الفصل 43 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
26
كلمة
3,587
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

وإن خيروكِ فاختاري من يُحسن إليكِ، من يتشبثُ بكِ مهما كلفه الأمر، من يراكِ الأجمل دومًا، من لا يرى غيرك وكأن الأرض خلت إلا منك، من لا يستطيع الاستغناء عنكِ لأنك أثمنُ ما لديهِ، من يُقدر كل تفاصيلك الصغيرة التي تجعلكِ سعيدةً للحد الذي لا حد لهُ، من لا يجعلكِ تتساءلين كل يومٍ بعديدٍ من الأسئلة التي تُنهي على ما بينكما، من يُحيي تلك المشاعر الدفينة بداخلكِ الخائفة من زيف المشاعر،

من يُعرج بكِ من أراضي الخيبة إلى سماوات الطمأنينة. إن خيروكِ فأحسني الاختيار. عند أحمد "حقك عليا يا حبيبي، عارفه إن ما كانش المفروض أروح لماما من غير ما أقولك، بس أنا ما كنتش أقصد، أنا أنا بصراحة اتضايقت قوي لما سبتني ورحت لها." تغضنت معالم وجهه فور نطقها بآخر عبارة قبل أن يقاطعها، قائلًا بنبرة ثقيلة: "غيرتي عليا؟ "غصب عني، أنت مش جوزي وحبيبي ده حقي مش كده؟ "عارف إنك أخذتِ على خاطرك عشان سافرت."

صمت أحمد لبضع ثوان وهو يقرأ بتأنٍ تعابير وجهها المندهش من اعترافه، ليستكمل جملته بما جعل قلبها ينبض بجنون عاشقة متلهفة لذلك الحنان الذي نادرًا ما يمنحها إياه: "أنتِ خاطرك عندي كبير وغالية عليا أكثر ما أنتِ متخيلة يا حبيبتي، ومش عايز ده يتكرر تاني مهما يحصل تمام؟!

تدفقت الدموع من عينيها فرحًا، وتأثرت بكلماته بعد أن أثلج روحها المشتعلة بنيران الغيرة بصوته الرجولي الهامس الذي كان كالبلسم الذي نزل على قلبها ليهدئ جراحه، لتحتضن خصره وتضع رأسها على صدره وهي تهمهم برقة مبحوحة: "حاضر، حاضر يا حبيبي." طبع قبلة هادئة فوق وجنتها ذات الملمس المخملي، وهو يقترح عليها: "طيب إيه ما جوعتيش؟ عجبك السمك بتاع الصبح؟ تيجي نتغدى سمك؟! استغربت نادية لتقول بغنج مغرٍ، وهي تحرك أناملها الرقيقة

بنعومة فوق شعر صدره: "حمودي! أنت إيه حكايتك مع السمك؟ وهو حد في الدنيا يفطر سمك، ودلوقتي عايز تغدينا سمك برده؟! ضحك أحمد بخفة قبل أن يضغط على أصابعها وهو ينحني نحوها، ويهمس في أذنها بتثاقل مغرٍ بعد أن استثارت غرائزه من دلالها الفطري: "بعد حمودي بتاعتك دي العشا هيبقي سمك كمان." قاطعت نادية بقية جملته بشهقة خفيفة، إذ شعرت بأصابعه تستكشف منحنيات خصرها وظهرها الفاتنين بلمسات جريئة من فوق فستانها، لتسري

كهرباء الشوق في جسدها: "كمان عشا لا كدا كتير قوي! مرر طرف لسانه على شفتيه بشهوة، وتمتم بوقاحة صارخة: "أومال أعملك إيه! مش لازم أشحن بور عشان أعرف أمتعك يا كوكتيل حلويات عايز أعصرك جوا حضني، ما تجيبي بوسة سريعة." غمغم أحمد بالعبارة الأخيرة بإغواء مثير، وهو يقرص خصرها على حين غفلة، فخرجت من بين شفتيها شهقة خافتة تذمرت بانتفاضة: "يا قليل الأدب الناس رايحة وجاية قدامنا!

ارتفعت ضحكته الرجولية التي أهلكت قلبها هيامًا، فيما يقضم شحمة أذنها برفق، هامسًا لها بأنفاس ساخنة: "خلاص تعالي نكمل قلة أدبنا، قصدي كلامنا جوا عشان ناخد راحتنا وأفهمك على السرير ليه ما بشبعش من السمك لا ليل ولا نهار...

ضحكت نادية بتعجب منه، فالتمعت الرغبة في نظراته المفتتنة بها أكثر، ثم قام فجأة ليحملها بين ذراعيه، فتشبثت برقبته مستمرة بالضحك في سعادة غامرة، وهي تراه يتجه نحو الشاليه، ليطفئ نيران جسده المحترق في نعيم أحضانها المثيرة، وبدون مقاومة منها انصهرت، مثل شمعة رقيقة تذوب ببطء شديد في نيران أشواقه. عند لميس

أنهت مكالمتها الهاتفية مع والدها الذي أبلغها بقدومه إليها برفقة باسم، ثم دخلت الغرفة فرأت أختها الصغيرة متعمقة في سبات عميق على الأريكة الصغيرة، وعلى السرير ينام خالد بسكون يحتل ملامحه التي تنضح بالرجولة الممزوجة بعنفوان يأسر القلب. تابعت لميس سيرها نحوه بخطوات حثيثة، ثم جلست على الكرسي بجانب السرير وظهره للحائط، ضاقت عيناها، تتفحص الكدمات على وجهه الوسيم والجرح في جبهته الذي كان مخفيًا برقعة لاصقة.

انتبهت لميس على حالها عندما وجدته يفتح عينيه ببطء مما أربك نبضات قلبها، أما هو فكان نائمًا من تأثير الدواء، حتى تنبأت خلاياه الحسية بوجودها بمجرد دخول عطرها الآسر داخل أنفه.

نمت على شفتي خالد ابتسامة منتشية سعيدًا برؤيتها، وبدأ يمرر عينيه اللامعتين بانجذاب لا إرادي على وجهها المتورد خجلًا من تحديقه بها الذي زاد من دقات قلبها الخجول، قبل أن تقرر بشجاعة كسر هذا الصمت المربك بصوت رقيق يحمل في طياته لمحة من الاهتمام أسعدت قلبه المتيم بها عشقًا: "على فكرة الدكتور قال تقدر تخرج النهارده، بس تاخد بالك من مواعيد الأدوية وما تحملش على رجلك كتير عشان تشفى بسرعة بإذن الله."

"لو وجودي هنا هيخليكي تفضلي جنبي كدا مستعد أفضل في الرقدة دي إن شاء الله سنة." تمتمت لميس بذهول، وهي تهرب بنظراتها بعيدًا عنه: "بعد الشر، إيه اللي أنت بتقوله ده؟!

ابتسامة خفية ارتسمت في قلبه ملاحظًا أن خدودها تحولت إلى اللون الأحمر بسبب كلامه الغزلي، فتظاهر بالانشغال بالجلوس على السرير، وهو يعدل وضع الوسادة خلف ظهره قبل أن يصدر تأوهًا خفيفًا جعلها تنهض سريعًا، وتتحرك نحوه لتقوم بتعديل وضعيتها له غير منتبهة، لتشنج جسده من اقترابها منه، وأنفاسها التي تضرب جانب وجهه بحرارة ألهبت عواطفه. ابتعدت لميس قليلًا مستقيمة بوقفتها قبل أن تستفسر: "مستريح كدا؟ "على الآخر."

همس لها بنغمة رجولية أثارت بداخلها أحاسيس غريبة زلزلتها، والتقت أعينهما طويلًا في حديث عجزت الألسنة عن نطقه، بينما ظلت هي متيبسة في مكانها، تفرك كفيها بتوتر ملحوظ، قبل أن يأتي إنقاذها من نظراته الساحرة بطلقات متتالية على الباب، فأذنت للطارق بالدخول، ثم ظهرت ممرضة تحمل صندوقًا صغيرًا، يحتوي على مستلزمات طبية، قالت بابتسامة ناعمة للغاية: "إزيك دلوقتي؟ طالما صحيت خلينا نغير الشاش على جرح إيدك." في تلك الأثناء

داخل غرفة إبريل جلست إبريل بارتياح في حوض الاستحمام، وجسدها مغطى برغوة الصابون، التي انتشرت روائحها في أنحاء الحمام، فشعرت بمزيج من الاسترخاء والهدوء داخل نفسها. أغمضت عينيها، تتنقل ببلورة ذاكرتها إلى ما حدث بينها وبين ذلك الرجل الغامض اليوم. Flash back "إيه ردك؟! تطلعت إبريل نحوه مرة أخرى بابتسامة متكلفة على ثغرها قبل أن تنطق، بما جعل أسهم توقعاته يهبط بقوة:

"للأسف أنا ما عنديش نية أسيب مصر، فمعلش اعذرني عرض حضرتك مرفوض." استعجب مراد كليًا من رفضها السريع، دون أن تكلف نفسها عناء التفاوض معه ليقول بهدوء: "على حسب مصادري أنتِ محتاجة للفرصة دي وفي التوقيت ده بالذات، إذا محتاجة وقت للتفكير ما فيش مشكلة، بس يا ريت الرد يكون في أسرع وقت الفرصة مش بتستنى حد." أومأت إبريل برأسها بالنفي، وهي تشعر بعدم الارتياح تجاه هذا الشخص، قبل أن ترد عليه بحزن مصطنع:

"مالوش داعي ردي النهائي أنت خلاص أخذته، عن إذنك." أنهت إبريل جملتها بسرعة، ثم همت بالنهوض من مقعدها، لكن استوقفها صوته الحائر في أمرها: "لحظة من فضلك ما كملناش كلامنا، أقدر أعرف طيب إيه سبب رفضك؟ ضاقت عيناها الفيروزية بنظرات جامدة، وبقيت صامتة لعدة ثوان قبل أن تخبره: "مبدئيًا حضرتك مش واضح معايا، ولا مش عايز تقول لي مين اللي وراك فعلى أي أساس هثق فيك؟ أومأ لها مراد ليقول بفهم، محتفظًا بملامحه الجادة:

"حقك إذا ما وثقتيش فيا بسرعة وتحت أمرك مستعد أقدم لك كل الضمانات اللي أنتِ عايزاها الوظيفة والمبلغ اللي تطلبيه هيكونوا تحت أمرك." زادت مخاوفها بمجرد وصوله إلى هذه النقطة، لقد شعرت بالغموض تجاهه في البداية، لكن جملته الأخيرة أثارت المزيد من الشك بداخلها، فزمت شفتيها بالتفكير متابعة توجس: "ياه!! انتوا باين هتستفيدوا بحاجات كتير من ورا اللي انتم بتعملوه ده؟! تشابكت أصابعه مع بعضها فوق الطاولة، وأجابها بصوت متزن:

كل ده مش مهم خالص ولا هتفيدك معرفته قدام اللي احنا هنقدمه لك. أخذت ابريل نفسًا عميقًا ولفظته ببطء لتسيطر على الحالة الغريبة التي بدأت تصيبها، وهي تفكر في كل إغراءات هذا العرض. قالت: هو فعلًا العرض بتاعك ما يترفضش، لكن أنت بتعرضه على الشخص الغلط يا أستاذ. أنا ما تربطنيش بمصطفى بيني غير صلة قرابة من بعيد، وحتى الإشاعات اللي أنتم طلعتوها ما بقاش ليها أي أساس صحة لإن أنا دلوقتي مخطوبة.

هكذا تشجعت ابريل مستجمعة كل أفكارها في هذه العبارة الحاسمة وهي تنكر الأمر برمته، فتنحنح في حرج، ثم أخرج شيئًا من جيبه ومد يده إليها: عمومًا إذا غيرت رأيك في أي وقت ده الكارت بتاعي اتصلي بيا. صمت مراد للحظة، ثم استكمل حديثه بنبرة شبه مهددة: بس إذا مش هتوافقي على عرض تعتبري إن المقابلة دي ما كانتش وما تحكيش فيها مع أي حد ده لمصلحتك. ضحكت ابريل بفتور ظاهري، ثم أخبرته بعدم اكتراث:

مفيش حاجة تتحكي يا فندم زي ما فهمتك أنا وخطيبي مش طرف في الموضوع اللي حضرتك بتتكلم فيه. قام مراد من مقعده، ليتمتم بصوت هادئ، قبل أن ينصرف أمامها: تمام فرصة سعيدة وشكرًا لوقتك. شعرت بأن ثقلًا كبيرًا قد انزاح عن صدرها بعد أن تمكنت من تجاوز هذا الفخ الذي نصبه لها مصطفى، وهذا ما توصلت إليه من ترابط الأحداث ببعضها.

مصطفى كان على علم بعرض العمل الذي جاءها من دبي، مما جعل الشك يساورها حياله، ليطرأ لها حينها بفطنة أن المقصود ليس سوى باسم، لإن أول من سيتضرر من سفرها هو من أعلنت خطوبته الرسمية عليها في الصحف والأنباء، فإذا هجرته فإن ذلك سيسبب له فضيحة كبرى، مما يعني أن الضرر سيلحقه بالذات، وهذه الاحتمالية هي الأقرب لتفكيرها الآن، ربما أراد مصطفى أن يخدعها بهذه الفرصة التي كانت تتمنى أن تتاح لها، لذلك لا تستبعد أن يتبين في النهاية أنه وراء هذه الحيلة المدبرة من أجل إبعادها عن باسم، وبذلك يكون حقق هدفه بمنتهى السهولة كما تواعد لها قبل يومين.

أغمضت ابريل عينيها بابتسامة صغيرة تنمو على شفتيها في استرخاء، وشعرت بالحيوية تسري في خلاياها، مؤكدة لنفسها أنها اتخذت القرار الصائب هذه المرة، لكنها الآن في حاجة ماسة إلى عمل حتى يستقر وضعها المالي، خاصة أن الأموال التي تدخرها لن تكفي بعد أن تعيد ثمن الفستان المحروق بالإضافة إلى خاتم مصطفى له. قالت: كان لازم يعني تاخدني الجلالة وأولعله في الفستان والدبلة، أهو مفيش جواز وكمان بقيت مفلسة!

حركت قدميها بتململ في الماء بمجرد أن بدأ عقلها يتزاحم بالعديد من الأفكار المغرية، فأراد جزء منها اغتنام هذه الفرصة التي أفلتتها بإرادتها الحرة، وهي لا تنكر أنها أحيانًا متناقضة في تفكيرها، يمكنها أن تفعل الشيء والعكس، والدليل أنها على الرغم من أنها لا تزال لا تطيق باسم، إلا أنها لن تنسى أيضًا أنه دعمها بالأمس عدة مرات متتالية.

زمت فمها بعبوسة خفيفة ممزوجة بالعزم على حجب وساوس الشيطان عن أفكارها، فإذا كان مصطفى يعتقد أنه ذكي لأنه تمكن من خداعها مرة، فلن تسمح له باللعب معها مرة أخرى. عند خالد تجلس لميس على السرير مقابل خالد الذي يرمقها بنظرات حب، مستمتعًا بلمساتها الناعمة، وهي تلف الشاش الأبيض حول يده ببطء مرتجف.

تذكرت نظرات الإعجاب الواضحة في عيني تلك الممرضة الوقحة، وهي تعرض تغيير الشاش عليه بنعومة فائقة عندئذ شعرت كأن بركان يغلي في قلبها حممًا ببوادر الغيرة، وجدت نفسها تدفع تلك الممرضة لا شعوريًا إلى الخارج، بينما تخبرها أنها طبيبة وستعتني بتغيير جرحه بنفسها، تحت نظرات خالد الذي كان شعر بنبضات قلبه تتراقص فرحًا بغيرتها كما ظن، أما هي فكانت غاضبة من حالها، كيف تغار على شخص وهي تحب شخصًا آخر غافلة عن حقيقة أن الغيرة هي الوجه الآخر للحب؟

تنهدت لميس بعمق، وهي تربط له أخيرًا هذا الشاش بقوة لا شعوريًا جعلته يتأوه من الألم بصوت خافت، فسارعت تقول بأسف: معلش أنا آسفة. قال خالد: باين عليكي متصعبة، في حاجة مضايقاكي؟! قال خالد ذلك مدعيًا التعجب من حالها، وبالرغم من محاولاتها إخفاء ما يدور في ذهنها، فارتعاشة يديها وحركاتها التي تعبر عن انزعاجها وغضبها، كانت تفضحها أمام عاشق يراقب أدنى إيماءة منها. همهمت لميس بلامبالاة ظاهرية: لا أبدًا مفيش حاجة. استفهم بخبث:

طيب ما سبتيش ليه الممرضة تغير على الجرح؟! رفعت لميس وجهها إليه بسرعة، وعيناها تلمعان بحدة، لتقول باقتضاب: لو عايزاها ممكن أروح أناديهالك. اختتمت لميس جملتها، وهي تنهض من مكانها، لكن منعتها أصابعه التي التفّت حول رسغها، تسحبها نحوه بخفة، هامسًا بنبرة ذات مغزى لا تخلو من الاستمتاع بارتباكها: غيرة عليا؟! غمغمت لميس باستنكار متوترة من قربه ولمسة يده: وأنا بصفتي إيه أغير عليك؟!

تأملها خالد بحاجب مرفوع، وسألها بنبرة احتجاجية وهو سعيد بهذه المناغاة بينهما: هنقضيها في الاستعباط ده كتير، كنتِ قلقانة عليا لما عملت الحادثة؟ هكذا سألها بلهجة جادة، فحمحمت تجلى حلقها، وهي تحاول إزاحة هذا الارتباك الذي يصيبها أمامه: طبيعي أي إنسان هيتحط في موقف زي اللي كنا فيه يحس.. يحس بقلق وخوف. جعد خالد حاجبيه ولم يعجبه ردها، فسألها مرة أخرى بصوت عميق: يعني كنتِ هتزعلي عليا لو كان جرالي حاجة؟

ظهر الترقب الشغوف جليًا في عشبيته الساحرتين، آملًا منها إجابة واضحة، فارتجفت شفتاها رغمًا عنها من هذه الفكرة، لكنها لم تمنحه ما يريد، انحدرت بنظرها إلى يده التي قبضت على أطراف أصابعها وهي تجيبه: شكل تأثير الدواء مش مخليك مركز في اللي بتقوله، ممكن تسيبني؟! لم يزيح عشبيته الداكنين من بنيتها، بينما يرد مبتسمًا: عمري ما هعمل كده لو فيها موتي.

قطبت حاجبيها متأثرة بشكل واضح بكلماته، فهو هنا الآن بسببها، إذ لم يغب عنها حقيقة أنه عرض نفسه لهذا الخطر الكبير من أجلها، لتسأل بصوت أبح: ليه بتجيب سيرة الموت كتير؟! أجاب: لإنها الحاجة الوحيدة اللي ممكن تفرقني عنك بعد ما لقيتك يا لميس، أنتِ ما تعرفيش أنا قد إيه بحبك وقد إيه بتمنى تكوني مراتي.

أنهى خالد حديثه، وهو يتأملها بنظرته العاشقة المتوازية مع نبرته الصادقة التي أجبرت قلبها العذري على الوقوع بين أحراش هذا الليث العاشق الذي بدأ عشقه يزحف بين نياط قلبها، فخفضت عينيها وهي تهمس بخجل: بس إحنا ما نعرفش عن بعض أي حاجة، معرفش عنك أي معلومات خالص! مد خالد أنامله يقبض على ذقنها، يرفع وجهها إليه، وقال بابتسامة هادئة:

هيكون عندنا كل الوقت اللي تعرفي فيه كل حاجة عني وأنا كفاية عليا إني عارف إني بحبك وعايز أكمل عمري معاكي. تعاقبت فصول العواطف على وجهها المحمر خجلًا، وهي تتمتم بنعومة أذابته: خالد. استطاعت أن تهتز كيانه بقوة مشاعر عميقة، حالما نطقت حروف اسمه بصوتها الناعم، وبدون إرادته ضغط على أصابعها المتشابكة مع بأصابعه، وألح عليها بحب بالغ: ليه حرب الأعصاب ده، ارحمي قلبي المسكين، ردي عليا قولتي إيه!

جاء إليهم صوت باسم المتلاعب من خلفهم، فبادرت لميس على الفور بالنهوض من السرير، وأزاحت شعرها خلف أذنها، وتساءلت في حرج: أومال بابا فين؟! باسم بتخابث: سبقته على هنا قلبي كان حاسس، حمد لله على سلامتك يا بطل. رمقه خالد بازدراء وحاجب مرفوع قبل أن يرمقها بضيق، منزعجًا منها لأنها انتزعت أصابعها عنه بغتة. قالت: أنا طالعة أشوفه عن إذنكم.

قالت ذلك قبل أن تهرب خارج الغرفة وهي تشعر بالخجل الشديد من هذا الموقف المحرج، فيما جلس باسم على الكرسي بجوار خالد قائلًا بطرافة ماكرة: حرارة الأوضة بتقول إن الحب كان مولع في الدرة على الآخر. طب استنى لما تقوم على حيلك الأول يا فان ديزل الشرق. أعقبت كلماته غمزة شقية من رماديتيه المتلألئة بتسلية. عض خالد شفته من الداخل بقهر مكبوت، ثم هسهس بغيظ: في حد يدخل دخلة المباحث اللي دخلتها علينا دي؟

حرام على أهلك يا أخي، كانت خلاص هتنطق. أردف باسم مازحًا بتسلية: بذمتك ما قلتلهاش أنا مش محتاج لأدوية، أنتي علاجي الوحيد. تبقى كارثة لو قلتلها كده بجد! حدجه خالد بنظرات نارية، وانفجر الآخر بالضحك عليه بمرح بعد أن اطمأن عليه. في الخارج لميس تمشي في الردهة ذاهبة إلى الكافيتريا لتحضر لوالدها فنجان قهوة، منبسطة الأسارير، ونبضات قلبها تتلاحق بزهو، بينما لا تزال تشعر بلمسة يده التي أخضعت جوارحها له.

اتسعت الابتسامة على شفتيها الرقيقتين، وتخللت أصابعها خصلات شعرها بسعادة وأمل جديد. بعد مرور بعض الوقت خرجت أبريل من الحمام مرتدية بيجامة صيفية وردية شاحبة نصف كم، وسارت بخطوات هادئة، وهي تمشط شعرها ذو الخصلات الذهبية.

وقعت نظرتها بغرابة على شيء ما، وهي تتحرك نحو السرير، ضيقت نظرتها على هاتفها، ورفعته من أعلى الطاولة، ارتفعت زاوية فمها بابتسامة ساخرة عندما أدركت أن زوجة أبيها دخلت، ووضعته ثم غادرت، لكن ما جعلها تقطب حاجبيها بدهشة هو هذا الكتاب الموجود بجانب الهاتف، فالتقطته تقرأ العنوان بعينين جاحظتين، قبل أن تتهلل أساريرها بفرح، وهي تتفحص أوراقه بعدم تصديق. _كل سنة وأنتِ طيبة يا أبريل.

اختفت الابتسامة من شفتيها تدريجيًا فور سماعها صوت أخيها يقول بهدوء، فالتفتت إليه بتعبير غامض على وجهها بعد أن ازدردت رمقها، إذ لم تلتقِ به منذ الأمس، وبصوت حاولت أن تجعله منخفضًا سألت باستنكار: بمناسبة إيه؟ عيد ميلادي لسه باقي كتير عليه. أشارت أبريل إلى الكتاب الذي تحمله بين يديها، ليخبرها

بنبرته الرجولية المرحة: أنا قولت لازم نحتفل بعد ما عرفت أعطّر لك فيه أخيرًا، عشان كده هنقدم عيد ميلادك، ما أنا بصراحة مش حمل أجيب هديتين في سنة واحدة. تركت الكتاب على السرير بإهمال مرئي، قبل أن تحتضن إحدى الوسائد ضاغطة عليها بأظافرها بقوة، وكأنها بذلك تقمع بركانًا على وشك أن يعلن عن ثورانه، قالت بصوت خافت: تعبت نفسك على الفاضي، تقدر ترجعه من مطرح ما جبته. تساءل يوسف بحيرة: إزاي ده!

أنتي كنتي نفسك تقرئي الرواية دي جدًا، وبعدين هتكسفيني.. قاطعت أبريل جملته بهدوء ما قبل العاصفة: ممكن تبطل تمثيل! انفصلت شفتاه عن بعضهما البعض، وابتلعته وحوش الصدمة نتيجة اتهامها، مشيرًا إلى نفسه وهو يتمتم مشدوهًا: أنتي شايفة إني بمثل يا أبريل؟ هبت أبريل على قدميها بعد أن ارتفعت عواصف الغضب في فيروزيتها الغائمة بالدموع، وهي تردد بسخرية مريرة: أيوه بتمثل، بطل تعمل نفسك مهتم بيا بالكذب.

انعقد لسانه عن الرد، وهو يتطلع إليها بنظرة حزينة، ساد الصمت لثوانٍ معدودة حتى استطاع أن يجد صوته قائلًا في حرج: أنا عارف أنك متضايقة وزعلانة مني وحقك، بس أنتي مش فاهمة إ... قاطعته أبريل مجددًا بانفعال، وهي تلكمه صدره: لو مش فاهمة، فهمني، اشرح لي، بس هتشرح تقول إيه! أنا اتخدعت فيك أنت بالذات، إزاي قدرت تغشني وتنافقني كده! إزاي قدرت تضحك في وشي وتطبطب عليا وتفرح لي وأنت عارف إني مضحوك عليا ها إزاي!

هدرت أبريل بالكلمة الأخيرة بغضب، وهي تنظر إلى عيون يوسف النادمتين فيما ينبس بصوت يملأه الألم: والله العظيم يا أبريل أنا ما كنت موافق واعترضت كتير على اللي كان بيحصل، وكنت عايز أفهمك على كل حاجة والله، بس لو تفتكري أنا كنت في سفرية تبع الشغل، لما رجعت وعرفت أن فتحتك هتتقري على مصطفى وشوفتك مبسوطة وبتتكلمي عنه بفرحة وانبهار، ما عرفتش أنطق، ده غير ضغطهم عليا يا أبريل افهميني عشان خاطري أنا ما كنتش.. أكملت أبريل بدلًا

عنه: أنا اللي ما عنديش ليك غير رد واحد دلوقتي على كل اللي حصل ده... علقت أبريل كلماتها في الفضاء، لأنها رفعت يدها لتهوي بها على جانب فكه. لم تكن صفعة قوية، بقدر ما كانت قاسية، لن تترك أي علامة على وجهه، لكنها شمت روحه بنيران الخزي من نفسه. أغرورقت عيناه بالدموع، وهو يحتوي جسدها بسرعة، ويضم رأسها إلى صدره بيد، ويربت على شعرها بحنو باليد الأخرى، أما هي فقد طوقت خصره، واستطردت بنحيب مكتوم: بتكدبوا عليا ليه؟

عملت لكوا إيه بس! انهمرت العبرات من عينيه متأثرًا ببكائها المرير، وهيئتها الضعيفة، وأحس بانقباض يشتد حول قلبه حزنًا وندمًا وأخذ يردد باعتذار: أنا آسف والله العظيم، آسف قوي يا أبريل آسف والله آسف سامحيني. تركها لبضع دقائق تبكي بحرية، حتى بدأت شهقاتها تهدأ شيئًا فشيئًا، وساعدها على ذلك ضمه إليها بقوة وحنان.

كم كانت في حاجة إلى ذلك الحديث، لتضمد بعض جراحها العميقة من طعنات الخذلان، ظلت متشبثة به، تستمد منه قوتها وصمودها من جديد. _أسهل كلمة آسف دي سهلة ممكن وأنت بتنطقها يا يوسف، بس للي عملته معناه أنك جبان، خونت ثقتي فيك. رفعت فيروزيتها الدامعة لتثبتها في عينيه البنيتين، ثم تركت العنان للغضب وخيبة الأمل التي استقرت في أغوار قلبها أن تخرج من صدرها المنقبض، وتصعد إلى لسانها، وهي تلفظ كلمات مليئة بالسخط والضيق الكامن في

ذهنها بصوت مختنق بالعبرات: أنا كنت خايفة قوي من وجودي وسطكم، كنت خايفة من حياتي معاكوا، وكنت خايفة ما ألاقيش من ناحيتكم قبول ليا، فرحت قوي من جوايا لما طنط سلمى حضنتني أول مرة شافَتني فيها، ولما أنت قربت مني وعاملتني كأنك تعرفني من سنين اتعلقت بيك ودخلت قلبي، عارف أن ماما ما سمحتليش أقرب من ولادها، كانت دايمًا بتخليني أتعامل معاهم من بعيد، وبطريقة سطحية قوي، وأنا كل اللي كان نفسي فيه أحس أن ليا أخوات بجد أفرح وأضحك وأبكي معاهم وأشاركهم حياتهم وأروح معاهم المدرسة وننزل نلعب مع بعض في العيد، كان نفسي يبقى ليا أخ عايش معايا أحس أنه سندي وضهري وأمان ليا في وقت أزماتي ويخاف عليا.

استوحشت برودة غريبة على صوتها، بعدما أفرغت ما بجعبتها: بس اكتشفت في الآخر أن أخواتي دول عمرهم ما حبوني ولا كان يهمهم مصلحتي، أخواتي اللي اعتبرتهم حياتي كلها وأنا فضلت بالنسبة لهم ضيفة وغريبة، أنت بسكوتك ده كنت هتتسبب في ظلم كبير قوي كان هيحصل لي وده أنا مش هسامحك عليه.

_مهما قلتي وعملتي فيا أنا راضي عشان الحق عندك، بس أنتي أختي يا أبريل أنا مش بمثل، ربنا وحده اللي عالم قد إيه معزتك كبيرة عندي، وأنتِ هتسامحيني ومش هتقدري تكرهيني، اعتبريها غلطة ومش هتتكرر، هتشوفي هقف معاكي من هنا ورايح في أي حاجة هتشوفي بعينك.

حافظت على ادعاء التماسك أمام توسلاته ودموعه، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل ألم قلبها الضعيف تجاهه، فهو الأخ الذي تمنت أن تحظى به، لا يمكنها أن تقسو عليه، لكن قلبها مجروح بشدة، ولا تشعر بالأمان، ويصعب عليها أن تسامحه على ما اقترفه بحقها، ستدع الأيام ترمم ما حطمه سلبيته. في وقت متأخر من الليل _آه معلش التليفون كان فاصل مني طول اليوم يا مراد، أنا لسه راجع البيت، ها طمني إيه الأخبار؟!

صمت باسم للحظات يستمع الرد من الطرف الآخر، ثم سأله باستغراب: بسرعة كده؟ تعالت ضحكاته المرحة في أرجاء غرفته، نافيًا بهدوء: لا ما تعملش حاجة وأنا هكلمك بعدين. شكره باسم بامتنان: تمام يا حبيبي متشكر جدًا على الخدمة دي، أكيد في أقرب فرصة هشوفك، مع السلامة. في صباح اليوم التالي داخل منزل فهمي الشندويلي في غرفة ريهام _الحقيني يا ريهام اللي كنت خايفة منه حصل!! هكذا صرخت سلمى بتوتر، وهي تقتحم غرفة ابنتها.

لوت ريهام شفتيها بحيرة، وهي ترتدي حذاءها باهظ الثمن ذو الكعب العالي: خير على الصبح في إيه؟! جاورتها سلمى على الفراش مغمغمة بصوت لاهث: ما فاتش يومين.. ومصطفى باعت بيطالبنا بالمتأخرات اللي علينا لشركته.. عقدت ريهام حاجبيها باندهاش، وقالت بعدم تصديق متوجس: مش معقول مصطفى يعمل كدا.. أكيد من عصبيته وأكيد هيهدى ومش هيضرنا، إحنا قرايبه برضه. التمعت عيناها بحسرة لاذعة صدحت في قولها:

مش هيضرنا.. ده لغى الدفعة اللي كنا هناخدها نسد بيها بوق المهندسين المسؤولين عن تنفيذ التجديدات في الأوتيل بيهم.. وتقوليلي مش هيضرنا، ده هيدور انتقامه فينا كلنا. اهتزت نبرتها بخوف من مصداقية هذه الاحتمالية، لتربت ريهام على كتفها مهدئة إياها: هدي أعصابك أنتي بس كدا. استقامت ريهام تهندم كنزتها البيضاء قليلًا، لتتابع بثقة استنكرتها والدتها: أكيد هنلاقي حل ما تقلقيش.

مسحت سلمى على وجهها القرمزي من شدة غضبها، ويكاد الألم يفتك برأسها قبل أن تهتف بنفاذ صبر لا يخلو من الخوف:

حل منين بس، بأقولك بيتنا هيتخرب، هيطردونا منه لو ما سددناش الأقساط.. حاسة الضغط والسكر عليو عليا.. هلاقيها من أبوكي ولا من بنته ما بقتش عارفة أفكر.. لو عرفنا ندبر كام قسط هنعمل إيه مع البنك، كل ما بنتأخر في دفع القرض بتزيد الفوايد علينا.. نتصرف إزاي دلوقتي يا ريهام، خلاص هنتفضح قدام الناس، هنعلن إفلاسنا يا دي المصيبة. أجابتها ريهام باختصار خبيث: مش هتحصل مصيبة يا ماما.. أبريل هترجع لمصطفى وقريب أوي...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...