريد؟ ظهر شبح الابتسامة على شفتيه المقتضبة بسبب أسلوبه الاستفزازي قبل أن يرد بثقة وثبات عاطفي: "عبد من عباد الله يا ريس وعلي باب الله كمان.. بس الحمدلله ربنا اداني رجولة ونخوة اللي زيك ما يسمعش عنهم ومستعد أعلمك الاحترام عشان شكلك نازل من بيتكم ماتعرفهوش."
تجهمت ملامح ياسر بحدة، منقلبًا الوضع بينهما، ليهتف بسخط نافذ الصبر: "محترم غصب عنك.. ودي أمور شخصية بين واحد وخطيبته إيه يدخلك فيها؟ تصاعد غضب فريد أكثر من استخفاف ياسر، ليهدر بخشونة حاسمة: "دا مش بس أدخل وأكسرلك إيدك كمان اللي اتمدت وسحبتها بالمنظر دا.. وإيا كانت صلتك بيها في أسلوب متحضر تتكلم بيه.. لكن واضح إنك واحد ما تحترم في بدلتك."
استحوذ الاضطراب تمامًا على هالة التي شعرت بجفاف شديد يجتاح حلقها، وهي تتابع أنظار المارة إليهم قبل أن تجد صوتها في نبرة مترجية: "دكتور.. خلاص لو سمحت الناس بدأت تتفرج علينا.. دا مجرد سوء تفاهم مفيش حاجة." تجلجلت ضحكات ياسر الساخرة، وهو يصفق متهكمًا: "والله برافو عليكي.. كمان لحقتي عينتي بودي جارد لحراستك مني؟!
كاد فريد أن يندفع نحوه يريد أن يلقنه درساً قاسياً غير مبالٍ بمكان وقوفهم، لتشعر هالة بما يفكر فيه، وكاد قلبها ينفطر من صدرها من التوتر، بينما كان صوتها يرتعش وهي تناشد إلى أدنى ذرة متبقية من العقل في الرجل الآخر: "ياسر إحنا كبار بما فيه الكفاية.. ارجع لوعيك من فضلك واكلم بعقل.. إنت مش حاسب حساب لكلامك ولا للمكان اللي واقف قدامه.. امشي لو سمحت كفاية لحد كدا."
"ماشي يا هالة.. بس اتأكدي اللي حصل دا هيكون ليا رد فعل عليه مش هيعجبك وكلامي هيبقي مع أهلك." لم تهتم هالة بتلميح التهديد في نبرته، واستطاعت أن تتنفس الصعداء بمجرد أن رأتـه يعطيهم ظهره، ليصعد إلى سيارته. بعد فترة وجيزة في غرفة ابريل
كانت منحنية، وتضع متعلقاتها الشخصية في الحقيبة وهي شبه تائهة في أفكارها، داهمها شعور الدوخة من جديد، فاستندت على السرير بكلتا ذراعيها، وجلست عليه ببطء، بينما كان باسم يقف أمام النافذة ينظر إلى الصحفيين الذين ما زالوا أمام المستشفى. أدار باسم رأسه، وهو يقول ذلك، فاتسعت عيناه في دهشة، ليهرول نحوها قائلاً بقلق: "إيه مالك أنتي تمام؟!
هزت ابريل رأسها رداً على سؤاله بإشارة صغيرة، وهي تغمض عينيها، أراد وضع يده على ظهرها بتلقائية، لكن تراجع في آخر لحظة، ليسألها بهدوء: "اتضايقتي من كلامهم مش كدا؟ أجابت باقتضاب: "أنا كويسة." "طيب تعالي نقف عند الشباك عشان تشمي شوية هوا يريحوكِ." أنهى باسم كلماته الهادئة، وفي الوقت نفسه لف ذراعه حول خصرها، ممسكاً يدها في الكف الأخرى، ليساعدها على النهوض بخفة، دون إعطائها المجال للاعتراض.
وقف كلاهما ينظران إلى الخارج في صمت تام، بينما كان لا يزال محتفظًا براحة يدها في يده، ومن يرى موقفهما سيستنتج أنهما في وئام كبير معًا. قطعت أبريل هذا الصمت قائلة بامتنان، وهو ما أحسه في رقة نبرة همسها: "متشكرة وعارفة إن انت مالكش ذنب أنا اللي ورطتك في مشكلة ماتخصكش و.." باسم بتمتمة: "انتي عايزة ترجعي لخطيبك؟ رفعت رأسها إليه بارتياب بمجرد أن فاجأها بسؤاله الذي لم تفهم مقصوده منه، فجاءت إجابتها المندفعة تذهله، وهي
تتراجع خطوة إلى الوراء: "لا." "لسه في حاجة مش فاهمها.. لما انتي عندك جدتك في المنصورة ليه عايزة تسافري دبي؟! شردت بنظراتها للأمام، وهي تفكر في إجابة سؤاله، بقدر ما افتقدت حنان جدتها، لكن يصعب عليها الذهاب إلى هناك، خاصة في ظل وجود أحمد، لا تعرف ماذا ستفعل لو رأته وهي في قمة ضعفها، ولا تريد أن تتخذ قراراً تندم عليه بقية حياتها لمجرد احتياجها للأمان. أخرجت تنهيدة مثقلة، وهي تجيبه باختصار:
"العيشة بالمنصورة ماتناسبنيش وصعب كنت أفضل عايشة مع بابا بعد اللي حصل.." كان على طرف لسانه أن يسألها عن والدتها، لكنه تراجع ينظر إليها بتردد، حالما أضافت بنبرة غامضة مزقت أوتار قلبها سرا: "مالقتش حل غير السفر في كل الأحوال مفيش هنا مكان بننتمي ليه." أشفق باسم عليها، وقال عمداً، وكأنه يتحدث إلى نفسه: "بس الهروب من مكان لمكان عشان موقف حصل دا مش هو الحل السليم!! علت ابتسامة غبر مبالية ثغرها الوردى، مستهزئة باحتقان:
"مابقتش فارقة.. المهم إن بسببي ورطتك وورطتني أكتر وخلاص مبقاش ليا مهرب.." لمعت عيناه دهشةً من تقلب مزاجها السريع، وضحك بخفة على تذمرها اللطيف قبل أن يسأل: "لسه حاسة بالدوخة؟ "بدأت تروح.. هو ممكن أطلب منك طلب؟ استقطب حاجبيه الكثيفين مستفهماً: "إيه؟ تلجلجت كافة خلاياها، وهي تقول باستحياء: "ينفع تنزل تلحق علبة الشيكولاتة قبل ما حد ياخدها يعني مش هتبقي خسرانة من كله." استعجب باسم من طلبها اللامنطقي، واستفسر بارتياب:
"دي لعبة جديدة عشان تخلعي ولا إيه؟ تنفست بصوت عال، وهي تتكهم باستياء: "هخلع إزاي وفي طقم الصحفيين دا في انتظارنا؟ أمسك برسغيها على حين غرة، ليهزها بتمهل ودمدم سخطًا: "وكنتي بترميها ليه لما عينك فيها؟ أبريل بتهكم واضح غافلة عن كونها بين براثن الذئب: "ما أنا رميتك انت شخصيًا وأهو بقينا مدبسين في بعض." رفع حاجبه متجاهلاً ما قالت، وتابع بغموض: "طيب عشان نبقى واضحين.. في حاجة مهمة لازم تعرفيها عني كويس.." "واللي هي؟!
انفرج ثغره مشكلاً ابتسامة مغترة بزغت في قوله: "أنا مبقولش ولا بعمل حاجة من غير مقابل.." تخصرت، وهي تتأمل ابتسامته اللئيمة، لتسأله بغيظ مصحوبًا بتعبير مريب: "وايه المقابل دا اللي انت عايزه يعني؟! ازدادت نبضات قلبها شيئًا فشيئًا، وتسمرت فور احتدت جرأته وهو يميل برأسه نحو وجهها، ليتأمل ببطء جمال عينيها الفيروزية، برموشها الطويلة التي ترفرف في ارتباك، لينبس بخفوت مثير امتزج بحرارة أنفاسه على شفتيها:
"و مالك اتوترتي كدا ليه يا أم لسان ونص.. إيه اللي خطر على بالك؟! أعقب عبارته الأخيرة بغمزة من إحدى عينيه، ونتيجة لتلك الحركة استفاقت من الفقاعة السحرية التي خلقها حولها بأساليبه الجهنمية، لتسحب نفسها من حصاره الطاغي ثم تذمرت باستياء: "انت مابتزهقش من أسلوب التلاعب بتاعك دا." راقب باسم ارتباكها باستمتاع، وهو يخبرها ببراءة: "طبعًا ماعرفش أغيره." هزت أبريل رأسها بيأس، واستدعت الهدوء في قولها:
"طب اتفضل ممكن تنزل قبل ما تروح علينا." رفع باسم أكمام قميصه، وهو يقترب منها بخطوات بطيئة، راقبت بحذر المكر والتهديد الذي لاح في عينيه الذئبيتين، وهو يقول بصوت منخفض أجش: "هنزل بس اياك عقلك يوزك اا.." سارعت ابريل مقاطعة إياه، بعدما تعبت من كثرة المجادلة معه: "والله مش هيوزني خلاص." في ذات الوقت عند الاستقبال "سجلوا عندكم خناقة بعد كام ساعة من تلبيس الدبل. دكتور ياسر ودكتورة هالة استند باي فركشة."
هذه العبارة نطقتها ممرضة في منتصف العشرينيات من عمرها بعد أن اقتربت منهم بسرعة من الخارج، لتسأل إحدى الممرضات في حيرة: "بتقول إيه المروشة دي؟ ضحكت أخرى، وهي تقول بدهشة: "ما تاخدي نفسك الأول وبعدين اكلمي عشان إحنا مش فاهمين منك حاجة." التقطت أنفاسها ببطء، وهي تهندم الحجاب فوق رأسها لتسرد بصوت منخفض، وتلوح بيديها بحماس:
"الدكتورة هالة والدكتور ياسر كانوا واقفين مع بعض قدام البوابة ووشوشهم مقلوبة وفجأة هي قلعت الدبلة وادتهاله." ضربت إحداهن خدها بذهول، قائلة بشهقة: "يا نهار كحلي! عرفتي إزاي يا شيخة الحارة؟ "شوفتهم بعيني وأنا راجعة من عند مطعم الفول والطعمية." التزمت الصمت لثوان توزع نظراتها، بينما تمط شفتيها للخارج وأردفت: "لو مش مصدقني ابقوا بصوا على صوابعها.. خرجت والدبلة منورة في إيدها ودخلت وإصبعها فاضي." أحداهن بشفقة:
"يا عيني مسكينة دكتورة هالة والله." أضافت أخرى، وهي تضع كفها على خدها: "دي حظها فقري أوي صحيح مش دايما الجمال والمال نعمة." استرسلت الممرضة بإستفاضة: "أخدوا عين قوية وبكمالة النحس كمان واحدة من المعازيم تقع من طولها في خطوبتها ونقلوها على هنا.. وفوق دا كله بدل ما تقعد تقضي ليلتها في رقص وهيصة قضيتها في العمليات مع الراجل أبو رصاصة دا." "يخربيتك! سوسة بتعرفي دا كله منين؟! تطلعت إليها، وهي تكتف يديها بتكبر مصطنع،
لتنبس زميلتهم بحسرة: "بجد أغرب خطوبة ممكن تعدي على واحدة بنت الله يكون في عونها." في هذه الأثناء عند ابريل كانت واقفة وذراعاها مطويتان، وهي تحدق من النافذة، وعقلها يتذكر كلام والدها المسموم لها عندما نعتها بلقب "ابنة إلهام"، في كل مرة ينطق بها تشعر وكأنه يتعمد إهانتها، فهو لا يعرف شيئًا عن علاقتها بوالدتها، فيتردد في سرها صوت يسخر من حزنها:
"زعلانة ليه وهي دي حاجة جديدة يعني.. ما انتي عارفة إن فهمي بيه ما يهموش حاجة غير نفسه وبس. هيفرق عنده بنته اللي رماها زمان.. كنتي متعشمة ليه إن دا هيتغير دلوقتي وهياخدك في حضنه زي أي أب في الدنيا ما بيعمل مع بنته عشان يطمنها ويقويها.. إزاي الدنيا دي مايلة بالعكس كدا؟! إزاي الغريب يدافع عنك واللي المفروض أقرب حد ليكي في الدنيا يعاملك زي المجرمين!!!
رفعت رأسها محدقة في السماء بنظرات مؤلمة، والدموع الكثيفة كونت طبقة كريستالية على عينيها، قاومت بشدة تلك الرغبة المتصاعدة في البكاء، فإذا ضعفت سوف يمضغونها إلى حد سحقها تحت أنيابهم القاسية. تفاصيل حلمها البشع اخترقت جدران عقلها بقوة، وزادت من شدة مقاومتها للانهيار الوشيك. ظهرت على شفتيها ابتسامة ساخرة، وسبحت أفكارها مستحضرة أحداثًا من ذكرى ماضية، مما جعل جراحها النفسية تنزف أضعافًا مضاعفة. ***
آخر مكالمة جرت بينهما كانت منذ أربع سنوات، ولم تكررها مرة أخرى، بل استمرت في تجنب أي محادثة بينهما. لن تنسى لها أبدًا عندما انهارت، وصدمت من تخلي أحمد عنها بعد أن خيرتها بينه وبين استكمال دراستها الجامعية، لتشعر بألم الظلم والعجز والضعف يشطروا قلبها دون شفقة. وبدون أدنى تفكير، التقطت هاتفها ووقفت أمام نافذة غرفتها في منزل جدتها، لتبحث عن رقم والدتها، بأصابعها المرتعشة مثل خفقاتها المتسارعة من التوتر، بتردد اتصلت،
وعندما جاء الرد هتفت بخجل: "إزيك يا ماما عاملة إيه؟! "هكون عاملة إيه يعني يا أبريل؟ اهو الدنيا ماشية بالعافية.. بس الحمدلله على كل حال، إيه خير؟ متصلة ليه متأخر كدا؟ في حاجة ولا إيه؟
شعرت بالضيق والاختناق، وانهار سقف توقعاتها فوق رأسها بخيبة أمل، وتجمعت الدموع في مقلتيها بحزن شديد لعدم سؤالها عن حالها، واهتمامها فقط بسبب اتصالها بها، كأن هذا ليس من أبسط حقوقها، فمررت طرف لسانها، ترطب شفتيها الجافتين، لتحاول أن تبث في نفسها الشجاعة، في حين ردت بإحراج: "آسفة ماخدتش بالي من الوقت.. بس كنت محتاجة أكلمك في حاجة ضروري." استغربت من صمتها: "ماما انتي معايا؟ وصلها صوتها الناعس، وهي تتثاءب:
"آه سامعاكي. قولي إيه هي الحاجة دي؟! "أنا كنت عايزة أجي أقعد معاكي فترة." "ومن إمتى دا إن شاء الله.. ما كل إجازة بتختاري تفضلي عند ستك؟! أبريل موضحة: "لا أنا عايزة أجلك بكرة مش في الإجازة." إلهام مستنكرة: "اشمعنى؟! مش عندك مذاكرة وجامعة اللي صممتي تخشيها.. وبعدين إيه اللي قومها في دماغك كدا مرة واحدة؟ إيه زهقتي ستك منك طبعًا مش كدا؟ أبريل بإندفاع: "أنا وأحمد فسخنا خطوبتنا يا ماما." شهقت إلهام من المفاجأة،
قبل أن تعاود توبيخها: "نعم.. دا إمتى؟! وإزاي دا يحصل ومحدش يعرفني.. إيه أنا آخر من يعلم يعني يا بت؟! أبريل بتنهيدة حزينة: "دا حصل النهاردة وعشان كدا محتاجة أجي أقعد عندك.. أنا مش عايزة أقعد هنا بعد كدا." حثتها إلهام على الشرح: "بلاش الكروتة دي في الكلام وفهميني إيه اللي حصل عشان تفسخوا خطوبتك." وانتهت أبريل من سرد ما حدث معها، لتقول إلهام بعدم رضا:
"زينب مفيش فيها فايدة طول عمرها كدا ومش هتتغير.. بس انتي غلطانة يا أبريل." استنكرت أبريل لوم والدتها بشدة: "وأنا غلطت في إيه؟ "الراجل من حقه تكون مراته مهتمة بيه وتاخد بالها من بيتها مش فاهمة إيه حتة الشهادة اللي انتي متمسكة بيها أوي كدا دي؟ شعرت أبريل بالقهر من استخفافها، لتجيبها بدفاع:
"حتة الشهادة دي هي مستقبلي.. وهي اللي هتحسسني بالأمان باقي عمري لما أتخرج وأشتغل وأعتمد على نفسي.. مش معنى إني بحب أحمد يعني هفضل متكلة عليه ومحتاجاله في كل حاجة بحياتي." إلهام بضجر: "قصروه يا أبريل شكلك كدا بيقول إنك مش عايزة الخطوبة دي وماصدقتي تحصل حاجة تسيبيه بيها. طب كان ليه من الأول بقي.. إنتي عملتي مشاكل بيني وبين أخويا وابنه."
"هو أنا عشان بدافع عن حق من حقوقي أبقى بياعة وبتاعة مشاكل يا ماما.. المهم أنا مش هقدر أقعد هنا تاني. هتوافقي أجي أعيش معاكي ولا لأ؟ "قوليتلك قبل كدا مينفعش يا أبريل سبق وفهمتك ظروف جوزي وأحوالنا المادية على القد أوي خصوصًا وإنك عارفة مصاريف جهاز أختك شمس قطمت وسطنا."
أسرعت أبريل لتخبرها بلهجة مترجية، متجاهلة وخز الألم الذي نقر بحدة في صدرها من اهتمام أمها بأختها التي عاشت حياتها كلها بين ذراعيها، في حين أنها في حاجة إليها أيضًا، لكن لتحصل على هذا القدر من الحنان والعطاء يجب عليها أن تتوسل لها:
"أنا مش هكلفكم أي حاجة والله هشتغل وهصرف على نفسي.. وبابا متكفل بمصاريف جامعتي أنا بس هنقل الورق لجامعة الإسماعيلية.. ماما والله بجد محتاجاكي لو سمحتي خليني أجي أقعد معاكي والله مش هزعجك ولا هتحسي بوجودي." إلهام قاطعتها مكررة جملتها السابقة بعدم اكتراث:
"بطلي زن يا أبريل إنتي مابقتيش عيلة صغيرة.. الفترة دي صعبة بقولك وإختك محتاجاني جدا معاها عشان بننزل نلف على عفشها. حتى مش هبقى فاضية أجي على المنصورة عشان أشوف موضوعك قدامي لسه كام يوم أدبر نفسي فيهم.. دا غير إن فاروق مش هيوافق يا أبريل.. وهو أصلاً عصبي الأيام دي عشان إنتي عارفة فرح شمس قرب ومشغولين لشوشتنا في ترتيبات الفرح." أبريل بجمود: "تمام فهمت." تثاءبت مجددًا، وهي تخبرها: "يلا روحي نامي تصبحي على خير." ***
رسمت دمعة ساخنة خطاً متعرجاً على خدها المحمر، تزامناً مع انتباهها إلى طرقات متتالية على باب الغرفة لتمسحه بقية دموعها بخفة، وسمحت للطارق بالدخول قبل أن تستدير، لتجد نفسها في مواجهة مصطفى وجهًا لوجه. *** قبل ذلك بدقائق عند ريهام
ريهام تجلس على أحد الكراسي في الاستراحة أمام غرفة منى بعد أن اطمأنت بشكل سطحي على أحوالها، وتركت والدتها تواسي سوسن ببعض العبارات المتعاطفة، لتبدأ باستجواب عمر الذي يقف أمامها، وهو يمضغ قطعة حلوى، بينما يقوم بهندمة ملابسه بلطف: "أونكل باسم اللي كان مع أبريل يا عمر ماسمعتهمش كانوا بيكلموا يقولوا إيه قبل ما أدخل عليكم؟ مال عمر برأسه دليلاً على التفكير قبل أن يسرد لها:
"كان عايز يخليها تشرب اللبن بالعافية.. بس أنا قولتله لا.. دا وحش لأبريل وشربته أنا مش بتعب منه." قطبت ريهام حاجبيها دون فهم شيء، لتحثه على الاستكمال: "و إيه كمان؟ رفع كتفيه دلالة على عدم معرفته، وهو يواصل كلماته، شارحًا ما يتذكره بعفوية: "كانوا مقربين من بعض أوي.. بيكلموا بصوت واطي أوي ماسمعتش حاجة." كظمت غيظها زافرة بخفوت، وهي تأمره بعدم رضا: "طيب روح اقعد جنب جدتك وأنا لحظة وجيالكم." سلمى بسؤال:
"رايحة فين يا ريهام؟ ردت عليها بعدم اكتراث: "هرجع لأبريل أفضل معاها لا تعمل حاجة مجنونة من حركاتها وانتِ يا ماما معلش خدي عمر اغسلي إيده من الشيكولاتة." "طيب." *** تسير في القاعة المؤدية إلى غرفة أبريل، لتتسع مقلتا عينيها الزرقاء بتفاجؤ، وهي ترى مصطفى يقترب بخطوات متوازنة من الجانب الآخر من الممر، فتهادنت في مشيتها، وعقلها ينسج خطة جديدة راسمـة ابتسامة لطيفة على شفتيها بمجرد وقوفها أمامه، لتمد يدها تصافحه
قائلة بنبرتها الناعمة: "حمدلله على سلامتك يا مصطفى. إنت رجعت من السفر إمتى؟ رفع مصطفى نظارته الشمسية، لتظهر عيناه السوداوتان ببريق مستاء، وهو يرد بمجاملة قبل أن يسيطر الاستنكار على صوته الذي كان مليئًا بالحيرة: "الله يسلمك يا ريهام.. طيارتي وصلت الفجر.. فين فهمي؟ وإيه الكلام المكتوب دا؟! أنا مش فاهم حاجة. إيه علاقة أبريل بباسم الشندويلي وإيه اللي حصلها؟ توترت ريهام لوهلة من هذا الهجوم، وهي تمتم:
"اهدأ واحدة واحدة يا مصطفى.." تابعت بلوم خبيث: "تفتكر هيكون حصلها إيه.. طبعًا تعبانة ومضايقة أوي." "يعني عرفت؟ ردت بتعمد: "كل حاجة والبركة في حنين." ححظت عيناه بصدمة، متسائلاً بعدم تصديق: "يعني حنين هي اللي عملت كدا؟ لمعت زرقاويتها ببريق غامض، مؤكدة بثقة شيطانية: "أيوه جتلها لحد البيت والله أعلم قالتلها إيه. من ساعتها وهي منهارة وزعلانة جدًا.. ومانصحكش تشوفوا بعض على الأقل لحد ما تهدأ." جاءها رفضه بإصرار:
"أنا لازم أشوفها وحالًا يا ريهام." *** في الوقت الحالي عند ابريل "مالك متسمرة كدا ليه كأنك شفتي عفريت؟! دا حتى ما طلعتش منك كلمة حمدلله على سلامتك!!!
قال ذلك بسخرية، ليخفي توتره من تحديقها المستمر به، إذ أنها خالفت توقعاته باستقبالها الصامت، على عكس ظنه منها أنها ستنهمر عليه بالدموع والاستفسارات التي لا تنتهي في مثل هذا الموقف، لكن ما يراه هو بريق غريب يشع من فيروزيتيها، فيما ظلت أبريل صامتة، تجمع شتات نفسها بتريث، وهي تشكر القدر الذي أعد لها هذا اللقاء حتى تتمكن من إفراغ كل قهرها به، إذ خرج صوتها باردًا حالما قالت بتلاعب:
"مظنش إنك جاي عشان تسمع مني حمدلله على سلامتك.. زي كمان ما أنا مش مستنية منك تبررلي أسباب كدبك عليا عشان مفيش أي مبرر بيشفع الكذب." "أنا عايزك تسمعيني.." انقطع استرساله حينما وقعت عيناه على يديها اللتين كانت تلوح بهما بإنفعال ليسأل بحدة، بينما يمسك معصمها في قبضته: "دبلتك فين؟ رفعت فيروزيتها التي كانت تتلألأ بلهيب البغض مقابل عيناه المستهجنة، لتنفض يدها منه، وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي تهتف بازدراء قاتل: "ماتلمسنيش!!
إنت مين وإزاي تدخل هنا بدون إذن.. وبصفتك إيه؟! مصطفى بتريث: "أبريل اهدى عشان أعرف أشرحلك موقفي." استهزأت باستخفاف: "تشرحلي موقفك.. الحكاية مش مستاهلة شرح." "كنت ناوي أقولك.." اقتلعت أبريل ثمرة تبريره مقاطعة إياه بقسوة: "إمتى بقي؟! .. بعد ما تكون اتجوزتني على مراتك.. وابقى قدام الأمر الواقع وأختار بقي ما بين أرضي إني الزوجة التانية أو أطلق وأنا لسه عروسة؟ صمت مصطفى هنيه، وهو ينظر في عينيها المترقبة لإجابته،
قبل أن يقول بصوت منفعل: "إنتي ليه مصرة على إني كنت قاصد أكذب عليكي ومش عايزة تسمعيني؟ تهكمت أبريل بنبرة معبئة بالإشمئزاز: "اسمع كذبة جديدة عايز تألفها عليا!! إنت متعرفش قد إيه شايفاك صغير أوي في عيني دلوقتي." تجمدت بخوف، حينما هدر فجأة بلهجة عصبية: "احترمي نفسك يا أبريل. عمالة تغلطي ومش مدايني فرصة أفهمك." ابتلعت غصة من الألم كانت واقفة في حلقها، قبل أن ترد عليه ببرودة شعرت بها تنخر عظامها:
"كان عندك مية فرصة تقولي فيها الحقيقة بس إنت قررت تخدعني.. بس الحمدلله إن ربنا كشفك على حقيقتك وبعتلي مراتك عشان تفوقني من الوهم اللي عيشتني فيه قبل ما أغرز في حفرتك القذرة عمري كله." جفلت أبريل بقوة، وتباطأت نبضاتها الخافقة من الذعر تحت ملمس قبضته، التي التفت بإحكام حول معصمها تعتصره، هاتفا بحدة من بين أسنانه المطبقة:
"أنا كنت مقدر وضعك وإنك تعبانة وعشان كدا سكت.. بس إنتي زودتيها أوي ومش هسمحلك بالغلط أكتر من كدا.. ولا دا الموضوع اللي جاي أتكلم فيه.. إيه اللي بينك وبين باسم الشندويلي والمكتوب دا أساسه إيه؟ *** خلال ذلك في ردهة المستشفى "الدكتور جاي يعملها اختبارات التنفس ويطمن على حالتها قبل ما يكتبلها على خروج." تحدث بها يوسف الذي جاء إلى حيث كانت ريهام تجلس تهز قدمها بتوتر ولم ترد، في نفس الوقت جاء صوت ضجة من خلف باب غرفة أبريل.
"إيه الصوت دا؟ نطق بهذا السؤال، وهو يتجه نحو الغرفة: "استني.. دا مصطفى." ذهل يوسف بإستنكار مترقب: "نعم ومين جوا معاهم؟! "لوحدهم." اتسعت عيناه بعدم تصديق، ليهدر بها بإنفعال: "إنتي اتجننتي؟ سايباها لوحدها معاه هو دا كان اتفاقنا؟ ريهام بإستهانة: "وهو هياكلها؟ سيبهم يتفاهموا مع بعض يمكن يتصالحوا." "اوعي كدا." قالها دون اهتمام لحديثها بعد أن دفع يديها عن ذراعه، لكي يتمكن من الاسراع إلى الداخل، ليصل صوت أبريل إلى أذنيه،
التي سألت باستخفاف شرير: "مش عايز تعرف دبلتك فين؟ "أبريل اهدأ خلاص!! أندفع يوسف لمقاطعتها، جاذبًا يدها من بين مخالب ذلك الأسد المتوحش، ليقف حاجزًا بينهما بعد أن دفع مصطفى إلى الوراء، وقبل أن يجد أنفاسه للحديث، أردفت أبريل بما أثلج روحها المحترقة بنيران يؤججها شعورها بالخداع، والقهر من هذا المتجبر:
"حرقتها مع فستان الفرح.. والخطوبة أنا اللي فسختها.. واللي قريته مظبوط أنا هتخطب لباسم دي مش إشاعة.. ودلوقتي اطلع برا مش عايزة أشوفك تاني." أنهت حديثها بتحدٍ، مشيرة بإصبعها نحو الباب، غير مهتمة بتعابير الغضب المقيت على ملامحه، لتزداد وتيرة أنفاسه الحارقة، وهو يصرخ فيها غير مصدق، بعد أن دفعته للجنون فاقدًا زمام تعقله ووقاره: "إنتي مجنونة؟ بتخرفي بتقولي إيه؟!
إنتي واعية للي بتقوليه.. دا على أساس إني لعبة في إيدك وهتحركيها على مزاجك؟ تقدم مصطفى خطوة إلى الأمام يريد الوصول إليها، وهو يطحن أسنانه بشر، لكن يوسف منعه قائلاً بارتياع: "بس خلاص لو سمحت اخرج من هنا يا مصطفى.. وجودك هنا هيعقد الموضوع أكتر وكفاية اللي حصل منك في حقها." رفض مصطفى بإستهجان، بينما يحاول إبعاده عن الطريق: "مش قبل ما أشوف اللي عملته الست أختك اللي طلع مالهاش كبير."
"مصطفى بنفسه هنا.. إيه الزيارة العزيزة دي؟ صاح صوت باسم من الباب باستخزاء شديد، قابله مصطفى بجبين مقتضب قبل أن يشير إليه بضحكة غاضبة: "دا الحكاية طلعت جد مش تأليف من الإعلام.. أنا عايز أعرف دا بيعمل إيه هنا؟! لم يتلق ردًا من باسم الذي تقدم أمام الجميع بخطوات واثقة، وعيناه الرماديتان الذئبتان مسلطة عليها كأن لا أحد غيرها في الغرفة. "الطلب حضر يا بندق."
ردت على همسه القريب من أذنها بإيماءة خافتة، وهي تأخذ منه الصندوق بذهول مرتبك، بسبب لف ذراعه حول خصرها بجرأة، كرد فعل بدا طبيعيًا من جانبه. أخبره بهدوء رهيب، قاصدًا استفزازه، ليرمقه مصطفى شرزاً: "أنا في مكاني الطبيعي جنب خطيبتي." ردد مصطفى بهسهسة خطيرة: "خطيبته؟ هز باسم رأسه بالإيجاب، وارتفعت زاوية فمه بابتسامة، مجيبا إياه بنبرة عادية:
"هو إحنا لسه محددناش إمتى بالظبط حفلة الخطوبة.. إنت عارف الترتيبات بتاخد وقت بس هتكون قريب أوي وانت أول المعازيم يا درش." كاد مصطفى أن يصاب بالجنون في هذه اللحظة، فما يراه الآن يتصف بكلمة واحدة مكونة من خمسة أحرف مهزلة، اقترنت أفكاره بزمجرة حادة، ظهرت جراءها عروق جبهته النافرة بغضب: "إنتي إزاي تسمحي لنفسك توافقي على خطوبة من واحد وإنتي مخطوبة لراجل تاني؟؟
خطى نحوها في انفعال، لكن أوقفته يد باسم التي ارتفعت، لتدفعه للخلف من صدره، واليد الأخرى لا تزال تستقر على خصر أبريل بحماية، التي كانت تراقب الموقف أمامها برعشة مضطربة، بينما صاح بصوت حاسم مليئ بالصرامة: "كلامك معايا أنا ولا إنت مابتعليش صوتك غير على الحريم." تغضنت ملامح مصطفى، وكل خلية فيه تطالب بالاشتباك معه، ولكن قبل أن يتمكن من التحرك نحوه اعترض يوسف طريقه بجسده الرياضي، ممسكًا بذراعه، مهدئًا إياه حتى
لا يتطور النقاش إلى معركة: "مصطفى اهدا.. دي مستشفى مش مكان مناسب للزعيع والخناق." قاومه مصطفى بغضب مشحون، فتدخلت أبريل التي اندفعت واقفة في المنتصف بينهم، وهى تنظر إلى مصطفى بتحدي قوي ظهر في صوتها المبحوح، وهي تقول بنبرة حادة مستنكرة: "هو إنت بأي حق ليك عين وعايز تحاسبني؟
مش كفاية الكلام اللي اتكتب في حقي بسبب كدبك.. خلاص وقتك هنا انتهى يا مصطفى.. تمن دبلتك هيوصلك مع الشبكة ومعاهم فلوس الفستان وأي حاجة كنت جبتهالي هترجعلك.. ولآخر مرة بقولك تتفضل تطلع برا حالا." أنهت كلامها القاسي بأنفاس ثائرة، وهي تشير إلى باب الغرفة، فتجعدت ملامح مصطفى بشدة بسبب إهانتها لكبريائه بحضور شقيقها الذي تابع المشهد بصمت، وباسم الذي ينظر إليه بتحفز، قبل أن يركز اهتمامه عليها مخاطبًا إياها بين
أسنانه بغضب وانفعال شديد: "بتطرديني عشانه!! بقي هو دا الراجل اللي عايزة تتجوزيه؟ سمعته مع البنات في الوحـ.." اختتم مصطفى حديثه بنظرات الاحتقار التي وجهها لباسم الذي اشتعلت رماديتيه من الامتعاض، وهو يهم بالتحرك نحوه ليفتك به، لكن أبريل وضعت يدها بشكل عفوي على صدره، وهي تنظر إليه بنظرة ردعته عما كان ينوي فعله، وبصعوبة سيطر على نفسه.
احترقت خلايا مصطفى بالحقد والغيرة بسبب فعلتها، بينما التفتت أبريل نحوه، ولمعت عيناها بالكراهية والاشمئزاز، تجلى في صوتها، تريد كسر غروره تمامًا ورد الصفعة إليه: "بس على الأقل راجل.. وقد كلامه مش كداب ولا غشاش." حدق فيها مصطفى بنظرة حالكة شرسة، وهو يهتف باستياء ووعيد: "والراجل دا.. وعد منه.. إنه هيعرف إزاي يحاسب حتة عيلة زيك.. على كل كلمة وفعل عملتيه.. وهندمك عليه."
اتسعت عيون باسم غضبًا، فأراد أن ينهي هذا النقاش العقيم بسرعة، وهو يجذب أبريل تلقائيًا حتى وقفت خلف ظهره، وأصبح هو مقابل مصطفى في وضعية دفاعية، قائلاً بتجهم خشن: "حاسب على كلامك قبل ما أندمك أنا عليه.. هي مش قالتلك اللي ليك هيرجعلك خلاص انتهى موضوعك معاها زي ما قالت خلص." نظر إليه مصطفى بنظرات لاذعة بعد أن اشتعلت نيران الغضب بداخله بسبب حركاته معها وكلامه الواثق له، وقال بحدة:
"مفيش حاجة انتهت. اللعبة يدوب هتبدأ يا ابن الشندويلي." مرت ثواني من الصمت على باسم، قبل أن يهز كتفيه مبتسمًا بسخرية، وهو يقول بتحدٍ عارم: "وأنا متشوق أوي للعب ووريني هتقدر تعمل إيه؟ وجه مصطفى إليه نفس الابتسامة الساخرة، ليقول له بنبرة قوية باردة، عكس نظراتهم النارية نحو بعضهم البعض:
"تمام.. بس افتكر النار اللي بتلعب بيها مش هتطولك لوحدك.. ولو كنت راجل زي ما بتقول عليه ابقى احميها من اللي جاي.. دا لو قدرت تحمي نفسك الأول من اللي هعمله في واحد واحد فيك." رمقها مصطفى بنظرة وعيد أخبرتها أن ما سيأتي لن يكون سارًا، بل الأمور ستصبح أكثر خطورة، قبل أن يضيف بصوت أجش من بين شفتيه المشدودتين:
"حولت المحبة اللي بينا لباب عداوة فتحتيه بإيدك.. واللي بينا مش هينتهي بالسهولة اللي إنتي فاكراها يا أبريل.. كرامتي اللي دستي عليها.. هدوس قصادها على رقبتك وتمنها هتدفعيه من دمك." شعرت أبريل بالخوف من جدية تهديده المباشر لها، لكن باسم قطع تحليل أفكارها بل أنها فزعت بقوة، عندما رأته يندفع نحو مصطفى بعد أن تخلى عن آخر ذرة من سيطرته، ووجه له لكمة قوية على أطاحت بفكه للجهة الأخرى، وهو يصيح بلكنة غاضبة: "...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!