الفصل 45 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
20
كلمة
1,786
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

تستطيع المرأة أن تفارق الرجل الغني، وتستطيع أن تفارق الرجل الوسيم، ولكنها لا تستطيع أبدًا أن تفارق الرجل الذي طيّب خاطرها، الرجل الذي أشعرها بالأمان وأنه لا يستطيع أن يستغني عنها، الرجل الذي كان سندًا لها، ومسح دموعها في لحظات ضعفها، فالقلوب لا تُشترى بالمال ولا بالقوة ولا بالوسامة، فالقلوب تُشترى بالمعاملة الطيبة. عند ابريل: يخربيت سنينك السودة يا ابريل.

قالتها بهلع ممزوج بطعم الدموع التي بدأت تتساقط على خديها من الخوف، وأخذت تضرب خده براحة يدها بخفة، تحاول إيقاظه: فوق يا باسم.. فوق أبوس إيدك.. الله يخليك.. ما تودنيش في مصيبة.. والنبي قوم. ظلت ابريل تناديه بذعر مرتجف يعادل دقات قلبها المدوية من الرعب، على أمل أن يستفيق، لكن لا حياة لمن تنادي.

وضعت إصبعها السبابة أمام أنفه، وشعرت بأنفاسه الدافئة، فأطلقت على الفور تنهيدة عميقة ممزوجة بالارتياح، حينما تأكدت من أنه لا يزال على قيد الحياة. تمكنت أخيرًا من النهوض، وسارت بخطوات مرتعشة نحو طاولة التجميل الخاصة بها، وسحبت زجاجة عطرها من فوقها، لتعود إليه مرة أخرى، ثم ركعت بجانبه، وهو لا يزال فاقدًا للوعي، وبدأت في نثر بعض العطر على ظهر يدها لتبدأ بتمريره بالقرب من أنفه ببطء ليستنشقه، وهي تهزه بلطف.

رأته يتململ برأسه، ويعقد حاجبيه انزعاجًا بمجرد استنشاقه لرائحة العطر التي تسللت إلى أنفه، مما جعله يبدأ بالخروج من غيبوبته المؤقتة، وهو يستمع إلى همسها الخائف: الحمد لله.. أنت كويس؟! فتح جفنيه ببطء قبل أن ينظر إليها لبضع لحظات بتيه صامتة أخافتها، فسألت بسرعة: ساكت كدا ليه؟! رد بأي حاجة تطمني عليك. اعتدل بظهره مع بعض الألم الذي يعصف برأسه، وهو يمسك مكان الضربة على الجانب الأيمن من جبهته، بينما ينظر حوله في نفس الصمت،

تابعت بسؤال آخر: طيب أنت جيت هنا ليه؟ أنتِ مين؟ وقع سؤاله المباغت على أذنيها، مثل صعقة عنيفة شلت أطرافها. في ذلك الوقت، في فيلا صلاح الشندويلي: كانت هالة تجلس على أحد الكراسي المريحة أمام حوض السباحة، تستمع إلى الموسيقى الهادئة عبر السماعات الصغيرة في أذنيها، وتنظر إلى الماء الذي عكست داخله صورة السماء بستار ليلي مرصع بالنجوم الساطعة، والنسيم يداعب شعرها البني حول وجهها الباهي، بينما عقلها شاردًا فيما حدث هذا الصباح.

فلاش باك: اطمنتي على لميس؟ طرحت وسام هذا السؤال بصوتها الأنثوي الهادئ، بينما تجلس مع هالة على طاولة الطعام تتناولان الإفطار لوحدهما. جاءها الجواب منها بعد أن ارتشفت القليل من عصير البرتقال: آخر مرة كلمتها كانت بليل وهي تمام هتيجي من الفيوم آخر الأسبوع. سلمى بهدوء: تيجي بالسلامة.. صحيح خلصي فطارك وادخلي لباباكي في مكتبه لما صحي سألني عليكي. هالة بتوتر: طيب ما قالكيش عايزني في إيه؟

أجابتها بتخمين: لا يا حبيبتي بس على ما أعتقد هيكلمك في موضوع ياسر. ربنا يستر! ما تقلقيش. هكذا تمتمت وسام بنبرة مطمئنة، فأومأت لها هالة برأسها قبل أن تغادر من أمامها متجهة نحو مكتب والدها. صباح الخير يا بابا. صباح النور. طرقت الباب بهدوء، فجاءها صوته يسمح لها بالدخول: أخبارك إيه؟! هالة ببساطة رقيقة: كله تمام الحمد لله.. كنت عايزني في حاجة مش كدا؟!

مرت دقيقة من الصمت، قام خلالها من مقعده، ثم دار حول المكتب، ليجلس مقابلها قبل أن يتحدث بلهجة جدية: سبق من يومين لما جيتي وقولتي لي إنك رجعتي له دبلته رديت عليكي وقلت لك مش هسمع قرارك النهائي دلوقتي وهديكي فرصة يومين تفكري كويس يمكن تغيري رأيك ودلوقتي بسألك للمرة الأخيرة أنتِ متأكدة من القرار اللي بلغتيني بيه؟ أومأت هالة برأسها بينما

لسانها يؤكد له بتهذيب: بصراحة يا بابا أنا اديت لنفسي أكتر من فرصة معاه.. بس هو مشكلته إنه مش شايف نفسه غلطان أو عامل حاجة مزعلاني وأنا بقى صعب عليا أتجاهل اللي بيحصل. خفضت وجهها إلى الأسفل، وضد إرادتها، تجمعت العبرات في زوايا مقلتيها، وأضافت بصوت منخفض، كأنها

توجه هذا الحديث لنفسها: بس بجد إذا في حد فعلًا غلطان فهو أنا.. أنا اللي فشلت في اختياري من الأول.. كنت غلطانة لما افتكرت إن ممكن أقدر أغيره.. الجواب كان باين من عنوانه وهبقى غبية إذا كملت يا بابا وأنا جوايا شك إن الحال ممكن يفضل زي ما هو.. فأيوه يا بابا أنا مش هقدر أستمر في الخطوبة دي. عانق صلاح كف يدها بحنان يؤزرها،

وهو يقول بهدوء: تمام يا هالة.. أنا سبق وقلت لك إني معاكي في أي قرار هتاخديه.. ومش ممكن هسمح إنك تعيشي باقي حياتك متعذبة مع واحد ما فيش بينكو تفاهم. هالة بابتسامة ممتنة: شكرًا يا بابا. عادت هالة من أفكارها إلى الواقع، والابتسامة ترتسم على شفتيها، زفرت أنفاسها بارتياح وهدوء غريب لم تحظَ به في الآونة الأخيرة، ربما لأنها تمكنت من اتخاذ قرار الابتعاد عما يؤلمها بمفردها دون تدخل من أحد. عند باسم: أنتِ مين؟

وقع سؤاله المباغت على أذنيها، مثل صعقة عنيفة شلت أطرافها. خرجت ابريل من أفكارها المرتبكة على صوته الحائر، بمجرد أن كرر نفس السؤال: أنتِ مين وأنا بعمل إيه هنا؟! ابريل بلا استيعاب لا تخلو من الصدمة: مش فاهمة قصدك.. يعني أنا مين..؟ انتابها القلق الشديد عليه فور أن أمسك برأسه، وتجعد جبينه من الألم، فاقتربت منه دون وعي، ناسيه ما كانت تفكر فيه قبل أن تتساءل بصوت مفزوع: مالك أنت حاسس بإيه؟

تحسس باسم بأطراف أصابعه مكان الإصابة بحذر منزعج من الألم، قبل أن يجيبها بضيق: وجع جامد في راسي. شكل الخبطة كانت جامدة. جمجمت ابريل بخفوت، وازدردت لعابها بتوتر، وهي تخفض يده إلى الأسفل، وعينيها تتفحص رأسه بعناية قبل أن تزفر بشيء من الراحة: الحمد لله ما فيش نزيف.. هتبقى كويس بعد شوية ويروح الوجع.. بس هو أنت بجد مش عارف أنا مين؟!

ترددت في طرح سؤالها الأخير بخوف لم يخفَ على عيني الجالس أمامها على الأرض، الذي مرر عينيه اللامعتين على ملامحها الطفولية، وهمس بإعجاب: كل اللي أعرفه إنك حلوة قوي بالضفرتين دول يا بندقة. اتسعت عيناها حتى كادت تخرج من محجريها من الصدمة التي ألجمت لسانها للحظات، ثم حركت رأسها بعدم التصديق تطابق غمغمتها: لا أنت مش طبيعي.. مش طبيـ... سألها بحيرة طريفة: أنتِ متعودة تقابلي الضيوف بالترحيب الشديد دا؟!

ودا بتعملي بيه إيه هنا أصلًا؟ قال باسم السؤال الأخير باستنكار شديد، وهو ثنى ساقه، ممسكًا بالمضرب الخشبي فأجابته بعفوية: بتاع أخويا. جذبته ابريل من يده بغتة، وهي تهاجمه مستفهمة: أنت اللي بتعمل إيه هنا في أوضتي في وقت متأخر زي دا أنت مجنون ولا بتستهبل... احتبست الحروف في جوفها حالما وضع إصبعه على شفتيها، قائلًا بتوبيخ هامس: هيسمعونا.. حد قالك إني أطرش؟! أوعي كدا..

أبعدت يده عنها، وهي تنفخ الهواء من فمها بضيق، ووضعت يديها على مكان قلبها الذي كان يؤلمها من شدة خفقاته، وأردفت بتقريع: حرام عليك قلبي كان هيقف من الخوف عليك يا بارد وأنت مرمي قدامي ومابتنطقش. أربكت نبضات قلبه، وكأن عاصفة صحراوية استهدفت كيانه، حالما أحس بخوفها عليه للمرة الثانية، باديًا على ملامحها وتصرفاتها ليتمتم باندفاع: خوفتي عليا؟ سألت أبريل مستنكرة: وأنا هخاف عليك بأمارة إيه؟

رفع باسم يده، ومسح بخفة دمعة هاربة على خدها المحمر، وسأل مستفسرًا بتعجب ماكر: أومال الدموع دي كلها على مين؟! أدركت أبريل على الفور أنها كانت تبكي دون وعي من خوفها، فأجابت عليه بسرعة بديهة تتحلى بها: على مستقبلي اللي كان هيضيع بسببك. ارتفعت ضحكاته الرجولية، مشاكسًا إياها بمرح: واطية يا بندقة. وكزته أبريل في كتفه، وهي تمتم بغيظ من هذا المحتال: احترم نفسك. شعر باسم بألم طفيف، لكنه رسم على ملامحه مزيدًا من الألم المزيف،

وهو يئن بتحذير: آي حاسبي... نبست أبريل بقلق، وهي تكور قبضتيها بقوة تحت ذقنها قبل أن تقول بمبرر يتناقض مع توبيخها له، مما جعله يحبس ضحكته بصعوبة من جنونها: آسفة ماقصدش والله.. ماهو أنت اللي بتستفزني وقايم فيك حيل تستظرف كمان!! غمز باسم لها بعبث عفوي، وهو يجيبها مبتسمًا: فيا حيل لحاجات كتير تحبي تجربي. اعتلت فيروزيتها نظرة شرسة، مشيرة إليه بتهديد، وهي تهسهس من بين أسنانها في استهجان محبب له: أنت لو مابطلتش والله هـ...

تأملتها رماديتيه، التي تهيم على ملامحها بتأنٍ، تلائم مع نبرته التائقة: وحشتيني ووحشتني شراستك. تلاشت نظراتها الغاضبة حالما سمعت همسه الرجولي الذي لامس شغاف قلبها لا شعوريًا، فيما هو يرى الخجل يرتسم كلوحة فنية مليئة بالألوان القرمزية الرائعة على صفحة وجهها ذو الملامح البريئة، وهي ترد بتلعثم خجول: هقوم أجيبلك حتة تلج تحطها مكان الخبطة قبل ما تورم. سرعان ما وجدت قبضته تلتف حول معصمها، تمنعها من النهوض، وهو يرفض باعتراض:

لا خليكي ماتخرجيش. أخفت أبريل رجفة سرت في أعماقها خلف الاحتجاج الذي ظهر على ملامحها، فسحبت يدها منه قبل أن تستفسر بريبة: اشمعنا؟ مصطفى قاعد برا... اندهشت أبريل من إجابته، وكأنه يحدثها عن أحوال الطقس، ولا إراديًا حركت رأسها نحو باب غرفتها قبل أن تثبت نظرها عليه من جديد بتوتر، وقالت بتعجب: وأنت عرفت منين!!! أجاب باسم موضحًا إليها، وهو ينهض ببطء من الأرض، وهو لا يزال يشعر بصوت يشبه الطنين في جمجمته:

ماهو دا اللي جابني الأمن بلغوني إنه دخل مع أختك فجيت اطمن عليكي.. بس أنت كده طمنتيني عليكي قادرة تقومي بأي حد.. ومجهزة السلاح كمان. قال جملته الأخيرة مازحًا، عندما رآها تستقيم هي الأخرى، وهي تمسك المضرب، فتصاعدت ضحكتها العفوية، التي يسمعها لأول مرة منذ أن التقى بها. كنت عايزني أعمل إيه وأنت داخل عليا دخلة الحرامية دي.. بس الحمد لله جت سليمة. رفع يده ليلمس جبينه بحسرة، وتمتم على مضض مضحك:

آه جت سليمة جبتيلي ارتجاج في المخ ودشدشتي نفوخي من جوا بس. ضحكت أبريل برقة فشلت في إخفائها، ثم أخبرته بمزحة: أحمد ربنا إني ماكنتش طويلة شوية كانت دماغك دي اتفلقت نصين من قوة ضربتي. باسم بحاجب مرفوع، مغتاظًا من ثقتها غير المنطقية: إيه الفرعنة اللي أنت فيها دي يا بت أنت.. أومال لو ماكنتيش شبر ونص هتعملي فينا إيه؟! تحولت ملامحها إلى الجدية التي بدت في قولها الذي يكاد يكون متوسلًا:

إحنا اللي هيتعمل فينا لو حد دخل دلوقتي وشافك.. ممكن تخرج بقى قبل ما نتورط في مصيبة جديدة!! مش قبل ما تجاوبيني؟! قال باسم ذلك وهو يجلس على سريرها باسترخاء، فسألت مستفسرة بفضول: على إيه؟! ماوحشتكيش اليومين اللي فاتوا؟ أدارت عينيها بملل واضح من تلاعبه، ثم نظرت إليه بسرعة مرة أخرى، ووضعت يديها على خصرها، وأجابته بامتعاض: وهتوحشني ليه؟! هو أنا أعرفك منين ما تخليك منطقي في كلامك؟! رفع باسم يده يحك بها مؤخرة عنقه، مدمدمًا

بحرج: يخربيت أم الدبش اللي طالع من بوقك. نهض من مقعده متوجهًا إليها، مهدئًا قليلًا من روعها وهو يتابع قائلًا: خلاص ماتتوتريش أنا جنبك. طالعته أبريل لثوانٍ، ثم لوت فمها بتهكم، وهي تردد داخلها: وجودك أنت هنا موترني أكتر من اللي قاعد برا. في نفس المنزل تحديدًا على طاولة الطعام كانوا يتبادلون أطراف الحديث، وهم يتناولون العشاء. أنت ما أكلتش يا مصطفى الأكل مش عجبك ولا إيه؟! أنهت سلمى سؤالها باستغراب مرتبك من صمته،

ليرد عليها بلامبالاة: ماليش نفس للأكل.. أبريل فين إيه مش حابة تشوفني؟ بررت ريهام له بدلًا من والدتها بنبرة لينة: لا هي من ساعة ما خرجت من المستشفى وهي جوا أوضتها ماتطلعش منها إلا بسيط قوي حتى مابقتش تقعد تاكل معانا. تلفظ مصطفى بلهجته الآمرة: عايز أشوفها. بس هي مش عايزة. وصل رد يوسف الساخر بجمود إلى أذنيه لكنه لم يعلق عليه، فيما تدخلت سلمى في الحديث بصوت هادئ معتذر بعد أن نظرت لابنها بنظرة تحذيرية:

معلش يا مصطفى اديها فرصة تستوعب وتهدا ماتنساش هي صحتها لسه ضعيفة. ردد مصطفى باقتضاب: اديها فرصة!! أخذ مصطفى نفسًا عميقًا، وهو يبتسم ببرود، وتابع بهدوء خطير لا يخلو من السخرية: بالمناسبة سمعت إنكم اتفقتم مع صلاح على ميعاد الخطوبة بعد أسبوعين.. معلش عشان أكون فاهم ناويين تثبتوني لحد بعد فرحها يعني مش كدا!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...