الفصل 58 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
24
كلمة
2,350
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

الفصل الثاني (فراشة حول اللهب) يا سيدة الأنفاس المختبئة بين ضلوعي، هل تعلمين أنكِ تفتحين أبواب قلبي، زرًا زرًا، بنبضٍ يرتعش تحت أطراف أصابعكِ مثل السحرِ يجذبني إليكِ؟ كل خفقة من عروقكِ تنفجر في داخلي كالنار، وكل نَفَسٍ يخرج من شفتيكِ يستهويني بقوة، يجبرني على الاقتراب أكثر، لأتذوق ذلك الرهف المتمرد من بين عنادكِ الصخري. في منزل باسم الشندويلي

دخلت إبريل بخطوات مرتعشة، وجودها معه بمفردها سيثير مشاعرها المتناقضة، لكنها تخفي ذلك تحت قناع من اللامبالاة، وتجنبت النظر إليه وإبداء التذمر لعلّه ينفر منها ويتركها وشأنها، حيث أن قلبها الخائن كان يكشفها بنبضاته المتسارعة، وهي لا تثق في قدرتها على التحكم بمشاعرها أمامه.

أما باسم فكان يتبع خطواتها بنظرة واثقة، يتعمد تأملها من بعيد، ملاحظًا كيف تمشي متعبة حتى استقرت على أحد الأرائك، لتنحني بجسدها المتعب وتفك حذاء الكعب العالي الذي أرهقها طيلة اليوم. تنفست إبريل بعمق وقالت بلهجة ممزوجة بالراحة والتذمر: "أخيرًا اليوم الطويل دا عدّى على خير وخلصنا! أطلق باسم ضحكة ماكرة متعمدًا أن يثير أعصابها، وصوته يحمل سخرية مفعمة بالحب: "لا يا حلوة مخلصناش.. إحنا لسه بنقول يا هادي."

لم تبالِ للرد، فالتعب كان يغلبها على أن تدخل معه في جدال لا نهاية له، وقامت من مكانها، رافعة الفستان عن الأرض قليلًا، لتخطو حافية القدمين بخطوات مترددة نحوه، كعادته لم يفوّت الفرصة ليتلذذ بشذاها الخلاب الذي تغلغل في كيانه، فأغمض عينيه بلحظة خفية من الانتشاء المغرم، متمنيًا لو يبقى هذا العطر مسكونًا في أنفاسه، بينما حاولت أن تبدو غير مبالية، وتوجهت نحو حقيبتها القريبة من الباب، ثم حملتها لتسأله ببرود مصطنع:

"فين أوضتي؟ أشار برأسه نحو باب على يمينها دون أن ينبس بكلمة، ثم حك أنفه بسرعة ليخفي ابتسامته، فخرج صوتها مهتزًا باستنكار: "دي أوضتك أنت.. فين أوضتي أنا؟ صحح لها باسم بحزم، مع تقطيب حاجبيه بانزعاج مصطنع: "مفيش حاجة اسمها أوضتي وأوضتك.. اسمها أوضتنا! وضعت إبريل الحقيبة على الأرض، وتحدثت بنبرة متمردة: "إحنا متفقناش على كدا." رفع باسم كتفيه بتحدٍ، وتلاعبت ملامحه بتعبير مفعم بالثقة، مرددًا العبارة بنبرة خشنة:

"وهو إحنا كنا اتفقنا على حاجة؟ ما تلوميش حد غير دماغك الناشفة! مش أنا طلبت منك تيجي زي أي عروسة.. وتغيري العفش وتعملي الديكورات على ذوقك وأنتِ رفضتِ." أثناء حديثه، أخذ يدور حولها ببطء، محاطًا بجاذبيته المهيبة كغيمة داكنة تكتنف الأفق، مما جعلها تشعر بالقلق والانزعاج، فهتفت بحدّة مضطربة: "أنت بتحوم حواليا كدا ليه؟ وأيوة رفضت عشان ذوق الشقة كان عجبني زي ما هو.. بس ما جبناش سيرة أوض النوم في كلامنا..!!!

التفتت إبريل إليه نظرة مليئة بالسخرية والتذمر، ثم أضافت مستاءة: "وبعدين عايز تقنعني إن شقة طويلة عريضة زي دي.. ما فيهاش غير أوضة نوم واحدة.. أنت بتكلم بياعة قوطة على فرشة خضار!!! رفع باسم حاجبيه بتحدٍ مستفز، بينما كانت رماديتيه تتأمل ملامحها الجميلة بافتتان، متسائلًا بصوت منخفض: "تفتكري اتنين عرسان هيحتاجوا أكتر من أوضة نوم ليه؟ ها يا روحي!!!

همس باسم بها بنبرة آسرة، محتويًا ذقنها بين أصابعه، فانعكست على وجه إبريل ملامح الشك الممزوج بالخجل، وعبرت بسخرية لاذعة، وهي تدفع يده بعيدًا بتوتر: "يعني مفيش أوضة للطوارئ.. للضيوف.. ولا بتسيبهم يناموا على الكنبة كدا؟!!! خطا باسم خطوة إضافية نحوها، مبتسمًا بابتسامة غامضة احتبست أنفاسها منها، بينما عيناه تتلألآن بمكر عابث، قائلًا بنبرة خافتة جريئة: "ضيوفي ما بيلاقوش الراحة غير في حضني يا حبيبتي...

شهقت إبريل بخفة وارتبكت لوهلة، تمالكت نفسها بنبرة تجمع بين الخجل والغيظ: "احترم نفسك.. واتكلم جد شوية بقى." "واحد عازب هيحتاج أكتر من سرير في البيت ليه يا إبريل؟ توسعت ابتسامته مستمتعًا بمشاهدتها تهرب من نظراته، مثل فرسة جامحة تحاول الإفلات من خيالٍ يعرف نقاط ضعفها، وفي صمتها العاجز، أضاف بخبث: "ناوية تقضي الليلة واقفة مكانك كده.. ولا تحبي أشيلك زي ما شيلتك يوم الموقع على كتفي.. بس برومانسية المرة دي؟

تراجعت إبريل خطوتين بتوتر، وهي تلعق شفتيها، واتجهت لتجلس على كرسي السفرة، متظاهرة باللامبالاة رغم اضطراب نبضاتها المتزايدة بعنف من جراءته اللامحدودة: "ممكن تبطل البواخة دي." اقترب باسم منها، ليجلس على حافة الطاولة بتمهل واضعًا مرفقيه على فخذيه، وبنبرة تكاد تمزق أسوارها الدفاعية همس: "فيها إيه لما أشيلك؟ مش العريس بيشيل عروسته الليلة دي؟ ولا لسه بتتوتر مني؟ ابتلعت إبريل ريقها، مستشعرة اهتزازات توتر تعصف بمعدتها،

وسألت بثبات نسبي: "وأنا هتوتر ليه؟ انحنى باسم أكثر نحوها حتى أصبح فمه على بُعد أنفاس بسيطة من أذنها: "ما أعرفش وإحنا لوحدنا... بحسك متوترة بزيادة." التفتت إبريل إليه فجأة، لتجد وجهه قريبًا من وجهها بشكل يكاد يعطل عقلها، وعيناها تعلقتا بعينيه للحظات، قبل أن تفر بنظراتها إلى الأمام، متلعثمة بصوت منخفض: "لا.. أصلًا مفيش حاجة فيك بتحرك أي إحساس جوايا بالتوتر يعني." تململ باسم بابتسامة جانبية: "بجد؟ "أيوة!

أجابت إبريل بإصرار، لكن اضطراب حركتها يمينًا ويسارًا بعشوائية فضحها فأطلق ضحكة جذابة، وقال بهدوء: "خلاص.. مصدقك." أراح باسم يده برفق على كتفها، مقترحًا بنبرة هادئة تعكس الاطمئنان: "بالمناسبة.. لو حابة تاخدي شاور؟

انتفضت إبريل بسرعة فارتطمت ركبتها بالطاولة، وأمسكتها بتألم، ولا شعوريًا استندت على فخذه، في حين هو بقي متسمرًا، يراقبها بعينين تعكسان حرارة غلفت جسده، وعندما التفتت مجددًا، ووجدت وجهه قريبًا، تراجعت قليلًا مترددة، فخفضت كفها عن فخذه، لتجد نفسها تجلس على قدمه، نظرت له مذهولة، ليتمتم بصوت يشتعل بشغفه الجارف لها: "زي ما قلت لك.. أنتِ متوترة.. وبتوتريني معاكي كمان."

نهضت إبريل عنه وتراجعت خطوتين إلى الوراء، تتملكها مشاعر الحرج، بينما ابتسم لها بدعابة وحنان مردفًا: "وبعدين ما كنتش أقصد حاجة من اللي دماغك.. يعني بقول إن كل واحد فينا بعد اليوم الطويل دا محتاج دُش يريحه ولا إيه؟

أغمضت إبريل عينيها متنهدة بقوة دون أن ترد، محاولة تفريغ شحنة التوتر المتراكمة داخلها، وبعد لحظة من الصراع الداخلي، تحركت باستسلام نحو غرفة النوم، تسحب حقيبتها الضخمة على المزلاج خلفها، وهي تهمس في سرها بكلمات لاذعة بسبب تلاعبه الذي أثار حنقها.

توجهت إبريل إلى الحجرة الصغيرة المخصصة للملابس، ذات التصميم الزجاجي الذي كان يعكس نور الغرفة الخافت، لكن شيئًا ما عاق حركتها، استدارت برأسها لتجد فستان زفافها قد تشبث بطرف الباب الجرار، فحاولت جذبه بحذر، لكنها لم تنجح. في تلك الأثناء، دخل باسم، وهو يفك ربطة عنقه، وألقى بها على الأرض بإهمال، محدقًا في مشهد الفستان العالق، ثم أكمل سيره موجهًا حديثه إليها بنبرة ملؤها الشماتة لا تخلو من العجرفة:

"خدي بالك لا يتقطع.. أنا دافع فيه دم قلبي." نفخت إبريل بغضب، ثم ردت عليه بعناد متمرد: "خليه يتقطع ما يهمنيش.. أنا أصلًا مش طايقة الفستان دا عليا وكارهة أفضل بيه أكتر من كدا.. وما هصدق أقلعه وأرميه بعدها في الزبالة!! زم باسم فمه وهو ينزع سترة البدلة، عازمًا على التعامل معها بنفس أسلوبها، ثم صاح بنبرة مشوبة بالسخرية: "وأنا كمان كاره البدلة دي.. والليلة كلها كانت حجر على قلبي.. يلا خلينا نرميهم في زبالة واحدة."

أنهى جملته ليرمي السترة عليها بقوة، شهقت إبريل بتفاجؤ مكتوم من حركته السخيفة، لتبعد السترة عن وجهها وشعرها الذي تبعثر، ثم ألقتها بقهر مغتاظ على الأرض، وعادت تحاول جذب الفستان مرة أخرى. من خلفها هتف بحنق لاذع، وهو يرفع مرفقه على الرف بجانبه: "طلعت روحي طول اليوم معاكي.. وأنتِ التماثيل اللي في المتحف فيهم روح عنك."

توقفت يديها عن الحركة، وعينيها اتسعتا بنظرة مستنكرة نحوه، ولاحت ابتسامة مبهمة على شفتيها، ثم حدقت نحو الفستان، وسحبته بقوة لتخرجه من أسره، قائلة بنبرة ناعمة خبيثة: "تصدق.. شفقت عليك يا مسكين.. ويا ترى ناوي تطلقني إمتى عشان ترتاح من المجهود الجبار دا؟ قال باسم بلامبالاة مزيفة: "ما قدمناش غير الصبر يا مراتي الحلوة.. مش يمكن أنتِ اللي ما تقدريش تستغني عني ثانية واحدة؟ اعترضت بإصرار مغتاظة من عجرفته وثقته:

"ما أظنش إن دا هيحصل." "هعمل نفسي مصدقك مؤقتًا.. لحد ما الأيام تثبت العكس." "طب ممكن تتفضل عشان أغير الفستان؟ "لو تحبي أساعدك.. ما عنديش مانع." "باسم!! اخرج برا عشان أنا بدأت أتوتر بجد." تهربت إبريل بانزعاج خجول من براثن جراءته، وهي تعقد ذراعيها تحت صدرها، بينما اتسعت ابتسامته المهلكة لتفصح عن استمتاعه الشديد بالموقف: "ماشي.. هسيبك تاخدي راحتك." هكذا تحدث باسم بضحكة، وهو يسير نحو باب الغرفة، ثم أخرج المفتاح من القفل،

وتابع بابتسامة لاذعة: "بس عشان دماغك الحلوة ما توزكيش.. هخلي المفتاح معايا." دبت إبريل بقدميها في الأرض غيظًا بعد خروجه، قبل أن يقع بصرها على ثوب نوم فيروزي على علاقة خشبية مغرٍ جدًا وذو ذوق فريد، مفرود بعناية على السرير، فشعرت بحرارة تصعد إلى وجنتيها، متذكرة جرأة باسم في اختياره. استحضرت في ذهنها ذلك اليوم حينما اشتراه لها، وكيف اندلعت بينهما مشاجرة لطيفة عندما أبدت اعتراضها على جرأة الثوب. Flash back

في سيارة باسم قبل الفرح بعدة أيام لم تكد إبريل تستعد للنزول حين أوقفها صوته الهادئ: "قبل ما أنسى.. استني." استدارت إليه بحيرة، وعلامات الاستفهام تتلألأ في عينيها: في إيه؟ مدّ باسم يده نحوها بكيس مصنوعًا من ورق مقوى ذي لون بيج دافئ، متمتمًا بنبرة هادئة: اتفضلي. أخذته ابريل بتردد، وتساءلت بفضول متوجس: إيه دا؟ في إيه جواها؟! -هدية بسيطة، افتحي وشوفيها بنفسك.

لم تشعر بالارتياح تجاه تلك الابتسامة الجانبية التي ارتسمت على فمه، إذ أثارت في أعماقها أمواجًا من الشكوك والتوتر، سرعان ما استسلمت لفضولها، وبأطراف أصابعها أخرجت قميص نوم مثيرًا، مصنوعًا من قماش الدانتيل الشبكي، بلون أزرق مخضر يتمايل بتدرجاته مع لون عينيها التي ازدادت اتساعًا من الصدمة. اشتعلت في قلبها نار من الحياء، وتسللت حرارة قوية إلى وجهها المحتقن، لكن ببراعة رسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، قائلةً بإعجاب:

واو، إيه اللون الحلو دا؟! زوى باسم حاجبيه بتعجب مشوب بالشك، فقد كان يتوقع ردة فعل معاكسة تمامًا، لكنه سألها بخبث مثير: عجبك ذوقي؟ تخيلته عليكي لما شوفته، ومتأكد هيبقى يخبل على جسمك الحلو. استمعت ابريل إلى مغازلته الجريئة، ووجنتاها تتقدان بخجل عارم، ولم تستطع أن تبعد نظرها عن القميص الذي بين يديها بذهولٍ يغمرها، ثم خفضت رأسها وابتسامة غامضة تتسع على شفتيها الرقيقتين، مما جعله يتابع: وعلى فكرة جبت الطقم كامل.

-وأنت اشتريته إمتى دا؟ ضغطت ابريل على شفتها السفلى، ثم سألت بنبرة تحمل غموضًا، فأجاب بابتسامة كسولة: وأنت بتقيسي بروفا الفستان يا حبيبتي... -عجبني لونه، حلو قوي يا باسم، ميرسي ذوقك حلو. -يشبه عيونك الحلوة. قال باسم بصوت مبحوح مفعم بلهيب الهيام، بينما أخذت تحدق في القميص لفترة، ثم وضعته داخل الكيس مرة أخرى لتناولته إياه برقة أسرت لبه: ممكن تمسك كدا، هاخد شنطة من الكرسي اللي ورا عشان أحطه فيه.

ضغطت ابريل على حقيبة يدها بقبضة متوترة، ثم انقضت عليه فجأة كالعاصفة، تضربه بها بقوة، وهي تهتف بصوت يختلط فيه الغضب بعدم التصديق: بقى جبتلي بيبي دول يا سافل يا متحرش! صاح باسم بإنشداه، وهو يرفع ذراعه أمام وجهه، محاولًا صدّ ضرباتها الثائرة: اتحولتي كدا ليه؟ ما كنتي حلوة!! تكلمت بازدراء من بين أنفاسها المتقطعة: والله أنت ما شوفتش تربية في عمرك ثانيتين على بعض.

أحاط باسم جسدها بذراعه، بينما جذب حقيبتها من يدها بقوة ورماها بعيدًا بلا مبالاة، فدفعت صدره بقبضتيها محاولة الابتعاد عنه، لكن ذراعيه كانت كالسلاسل، محاولًا الحد من حركاتها الخرقاء، بينما انفجر في ضحكة خفيفة تعكس مرحه واستمتاعه باللحظة التي استغلها لصالحه: أخيرًا جئت في حضني بكيفك! ومتحرش إيه يا ملسوعة؟ أنا جوزك!! ازداد غيظها من وقاحته، فرفعت يدها لتجذب شعره بغل، فصاح بألم: لا لا، كدا هتعوريني يا مجنونة.

هدرت ابريل بسخط: أنت لسه شوفت جنان؟ تتجرأ تعمل كدا إزاي؟ باسم بصرامة طفيفة: عملت إيه يعني؟ هي جريمة أنت مراتي، واعقلي بقى إحنا في العربية. ابريل بنبرة خفيضة لا تخلو من الحدة: المسخرة دي تروح تديها لواحدة من اللمامة اللي بتعرفهم. ربت باسم على ظهرها برفق، متمتمًا بهدوء نسبي: خلاص اهدي وخدي نفسك، أنت مش عارفة تجمعي كلمتين على بعض. -خلاص ابعد عني، أنت ماسكني كدا ليه؟ أوعى كدا!!

نطقت ابريل بها بنبرة مرتجفة، بينما قلبها يقرع بسرعة كأنما يحاول النجاة من أسر احتضانه الدافئ، لكنه همس لها بنبرة غارقة في الإغواء: خلينا شوية، أنا كدا مرتاح قوي. -أوعى، سيبني بقولك! -مستحيل.

همس باسم بكلمة واحدة تهاوت لها روحها كسيول عارمة، غمرت مقاومتها الضعيفة، وانسابت في عروقها كعطر مثير، تنسج خيوط السحر حول قلبها، اقترب منها تدريجيًا، حتى اختلطت أنفاسهما في أنشودة من الهيام، وبنعومة حارة لامس شفتيها، ملتهمًا إياها بشوقٍ وعشقٍ يعصف بكيانها، حيث نيرانه الملتهبة تصهر كل ما تبقى من تمردها الهش، فتجعلها كفراشة تحوم حول لهب، مأسورة بوهج شغفه.

تسرّبت ابتسامة خجولة إلى شفتيها رغماً عنها، متمنيةً لو أن قلبها لا يخفق بهذه السرعة كلما تذكرت حنان ودفء مواقف هذا العابث معها. في منزل فهمي الهادي: -مش قادر أصدق! إزاي! إزاي بنتي تطلع بالقذارة دي؟ إزاي عرفتي تقرطسينا كلنا وأولهم جوزك النطع السنين دي كلها! ويطلع عمر ابن راجل تاني غير جوزك؟ إزاي كنتي قادرة ترفعي عينك في وشنا وتكدبي علينا بالبجاحة دي؟ انطقي؟!

صرخ والدها بصوت عالٍ اهتز له جدران المنزل، وكلمات غضبه تحولت إلى شظايا تنفجر حول ريهام، التي وقفت أمامه خائفة ومرتبكة، بينما دموعها تتساقط على وجنتيها في محاولة يائسة للدفاع عن نفسها بنبرة مبحوحة: يا بابا، كان في ظروف، أنا كنت لوحدي، أسعد عمره ما فهمني ولا كان بيعاملني على إني مراته وليا حقوق عليه، اللي حصل دا كان غصب عني!

تدخل يوسف الذي لم يكن ليبقى ساكنًا أمام ما يحدث، اقترب منها، ووجهه يحمل مزيجًا من الصدمة والاحتقار، ورفع يده وهوَى بها على وجهها بقسوة: لسه ليكِ عين تتكلمي. تجمدت ريهام في مكانها بمزيج من الألم والفزع، ويدها تلمس خدها، ليقوم بإمساك ذراعها بقوة، فاهتزت من قوة قبضته العنيفة، أضاف بنبرة حادة كخنجر، وعينيه تشتعلان بنيران الغضب: هي الخيانة ليها عندك تبرير كمان يا***.

حديثه جرح كرامتها، نظرت إلى والدتها لعلها تنجدها، لكن الأخيرة كانت مشغولة بمواجهة ثوران زوجها الذي جلس على المقعد هادرًا بانفعال: طول عمرك طايشة ومش شايفة غير نفسك، وأمك بوظتك بتربيتها ليكِ! -إيه يا هانم مش سامعلك حس؟ قالها فهمي ساخرًا، وعيناه تغليان بالاستهجان، وهو يحدق في زوجته، فتفوهت باضطراب: جرى إيه يا فهمي أنت هتجيب اللوم عليّ دلوقتي! أنا مربية بنتي أحسن تربية و... قاطعها فهمي بصرامة متهمًا إياها:

اسكتي مش عاوز أسمعك لا أنت ولا بنتك، أنت اللي فسدتِها بدلع فيها! -أرجوك يا بابا أنا محتاجة ابني! أنا ما أقدرش أعيش من غيره! توسلت إليه بنبرة مليئة بالمرارة، ودموعها تسيل على وجنتيها الملطختين بالكحل الأسود، بينما هو فقد أعصابه تمامًا، وهدر بها بقسوة لاذعة مرة أخرى: بأنهي عين هأقف أقوله عاوزين الولد بعد ما أنقذنا من إفلاسنا وبقى شريكنا في كل حاجة؟ هأرفع عيني في عينه إزاي بعد انهاردة وهو كاسرنا وكله بسببك.

اجتاحت قسمات وجه يوسف غضب جامح من هذا الحديث، بينما قبضته يعتصرها بعنف لا إرادي، وهدر بحدة، بينما خطواته تقترب منها كإعصارٍ لا يعرف الرحمة، مشعلًا داخلها فتيل الخوف: أنا هأقتله وأقتلك يا ريهام. أوقفه صوت أبيه الذي انفجر كصاعقة عنيفة: اخرس يا يوسف، مش عاوزين جنان وفضايح، كفاية المصيبة اللي وقعت فوق دماغنا يا بني. وجه حديثه إلى ريهام بحسم قاسٍ:

اسمعي ما فيش من انهاردة خروج ولا شغل ليكِ، ومن اللحظة دي هتتحبسي في أوضتك ومش هتخرجي إلا بإذني. يوسف تنبه على كل اللي في البيت، ما تعتبش برا باب أوضتها لما نشوف هنعمل إيه في الوحلة اللي غرقتنا فيها؟ قالها بنبرة قاسية، نُزعت عنها تلك الألوان المشرقة، وأصبح وجهها شاحبًا مع شعور بالندم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...