الفصل 57 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
27
كلمة
4,933
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

كل ما سبق لم يكن إلا مقدمة لخطوات قطة متمردة تقدمت بإرادتها نحو ذئب يتميز بالحيلة والمكر، وما إن وطأت قدماها في وكره، حتى وقع قلبها صريعًا في فخ نصبه لها باحتراف، فأضحت مقيدة بخيوط الحب الحريرية، وسجينة شرك هوى الماكر، الذي ما إن غرس رماديتيه في أغوار فيروزيتيها، حتى جعلت روحه تهفو إلى الانبعاث من بين أمواجها المستهجنة بشرارات رقيقة، أدت إلى سقوطه أسيرًا في غرام قطة روّضته عشقًا. بعد مرور شهر

في قاعة أفراح فخمة، تسبح في بريق الأضواء المعلقة في السقف العالي كأنها نجوم متلألئة تشع بوهج يخطف الأنفاس. الأرضية مكسوة برخام أبيض ناصع، يلمع تحت الأقدام كمرآة تعكس بريق الثريات الذهبية المتدلية بانسيابية من السقف المزخرف بنقوش فنية بديعة.

الجدران كانت مزينة بأقمشة حريرية باللون العاجي، ومرصعة بزهور طبيعية متناغمة بألوان الباستيل الهادئة. رائحة الورود تعبق في الأرجاء، تحمل معها لمسة من الفخامة والأصالة. الطاولات مصطفة بعناية، مفروشة بأقمشة مخملية مترفة، تتوسطها شمعدانات مذهبة، تحمل شموعًا مضاءة تضفي على المكان أجواء من الرقي والسحر.

بينما الموسيقى تنساب برقة في الأجواء، تكاد تهدهد الحاضرين بلطف، والمدعوون يتجولون في المكان، همساتهم منخفضة، وأعينهم تتأمل في فخامة التفاصيل وذوق التزيين الراقي.

في إحدى الطاولات، حيث خالد يجلس بجوار لميس، وجهه مشرق بابتسامة هادئة تحمل في طياتها معاني عميقة من الحب والشوق. كانت عيناه تتأملانها بحب، يشعرها أنها مركز الكون، بينما قلبه ينبض بعشق لا يخجل من إظهاره، فهو قد بات أسير حبها، يتوق إلى اللحظة التي تكون فيها ملكًا له أمام الملأ. اقترب خالد برأسه نحوها، وهو ينظر إليها بعينيه اللامعتين تحكيان قصة عشق لا تنتهي، ليهمس بصوت عميق يعبر عن رجولته وجاذبيته:

"مش ناوية تحني على الغلبان اللي قاعد قدامك يا لمسة قلبي؟ رفعت لميس عينيها نحوه، تعلو وجهها علامات الاستغراب، بينما تسارعت نبضات قلبها عندما نطق بلقبها الرقيق، الذي ينساب من بين شفتيه بنغمة ساحرة، فاستفسرت برقة: "أنت بتتكلم عن إيه يا خالد؟ ابتسم خالد بابتسامة مفعمة بالثقة والعشق، ثم خفض صوته، محولًا حديثه إلى همسات مشبعة بالشوق:

"نفسي أكون جنبك في نفس المكان ده.. مش مجرد ضيف في فرح حد تاني.. أنا بحبك يا لميس وبشتاق لك بجنون.. عايزك تبقي معايا طول الوقت.. لما أفتح عيني الصبح إنتي تبقي أول حاجة أشوفها."

كل كلمة خرجت من شفتيه كانت كفيلة بإشعال وجنتيها خجلًا، ومشاعره تنمو ببطء في قلبها، ورغم رغبتها الصادقة في تقبلها، شعرت بأنها بحاجة إلى بعض الوقت لترتيب أفكارها المشوشة، فهي بعد أن اكتشفت خفايا علاقة عمها وزوجة عمها الراحل، وافقت على الخطوبة لتكون لديها حجة قوية تتيح لها الإقامة في منزل عمها، لتجمع الأدلة ضدهم، لكن الحب الجارف الذي يغدقها به هذا الخالد قد بعثر كيانها بشدة، وهو ما لم يكن في حسبانها.

خفضت لميس عينيها محاولة الهروب من نظراته الثاقبة، لكن إرادته كانت أقوى، إذ مد خالد يده برفق، ممسكًا بيدها كأنه يريد أن يزرع طمأنينته في روحها: "إيه؟ مش هتردي على كلامي؟ تنفست لميس بعمق، محاولة التماسك، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه بخجل، قائلة بلهجة تعبر عن صراعاتها الداخلية: "يعني يا خالد الحاجات دي محتاجة شوية وقت عشان أقدر أجهز نفسي وكمان الشقة لسه محتاجة تجهيز...

تأملها بنظرة يملؤها التفاهم والحب، وصوته أصبح أكثر دفئًا، ليمسح عن قلبها ما قد يشعرها بالقلق: "يا عيون وعمر خالد.. قولي لي كل اللي بتفكري فيه.. وأنا تحت أمرك في كل اللي تطلبيه عشان تنوري بيتك في أقرب وقت." أومأت لميس برأسها بخفة، وتوردت وجنتاها كفجر يشرق بلطف، وابتسامة خجولة تزين شفتيها، كأنها تعترف في صمت بأن مشاعرها تجاهه تتعاظم يومًا بعد يوم، وقلبها ينبض بشغف خاص، يتردد صداه في أعماقها. في جهة أخرى من الحفل

وسط هذا الصخب البهي، كانت ساحة الرقص تضيء بلمعان خاص، كأنها مسرح يجمع بين الفرح والسر المخبأ في زوايا القلوب بصمت بين هالة وفريد. يرقصان في زاوية هادئة، رقصة تموج فيها الترددات وتخفي الصراعات من نوع مختلف، تحت أضواء خافتة تكاد تخفي ما يعتمل بداخل كل منهما.

حيث بهدوء ورقي قدم لها طلبه بأن تمنحه هذه الرقصة، ورغم ارتباكها الواضح وخجلها المتوهج كوهج وردة في شتاء قارص، لم تستطع أن ترفض، لكن ترددها كان نابعًا من مشاعر لم ترغب في مواجهتها، فقد كانت تفضل أن يغيب عن الحفل، أن يبقى على مسافة بعيدة، فقد كانت تأمل في قرارة نفسها ألا يلبي دعوتها التي أطلقتها باندفاع، عندما دعت زملاءها من الأطباء والطبيبات، ولم يكن بوسعها أن تتجاهله وحده، فدعته بلباقة، متمنية أن يأتي برفقة هدير، إلا

أنه فاجأها بخبر سفرها إلى لندن لاستكمال أوراق الماجستير، وقضاء إجازتها هناك، ففكرة أنه سيأتي بمفرده كانت كافية لتقلب موازينها، وتجعلها تشعر بارتباك غامر، والآن، ها هو أمامها بطلة هادئة وساحرة، حضوره الواثق يسلب أنفاسها، ويثير ارتعاشات نبضاتها.

بينما فريد كان قريبًا بما يكفي ليشعر بارتباكها، بتلك اللمعة القلقة في عينيها، لكنها كانت تعاند، تلتزم بواجهة من القوة الهادئة، ثم بصوت خافت كأنما أراد أن يتسلل عبر جدران صمتها متسائلًا بلهجة مملوءة بحيرة غامضة: "مش كان المفروض الدكتور خطيبك يبقى هنا معاكي الليلة؟! بابتسامة تراقصت فيها مشاعر الاضطراب فأجابته باختصار: "مسافر."

لمعت عينا فريد ببصيص من الشك، نظرة عميقة تنم عن خبرة في قراءة الوجوه، وقد لاحظ تغير تعابيرها في تلك اللحظة العابرة، حيث كان يعلم أنها لم تخبره الحقيقة، فقد التقاه والدها عند دخوله القاعة، وأخبره صدفة بأن خطوبتها قد فسخت منذ أشهر قليلة. تركها تتمايل بين ذراعيه للحظات، صامتًا وهو يعيد ترتيب الأفكار في عقله، محاولًا فك شفرة كذبتها.

في تلك اللحظة، التقت عيناه بعينيها، أمال رأسه قليلًا، يتفحص ملامحها المرتبكة بدقة، وكأن كل حركة وكل نظرة منها تقدم له المزيد من الأجوبة دون أن تلاحظ. ابتسم ابتسامة صغيرة، نصفها هادئ، والنصف الآخر كأنما يدرك شيئًا لا يقال، ثم أضاف بلهجة مبطنة ببرود خفي: "وهو السفر بيخلي الواحد ينسى.. الدبلة!!

أنهى فريد عبارته مشيرًا بإيماءة مبهمة من عسليتيه نحو يدها الرقيقة التي يأسرها بين أصابعه خلال رقصتهم، فنظرت فورًا إلى يدها، وكأنها تذكرت فجأة هذا الغياب، وحاولت أن تتظاهر باللامبالاة، وهي تضحك بنعومة، لتقول بارتباك واضح: "آه.. لا.. شكلي ما خدتش بالي إني نسيتها في دوشة اليوم."

خرجت الحروف مبعثرة من ثغرها، عكس حركاته التي تتسم بالهدوء والاتزان، كأن الوقت كله بين يديه، بينما يومئ برأسه، وملامحه لم تتغير، بل نظراته عميقة تخترق حصونها تدريجيًا بغموض. في نفس ساحة الرقص كانت إبريل ترقص برشاقة تنبض بالحياة، فرحة رغم محاولاتها لكبت مشاعرها، كل حركة تنم عن تناغم شغوف مع باسم، وكأنهما يعزفان لحنًا خفيًا في ساحة الرقص، مما جعل أنفاسهما ونبضات قلوبهما تتسابق في رقصة مفعمة بالمشاعر العميقة.

"مش كفاية بقى.. خلينا نقعد وترتاحي شوية يا إبريل." همس باسم إليها بتحذير، وهو يراقب أنفاسها المتقطعة من فرط الحركة، حيث لا تزال آثار إجهادها واضحة بعد رقصها مع صديقاتها على أنغام الموسيقى الشعبية، لترفع حاجبيها بانزعاج طفولي وبنبرة معترضة ردت: "بس أنا لسه ما تعبتش.. وعاوزة أرقص شوية." نظر باسم إليها بمزيج من الدهشة والإعجاب، وكأنه يحاول فهم لغزها المستمر، ليقول بتهكم خبيث: "لدرجة دي فرحانة؟

التفت إبريل حول نفسها بخفة، لتنظر إليه وتقول بصوت يفيض بالأنوثة والعناد: "الرقص مالوش أي علاقة بالفرحة.." أنا برقص وأنا زعلانة عادي. ضيق باسم عينيه بغيظ، ليقربها منه أكثر، وبنبرة تمزج بين المزاح والمكر أخبرها: علي كدا هزعلك كتير عشان تبقي ترقصيلي لوحدي. توردت وجنتاها بخجل أخفته خلف ابتسامة ساخرة، لتجيبه بعنادها المتأصل: أوعدك اليوم اللي هتموت فيه وتقوم فيه جنازتك هرقصلك للصبح. انطلقت ضحكته القوية، تنبض بعشق

عميق ممزوج بالاستفزاز: قد كدا بتحبيني وعايزة تبسطيني يا قلبي. ردت إبريل بانزعاج: بطل طريقتك دي بقى! مال باسم نحوها، عاقدًا ذراعيه أكثر حول خصرها بتحد تجلى في قوله: وهو أنا قولت إيه غلط؟ راجل عاوز مراته ترقصله.. إيه العيب في كدا؟ تجمدت إبريل في مكانها، ملامحها تتخذ طابعًا جديًا لا يقبل النقاش، تقطع نظراتهما ببرود محفوف بالخجل:

مش عيب.. بس دا لما يكون جوازهم طبيعي.. ومن دلوقتي بحذرك.. ممنوع أي تصرفات جريئة يا باسم، ممنوع تقرب مني إلا إذا سمحتلك.. وأنا مش هسمحلك.. ممنوع تديني أوامر.. مم... كلماتها انقطعت فجأة، حينما أطبق شفتيه على خاصتها بقبلة خاطفة ورقيقة، ارتفعت يده بحذر لتستقر خلف عنقها، يجذب وجهها إليه بعشق لا يُقاوم، لم تتجاوز تلك القبلة خمس ثوان، لكنها كانت كافية لإحداث زلزال في كيانها.

ابتعد عنها محدقًا بملامحها المكتسية بحمرة الخجل الممزوجة بالضعف، شعرت كأن تيارًا دافئًا قد اجتاح قلبها، وخلّف وراءه ارتباكًا لذيذًا عجزت عن تفسيره أو وصفه. ربت باسم على وجنتها بنعومة، قائلًا بابتسامة ماكرة وصوته ينضح بالتحدي: الممنوع مرغوب.. القاعدة دي امشي بيها معايا هتتعبي.. كل ما قفلتي قدامي باب هعافر بكل قوتي عشان افتحه. ردت عليه بنظرة صارمة من عينيها، لكن الحروف كانت عاجزة عن الانطلاق عبر شفتيها، ليواصل

الحديث بتلك النبرة الآسرة: لو همنع نفسي عن حاجة.. دا هيكون بخاطري أنا.. اتأكدتي دلوقتي إن كلمة ممنوع دي بتضر أكتر ما بتنفع يا روحي؟ صمتها كان ردًا كافيًا، لكنه لم يترك لها مجالًا للهرب، يقترب منها قائلًا بصوت متهكم لعوب: ساكتة ليه يا بندقة؟ أنا مش فاكر إني كلت لسانك مع شفايفك! تجيبه بغيظ واضح: إنت مش هتبطل قلة الأدب دي. رد باسم، مائلًا نحوها ببراءة ذئب عاشق: وأنا ذنبي إيه يا روحي؟

كلمة ممنوع دي عندي حساسية فظيعة منها.. أول ما بسمعها بحس جسمي بياكل فيا وبفقد السيطرة على نفسي.. دا اللي حصل لما شوفت شفايفك بتنطقها بالطريقة الحلوة أوي دي.. ما عرفتش أقاومها غصب عني سامحيني. لمس شفتيها بشغف حارق، بينما نبرته تتأرجح بين السحر والجاذبية، لكن ابتسامته الخبيثة كانت تكشف عن تعمده لإثارة غضبها واستفزازها بمهارة، أضاف متصنعًا الجدية:

بس خلاص.. أنا هنفذ كل كلامك من دلوقتي.. بس ما تنطقيهاش تاني.. اكتبي كل حاجة في ورقة بيضا بقلم أحمر.. وأنا هعلقها على التلاجة.. لما أجي أشرب هشوفها وأفتكر على طول. أخذت إبريل نفسًا عميقًا، وملامحها تظهر مزيجًا من الغضب والاستياء الفاتن: أنت مستفز.. خلاص! مش عاوزة أرقص، حرقت دمي!

أنهت كلماتها بغيظ ظاهر، وتوجهت نحو الكوشة، محاولة الهروب بخجل من جراءته المتزايدة، بينما انفجرت ضحكته بخبث، تتدفق منه مشاعر الانتصار لأنه نجح في جعلها تأخذ استراحة من صخب العرس وضوضائه، وكأنما استسلمت في النهاية للعبة مشاعره الماكرة. في إحدى الطاولات القريبة.

ريهام تجلس بجوار والدتها، لكن ملامح وجهها لم تكن تعكس أجواء الاحتفال من حولها، بل كانت تعبر عن صدمة عميقة وخلط عواطف غاضبة، عيناها تتأججان بالتساؤلات والقلق، وتجولان في المكان، تبحثان عن تفسير لما يحدث. انفجرت ريهام بصوت متسائل بثوران عنيف: إزاي دا يحصل وما تقولليش يا ماما؟! امسكي أعصابك يا ريهام.. ولا عاوزة تفرجي علينا الناس!

جاء رد سلمى كصدى هادئ في زحمة الصوت، محاولة كبح جماح انفعالات ابنتها، فردت ريهام بصوت خفيض، وأفكارها تتداخل في زوبعة من الحيرة: ما هو اللي بتقوليه دا يطير العقل.. يعني إيه الفيلا دي بقت بتاعت إبريل؟ يوووه... هعيد تاني من الأول يعني ما أنا لسه قايلالك يا ريهام! تأففت سلمى بضجر واضطراب من رد فعل ابنتها الذي يلوح في الأفق كمفرقعات نارية، لتردد ريهام بنبرة شبه هادئة حديث والدتها منذ قليل:

قولتي الشريك الجديد للي جه في الأوتيل سدد القروض للبنك والأوتيل مش هيتحجز عليه.. وكمان سدد لينا الشيكات لمصطفى.. إيه علاقة دا كله بإبريل؟ وأنت نسيتي إن الفيلا إحنا دافعين مقدمتها بس.. وما سددناش إلا قسطين من تمنها.. باسم رجع لنا المقدمة والقسطين وكتب الفيلا باسمها مهر ليها!! كانت كل كلمة تخرج من فم سلمى كالسهم القاتل، ينغرس في قلب ريهام بعمق، معلنة لها عن نكسة مروعة تُشعل في نفسها نيران الحسد والضغينة،

قبل أن تتمتم بصعوبة: يعني إحنا بقينا قاعدين ضيوف في بيت إبريل؟ سلمى مؤكدة باقتضاب: بالظبط كدا. تساءلت ريهام بنبرة منزعجة، وكأنها تريد أن تلقي كل اللوم على والدتها: إزاي ما تقولليش حاجة زي دي من بدري يا ماما؟ هو أنت الفترة اللي فاتت كنت مركزة مع حد.. مش كنت قافلة على نفسك في أوضتك وما بتكلميش حد حتى ابنك ما كنتش عايزة تفتحيله الباب، كانت والدتها تحاول أن تفسر ما يحدث، لكن الكلمات لم تكن كافية لتهدئة ريهام.

واحنا هنروح فين دلوقتي؟ باسم ادانا مهلة ندبر أمورنا لحد ما يرجعوا من شهر العسل.. واتفقت مع أبوكي يأجر لنا بيت صغير لحد ما الأوتيل يقف على رجله.. وننقل في بيت تاني. جاءت كلمات والدتها بمثابة محاولة لتقديم بعض الأمل، لكنها كانت كسراب يتلاشى في الأفق، ومع كل كلمة كانت ريهام تشعر بحقد أكبر على إبريل.

الصدمة بلغت ذروتها حينما رأت والدها، يأتي نحوهم برفقة داغر، الذي وقف أمام الطاولة بشموخ معهود، ملامحه الصارخة بالوسامة والقسوة في آن واحد، مما أثار في نفسها اضطرابًا ورعبًا لم تشعر به من قبل. ريهام بنتي يا داغر بيه، داغر بيه الشريك الجديد في الأوتيل.

جاء صوت والدها كالرصاصة، ليخترق سكون الصدمة الذي يحيط بها، فابتلعت لعابها بصعوبة، وكأن كل حرف في حنجرتها تحول إلى حجر ثقيل، مدت يدها لتصافحه فأرسل هذا التلامس رجفة باردة عبر جسدها وخضراوتيه القاسية تسحبها إلى أعماق مجهولة، نظراتها تنبض بحيرة مريعة، تتركها عالقة بين شعور الخوف والمشاعر المتضاربة التي تتلوى بعنف في أعماقها المحترقة.

شعور القلق تزايد في أعماقها، حالما جلس داغر معهم بثقة عالية، وكأنه يستمتع بإثارة الفوضى في قلبها، مر الوقت في حوار عابر بينه وبين والدها، تململت قليلًا كأنها تجلس على جمرات، ثم استأذنتهم بلباقة، بحجة الذهاب إلى الحمام، فيما نهض داغر خلفها بعدة دقائق، دون أن يلحظ أحد شيئًا غريبًا. خلال ذلك الوقت. خارج القاعة.

تسير منى بخطوات متوترة، وكأن الأرض تحتها تهتز، بعدما استأذنت من وسام بالذهاب إلى الحمام، تحاول أن تهدأ من اضطرابها المتفجر منذ أن لمحته في القاعة حضوره المتوهج في المكان كان كفيلًا أن يعيد كل نبضة مشتاقة، كل رعشة خامدة في قلبها، لتشتعل كالبركان من جديد بكل رجولته ووقاره، لامت نفسها بصمت على تلبيتها لدعوتها، وخصوصًا بعد تلك النظرات التي وجهها لها عز، وكأنها تعري روحها الهشة أمامه.

دخلت الحمام وهي تحاول أن تتنفس بعمق، وكأن الهواء يرفض أن يدخل صدرها في حضرة مشاعرها الملتبسة. وقفت أمام المرآة، تتأمل تفاصيل وجهها بشرود، تتحسس مكياجها بأنامل مترددة، بينما يتراقص في ذهنها طيف عز بطلته الأنيقة الآسرة التي تنتزع الأنفاس. تسللت ابتسامة هائمة إلى شفتيها، كأن روحها انجذبت بلا وعي إلى ذكرى قديمة، حُفرت بعمق بينهما، لتعيشها مجددًا في صمتٍ مفعم بالحنين. flash back

وقفت مني أمام المرآة تلقي نظرة أخيرة على مظهرها الفاتن، وتمرر أصابعها على شعرها بتلقائية، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها. وفجأة التفتت بمرح حين خرج عز من الغرفة، بنطلونه الأسود، وصدرية البدلة فقط تكشف عن كتفيه وذراعيه المعضلين، ووقف بابتسامة جانبية مفعمة بالثقة، وبريق عينيه يختلط بشيء من الإعجاب العاشق. قال عز لها بنبرته العميقة، وهو يرفع حاجبه بنظرة مغوية: إيه رأيك في الشياكة؟

ضحكت مني بنعومة، ونظرت إليه وكأنها تتفحصه بدهشة مصطنعة، ثم تلاعبت بكلماتها بمرح: خطير يا حبيبي... بس هيبقى أحلى لو لبست القميص. حرك عز حاجبيه بتكاسل، وتظاهر بالبراءة وهو يقول: مالقيتوش!! _إزاي؟ أنا حطاه بإيدي! قالتها مني باستنكار، ثم تخطته إلى الغرفة بخطوات واثقة، لتشير إلى القميص المستلقي بعناية على السرير، قائلة بصوت لم يخلو من دهشة ناعمة: أهو مكانه على السرير يا عز ماتلمسش... حرام عقلي قرب يروح منك.

اقترب عز منها بخطواته الهادئة حتى التصق ظهرها بدفء صدره الصلب، لينحني بجانب أذنها هامسًا بتملك حار دغدغ حواسها بتيار من الإثارة الخفية: يروح على فين ويسيبني لوحدي؟ ضحكت مني بغنج ساحر، وضغطت برفق على صدره قبل أن تنحني لتلتقط القميص، ثم ناولته إياه بنظرة مثقلة بالدلال المثير، وهمست بصوت خافت، كأنما تلقي عليه سحرًا لا يُقاوم: البسه بسرعة عشان نلحق ننزل.

أنهت مني حديثها وهمَّت بالابتعاد، لكن ذراعيه انغلقتا حول خصرها كطوق لا فرار منه، وجذبها إليه حتى لامس خدّه الشائك خدّها الناعم برقة، فيما تسللت أنفاسه اللاهبة بجانب أذنها، وهمس لها بجاذبية ماكرة مغلفة بإغواء مهلك: تعالي هنا... مهمة مين دي؟ نظرت مني له ترفع حاجبها بتحدٍ، وشعرت بأنفاسها تتقطع، وهي تهمس بصوت متأثر، نصفه رغبة ونصفه تحذير: كده هنتأخر... وممكن ديدو تعملنا حوار.

أطلق عز ضحكة خافتة، لامسًا بشفتيه شفتيها بخفة متعمدة، وهو ينبس بخبث متعمد: أنتي شايفة كده! خلاص خليني أنزل كده وأنتي وديدو أحرار في بعض. _لا تنزل كده فين يا مجنون؟ هو احنا قد ديدو؟ شهقت مني باستنكار مرح، لتحاوره بعبثه المحبب، بينما ترمي القميص على السرير، ثم استدارت بجسدها بين ذراعيه، وبدأت بفك أزرار صدرية البدلة، ومع كل زر ينفك تشتعل رغبته الحارقة بهذه الفاتنة.

أدارته مني بين يديها بحنان بالغ، قبل أن تبدأ بتلبيسه له، ما جعله يبتلع لعابه ببطء، وتمتم بتيه عاشق مسحور بجنيته الحسناء: أعمل إيه؟ أدخل إيدي هنا؟ حاولت أن تتماسك، لكن ضحكاتها العالية بشقاوة خذلتها: ده بديهي يا حبيبي... رمقها عز باغتباط محب، وغمغم بنبرة أجش مثيرة: كله منك... خدتي عقلي مني. back

عادت فجأة إلى الحاضر على صوت باب المرحاض، وهو ينفتح ببطء، فرمشت بعينيها لتستعيد تركيزها، حين التفتت، وجدت نفسها وجهًا لوجه أمام عز، يقف بكامل رجولته، ملامحه المشدودة ونظراته العميقة تتحدث عن مشاعر كانت تخشى مواجهتها من جديد. في نفس الوقت عند ريهام

وقفت ريهام خارج القاعة، تتلاعب بأصابعها بتوتر شديد، كأنها تسعى لامتصاص قلقها المتصاعد عبر حركة يديها، غير قادرة على تحمل الصدمات المتتالية التي أرهقت قلبها بشدة، رفعت عينيها بعفوية بعد لحظات، لتجده يتقدم نحوها بخطوات واثقة كزئير عاصفة، وحضورٍ لا يحمل سوى القوة المطلقة والقسوة الجامدة. لم تجد في نفسها قدرة على الفرار، فهي الآن أمامه مباشرةً، أسيرة تلك النظرات الجامدة التي تخترقها كالسيوف.

وقبل أن تستعيد أنفاسها، أمسك بذراعها بقوة جعلت قلبها يقفز من مكانه، شعرت أنها أسيرة بقبضته، مقيدة بقوة سلطته التي لا تملك منها فكاكًا، منساقة خلف خطواته التي تقودها بثباتٍ مخيف نحو زاوية معتمة بعيدة عن الأعين، وما إن توقفت هناك حتى اندفعت منها كلمات مرتجفة، تنبض برعبها العميق، عاجزة عن كبحه تحت وطأة حضوره الطاغي: أنت ليه عملت كدا؟ جاء صوته خفيضًا باردًا، كصفعة قاسية تنفذ إلى أعماقها، مغلفة باحتقار دفين يشقّ

روحها بلا هوادة: كنت عاوزاني أسيب سمعة عيلة أم ابني تتمرمغ في الوحل بسبب إفلاس أبوكي وجشع أمك؟ ارتجفت كلماتها، وهي تخرج مترددة، وملامحها تعكس انكسارها أمامه: عاوز إيه يا داغر؟ مش كفاية... تلاشى ما تبقى من حديثها كأنما ابتلعته الظلال، حينما اقترب منها أكثر، نظراته لا تعرف الشفقة، تحاصرها كفريسة هشة تترجى الرحمة أمام عينيه الباردتين، وانبعث صوته الحاد كحد السيف عبر مسامعها: عاوز ابني. جحظت عيناها من الصدمة،

نطقت بشبه همس مرتعش: يعني إيه؟ أنت مالكش أي حقوق في عمر... دا ابني أنا! بكل برود، أخرج من جيبه ورقة، مدّها نحوها بيد ثابتة، تجمدت أنفاسها وهي ترى شهادة ميلاد تحمل اسم داغر كأبٍ لعمر، نظرت إليه برعب، والصدمات تقرع في رأسها دون توقف، تساءلت بتلعثم: إزاي عملت كدا؟ ابتسم داغر بسخرية جليدية: بسيطة... طليقك راجل عملي جدًا وعارف مصلحته... اختار يحافظ على مهنته وسمعته... وأخذ شوية فلوس وساب البلد كلها.

حدقت ريهام فيه بعيون تملؤها الدهشة والغضب، لكنه لم يهتز، ألقى عليها نظرة مليئة بالاحتقار وقال بسخرية جارحة: مشكلتك طول عمرك إنك ما بتعرفيش تستنضفي رجالة. قال داغر ذلك بازدراء محتقر ثم عاد بخطواته الواثقة نحو قاعة الأفراح، تاركًا إياها تقف وحدها، متجمدة وسط دوامة من الارتباك والخوف. عند مني

عادت فجأة إلى الحاضر على صوت باب المرحاض، وهو ينفتح ببطء، فرمشت بعينيها لتستعيد تركيزها، حين التفتت، وجدت نفسها وجهًا لوجه أمام عز، يقف بكامل رجولته، ملامحه المشدودة ونظراته العميقة تتحدث عن مشاعر كانت تخشى مواجهتها من جديد. _أنت إيه اللي مدخلك هنا؟ سألت بصوت متوتر، وقد تجمدت في مكانها. جاء ردّه هادئًا، ولكن عينيه كانتا تحملان شحنة كهربائية قوية، كألسنة نار تتراقص في عتمة روحها: تفتكري إيه السبب؟

أجابته باستنكار محاولةً الحفاظ على تماسكها بصعوبة: أنت واقف في الحمام الحريمي... إيه مش واخد بالك؟ اقترب منها أكثر، ورد بابتسامة جانبية تتراقص على شفتيه، تفيض بالتحدي والاشتياق، كأنما تهمس لها بأن المسافة بينهما مجرد وهم: لا ماخدتش بالي كويس إنك نبهتيني. _اخرج من هنا يا عز. أمرت لكن صوتها كان أقرب إلى الهمس. _قولي لي الحقيقة وإلا مش هطلع. كان صوته مليئًا بالإصرار، مما جعل قلبها يخفق بشدة، لكنها حاولت أن تتجاهل التوتر

الذي بدأ يزحف إلى أعصابها: بلاش جنان ما ينفعش وجودك هنا اخرج. _كأنك نسيتيني ونسيتي جناني. _مين قالك نسيت؟! أجابت مني بسؤال مندفع، مما جعله يقرب وجهه منها أكثر بشبح ابتسامة، وعينيه يلمعان بعزم لا يتزعزع، وبإلحاح هامس يشبه خفوت اللهب قال: حلو أوي... يبقى عارفة إن لو انطبقت السماء على الأرض وحصلت فضيحة هنا... برضه مش طالع إلا لما تردي علي سؤالي.

تراقص قلبها المفتون بين أضلعها من قربه المهلك، فتراجعت نحو حافة حوض الماء، لتعقد يديها تحت صدرها، وهمست بتذمر مستسلم: سؤال إيه؟ قول وخلصني! بخطوة واحدة كسر المسافة بينهما، قابضًا على عضدها، وبشراسة مشبعة بلهيب الغيرة تنساب بين أسنانه كأزيز النار هتف: يطلع مين الواد الملزق دا اللي جايباه معاكي دا.. قصدك تجننيني مش كدا.. عاوزاني أصورلك قتيل!! انفلتت من قيد قبضته، واندلع هتافها يعكس استياءها الواضح من حديثه:

لا.. أنت كدا اجننت رسمي!!! نطقت بذلك ثم حاولت أن تمر من جانبه، لكن يديه القابضتين على كتفيها أضحتا كعائق لا مفر منه، مدمدمًا بصرامة: ردي عليا. _سيبني. _مش على مزاجك يا منى.. دلوقتي حالًا عايز رد على سؤالي. صوته الذي احتوى على نبرة الغضب، كان كالرعد الذي يتبع البرق، مستفزًا شعورًا متأججًا داخلها، لترد بنبرة متهالكة لكن في أعماقها كانت تعي أن تلك الكلمات تعكس صراعًا بين رغبتها في الاستقلال وعاطفتها الجياشة تجاهه:

ما يخصكش ومش هقولك. _دا أنتي اتهبلتي بقى.. أنتي لسه على ذمتي يا هانم، أي حاجة تخصك تخصني.. فوقي مش معنى إني سيبتك شهرين تهدي فيهم وجيت على نفسي واستحملت بعدك عني بطلوع الروح.. يبقى خلاص تفتكريني هسمحلك تطلعيني من حياتك أو تعيشي على كيفك. أخبرها عز بصوت عات كالأمواج الثائرة، تتسلل إلى أعماقها وتشعل نيران غضب دفين، لتنساب نبرتها كهمس حزين، يشبه أنينًا خافتًا، يكشف الألم دون أن يظهر انكسارها:

ما اتغيرتش يا عز.. ومفيش حاجة في الدنيا ممكن تخليك تبطل أسلوبك الهمجي دا.. بس أنا خلاص صبري عليك خلص ومش هصبر تاني.. من بكرة هروح للمحامي وهطلق منك.. طالما مش عاوز تطلقني بالتراضي. شعر عز بجمرات الغضب تشتعل في عروقه كاللهيب، تحرقه بفكرة الانفصال عنها تمامًا، ليجذبها إليه حتى تلاشت المسافات وأنفاسه تداخلت مع أنفاسها، وهمس بنبرة مختنقة بعشق موجوع وغيرة لا تهدأ:

افهمي بقي.. أنا بموت فيكي.. وإنتي عارفة كدا بطلي تستفزيني بكلامك الغبي دا.. أنا مولع قدامك من غيرتي عليكي. أشاحت منى برأسها عنه ببطء، تكابد بشق الأنفس تجاهل دفء قربه الذي يزيد من دقات قلبها، لكن ما بينها وبينه هو حبل مشدود بين الخوف من الافتتان والرغبة في الانغماس في بحر مشاعر لا تنتهي، وهمست بنبرة رقيقة مرتعشة، تخفي بين طياتها حنينًا عميقًا:

حتى لو بتغير عليا.. كل مرة نتخانق فيها كنت تجرحني بكلامك وبعدها تقولي أنا كنت متعصب وغيران. أضافت منى بقوة غريبة، وهي تعاود النظر إلى عينيه، اللتين تلمعان وسط عواصف المشاعر كنجمتين ساطعتين في سماء حالكة: بس أنا مش هسمحلك تاني تهيني وتجرحني.. وفي الآخر تعلق دا كله على شماعة أنا بحبك وبغير عليكي.. لو بتحبني كنت تحترمني وتقدر مشاعري مش تجرح وتبهدل فيا. _ما هو إنتي مش هتحسي بحالي مهما وصفتلك قد إيه بحبك؟

قد إيه بتوحشيني؟! قد إيه مجنون بيكي؟ أنا روحي فيكي.. بغير عليكي حتى من الهدوم اللي ضماكي وأنا مش قادر آخدك في حضني.. ما بتحسيش ليه بالنار اللي بتحرقني.. أنا مولع من غيرتي عليكي من لحظة ما شوفتك داخلة القاعة مع ابن الـ*** دا. أنهى عز جملته بانفعال عاصف، وانقض عليها كالموج العاتي، يغمر شفتيها بقبلة ملتهبة بالشوق والحنين.

حاولت منى التراجع، تقاومه بروح تفيض رفضًا واحتجاجًا، لكن ذراعيه أحاطتا بها بإصرار كقيد أبدي يشبه خشية الغريق من فقدان طوق النجاة، كأنه يخشى أن تتلاشى بين ذراعيه. في تلك اللحظة، كان يتشبث بها كأنها الحياة ذاتها في أحلك لحظاته، يمتص من رحيقها بلهفة من يبحث عن خلاص في أعماق بحر هائج من الألم. اختلطت أنفاسهما كأنهما يحاولان انتزاع بعضهما من قبضة اليأس المدمرة، ويده تمسد على ملامح وجهها، يلامس كل تفصيلة بها بتوق

حار تجلى في صوته الأجش: شهرين بعيدة عني يا منى.. دا كتير عليا.. حرام عليكي أنا بتصل بيكي كل يوم بحاول أوصلك.. وإنتي كل رقم تعمليلي منه بلوك.. ليه مش حاسة بيا.. أنا مش عارف أعيش وإنتي بعيدة عني.. مستعد أعمل أي حاجة بس تسامحيني.

نطق عز كلماته بنبرة تعبق بضعف جبار، يكمن خلفه صلابة تخفي جبالًا من القوة، كعواصف رعدية تمزق سماءً ملبدة بالغيوم، تخترق دفاعاتها الهشة بقسوة وتتصادم مع قرارها الصارم بعدم العودة إليه، لقد باتت العودة إليه حكمًا قاسيًا على كرامتها، وكأن الخضوع له نداء أخير، يطالبها بالتنازل عن كبريائها، وهي تكافح بألم لمنع قلبها من الاستسلام:

مهما عملت هتقدر تصلح اللي اتكسر جوايا.. هتقدر ترجعلي ثقتي في أنوثتي بعد ما أهنتها بكلامك وأفعالك.. هتقدر ترجعلي كرامتي اللي دستها برجلك.. هتقدر ترجعلي ثقتي في نفسي اللي اتدمرت بسببك.. والأهم من كل دا هتقدر ترجع الزمن وتنقذلي ابني يا عز. كل كلمة منها اصطدمت بجدران قلبه، لتنخر في أعماقه بعنف، بينما أكملت منى بقلب يلتظى بالألم:

مصيبتي يا عز إن ما شوفتش دنيا غير بين إيدك كنت جنتي على الأرض ويوم ما خرجتني منها ضعت واكتشفت إني ما ليش حياة أصلًا فقررت أموت نفسي شوفت ضعف وذل أكتر من كدا. _عارف إني اللي عملته ما كانش هين.. بس أنا ما حبتش ولا هحب في عمري غيرك لو فيها موتي ومستحيل أفرط فيكي ولا هخليكي تبعدي عني مهما حاولتي. رفعت منى وجهها لتواجهه، ورغم ضعفها انبعثت شرارة من الإصرار في صوتها الرقيق:

أنت خلاص بعدتني عنك ومش من دلوقتي من بدري أوي يا باشمهندس وهفضل مصممة على الانفصال الرسمي.

قالت منى ذلك، ثم أبعدته عنها ثم خرجت بخطوات مرتعشة من الحمام، وقلبها يرتجف بين ضلوعها، متشبثًا به رغم الألم، فهي أقسمت في أعماقها على ترويض هذا الليث الجموح، متشبثة بعزيمتها كصخرة صلبة أمام أمواج عشقها العاتية، لن تسمح لضعفها أن يستدرجها للتنازل، بل ستبذل كل ما أوتيت من قوة لتثبت له أنها لن تتخلى عن حقوقها أو تنحني مجددًا، ستصمد حتى تخبو نيران غيرته التي تلتهم حصاد حبهما، حتى يجد في صلابتها ملاذًا يسكن إليه.

بعد مرور وقت لا بأس به. تجلس إبريل في الكوشة، يديها متشابكة مع يد الطفل عمر الذي يقف أمامها، بينما ابتسامتها تنبض بالحنان والعذوبة: ما شاء الله عليك يا قلب خالتك! أنت خطفت قلوب البنات كلهم بكل الأناقة والشياكة؟ رد الطفل بغرور بريء، يعكس ثقته بنفسه واعتزازه بمظهره: عادي.. دي أقل حاجة عندي! قبلت إبريل خده بقوة وحب، بينما أضافت بحماس: يا لهوي على العسل يا حبيب قلبي!

تسلل صوتها الدافئ كنسيم رقيق إلى قلب الجالس بجانبها، مشعلًا في أعماقه شغفًا متأججًا، كأنها تعزف على أوتار روحه لحنًا عذبًا يأسر حواسه ولعًا، لكن عمر بتعبير متذمر طفولي اعترض: كفاية بوس يا توتة خدي وجعني! ضحكت إبريل بنعومة، وهي تقرص مقدمة أنفه بخفة، مضيفة بمشاكسة: أعمل إيه بس؟ خطفت قلبي بحلاوتك يا مز! تنهد باسم بحب لا يخلو من الجرأة: يا بختك! مين قدك.. بكرة لما تكبر هتتمنى لو ترجع لأيام البوس أبو بلاش دا وما هتلاقيش!

عنفته إبريل بهمس مغتاظ: بطل سفالتك دي.. دا طفل لسه صغير وبيلقط الكلام بسرعة. المعت عينان عمر بتأثير، وقال بتساؤل: لحد دلوقتي مش مصدق.. خلاص هتسيبني وتمشي من البيت؟ ضمته إبريل برقة وحنان، وكأنها تسعى لتبديد مخاوفه: لا يا حبيبي مين دي اللي هتسيبك؟ أنت هتجيلي كتير وأنا هجيلك كمان! عمر بحماس تساءل: طيب هتخلوني أجي أشوف أمتى البيت الجديد؟ أجابته إبريل بهدوء:

قريب أوي يا روحي.. أول ما نرجع من السفر على طول هجيبك تشوف البيت. رد عمر بفرح: بجد؟ باسم مؤكدًا بثقة: أكيد أنا وإبريل هننبسط أوي بوجودك عندنا في أقرب وقت مش كدا؟ أكملت إبريل الجملة محملة بحماسها: مظبوط طبعًا.. دا إحنا هنتسلى أوي.. هنقضيها لعب مع بعض بالبلاي ستيشن زي ما أنت عايز! صفق عمر بحماسة شديدة، وعيناه تتلألأ كالأحجار الكريمة: يا سلام دا الكلام الحلو! إلا أن إبريل بنبرة جادة لطيفة قالت:

بس أهم حاجة تسمع كلام ماما وخالو وتيتة وجدو.. وتهدي الشقاوة شوية، وتخلي بالك على نفسك ومن مدرستك. وافق عمر بحذر: حاضر بس أنتوا وعدتوني! أكدت له إبريل، بينما دموع الاشتياق تهدد بالنزول من عينيها، تعكس عمق مشاعرها نحوه: أكيد.. هنعمل كل اللي نفسك فيه سوا. احتضنها عمر بشدة معبرًا عن حبه: ميرسي يا توته.. بحبك أوي! ربتت إبريل على ظهره بحنان وحب كبير: وأنا بحبك يا روحي، وهتوحشني أوي.

في تلك الأثناء، جاء يوسف نحوهم، يحمل في عينيه لمحة من المرح، وقال لعمر بسرعة: أنت واقف هنا وريهام عاملة تدور عليك.. يلا روح شوفها. التفت يوسف إلى باسم بابتسامة واسعة مهنئًا للمرة التي لا يعلمها، لكنه مسرورًا لسعادة أخته: ألف مبروك يا عرسان. باسم بابتسامة عريضة خلابة: الله يبارك فيك يا أبو نسب. تابع يوسف بجدية: مش هوصيك على إبريل تحطها في عينك. احتضن كتفها بشغف، وقال بصوت يجسد صدق مشاعره العميقة، مما زلزل قلبها

وجعله يرتجف خلف ضلوعها: أنا حطيتها جوه قلبي. يوسف حذره بحنان: ماشي يا عم الحبيب.. خد بالك بلاش تكييف وهي نايمة بيتعبها. ابتسمت إبريل بامتنان محب لنصيحته التي تحمل في طياتها عناية الأخ الأكبر، بينما قبلها يوسف على خدها بحب أخوي وقال بهمس: هتوحشيني جدًا على فكرة. أجابته إبريل بابتسامة مشرقة: وأنت كمان يا يوسف، عقبالك يا حبيبي. يوسف مازحًا: يسمع منك يا رب!

بس سلمي تلين دماغها وتوافق على البت.. والحق أخطبها قبل ما يجي اللي يلهفها وتروح مني. إبريل بضحكة مرحة ومشاغبة قالت: يبقى هتروح منك! في هذه اللحظة، اقتربت وسام منهم مبتسمة وقالت: إيه يا باسم يا حبيبي.. خد عروستك وروحوا على بيتكم، الساعة قربت على 12 بالليل. أجابت إبريل بنبرة مضطربة: لسه بدري يا طنط! ردت وسام بابتسامة دافئة: يا حبيبتي.. أنتم وراكم شهر عسل وسفر بدري الصبح.. يلا عشان تلحقوا ترتاحوا شوية!

قبل أن ينتهي الفرح، اقترب داغر بثبات واثق من الطاولة التي تجلس عليها ريهام وعائلتها، لمحت ريهام حضوره بملامح شاحبة، كأنها رأت ملاك الموت يقترب منها، في حين ظن عائلتها أنه جاء ليودعهم، لكن ما نطقه من بين شفتيه كطلقات نارية، جمدت الجميع في حالة من الصدمة المروعة، وريهام في مقدمة من سقطت عليها كلماته كالصاعقة: أنا هاخد ابني يقضي معايا كام يوم يا ريهام.

تدحرجت عينا فهمي نحو ريهام عدم الاستيعاب، ثم انتقلت بنظرات مشوبة بالغرابة إلى داغر، كأنه يستفسر عن معاني الأمور التي تتجاوز فهمه: ابنك مين يا داغر بيه؟ أشار داغر ببرود نحو الطفل الذي يجلس على قدم سلمي، وابتسم بابتسامة تتسم بالغطرسة: هي ريهام لسه ما عرفتكوش إن أنا أبو عمر على العموم.. هي هتبقى تشرح لكم.. يلا يا حبيبي.. تعالى.

نهض الطفل، وسط نظرات الصدمة التي تملأ وجوههم، خاصة أن عمر بدا وكأنه يعرف داغر جيدًا ولا يمانع على الإطلاق في الذهاب معه. _عمر.. تعالى هنا! أنت رايح فين؟ نادت عليه ريهام بصوت حازم يحمل نبرة قلق، فرد عمر ببساطة: هروح مع بابا هو وعدني إنه هيخليني أقعد معاه في الإجازة.

ثم شرع الطفل في شرح كيف أن داغر طوال الأشهر الماضية كان يذهب إلى مدرسته، ويقضي معه وقتًا كبيرًا، وأن هذا كان سرًا بينهما كما أخبره والده، كان صوت عمر مفعمًا بالفرحة، بينما تتجلى سعادته في عينيه البراقتين، ولم يمانع عمر بل رحب بالحنان واهتمامه الكبير الذي غدقه به، مما صعق ريهام في مقتل، خاصة أمام نظرات عائلتها المشدوهة في حيرة من أمرهم حول ما يجري.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...