الفصل الحادي والعشرون (اعتذار من الذئب) _تداهمني ثمة مشاعر غامضة اتجاهك! _إذن، لا عليك أن تبحث لها عن تفسير، ولا تقحمني بها. _كيف على ذلك؟ ونظرة خاطفة إلى فيروزيتك المستهجنة أضحيتا ملاذي، والارتشاف من رحيق شفتيك المغرية هي مطمعي وهنائي. _لن أصدق ملاعيبك أيها الذئب الماكر، كحال رماديتيك المجنونتين كالبرق، عليك التراجع من حيث أتيت.
_فات أوان التراجع أيتها الهرة الشاردة، فقد عزمت على أني لن أدق جدران قلبك بمنتهى الرقة لأحصل على حبك، بل سأشعل نيراني في حصونك العاصية بضراوة مغرم لم تلتقِ بمثل عشقه أحدًا. _لن أخضع لك بتاتًا حتى إن أحرقتني، فأنت تخوض مسارًا نحو المستحيل. _ستنصهرين بين ذراعي كالشمعة التي وقعت في غرام اللهب. _سأظل أبحث بين الدروب مهربًا، من حبك عاجلًا أو آجلًا. _هذا التحدي يدفعني أكثر لأتبعك حتى النهاية أيتها العنيدة.
_سوف أتصدى لك ولهذا الشعور الغريب الذي يرتعد في قلبي حيالك. _أخشى أن أفزعك بندقتي، لكن فرارك المستمر مني سينتهي به المطاف إلى هاوية الغرام معي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عند أبريل: _إيه، على فين؟! سأل باسم مستغربًا، وهو يتحرك خلفها فور رؤيته لها تتجه نحو باب الغرفة، لتجيبه بخفوت: _على المطبخ. استطردت أبريل موضحة، وهي تلتفت صوبه:
_هو بعيد عن الريسبشن يعني مش هيشوفوني، بس ضروري نحط تلج على الخبطة عشان بدأت تزرق وكدا هتكبر وتبقى قد الكورة الكفر. ضحك باسم بخفة على مزاحها، وضيق عينيه الرماديتين بمكر يتناسب مع نبرة تساؤله: _اشمعنا بالليل بس بتبقي دكتورة في نفسك وقلبك رقيق أوي كدا؟! عبست ملامح وجهها من سخريته، وردت بسخط: _تصدق أنا غلطانة.. خلاص خد بعضك وارجع مطرح ما كنت. همت أبريل بالتقهقر عنه، لكنه أحكم قبضته على ذراعها، ومتلفظًا من بين
ضحكاته الرجولية الخافتة: _خلاص ماتبقِيش قموصة كدا.. أجي معاكي؟ أنهى باسم جملته بذلك الاقتراح، لكنها قابلته بالرفض القاطع: _ما ينفعش، أنت مجنون افرض حد شافك. مرر إصبعه على جسر أنفه الشامخ، وهو يقول بهدوء: _طيب ما تتأخريش. أومأت أبريل له بالإيجاب محذرة إياه: _ماشي، اوعى أنت تخرج من هنا. نظر باسم حوله بعد خروجها، وهو يمرر بصره حول المكان بملل من الانتظار، وهذا من أكثر الأشياء التي يكره تجربتها.
تنهد بعمق قبل أن يحدق في باب الغرفة بنظرة غامضة، وظهرت على شفتيه ابتسامة خطيرة لا تبشر بالخير. خلال ذلك الوقت عند مصطفى: _بالمناسبة، سمعت إنكو اتفقتوا مع صلاح على معاد الخطوبة بعد أسبوعين.. معلش عشان أكون فاهم، ناويين تثبتوني لحد بعد فرحها يعني مش كدا!!! سلمى مبررة الموقف بصوت لا يخلو من الاضطراب: _يا مصطفى، إحنا كنا مضطرين نوافق وإلا الجرايد ما كانتش هتسكت وتسيبنا في حالنا. ابتسم مصطفى ببرود موازيًا
لنبرته حالما تحدث: _ما أعرفش ليه عندي إحساس إن الحكاية دي مطبخة من وقت طويل وأنا كنت آخر من يعلم يا سلمى. تدخل فهمي محتجًا بصوت لا يخفى ارتباكه: _ما يصحش الكلام اللي بتقوله دا!! هز مصطفى منكبيه العريض بلا مبالاة، مغمغمًا بجمود: _والله دا مش كلامي دا كلام الإعلام؟! تلقفت ريهام الحديث من فم بمحايد: _دي فبركة صحافة وأنت سيد العارفين، مش معقول هتاخد بكلامهم ولا إيه؟! تحفز جسد يوسف، وهو يقول بدفاع عن أخته:
_وأبريل ما كانتش تعرف باسم ولا كان ليها أي علاقة بيه وهي مخطوبالك. مصطفى بفتور: _الكلام دا ما بقاش له أي قيمة عندي. انقبضت ملامح الجميع باستثناء يوسف الذي تابع بصمت الحديث الدائر بينهما، فيما بدا الارتباك في سؤال سلمى المهتز: _يعني إيه الكلام دا يا مصطفى؟
_يعني هأعرف كويس آخد حقي منها ومن اللي فضّلته عليا.. وأنت لازم تعرف إذا ما رجعتليش فلوسي اللي عندك يا فهمي هأنسى إننا قرايب يا سلمى وهأخلي المحامي بتاعي يمشي في الإجراءات القانونية ضدكم. جفلت سلمى من إنذار مصطفى المباشر لهم، ثم استفهمت بارتياع: _أنت بتقول إيه يا مصطفى.. أنت عايز تسجن جوزي؟! احتدت لهجته قائلًا:
_جوزك اللي حط إيده في إيد ابن الشندويلي ووافق على خطوبته لبنته ورجع في كلمته معايا.. مستغربين ليه لما أرجع في كلامي أنا كمان.. أنا هأعرف أرد كرامتي اللي اتبعزقت تحت رجل عيلة صغيرة ما عرفتوش تسيطروا عليها. سأله يوسف مستهزئًا: _كنت عايزنا نعملها إيه!! هنجوزهالك غصب عنها..!!! زجرته سلمى موبخة إياه: _يوسف اسكت أنت ما تدخلش. تجاهل يوسف تحذير والدته، متأهبًا للنهوض من مقعده، وهو يهتف بصوت ناقم:
_مش ساكت وأي حاجة هتمس بيها أختي من قريب أو من بعيد.. محدش ساعتها هيحاسبك غيري. شعر فهمي بالتوتر السائد في الأجواء، فقال بصوت هادئ بعض الشيء: _اتفضل معايا يا مصطفى نكمل كلامنا على انفراد. استقام من مقعده بنظرة متعالية، وهو ينظر إلى ساعة معصمه ببرود: _انتهى خلاص وقت الكلام ومن هنا ورايح هتشوفوا مني الفعل وبس. انذهل الجميع من صرخات سلمى الحاقدة بوعيد بمجرد خروج مصطفى محاولة السيطرة على خوفها:
_أقوم دلوقتي أجيبلك بنتك دي من شعرها وأفرجها مقامها. _أنا اللي هأقوم ألحقه. هذا ما قالته ريهام بإيجاز، وهي تنهض من مقعدها تريد الهرب قبل أن تصب والدتها غضبها عليهم، لتستكمل سلمى بلوم غاضب: _عجبك كدا بقى أنا أتهزق التهزيق دا من تحت راسها قليلة الرباية.
_والله أنتو اللي تاعبين دماغكم معاه على الفاضي.. دا آخره يهدد وبس.. الحكاية مادام وصلت للإعلام ما يقدرش يقدم أي شكوى ضدنا هيربطوا في ثواني بين الموضوعين وهيتأكد الكلام اللي اتنشر عليه. تحدث يوسف بهذه الكلمات بنبرة جدية، ليؤكد فهمي بسرعة: _يوسف معاه حق في اللي بيقوله. اقترب يوسف من والدته، مردفًا بذات النبرة:
_يا ماما.. أبريل مش صغيرة مش هينفع تضحكوا عليها تاني.. فهو دلوقتي بيضغط علينا عشان نضغط عليها.. كل اللي يهمه إنه يكسرها بعد اللي عملته فيه.. وأنتوا بتساعدوا على كدا بالخوف الزيادة منه. في ردهة المنزل: _استني بس يا مصطفى هو دا اللي اتفقنا عليه؟! توقف مصطفى عن المشي، حالما سمع صوت ريهام التي تهرول خلفه بسرعة، التفت إليها وقد استوحشت قسماته، وهو يرد عليها بلهجة قوية:
_أنا ما اتفقتش على حاجة يا ريهام.. كرامتي خط أحمر وأنتي عارفة كدا كويس.. ممكن أحرق أي حد إذا فكر يمسها وأختك ما توصتش وعملت كل حاجة تخليني مش بس أكرهها وأحقد عليها وبس لا.. أنا مش هتهاون لحظة واحدة في إني أرد اعتباري وكرامتي. جاء جوابها فوريًا:
_هي غلطانة في حقك وإحنا كلنا متفقين على كده.. بس أنت كمان راعي إن الموضوع ما بقاش في إيدينا زي ما ماما قالت.. الكل بقى عارف إنها هتتخطب لباسم.. أنت ممكن تديها فترة كده يعني لغاية ما... احتقن وجهه غضبًا، فور أن ذكرت اسم ذلك الباسم أمامه، لكنه تمالك نفسه ولم يعلق على كلماتها السامة، فقاطعها باقتضاب بارد:
_من الآخر أنتوا كل اللي يهمكم في الموضوع.. إن أبوكي ما يتسجنش.. وأنا ممكن أؤجل الإجراءات وأديكم فرصة تجمعوا المبلغ اللي عليكم بس مش هأصبر مش كتير. أومأت ريهام له بالموافقة، وهي تحرك شعرها خلف ظهرها بنعومة، وهي تتحدث بوداعة خبيثة قاصدة استفزازه: _ميرسي يا مصطفى.. وياريت تستنى على الأقل لحد موضوعها مع باسم ما يعدي والحكاية تتقفل.. يمكن وقتها تغير رأيها وهي اللي بتبقى عايزة ترجع لك.
رفع مصطفى حاجبيه بنظرة استنكار، قبل أن يرد بقسوة نابعة من عينيه مع نبرة صوته الممزوجة بالغطرسة: "على أساس إني تحت أمرها؟ وقت ما تكون هي عايزة؟ وقت ما هي تقرر؟ ماتعقلي كلامك يا ريهام." ابتسمت ريهام بنعومة تشبه خبث الثعابين، وقالت برجاء كاذب: "معلش عشان خاطري يا مصطفى، اعتبرها آخر فرصة ليها."
منح مصطفى ذاته ثلاث ثوان في التفكير، قبل أن يومئ لها على مضض، بينما غافلاً عن وجود طرف ثالث كان يقف على بعد مسافة بسيطة منهم، يستمع إلى هذا الحديث الذي دار بينهما. بعد عدة دقائق، عند أبريل. غادرت أبريل المطبخ، وفي يديها قطعة من الثلج ملفوفة في كيس بلاستيكي. تطلعت حولها بحذر، لا تريد أن يراها أحد، ثم اتجهت بهدوء نحو الممر المؤدي إلى غرفتها.
في لحظة غفلة، وقبل أن تصل إلى الغرفة، وجدت من يسحبها إلى حضنه بزاوية خفية، فيما لم تتمكن شهقة ذعر من الهروب من حلقها بسبب اليد التي كممت فمها، ومنعتها من الصراخ، لكن ما هدّأ روعها هو معرفتها بهويته بمجرد أن اخترقت رائحة عطره القوية أنفها، مع وصول صوته الهامس إلى أذنها: "ده أنا.. أنا باسم، ماتتخضيش." ابتلعت لعابها بتوتر يجتاح جسدها، وهي تشعر بضغط ظهرها على عضلات بطنه القوية من الخلف، ليخبرها بتحذير خافت:
"هشيل إيدي ماتطلعيش صوت." أومأت أبريل برأسها بالموافقة عدة مرات متتالية، فأزاح كفه من فوق شفتيها المتباعدتين قليلًا من الدهشة. مرت عدة لحظات، عبرت خلالها تقى الممر المؤدي إلى المطبخ دون أن تلاحظ أي شيء غريب، بينما تنفست أبريل الصعداء، وقبل أن توشك على التحدث، شعرت بقبضة يده على معصمها، يجذبها بلطف خلفه، ليدلف بها غرفتها سريعًا، ثم تفاجأت بجسدها محصورًا بين جسده الصلب الذي أمامها والباب خلفها.
اندفعت حرارة الخجل إلى وجنتيها وهي محدقة فيه بحرج وعدم فهم، ولم تستفق من أفكارها إلا على صوت إغلاقه للباب بالمفتاح. استجمعت أبريل رباطة جأشها بصعوبة، لتتمكن من دفعه بخفة في صدره بقبضتيها، فيما تارك باسم جسده يتراجع بمجرد أن أدرك خطورة قربه منها، لتهمس بصوت يشوبه الخوف والتعجب: "أنت رعبتني.. إيه اللي خرجك؟ أجابها بأنفاس لاهثة، وهو لا يزال على نفس وضعه: "قلقت لما اتأخرتي."
تجاهلت باستصعاب خفقات قلبها العنيف داخل صدرها، الذي كان لا يزال يرتفع وينخفض من أثر المفاجأة، فاستنكرت بخفوت: "هو أنا لحقت؟ كنت هتودينا في مصيبة... هذا ما قالته بنبرة قلقة، وهي تلوذ بالفرار من براثن ذراعيه بخوف استشعره باسم وهو يراها تقف في منتصف الغرفة تعدل حافة بيجامتها، حتى جاء إليها صوته المتسائل بعدم رضا: "ليه نظرة الخوف اللي كانت في عينك دي مني وأنا ماسكك برا؟ أنا مش هاكلك؟
ارتفع حاجباها باستعجاب قبل أن تغمغم بغضب مستنكر، وهي لا زالت توليه ظهرها: "بجد بتسأل؟ عقدت أبريل يديها على صدرها، وهي تتجه نحوه، لتستأنف حديثها بسخرية لاذعة: "لحقت تنسى بالسرعة دي تحرشك بيا واللي عملته فيا؟ ولا أنت متعود على كدا فمابقتش مركز؟ تركزت عيناه على خاصتها، وخرجت منه تنهيدة حارقة، مع اعترافه الهامس بصوته الرجولي الحاد: "عارف إني زفت وصايع.. بس عمري ما كنت حيوان عشان أفرض نفسي على بنت، فهمتي؟
اللي حصل مني في حقك غلطة وندمان عليها وبحاول أكفر عن ذنبي معاكي.. بس مش هسمحلك تفضلي تهينيني بالشكل الجارح ده تاني." أنهى باسم جملته موليًا ظهره لها، بينما اعتراها الندم على تسرعها، بعد أن لاحظت نبرة الألم في صوته.
فغرت فمها عازمة على الكلام، لكن شعرت بالحروف منحصرة داخل جوفها، فأغلقته وقد أصابها الإحباط بعض الشيء، قبل أن تسير بهدوء نحو الأريكة، لتلتقط شيئًا منها، ثم عادت إليه ومدت يدها نحوه، لينظر بعينين ضيقتين إلى قطعة الشوكولاتة بين أصابعها وابتسم رغمًا عنه متسائلًا بذهول: "بترشيني؟ أطرقت أبريل رأسها، وهي تبتسم في حرج، لا تقوى على رفع عينيها إليه، ثم غمغمت له بمرح خجول: "لا، بضيفك عشان أول مرة تشرفني هنا."
ارتفعت زاوية شفتيه بابتسامة جانبية على طريقة مراوغتها اللطيفة في الاعتذار: "مقبولة منك مع أنك بتعزمي عليا من شوكولاتي." رفرفت رموشها بارتياح، وهي ترى الابتسامة الخفيفة التي زينت ملامحه الحادة بالوسامة المهلكة، وهو يلتهم قطعة الشوكولاتة في فمه بتلذذ، لتجلي حلقها بخفة رافعة يدها أمام عينيه بكيس الثلج، لتذكره بما يجب عليهم فعله. بعد قليل.
باسم يجلس على الأريكة قاطبًا حاجبيه بألم، وهي في مواجهته على الطاولة الخشبية، ممسكة بيدها مكعب ثلج على جبهته. "عارف أن ده جه متأخر بس أنا متشكر على إنقاذك ليا مرتين.. مرة لما كنت بطلع في الروح والمرة الثانية لما أنقذتيني من الموقف البايخ كنت هتحط فيه." خرجت تنهيدة حارقة من أعماقه، واستكمل بصدق:
"وأي كلمة آسف هتخرج مني مش هتكون كفاية على اللي عملته معاكي.. بس معرفش إذا هتصدقي ولا لا.. لكن والله العظيم معرفش إزاي عملت كدا معاكي دي.. أول مرة أقرب من بنت بدون رغبة منها.. ومستحقر نفسي ومش طايقها عشان مكنش من حقي أعمل كدا معاكي.. كنت زي أعمى لا لا كنت أعمى حقيقي.. ومتخيلتش إن ده كله هيجرالك بسببي.. شيطاني صورلي إن دي كانت لعبة بتلعبيها عليا.. يمكن لأنه صادف في أيام قليلة إننا اتجمعنا أكتر من مرة.. عارف ده مش عذر ليا.. وبجد دلوقتي ندمان وحقك لو شوفتيني واحد منحط.. أنا آسف على أي كلمة خرجت مني جرحتك ساعتها."
انتفض قلبها بين ضلوعها بلين، فور أن أحست أن هذا الاعتذار نابع من صميم قلبه، بالإضافة إلى ظهور ندمه جليًا على محياه، على الخطأ الذي ارتكبه في حقها والألم الذي سببه لها، ووجدت نفسها تقول بلهجة مترددة: "كانت في حاجة حصلت عاوزة أحكيلك عليها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!