الفصل 36 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
22
كلمة
2,645
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

الفصل الحادي عشر (قراري الأخير)

التقينا في لحظة حاسمة، كانت كالسيف القاتل على عناقنا. كلانا هارب من كارثة تكاد تمزق قلوبنا حد الموت. ولم تمر سوى دقائق قليلة منذ لقائنا، ووجدتك تسردين كذبة حمقاء عبر شفتيك. أخضعتني لقربك قسرًا أيتها المتمردة، لا أعلم حقًا من منا حينها أصبح أسير للآخر، لكنك صرتِ رغمًا عنكِ عروسي العنيدة أمام كل الحاضرين. حينذاك أدركت أن مثوى السيف السري هو فيروزيتك الثائرة، وقبل أن أشهر سلاحي، اخترقتِ باندفاعكِ الجريء قلبي الذي صرخ غاضبًا: "في الغرام سأكون سفاحًا، وألف لعنة لكم أيها الخصوم، فإن شئتِ أم أبيتِ سوف تكونين لي". وبكامل قواي الجنونية أقول لكِ: هذا قراري الأخير.

-❄️ -❄️ أمام عربية ياسر تابعت هالة بصراخ أجفله: رد عليا!! رفع يده أمامها منبهًا إياها، بتحذير مقتضب: هالة وطّي صوتك وتمالكي نفسك، وأنا هافهمك الحكاية صح. صاحت هالة بحدة: أفهم إيه! وأنا كل اللي لاقيته منك عدم احترام لكرامتي ومشاعري وبس. فرك ياسر جبهته بتوتر، وهو يهتف بنفاذ صبر: أستغفر الله العظيم... ده مش أسلوب لائق خالص للمناقشة... إحنا أعقل من كدا يا هالة... أنا حتى مش فاهم شغل قلب التربيزة ده هتستفيدي منه إيه؟!

ما كانتش كلمة وطلعت مني عشان تتفتحي فيا الفتحة دي... راعي شوية إننا واقفين وسط ناس بيتفرجوا علينا. نظرت هالة إليه بعينين ضيقتين مليئتين بالعبرات، ردت مؤكدة صحة حدسها، بنبرة هازئة يتخللها الأسف على حالها: مش باقولك فارق لك شكلك دايمًا... بس اللي بقت خطيبتك وهتكون شريكة حياتك عادي لما تقلل منها قدام أهلها وصحابها وكل الموجودين... وطول الوقت كنت مهتم بواحدة تانية...

وبالمناسبة كل اللي حضر الحفلة وشاف المهزلة دي ماستناش للصبح... الأخبار كلها ملأت المستشفى وطول الليل الممرضات مالهمش سيرة غير إزاي خطيبها كان سايبها طول الحفلة ومهتم بواحدة ثانية... هي لدرجة دي مش مالية عينه... وهي إزاي قبلت على نفسها... إيه ما عندهاش كرامة؟! تعبيراتها المليئة بالحزن لم تسعفه في تبرير موقفه، لكن لم يكن أمامه إلا أن يكابر، ويدعي عكس الحقيقة: سبق وفهمتك طبيعة علاقتي بيارا عاملة إزاي... هي أخت...

قاطعته هالة بإشارة للتوقف عن الكلام: من فضلك أنا جبت آخري وخلاص اكتفيت من كتر الكدب اللي بتعيد وتكرره ده. لم تعجبه نبرة الاتهام في صوتها الهادئ، فعدل وقفته أمامها بكل وقار، ليخرج رده بوضوح وثقة: هالة... أنا لما جيت وتقدمت لك كنت مقتنع باللي باعمله... وإذا في مشاعر من ناحيتي ليارا أو لغيرها كنت قولت لك... أنا مش هاخاف منك ولا مضطر أكدب عليكي...

وعشان أنا مقدر إن أعصابك مشدودة هاعمل نفسي ما سمعتش الكلام الفارغ اللي أنتِ قولتيه. صاحت هالة بإصرار قوي: لا أنا كلامي مش فارغ ولا من فراغ وعارفة كويس باقول إيه... طريقتكم مع بعض دي فوق الطبيعي... اهتمامك الأوفر بيها ده مش طبيعي... -❄️ -❄️ في ذات الوقت داخل المستشفى تحديدًا بغرفة أبريل دخلت الممرضة الغرفة، تقترب منها بخطوات هادئة، لتقول بابتسامة: اتفضلي دي عشانك.

عقدت أبريل بين حاجبيها الجميلين، وهي تأخذ منها علبة حلويات فاخرة مزينة بشكل أنيق، ثم سألت بنبرة حيرة: مين جابها دي؟! نظرت أبريل إلى الصندوق بعينين تشعان بالفرح، لا شعوريًا، إذ ذهب عقلها إلى أخيها الذي يعلم حبها الشديد للشوكولاتة، لابد أنه يسعى إلى استرضائها بهذه الطريقة مختبئًا خلف قناع الحذر منها خوفًا من رفضها، حتى جاءها الجواب من الممرضة محطمًا كل آمالها: خطيبك اللي لسه خارج من عندك من شوية.

هزت أبريل رأسها بهدوء في خيبة أمل، لكن كيف يمكنها أن تظلل الوميض الصغير المنبعث من روحها التي كانت تتمنى دائمًا أن تحظى بحنان واهتمام من عائلتها؟ أحست بصوتها يحاول الوصول إلى حنجرتها بصعوبة، فخرجت الكلمات خافتة بما كان يطوف بداخل قلبها: أهلي حد منهم موجود برا؟ ردت الممرضة بتفكير: أظن لا ما فيش حد برا.

عقدت أبريل ذراعيها على بطنها، وأطلقت تنهيدة عميقة تعبر عن مدى إحباطها، هي تشعر بالاستياء منهم جميعًا، لكن هذه المشاعر الإنسانية مهما حاولت كبح جماحها أمامهم، وتصرفت بقسوة، تظل في أعماقها متعطشة لاهتمامهم الذي ترفض أن تشحذه منهم بالتوسلات، سرعان ما سخرت من أفكارها الداخلية سرًا قبل أن تسألها برقة: طيب ممكن تجيبي لي الهدوم اللي جيت بيها هنا؟ ردت الممرضة بابتسامة لطيفة: كل حاجاتك موجودين في الدولاب ده...

بس ما ينفعش تخرجي قبل الدكتور ما يكتب لك على خروج. زاغت عينيها بتوتر، ودفعت شعرها خلف أذنها بفكرة شيطانية سطعت في عقلها، قبل أن تقول بابتسامة وديعة: تمام... أنا جعانة ممكن تجيبي لي فطار؟ نطقت أبريل بعبارتها بمنتهى البراءة، تتوارى خلفها نواياها الماكرة ببراعة شديدة، جعلت الممرضة تصدقها بكل سهولة، لتتحدث على الفور: أكيد ممكن الفطار هاجيبه حالًا مع الدوا وراجعة على طول. سرعان ما اعتلت ابتسامة ساحرة على ثغرها،

ونبست بامتنان: ميرسي أوي على تعبك. الممرضة بسماحة: شغلي يا فندم ربنا يشفيكي. بمجرد أن أغلقت الممرضة الباب خلفها، زفرت أبريل بقوة وغضب، وزمجرت بكراهية وامتعاض شديدين: قال خطيبي قال... هانجَلَط يا رب ما شوفتش حد بارد كدا في حياتي زي البني آدم ده... ما عندوش نقطتين دم ولا كرامة... واحد غيره وسمع الكلمتين اللي قولتهم له كان زمانه راح دفن نفسه مش يجيب لي شوكولاتة... بس شكل جهاز الإحساس عنده متبدل بديب فريزر.

حدقت أبريل في علبة الشوكولاتة بسخرية، وهمست لنفسها بوعيد: عاملي فيها البيه رومانسي يا أستاذ ساخر... طيب صبرك عليَّ أما طفحتهالك! زفرت الهواء بقوة كبيرة، وكأنها تزيل ثقلًا كبيرًا عن صدرها، فرفعت فيروزيتها ببريق غامض إلى الخزانة التي أشارت إليها الممرضة، ثم وضعت الصندوق جانبًا بإهمال، ونهضت من السرير بعزم.

خطت عدة خطوات من الخزانة، ثم أدارت رقبتها، محدقة في الباب المغلق بتعبير حزين، لتركهم لها وحيدة دائمًا، ثم أخذت تربت على قلبها برفق شديد، والدموع تتلألأ في مقلتيها، وهي تهمس لذاتها بقوة: لن أبدأ في الانهيار كلما خذلوني، ولن أنتظر هذا الزائر الحنون الذي سيطرق هذا الباب، وإن تمزقت أوتار قلبي شوقًا لقدومه، تقديري لذاتي له أهمية قصوى بالنسبة لي، فأنا أقسمت أمام الله أنني لن أجعل قلبي قابلًا للكسر مهما حدث. -❄️ -❄️

في ممر المستشفى عند باسم صاح صلاح بصوت أجش حانق جعل المارة يلتفتون نحوهم في دهشة: يا برودك هو أنت مش مقدر حجم الكارثة اللي وقعنا فيها بسببك وشغلنا اللي خرب من تحت عمايلك وطيشك؟! تابع بسخط عارم ملوحًا بكلتا يديه في الهواء: ضاقت بيك الكرة الأرضية بحالها رايح تخطب واحدة خطيبة واحد تاني!!! إيه الستات اللي بتعرفهم مسحولك مخك... عجبك دلوقتي الفضيحة الجديدة المنشورة عنك في كل حتة دي... اتفضل تعال معايا.

أمسك صلاح بمرفقه، يسحبه خلفه، ليمشي باسم معه في طاعة تامة حتى وقف معه أمام إحدى النوافذ الكبيرة المطلة على باحة المستشفى، قال صلاح بصوت حانق: شوف بعينك يا بيه... الصحافيين واقفين لنا إزاي على باب المستشفى... مستنيين بس يلمحوا طيفنا عشان ينزلوا فينا تصوير وأسئلة ده غير التليفونات اللي ما بتسكتش من الصبح. هز باسم كتفيه غير مبالٍ بالأمر، واضعًا يديه في جيوب بنطاله، ليخاطبه بنبرة ثقيلة: ما أنا عارف كل ده...

ما أنا اللي كلمتهم وجبتهم لحد هنا أصلًا. استشاطت ملامحه غضبًا، فصاح مستنكرًا بصوته الأجش: نعم يا روح أمك... أنت شكلك اتجننت على الآخر. أوضح باسم له بعبوس جذاب: ولا اتجننت ولا حاجة... أبريل مش مخطوبة... والكلام المكتوب عننا ده كله كدب ومتفبرك. سأل صلاح ساخرًا: وإحنا هانمسك كل نفر ونشرح له إن ده كله كدب إزاي يا بيه؟! رفع باسم حاجبه، مرددًا بانزعاج نافذ الصبر: أومال أنا جايب دول لحد هنا عشان إيه؟!

اللي إحنا عايزين نوصله للكل هيكون من خلالهم. تشنجت ملامحه من الصدمة، وسيطر عليه الجنون، مزمجرًا بسخط شديد، حيث يكاد أن يسقط أرضًا نتيجة إصابته بجلطة دماغية بسبب برودة ابنه: "يعني كمان أنت اللي مديهم الإذن بالوقفة دي؟! ومصطفى إيه ناسيه؟! دا من أكبر المستثمرين اللي داخلين في المشروع الجديد واللي بتعمله دا هيخلينا نخسره!! ضاقت عيناه الرماديتان في تعبير يدل على تقييم ما قاله والده، قبل أن يهز رأسه بالنفي، قائلًا بصوت

جدي ممزوج باللامبالاة: "زي ما في مصطفى في مستثمرين كتير غيره. إذا هو عايز ينسحب بالسلامة غيره يتمنى يكون مكانه. وأنت سيد العارفين يعني مش هتقف عليه. وهيبقى هو الخسران الشرط الجزائي." تنهد صلاح بقوة قاطبًا حاجبيه بحنق: "افهم يا بني. مواضيع الستات لما بتدخل في الشغل بتخربوه واللي اتكتب دا هيأثر علينا كلنا من نواحي كتير وسبق ونبهتك عايز تخطب بنات الناس كتير مش لازم البنت دي."

عقب باسم على كلام والده بثقة بالغة، رغم أنه هو نفسه لا يعرف من أين جاء بها وسط الظروف المحيطة به: "إذا على كلام الجرايد. أنا عارف كويس إزاي هنخرس لسان الكل. وكمان هينزل بكرة بالكتير اعتذار عن أي كلام اتكتب عننا. والكل وأولهم مصطفى هيعرفوا إن إبريل خلاص بقت تخصني." زجره صلاح بغضب سعير، وهو يكز على أسنانه بقوة حتى لا يلفت النظر إليهم: "ما تجننيش ببرودك أنا على آخري. هو مش هيسكت ما فكرتش في اللي ممكن يعمله."

تشكلت ملامحه بتعبير صارم تجلى بوضوح في لهجته القوية مثل سيف حاد وهو يذبح ببرود وحسم: "ما بفكرش فيه ولا يهمني أنا مش شايفه غريم ليا حتى. عشان حكايته معاها خلصت يوم ما هي فسخت الخطوبة اللي ما حدش كان عارف بيها دا كان مخبيها كأنه عامل عملة. وخليه يعمل اللي هو عايزه. وأنا هعرف إزاي أتعامل معاه وأي حاجة هيعملها هتترد له أضعاف." *** خلال تلك الأثناء في غرفة منى "منى يا حبيبتي ألف حمد لله على سلامتك."

هتفت سوسن بلهفة، وهي تتجه نحو منى التي كانت تجلس فوق السرير بوجه جامد. وعندما سمعت صوت أمها رفعت عينيها إليها فسقطت من مقلتيها دموع حارقة، وانفجرت في البكاء المرير بمجرد أن احتضنتها والدتها، وقالت بحزن شديد، وهي تربت على ظهرها بتعاطف تفهم ما تمر به ابنتها: "قدر الله ما شاء فعل يا قلب أمك بكرة هتعوضيه وربنا هيفرحك صدقي أمك ما تزعليش نفسك."

أجهشت منى تبكي بصوت عال، منهارة من الألم الذي يدمر قلبها بلا رحمة، بينما الأم تمسد على شعرها بحنان فطري وتعزيها بكل ما لديها من كلام، لكن مهما قالت فإن جراح ابنتها النازفة حد الموت لن تشفى بأبجدية اللغة العربية أجمع، فقالت في حيرة: "عملتي في نفسك كدا ليه يا منى؟! إيه اللي جرى يا حبيبتي بينك أنتي وعز إيه وصل الحال بينكم للطلاق؟!

خرجت منى من حضن أمها، وهي تنظر إليها بعينين منتفختين وحمراوين من شدة البكاء الذي لم تستطع السيطرة عليه، وصاحت بعنف منهار: "هو السبب في اللي أنا فيه. بسببه خسرت ابني. البني آدم دا خلاص انتهى من حياتي يا ماما. أنا كرهته قد ما حبيته. دا أكتر واحد أناني ووحش في الدنيا يا ماما. ما تجيبيش سيرته ليا تاني مش عايزة أشوفه تاني. ما توجعتش في الدنيا من حد قد ما أنا اتدمرت واتوجعت على يده هو."

ألقت بنفسها على صدر أمها، وواصلت النحيب بصوت يمزق قلب سوسن من الألم، فهمست لها بنبرة هادئة نوعًا ما وهي تعانقها بشدة، وتبكي معها، فمن الواضح على عز وكلام منى الآن وحالتها المزرية، تؤكد أنه ارتكب بحقها فعلًا لا يغتفر: "حاضر خلاص اهدي يا قلب أمك واللي أنتي عايزاه هنعمله وأخوكي زمانه على وصول كمان هيقعد معاه ويشوف عملك إيه ويجيب لك حقك منه."

ابتلعت منى الغصة التي تشكلت في حلقها بألم، ثم دمدمت بصوت باك، وسيطرت عليها نوبة من الهستيريا رافضة حديث والدتها، وشكلت المشاعر المتضاربة إعصارًا في قلبها الذي موشومًا بعشقه:

"مش عايزة أرجع له تاني ولا أشوفه تاني. أنا بحبه أوي يا ماما. بحبه بس.. بس على قد ما حبيته كرهته حاسة قلبي بيتحرق كل ما أتخيل إن خلاص مش هشوفه وأكون في حضنه تاني وعشان هيوحشني أوي. بحبه أوي وهو ما يستاهلش ذرة من اللي في قلبي ليه. أنا بكرهه يا ماما بكرهه. حتى الطفل اللي اترجيته من الدنيا عشان أضمن إنه يفضل معايا وما يسيبنيش راح. وهو قبلها طلقني واتخلى عني يا ماما. بس خلاص خلي دعاء هانم تفرح خليها تروح تجوزه. خليها هي تكسب أنا خلاص خسرت كل حاجة على يده وما بقيتش عايزاه مش عايزاه."

ربتت سوسن على رأسها بحنان قبل أن تستفهم بتعجب: "بس يا حبيبتي اهدي اهدي. قوليلي بس دعاء مالها ومال اللي بينك أنتي وجوزك يا منى. ما تظلميهاش يا بنتي الست دخلت عليها من شوية لاقيتها قاعدة جنبك ومفلوقة من العياط عليكي." أجابت منى عليها من بين شهقاتها: "بتعيط من فرحتها عشان وصلت للي هي عايزاه يا ماما." رفعت سوسن يديها، وأخرجتها من داخل أحضانها، وأردفت بصوت حنون:

"طيب طيب بطلي عياط. امسكي نفسك واحكي لي في إيه دعاء عملت لك إيه؟ أغمضت منى عينيها بأنفاس متلاحقة، وهي تحاول تمالك أعصابها، ثم مسحت دموعها بظهر يديها ونظرت إلى سوسن التي ابتسمت مطمئنة وحثتها على إخبارها بالأمر. استنشقت منى كمية كبيرة من الهواء، وزفرتها على المهل، ثم بدأت تروي لها كل الأحداث التي أخفتها عنها خلال الأيام القليلة الماضية. اختتمت حديثها، قائلة من بين شهقاتها الممزقة:

"أنا بموت يا ماما الوجع اللي في قلبي هيموتني مش قادرة أستحمله." "أنا اللي هموت من غيرك يا منى ومش هقدر أستحمل أعيش في الدنيا دي من غيرك."

جمدت معالمها فور أن جاءها صوته العميق الهامس، لتسمع قلبها الخائن ينبض بقوة مثل المطارق بين ضلوعها تأثرًا به، وهذا ما كانت تخشى حدوثه، فإنها تكذب على نفسها، فقط تشعر أنه أصبح شخصًا غريبًا عنها، يتدفق كالسم في عروقها، يستهدف هذا الشريان المسمى بالوتين الذي يسكنه هذا العز، بينما العقل يعزز من وفرة هذا السم، لأنه يريد التخلص من هذا العز، ولكن بمجرد حدوث هذا الشيء اللعين، سيصبح قلبها مجرد نبضات عديمة الفائدة ولا قيمة لها.

*** عند هالة عبس وجه ياسر بغضب، وهو يطلق زفرة قوية من ضغطها المستمر على أعصابه المضطربة حرفيًا، خاصة أن عقله أيضًا لا يرحمه، مجسدًا صورة يارا أمامه، وهي تقبله الليلة الماضية، لكنه قمع شعوره بالخيانة بكل ما أوتي من قوة، فهو لم يخطئ بتاتًا: "يووه.. أنا زهقت أنتي ليه مش عايزة تفهمي.. المفروض يبقى عندك ثقة فيا وفي نفسك أكتر من كدا." واجهته هالة بصدق، وهي تحدق في عينيه مباشرة:

"الثقة بتتبني بالوقت والمواقف ما بتتخلقش في يوم وليلة واللي شفته منك يخليني إزاي أثق فيك.. خلاص آخري جبته مش هقدر أتحمل فكرة إنها في حياتك دي يا ياسر عشان دا بيجرحني فاهم يعني إيه." زم ياسر شفتيه قبل أن يضغط على فكه بقوة، وهو يتحاشى النظر إلى عينيها الزرقاوين المتألمتين، ثم هتف بنفاد صبر: "يعني عايزة إيه من الآخر يا هالة؟

"عايزة أكون الوحيدة في حياتك وجوا قلبك.. عايزة تتنافس مع العشاق وأنت بتعبر لي عن حبك ليا.. عايزة أبقى أنا وبس تكون ليها كامل الحقوق فيك.. عايزة كل وقتك كل اهتمامك عايزة أبقى كل حاجة في حياتك." دار هذا الحديث الداخلي في ذهنها، عيناها فقط هي التي عبرت عما تريده وتتمناه بشدة. مرت عليهما لحظات صمت ثقيلة قبل أن تتحدث بهدوء، ليشعر بانقباض في قلبه بمجرد سماع كلامها: "إذا طلبت منك تقطع علاقتك بيها هتوافق يا ياسر؟!

صدمها رد فعله عندما صاح بالرفض القاطع: "لا يا هالة.. أنا كنت صريح معاكي من البداية خصوصياتي وأصدقائي خط أحمر لازم تحترميهم وأنتي قبلتي.. يارا أنا مش هقطع علاقتي بيها عشان شوية أوهام مالهاش أساس إلا جوا دماغك وأنتي اللي ليكي عندي إني أحترمك ومقصرش معاكي وبحبك."

أنهى ياسر كلامه بثقة لم يشعر بها، إذ أخذ كف يدها الناعمة بين كفيه بحنان، لقد كان يكذب وكان يعلم ذلك، لكنه لم يرد أن يخسر أيًا منهما، فوجدت هالة نفسها تنظر إليه باستغراب في البداية، قبل أن تنجلي طبقة بلورية من الحزن على عينيها الزرقاوين، وطغى على قلبها ألم لا يحتمل نتيجة نزيف الجرح الغائر في كبريائها كامرأة، هو ألم يخص شخصها ولا علاقة له به.

حملقت هالة في يدها المتشابكة مع يده، لعدة ثوانٍ قبل أن تسحبها بهدوء يخالف حقيقة مشاعرها في تلك اللحظة، بجهد شاق بذلته للحفاظ على ثباتها الانفعالي، حتى لا تنفجر بالبكاء في وضح النهار أمام العيون الفضولية المحيطة بهم، سألته بنبرة مقتضبة: "ما قصرتش خالص فعلًا.. تقدر تقول لي موقف واحد حقيقي أتحطيت أنا فيه وأنت كنت جنبي فيه؟! ما فيش صح.. بس تروح عادي توصلها هي لبيتها وتسيبني أنا في مشكلة مش كدا؟

صاحب البالين كذاب يا دكتور. أخفض ياسر بصره بارتباك من عودة اتهاماتها تتقاذف عليه، لتجرّده أمام ذاته بحقيقة إهماله الغامر تجاهها. لينظر إليها بسرعة مرة أخرى، مستشعرًا بخطر يقترب، وهي تستكمل بسخرية مريرة: "وبعد ده كله تعبان نفسك وجاي لحد هنا عشان تعاتبني على حاجة ماليش ذنب فيها؟

بدل ما تدعمني بكلمة طيبة تخفف عني التوتر اللي كنت فيه، لا كنت بتلومني على مساعدتي لإنسانة كانت بتموت قدامنا يا دكتور، وبتنتقد تصرفات أخويا.. قد كده أنت زعلان على نفسك؟!

كاد ياسر أن يجيب، لكنه تراجع عن رغبته في ذلك بشكل مثير للريبة، حينما أشارت إليه بالصمت. فقد سئمت من حججه الضعيفة الكثيرة، خاصة وأن عقلها كان يعيد لها مرارًا وتكرارًا مواقفه الكثيرة أثناء الفترة الماضية، المليئة بانشغاله بامرأة أخرى، وتفضيله لها في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى نظرات المدعوين للخطوبة، مثل النصل القاس المغروس في وسط كرامتها الدامية. أنها لا تستحق أن تعامل بهذه الطريقة التي تؤلم قلبها، مهما كانت واثقة في نفسها، ستبقى نظراته واهتمامه ومراعاة مشاعرها هي الأولوية.

مررت هالة نظراتها مغمورة بالدموع على ملامحه ذات الحاجبين المعقودين، وكم كانت ترغب في البقاء معه، لكن عليها أن تضع حدًا نهائيًا لهذا الألم العميق الذي يسكن أعماقها، حتى تتحرر أنفاسها المحبوسة في رئتيها. "خلاص أنا لقيت الحل اللي هيريح جميع الأطراف." توترت ملامحه وسألها بقلق حائر وهو يرى أصابع يدها اليسرى تنزع الخاتم من بنصر يدها اليمنى: "أنتِ بتعملي إيه؟!

أمسكت هالة كف يده الباردة بأطراف أصابعها المرتجفة وبسطتها، لتضع خاتم الخطوبة الذي لم تلبسه إلا ساعات قليلة. قالت بابتسامة باهتة: "اتفضل.. دي مش بتاعتي وما كانش المفروض ألبسها وهي من حق واحدة تانية."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...