الفصل 35 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
24
كلمة
3,040
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

هناك قلوب تميل، والاقتراب منها مستحيل. هل علي أن أذكرك مرارًا وتكرارًا أن قلبي جريح؟ رغم أنني أشتاق يومًا ما إلى أستريح على راحة يدك الدافئة، لكني أفتقد الأمان وأخشى أن تخدعني مثلك مثلهم. أخاف أن أثق فيك، وأتلقى طعنة جديدة تسكن صدري الذي ينزف بشدة، فدعني وأرحل بعيدًا!

لأن المشاعر ستبقى ضائعة بيننا كالطير المهاجر الذي ترك ملجأه وهرب، بحثًا عن وطن جديد، تاركًا عشه القديم مثقلًا بألم الخذلان، ويشعر بكمية هائلة من الفراغ بعد الغدر. دعني أجلس وحدي تؤنسني خفقاتي المتألمة في الطرقات، وأنا أنظر إلى خيبات قلبي المنكسر على يد طائري الذي تركني مشتتًا بلا مأوى ولا أمان. ارحل سريعًا قبل أن أراك أملًا جديدًا، وبكل ضعفي وغبائي، أتشبث بك.

هذه مجرد شرارة حب صغيرة قُدحت للتو بين امرأة عنيدة ورجل ذو كبرياء. لمتى سينتظر كل منهم من يبدأ برفع راية السلام؟ ولمن النصر؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في غرفة فهمي ولجت سلمى إلى الداخل، ورأت زوجها جالسًا على السرير وظهره منحنيًا أثناء عقده لرباط حذائه، فهتفت بنبرة منذهلة: "إيه يا حبيبي.. أنت لحقت تصحى وتلبس كمان مش عوايدك!

"مفيش وقت للشرح يلا البسي بسرعة وحصليني على تحت." أنهى كلامه بسرعة ملحوظة، ثم نهض من مجلسه، وخرج من الغرفة تحت نظراتها القلقة من عجلته، فتبعته على الفور، وهي تصيح من خلفه بلا فهم: "في إيه يا فهمي مالك قلقتني؟! نزل فهمي الدرج، وهو يتأكد من أن ساعته الفضية مثبتة بإحكام على معصمه الأيسر، بينما يجيبها باختصار لم يشبع فضولها: "لازم حالًا نروح المستشفى." -في المستشفى عند عز "أنا طلقت مني."

شهقت المرأتان بانصعاق من وقع كلماته الصادمة، ثم هتفت دعاء باستنكار وعدم فهم: "إيه الجنان دا.. يعني إيه طلقتها يا عز.. امتى الكلام دا وإزاي ما تقو... قاطعها عز بانفعال شديد ونفاذ صبر، بسبب فرط توتر أعصابه التالفة: "ماما.. لو سمحتي كفاية نطمن عليها في الأول.. أنا مش ناقص ولا قادر على تحقيقاتك دي خالص." ابتلعت دعاء صدمتها بعبوس، وظلت صامتة على مضض، لكن سوسن لم تستطع الصمت لتتساءل بنبرة محتدة:

"ولما أنت خايف أوي كدا عليها كنت بتطلقها ليه يا عز.. بنتي كانت عملتلك إيه عشان تطلقها؟ زفر عز بقوة، وأغمض عينيه محاولًا السيطرة على انفعالاته، لكن قدرة هذا العز على الحفاظ على هدوئه والتوازن غير مجدٍ، خاصة أن ما يحدث يدفعه إلى الجنون، فبدأ يزرع الأرض ذهابًا وإيابًا، يقتله شعوره بالذنب والألم في قلبه، وهو يقول بصوت معذب: "كل حاجة حصلت في لحظة نرفزة.. اتخانقنا وزعقنا مع بعض.. ومعرفش إزاي طلعت مني الكلمة دي غصب عني."

اعتصر الحزن قلب دعاء على حالة وحيدها الذي تراه على وشك الانهيار، لينخر عذاب الضمير خلاياها، لأنها السبب الأكبر فيما وصل إليه، فنظرت إلى سوسن، لتقول بهدوء وجدية: "دي أكيد كانت ساعة شيطان بتحصل بين أي اتنين متجوزين يا سوسن إحنا المفروض نحل بينهم براحة." تنهدت سوسن بحرقة تعتمر قلبها، والدموع تتجمع في عينيها، ثم تحدثت بنبرة حزينة: "من حرقة قلبي على بنتي اللي كانت كل مناها في الدنيا تجيب منك عيل."

"المريضة فاقت تقدروا تتفضلوا عندها." قالتها إحدى الممرضات بابتسامة هادئة، ثم ذهبت إلى عملها، لتنتعش روحه متلهفة لرؤية معشوقته، وتفوقت على شعور التردد الذي اجتاح ذهنه المحذر له، فوجد خطواته تقوده نحو غرفتها، لكنه استوقفه سماع صوت والدتها التي تناديه بهدوء لا يخلو من الصرامة النابعة من شعورها الأمومي الغريزي الذي دفعها إلى إبعاد هذا العاشق الضاري عن ابنتها ولو مؤقتًا:

"معلش يا عز اعذرني في اللي هقوله.. بس أنا شايفة إنك تأجل مقابلتك بمنى لحد ما يوصل أخوها.. ونفهم سبب طلاقك ليها كان عشان إيه وليه عملت كدا في روحها طالما مش عايز تقولنا؟! رفع عز حاجبيه مستنكرًا منعها له من الدخول على زوجته التي لا يريد إلا أن يشبع عينيه المشتاقتين لرؤيتها والاطمئنان عليها، حتى يهدأ ذلك الثائر داخل ضلوعه، طالبًا القرب منها بإلحاح، ليرد بانفعال حارق: "وأنا عايز أشوفها مش مضطر أستنيـ... دعاء بمقاطعة حتى

تحد من توتر الأجواء بينهم: "خلاص يا عز سيبها تدخل تطمن عليها في الأول معلش اديها فرصة تستوعب اللي حصلها.. الخبر أكيد هيبقى صعب عليها وهتكون محتاجة أمها أكتر." أطلق زفرة قوية عبرت عن مدى استيائه قبل أن يهز رأسه بالموافقة في استسلام متوتر لهم، وذهب ليجلس على أقرب مقعد، وعيناه لم تفارق سوسن التي اتجهت إلى غرفة ابنتها وأغلقت الباب خلفها.

أحنى عز رأسه، ووضعه بين كفيه، وأغمض عينيه بألم حاد يدق كالطبول في خلايا عقله، ليتمتم بصوت مختنق مليء بالندم، وكأنه يتحدث مع نفسه، فوصل إلى أذني دعاء: "جرحتها أوي بكلامي.. معرفش إذا حتى هتبص في وشي تاني ولا هتقولي إيه؟ حاولت دعاء أن تنقل له كلمات تمده بالقوة والصبر، بصوت هادئ حنون:

"اسمع أيًا كان اللي قولته ووصل الأمور بينكم للمرحلة دي.. افضل وراها لحد ما تسامحك يا عز وخليك صبور وهادي فهمني يا عز.. ماتنفعلش من أول ردة فعل ليها هي أكيد مجروحة وتعبانة يا حبيبي." ابتلع عز غصة الألم العالقة في حلقه بصعوبة، وامتلأت عيناه بالعبرات الحارقة، يحاول بكل طاقته أن يتمالك نفسه ويستجمع الرد على لسانه، لكن عينيه المحتقنتين منعتاه، وأعرب عن أسفه لخسارته:

"خايف عليها.. وخايف منها.. مش عارف هتسامحني إزاي بعد اللي عملته معاها.. تفتكري ممكن تسامحني بعد ما خسرت الحاجة الوحيدة اللي كانت هتشفعلي عندها خايف تكرهني وماترضاش تديني فرصة وتسامحني." انهمرت دموعها على خديها بأسف، وهي ترفع يدها المرتعشة بتردد على رأسه المنحني، وتمسح على شعره بحنان، وهي تقول بهمس حزين:

"اللي يحب ما بيقدرش غير إنه يسامح ويغفر لحبيبه ومهما عمل ما بيعرفش يكرهه ممكن يقسى عليه بس ما بيقدرش يمحي معزته وحبه من جواه." همس عز بصوت أجش نابع من قلبه المفطور، وشعور مظلم بالألم ومرارة القهر تجتاح روحه بمنتهى القسوة، مما زاد من وخز قلب أمه عليه دون أن يدرك عذاب الضمير الذي انتابها متأثرة بشدة بعبارته التالية:

"مش عارف ليه حاسس أوي إني محتاج بابا في اللحظة دي.. محتاج يكون جنبي ويقف معايا.. ومحتاج له ينصحني يوجهني أو حتى يضربني.. عايزه يقولي أعمل إيه.." حاسس إني تايه أوي من غيره.

كانت دموعه تتساقط الواحدة تلو الأخرى مع كل كلمة تخرج من شفتيه من شدة الألم والاحتياج. لم تحتمل دعاء رؤيته على هذه الحالة الضعيفة، فازدادت تعابيرها بالحزن والخزي، وهي تحتضنه بذراعيها المرتجفتين بحنان بالغ، ولا تدري هل تواسيه أم تواسي نفسها بهذه اللحظات القريبة فيها منه، وهي تخشى بشدة من عدم غفرانه لها، حينما يعلم الحقيقة المستترة حتى الآن. *** خلال ذلك الوقت عند أبريل

نطقت بالكلمة الأخيرة بتلعثم مصدوم، وهي في وسط أفكارها المتضاربة تميل بجسدها نحوه أكثر، محدقة به بعينيها الفيروزيتين المذهولتين اللتين تشبهان عيون القطط، ولم تكن منتبهة إلى كف يدها التي وضعتها بعفوية فوق يده على السرير دون سابق إنذار، مما أدى إلى تصلبه كالتمثال في مكانه جراء إحساسه بملمس بشرتها الناعمة، بالطبع لم تكن المرة الأولى التي تتودد إليه امرأة وتمسك يده، لكن عنصر المفاجأة من تلك القطة الغامضة المزاجية أثار حب الاستطلاع لديه حتى يكتشفها على المهل.

ممكن تكون هي اللي عملت كده؟! استطردت تهمس بصوت مذهول دون أن تنظر إليه، فلم تكن تستوعب بعد أن المرأة التي زارتها، لتحذيرها من خطر هذا الزواج، هي ذاتها وراء هذه الفضيحة المشينة التي قد تؤدي إلى ضياع مستقبلها. بلَّل شفتيه بطرف لسانه بتوتر، مستمعًا إليها بقلب مضطرب، وبتلقائية بحتة وجد نفسه يقترب منها، وكفه لا يزال أسير قبضتها، وكأنه لا يريد أن يبذل جهدًا ليسحبه بعيدًا، أو ربما يريد أن يطيل الاستمتاع بلمستها اللطيفة.

استقر براحة يده الأخرى على ذراعها، يربت عليه برفق قبل أن يرفع ذقنها به حتى تتمكن من النظر إليه مباشرة، خاطبها بقساوة صوته الرجولية المتأنية: مش ده اللي المفروض يشغلنا دلوقتي.. انخفضت نبرة صوته أكثر، وتحولت إلى طبقة عميقة أشد جدية كان لها تأثير مغناطيسي خاص على مسامعها، إذ تختلف بشكل واضح عن

طريقته الساخرة في التحدث: الأهم أننا مغلطناش في حاجة عشان نداريها ولا الهروب من المشكلة اللي واقعين فيها هيخليها تتحل لوحدها زي ما كنتي بتخططي.. ومعلش لو حظك كان ضدك ووقعتي معايا أنا بس ما بقاش فيها رجعة وصعب نغير كلامنا.. إذا ما كانش في حاجة رسمي وبسرعة ولو بشكل مؤقت بينا قدام الناس.. هيتأكد الخبر عندك استعداد إن سمعتك ومستقبلك هيدمروا.

نسيت للحظات من هو، بل تاهت بانجذاب في أعماق تلك الفضة الذائبة داخل مقلتيه، واستمعت إليه بنصف عقل، لكن حالما وصل إلى منتصف حديثه أضاءت إنذارات اللاوعي الحمراء في رأسها، وتحديدًا عند ذكره أن الانخراط في هذه اللعبة معه أمرًا حتميًا عليها بلا رجعة، وهي ترفض بشدة أن تُجبر على شيء لا تريده. *** في منزل فهمي الهادي اندفعت سلمى خلفه على الدرج بخطوات سريعة، لتراه يتجه إلى إحدى الطاولات في الردهة، فسألت

بصوت منزعج وهي تقترب منه: لسه بدري مش لما نفطر الأول ليه السرعة دي يعني؟! أثناء كلامها جلس فهمي على الأريكة، يعبث بشكل عشوائي بين صفحات الصحف، قبل أن ينقل لها خبرًا بمثابة قنبلة موقوتة، وكان كلاهما يعلم أنها سوف تنفجر حتمًا: مصطفى لسه مكلمني بيقول رجع من السفر. فغرت فاها بمفاجأة، عندما رأته يواجهها بنظرات تحمل القلق في أغوارها، لوهلة هربت الحروف من طرف لسانها، ثم سرعان ما تغلبت على الصدمة

وهي تصرخ بتساؤل مرعوب: قالك إيه عرف حاجة.. أوعي تكون قولتله حاجة يا فهمي!! الدنيا كلها عرفت الخبر مالي الجرايد والنت يا هانم.

قال لها بصوت حانق، وهو يمد لها الجريدة، فأخذتها منه بتردد، وما إن قرأت المقال حتى جحظت عيناها حتى كادت تخرج من تجاويفها، وتجمد الدم في عروقها، مما جعلها تشعر وكأنها انسلخت عن الواقع، وكل ما طرأ في مخيلتها أن هذه الكارثة ستدمر بالتأكيد كل المشاريع المستقبلية التي بدأت بالفعل في تنفيذها، لم تستفق إلا على صوت زوجها الذي زمجر بنفاذ صبر: أنتي لسه واقفة.. يلا اطلعي البسي.. خلينا نروح لإبريل قبل ما مصطفى يوصل عندها.

أومأت سلمى له بملامح شاحبة قبل أن تصعد بهرع إلى الطابق العلوي، تاركة فهمي يزرع الأرض تحت قدميه ذهابًا وإيابًا بقلق بالغ. *** عند هالة إذا في حد كان عنده استهتار واستخفاف بالتاني فهو أنت يا دكتور. ارتبك لوهلة من هجومها المضاد، ثم رفع حاجبيه باستعلاء، ونطق بنبرة رجولية متعجبة: أنا!! وهو أنا عملت إيه يخليكي تقولي كده عني؟! طرح هذا السؤال بلهجته الواثقة حد الاستخفاف، ليبلغ غضبها أقصى درجاته،

وردت بضحكة هازئة: ليكي حق.. ما أنت لو واخد بالك من تصرفاتك عاملة إزاي ما كنتش سألتني عملت إيه!! استفسر ياسر بتوتر من أسلوبها الغامض في الحديث، مما جعل ابتسامتها الساخرة تتسع على شفتيها: أنهي تصرفات اللي بتتكلمي عليها وضحي كلامك وفهميني؟! بذلت هالة جهدًا مضاعفًا للحفاظ على ثباتها الانفعالي، وهي تسأله دون قناعة: والله مش فاهم..!!

أومأ ياسر لها بالإيجاب بتأنٍ، إذ تجلت علامات الحيرة على وجهه، منتظرًا أن تكمل حديثها، لتقوس شفتيها بتعبير مليء بالأسى الساخر، قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا، لتشرح له بحدة خافتة لأول مرة يسمعها منها، لكنها لم تقلل من جاذبية صوتها: تمام.. اللي اتحط في موقف سخيف يا دكتور قدام أهله وقدام الناس كان أنا..

رفعت هالة يدها لإبعاد خصلات شعرها البني الكثيف المتطايرة عن عينيها بسبب الريح، وأشارت باليد الأخرى نحو نفسها، مكررة بصوت منخفض الطبقات مفعم بالقهر على ذاتها، ضاغطة على كل كلمة خرجت من شفتيها: أنا اللي حفلة خطوبتها اتقسمت نصين.. خطيبي شوية بيرقص معايا وشوية مع البيست فريند بتاعته.. ولما شوفتها بترقص مع واحد تاني أنت ما استحملتش روحت تضربه.

تجمعت العبرات في مقلتيها كطبقة بلورية متلألئة بشكل رائع، رغم نظراتها الحزينة دليل على حالتها النفسية السيئة، لتنقر بإصبعها السبابة على موضع قلبه، وهي تسأل بانفعال مرتجف: ليه وقتها ما فكرتش في الناس.. ليه ما همكش خطيبتك!!

ازدرد لعابه بصعوبة، يشيح ببصره عن عينيها الدامعتين، محاولًا تجاهل نبرتها الحزينة، لكن كيف سيفعل، إذ أن الوجع لا يحتاج إلى حديث طويل، أحيانًا تكون نبرة الصوت نصف الكلام، ليستجمع الرد المناسب في ذهنه، لكن تفكيره لم يسعفه على النطق بكلمة، فهو يعلم مدى صدق حديثها، لكن من ناحية أخرى هناك صوت يهتف داخل عقله، يحثه على الإنكار والصمت.

أما هي فكل ما أرادته هو أن يطمئنها، يربت على كفها المرتعش بحنان، نظر إليها بحب، يقضي على كل الشكوك التي تنخر في خلاياها مثل ما يفعل السوس في الخشب، لا أن يتهرب من التحديق بها كما يفعل الآن.

ابتلعت غصة مريرة في حلقها كالعلقم، ورغم الخوف الذي يرتعد في أعماقها من معرفة حقيقة مشاعره، إلا أنها أرادت إجابة حاسمة، ولو كانت قاسية، لكن صمته الطويل صب الوقود على هواجسها، فاشتعل غضبها بقوة، ولم تتمكن من السيطرة على انفعالاتها أو إظهار عكس ما تشعر به كعادتها، بل تابعت بصراخ أجفله: رد عليا!! *** عند باسم

تفاجأ باسم بها، تحدجه بفيروزتين تقدحان شررًا من الغضب، الذي تناقض مع هدوء ملامحها الوديعة منذ لحظة واحدة، لدرجة جعلته يشرد فيها لا شعوريًا، ولم يكن يعلم أن جزءًا كبيرًا من هذا الحنق كان موجهًا إلى نفسها عندما لاحظت يدها تستريح على يده، كأنها تستمد منه بعض الأمان. أصبحت وجنتاها محتقنتين بالدماء من فرط خجلها، وكم كرهت هذا الشعور؟

من بين كل الناس، وقع اختيارها الأحمق على هذا الباسم، الذي توهجت عيناه الفضية ببريق غريب، ومر شبح ابتسامة على شفتيه بمجرد أن لاحظ تلون خديها الشهيتين، ونظراتها مثبتة على يديهما. تجهمت ملامحه فور أن أبعدت كفها عنه سريعًا، وفركتها بعنف في الغطاء، وكأنه يحمل وباء خطيرًا قد يصيبها به، قبل أن تحدق به برأسها المرفوع بشموخ ونظرات قوية، متحدثة بنبرة باردة:

"إذا قاصد تخوفني بكلامك فأنت غلطان، أنا مش محتجالك ولا محتاجة لأي حد، وزي ما قولت أنا ما غلطتش في حاجة عشان أخاف وأستخبي منها." أشارت أبريل نحوه بإصبعها السبابة بازدراء، لتتابع بحدة ناعمة: "وأوعى تفكر لو لثانية إني ممكن أثق فيك بعد اللي عملته معايا، دا مستحيل."

اختتمت أبريل كلامها بتأكيد وأنفاس متسارعة، فرفع باسم ذقنه بغطرسة، لتظهر اللامبالاة جلية على ملامحه، وداخليًا يغلي من الاغتياظ، ها هي ذا مرة أخرى ترمي سهامًا مسمومة في منتصف جبين كبريائه، لكن هذه المرة لن يتهاون معها، لأنها استنفدت بالفعل كل طاقته، ليرد عليها بجمود مخيف: "أنتي حرة." وبعينيه ذوات النظرات الباردة التي لم تحِد عن عينيها المستهجنتين، ليتابع من بين أسنانه بصرامة مذكرًا إياها بكلامه السابق:

"بس افتكري وضحتلك الصورة وقولتهالك إني لو بإيدي كنت خليتك تتعاقبي على تصرفاتك الغبية اللي خلت الكارثة دي تحصل." كانت عيناه الرماديتان تتلألأ ببريق قاسٍ جعل أي كلمات لاذعة على لسانها تفر هاربة، بعد أن عبثت مع هذا الذئب الذي قرر إظهار أنيابه الحادة مرة أخرى أمامها حتى يحجم تمردها عليه، لتزيد تفاصيله شراسة ووسامة فائقة، وهو يضيف باستخفاف جاف، مشيرًا نحو الباب: "زمان أهلك هيوصلوا في أي لحظة...

رمقته أبريل بغيظ ممزوج بالتوجس، ليقابلها بنظرات تبرز برقًا مهتاجًا، ولقد استفزه كثيرًا الازدراء الذي يلوح في أفق فيروزيتها الرائعة، وانذهل أكثر من تهاونها في هذا الأمر الجلل، في حين كان ينبغي لها أن تطلب منه المساعدة، لا أن تصده عنها كما تفعل الآن. لوى باسم شدقه بسخرية، وهو يميل برأسه نحوها، حاولت الابتعاد لكنها تجمدت مكانها، حالما واصل الهمس العميق بجوار أذنها، مستوطنًا بين أوتاره تحذير غامض:

"كملي على العناد وتنشيف الدماغ دا قدامهم... هتفهمي معنى كلامي لما يشيلوكي مسؤولية كل اللي هيحصل بسبب الإشاعات اللي كل ثانية بتكتر علينا." نبرته الماكرة المغلفة بالقسوة، وأنفاسه التي ترتطم برقبتها بلا رحمة أصابتها بقشعريرة غريبة رغم ادعائها بالصمود أمامه، لكنه بسهولة أحس باحتراق أعصابها، التي استنشق رائحتها من خلال لهاثها المحتقن، ورفعت فيروزيتها إليه بنظرة متحدية، لتبرهن له باستماتة، عدم اكتراثها بقولها البارد:

"سبق وقولتلك ما يهمنيش، أنت ما بتسمعش." وشت بها خفقاتها المتصاعدة بارتباك لقرب وجهيهما من بعضهما البعض، إذ يستمر هذا الرجل الوقح في انتهاك حدود خصوصيتها بلا هوادة، ونيران التحدي المشتعلة بين السطور جعلته أكثر حماسًا لإخضاعها تحت سيطرته على طريقته الخاصة، فوجد نفسه يرد بذات البرود: "ماشي... يلا واجهي دا كله لوحدك... أنتي مش محتاجالي وأنا هقف معاهم وأتفرج عليكي."

أنهى باسم كلامه بابتسامة مغلفة بالتلاعب لينجح في استفزازها، وبدلًا من أن تثير غضبه وتأجج حنقه، ليرحل بلا رجعة، انقلب الأمر ضدها، لتتأكد أن خلاصها محكومًا بقبضة يده، وبكل برود وتريث، وجدته ينهض عن الفراش وتحرك نحو الباب، ليتركها خلفه، والخوف يحفر مخالبها في نياط قلبها المرتعد، فيفجره بقسوة، مما جعل نبضات قلبها تتوقف جراء حديثه الصحيح، وتزايد سخطها تجاهه بشكل كبير، مما جعلها تنبس من بين أسنانها بقهر مكبوت:

"في ستين داهية." *** في المنصورة، كادت خالة أبريل صابرين أن تفتح باب شقة والدتها، لتتفاجأ بهبوط نادية على السلم، فتركز نظرها بذهول على الحقيبة الكبيرة التي كانت تحملها بصعوبة بسبب ثقلها، وعلى ذراعها الأخرى، كانت تحمل ابنتها النائمة، لتهتف بنبرة ودودة: "صباح الخير يا نادية." ابتسمت لها نادية، وقالت بنفس النبرة بعد أن توقفت أمامها: "صباح النور... إزيك يا صابرين؟ بادلتها صابرين الابتسامة قبل أن تقول بتساؤل:

"أنا كويسة... أنتي عاملة إيه... وإيه الشنطة دي يا نادية... حصل حاجة ولا إيه؟ ربتت نادية على ظهر الطفلة تهدهدها، وهي تشيح ببصرها بعيدًا هربًا من نظرات صابرين القلقة، وأجابت نادية بنبرة كافحت، لتبدو طبيعية رغم شعورها الشديد بالاختناق، إلا أنها اعتادت الكتمان داخلها، رافضة الكشف عن شكواها لأي فرد من أسرة زوجها، لأن ببساطة ستكون الملامة الوحيدة بينهم: "لا مفيش، ما أنتي عارفة أحمد سافر...

قولت أروح لماما كام يوم أقعد عندها." شعرت صابرين بالشفقة عليها، عندما رأت الألم يتبلور في انعكاس حدقتي عينيها، فقالت بلطف: "ولزومها إيه البيات يعني يا نادية؟! زوريها وارجعي... كدا كدا أحمد رايح يوم وراجع على طول." تابعت صابرين حديثها بتريث، وهي تضع يدها فوق كتف نادية برفق: "نادية ما تزعليش، دا واجب أبريل مالهاش غيرنا، أنتي طول عمرك عاقلة، ما تاخديش على خاطرك وتحطي في نفسك، أحمد مالوش غيرك أنتي وبنته."

نادية سخرت سرًا في قلبها الممزق من القهر على ما سمعته، هل هي تكذب عليها أم على نفسها؟ الجميع يعرف الحقيقة الواضحة للأعمى، فابتلعت الغصة التي تشكلت في حلقها، وردت بنبرة مهزوزة: "أصل ماما صحتها تعبانة شوية وأسيل مشغولة في بيتها، قولت أكون جنبها الفترة دي." أومأت لها صابرين بتفهم ظاهري، حيث انتبهت لعلامات الكذب الواضحة عليها، ولم ترغب في الضغط عليها أكثر لتخاطبها باستسلام: "ألف سلامة عليها...

طيب يا حبيبتي على راحتك روحي... وابقي طمنينا عليها." هزت نادية رأسها بالموافقة، ونبست بصوت خافت: "إن شاء الله سلاموا عليكو." وما أن قالت الكلمة الأخيرة حتى رفعت الحقيبة عن الأرض، واختفت عن نظرها، قبل أن تتدفق دموعها، التي تملأ عينيها بأسى شديد على حالها. *** عند باسم، فور خروجه من غرفة أبريل، انمحت ابتسامته، وأطلق زفرة قوية، وهو يحاول السيطرة على عاصفة غضبه الهوجاء التي سببتها تلك الهرة العنيدة.

فرك باسم جبهته، وهو يشعر بألم يفتك بجمجمته من التوتر وقلة النوم، بالإضافة إلى تصرفاتها وتحديها المستمر له وكأنه ألد أعدائه، نظراتها لغز غامض خليط بين القوة والضعف بنفس الوقت، لم يفهم لماذا عاملته بهذه الشراسة التي تقوده للجنون وتروق له في آن واحد. وفي غمرة تشتت أفكاره لم ينتبه لإشارة إحدى الممرضات التي كانت واقفة على بعد مسافة منه.

راقبته بعينين حائرتين، فرأته يستدير إلى الجهة المعاكسة ليغادر الردهة بخطوات هادئة، لكنها اتخذت قرارها عازمة على التحرك فورًا لتنفذ ما أمرها به مسبقًا. *** في نفس الوقت، سار صلاح في الرواق، وهو يتحدث عبر الهاتف مع مدير مكتبه: "مشي أنت الدنيا عندك مع باقي المديرين وبلغني بالجديد معاكم... هتف مقاطعًا الطرف الآخر بنفاد صبر، حالما رأى باسم مقبلًا نحوه: "طيب اقفل يا حسام خليني أفكر في الكارثة اللي وقعت على دماغنا...

يلا سلام." وصل صلاح إليه، وسأل بلهجة مطوقة بالغضب والسخرية: "رايح على فين البيه؟! رد باسم بإيجاز متعجب: "الكافيتريا... حضرتك هنا من أمتى؟ أجابه صلاح ساخرًا: "من بدري يا بيه... عمال ألف على سيادتك من الصبح وتليفونك مقفول." أغمض باسم جفنيه بتعب للحظات، فهو غير مستعد لعاصفة التوبيخ التي هبت بكلام والده، على مضض فتح عينيه، ونظر إليه بلا مبالاة قائلًا بلسان ثقيل الحروف: "فاصل شحن."

تأجج لهيب غضبه بقوة من برود ابنه، فصاح بصوت أجش حانق جعل المارة يلتفتون نحوهم في دهشة: "يا برودك هو أنت مش مقدر حجم الكارثة اللي وقعنا فيها بسببك وشغلنا اللي خرب من تحت عمايلك وطيشك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...