الفصل 54 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
23
كلمة
5,010
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

أنت لهيب الشوق الذي يلهب كياني، تغمرني همساتك بحب متفجر كالسيل العاتي، متأرجحة المشاعر في قلبي بين جنون الحيرة ووهج الأمل، لأشعر برعشة الخوف تتراقص في عتمة الليل، فأخشى أن تغيب عني كظل يتلاشى في الفضاء. توقف عن السير والتفت إليها، يعتقل خصلة من شعرها بين أصابعه، ووضعها خلف أذنها، وهمس بما أربك خفقات قلبها بعنف: "عاوزك الليلة تنامي في سريري." "باسم!

نطقت حروف اسمه برقة يشوبها التحذير، فرفع وجهها إليه بأنامله حالما وجدها تتهرب من نظراته بخجل أشعل وجهها بإحمرار لذيذ، وبابتسامة واثقة أخبرها بصوت يحمل مزيجًا من العذوبة والمزاح: "ما تقلقيش، هكون راجل راقي."

دخل معها غرفة النوم المضيئة بخفوت، ووقف ينظر إلى عينيها المترددتين بعينيه العاشقتين. كان يشعر أن قلبه ينبض بسعادة غريبة، من المشاعر الدافئة التي تحيط بهما، لكنها بطبعها العنيد كانت تفضل إخفاء مشاعرها، وكأنها تخشى أن تُظهر مدى تعلقها السريع به. هو يعلم ذلك جيدًا، ويعشق هذه المقاومة الرقيقة في شخصيتها.

ذهبت نحو السرير وجلست باستحياء على حافته بعدما أشار إليها بفعل ذلك، بينما هو اتجه صوب الخزانة الصغيرة مد يده يفتحها، ثم أخرج منها منامة رجالية ليضعها بجوارها في صمت، وبعد ذلك توجه إلى الحمام. أدار المياه الدافئة لتملأ حوض الاستحمام فوصلها صوت المياه المتدفقة. فور أن شعرت بقدومه نحوها أنزلت أهدابها إلى أصابعها المتشابكة في صمت، في حين جثا على ركبتيه أمامها بابتسامة حنونة تشابهت مع نبرته:

"الحمام جاهز.. الميه الدافية هتريح جسمك.. أنا قلت لك تنامي في سريري.. مش عشان أخوفك أو أحسسك بأي توتر.. بس عشان أديكي إحساس بالأمان اللي تستاهليه." مال أكثر صوبها بشفتيه ليطبع قبلة حنونة على جبينها بينما فيروزيتها تتابعه بإنشداه. مرت لحظة صمت قصيرة بينهما، ثم بنظرة تُفصح عن مزحته الدافئة أردف وكأنه ترجم أفكارها المشوشة:

"وأنا هكون في الريسبشن.. عشان لو احتجتي حاجة.. يعني مش بعيد.. بس مش قريب برضه.. عشان تحسي إنك مرتاحة أكتر." "هتنام على الكنبة يعني؟! بابتسامة مشاكسة أجاب على استفسارها العفوي ملتفتًا إليها بوجهه من عند باب الغرفة: "إيه صعبت عليكي وهتنيميني في حضنك؟ أطبقت على شفتيها بخجل وهي تعبث في شعرها بتوتر معنفة نفسها داخليًا على تسرعها لتتلعثم في قولها دون النظر إليه:

"أنا كنت.. باستفسر بس.. وبعدين احترم نفسك وما تنساش تقفل الباب وراك وأنت طالع." انطلقت ضحكاته الرنانة بعذوبة مما جعل ابتسامة تنمو فوق شفتيها رغماً عنها بينما تنصت إلى حديثه المرح يشوبه لمحة تذمر مصطنعة: "هي بقت كده ماشي يا بنت فهمي.. هسيبك تحلمي بيا.. تصبحي على خير يا بندقتي."

غادر الغرفة دون أن ينتظر ردها تاركًا لها مساحة كاملة لتشعر بالراحة والسكينة فابتسمت بهدوء وداخليًا كانت تشعر بالامتنان فقد كان مختلفًا عن توقعاتها لذا سمحت لنفسها بالاسترخاء في حمامه وهي تفكر كم هو راقٍ وحساس بطريقة فاجأتها ولأول مرة منذ فترة طويلة ليست مضطرة لإخفاء مشاعرها وهي تشعر أن كل حركة منه مفعمة بالاهتمام والرعاية الرقيقة.

أرادت حقًا تصديق نظراته التي يطل منها حنان كبير يروي بستان قلبها المتعطش توقًا له وللدفء الذي تشعر به بين يديه وتبغي بشدة مساعدته في ترميم قلعة الثقة التي هدمها الآخرون داخلها بلا رحمة وأن تنجح في حب نفسها من جديد لتتجاوز العراقيل التي تعكر صفو حياتها. في صباح اليوم التالي تململت إبريل في نومها بانزعاج، وكأنها تحاول الهروب من شيء غير مريح يقترب منها. أدارت رأسها بتثاقل إلى الجهة الأخرى، وخرجت من بين شفتيها

المطبقتين تمتمة حانقة: "بطل رخامة يا عمر.. سيبني أنام." شعرت إبريل بشيء رطب يداعب وجهها مجددًا، حاولت تجاهل هذا الشعور الذي أيقظها من حلمها، لكنها في النهاية استدارت نحوه، ورفعت ذراعها ببطء تحتضن الكائن الذي بجانبها بحنان، تداعبه بخفة وفجأة انتابها شعور غريب، أناملها تغوص في فروة ناعمة، لا تشبه ملمس بشر، ففتحت عينيها نصف فاتحة، وصوتها المبحوح من أثر النوم تساءل: "إيه ده؟

في لحظة تجمدت أوصالها كما لو أصابتها صاعقة، نظرت بعينين جاحظتين إلى الكلب الجالس بهدوء بجوارها على السرير، وكأنها لا تصدق ما تراه ثم ما لبث أن هتفت بدهشة مضحكة من المفاجأة: "أنت مين يا عم؟! وإحنا فين أصلًا؟! ما هي إلا لحظات حتى بدأت تفاصيل الأمس تعود إلى ذهنها، واسترجعت الأحداث التي أوصلتها إلى هنا، ثم تنهدت بعمق وهي توجه نظراتها نحو الكلب وكأنها تحاول استيعاب الواقع زافرة بتوجس:

"ماشي أهلًا وسهلًا.. أنا إبريل.. أنت جاي مع مين بقى؟ في هذه اللحظة، انتبهت إلى اهتزاز هاتفها الصامت على المنضدة بجانب السرير، مضيئًا باسم صابرين، فالتقطته بسرعة واندفعت نحو الشرفة، محاولة الابتعاد عن الكلب الذي بدأ ينبح ويركض نحوها، وكأنه يطالب بالدخول بعد أن أغلقت الباب خلفها. ردت على الهاتف بصوتها المتهدج، فجاءها صوت صابرين المتسائل بتذمر: "إيه يا بنتي!! بارن عليكي من الصبح؟ تلعثمت إبريل وهي

تحاول استعادة رباطة جأشها: "معلش يا بيرو، كنت عاملة التليفون سايلنت وراحت عليَّ نومه." جاء رد صابرين متعجبًا: "إيه صوت كلب ده؟ أنتِ جبتي كلب ولا إيه؟ ضحكت إبريل بتوتر: "ها؟ لا ده كلب الجيران.. أصل أنا طلعت البلكونة أشم هوا.. المهم طمنيني على ستي صحتها تمام؟ أجابت صابرين على سؤالها بروتينية وهي تهتف بصوت عالٍ من الضوضاء حولها: "آه الحمد لله أنا نزلت السوق أجيب لوازم ليها."

"تمام أنتِ أخبارك إيه وأخبار أبو لهب معاكي إيه ربنا هداه ولا لسه؟! "هو اللي زي ده بيتهدي ولا بيتهد؟ .. أهو بيتعدل يومين ويرجع تاني يلاقي له حاجة جديدة يعمل بيها خناقة." "طنشي خلي أعصابك في الثلاجة." "من يوم ما بقيت أقصف جبهته كلمة قصاد كلمة بالذوق وأسكت على كده وما أزودش في الكلام.. وهو ما بقاش عارف يسلك معايا.. بالعكس بيحاول يتقرب لي ويتمحلس كده بس باثقل عليه." "يا واد يا ثقيل."

"تعرفي لولا إنه ابن أمه أوي كان زماني لسه باحبه زي أول جوازنا.. بس هو اللي كرهني في عيشتي بسلبيته." حاولت إبريل جاهدة أن تبقى مركزة، لكن عقلها كان مشوشًا من الحديث وأزمة صابرين مع زوجها جعل قلبها ينقبض ذكريات قديمة بدأت تطفو على السطح بينما الأخرى تتابع باستفاضة: "تعرفي عشان كده كنت موافقاكي في قرارك ساعة ما سيبتي أحمد ما كنتش عايزاكي تخيبي خيبتي المقندلة دي وتشوفي المرار من أمه زي حالاتي." سألت إبريل بتردد:

"هو ونادية أخبارهم إيه؟! أتت إجابة صابرين تجفل نبضات قلبها بصدمة: "اسكتي على اللي عمله فيها.. خلاها تروح على بيت أهلها وبعديها بكام يوم بعت لها ورقتها." "طلقها؟ .. وبنتهم؟! صوتها المهتز بالكاد استطاع نطق هذه الكلمات، فجاء رد صابرين بإيجاز: "مع أمها."

شعرت بالذنب يغمرها، والوساوس تستولي على ذهنها من كل جهة كأنها كانت السبب في هذه الكارثة، كما لو أن كل قرار اتخذته، كل كلمة قالتها، كانت تساهم بها في تدمير حياة شخص آخر، فتساءلت بصوت حزين يعكس أفكارها الداخلية: "أنا السبب في اللي جرى ده؟ "إيه العبط ده وأنتِ مالك بحاجة زي دي هو اللي خرب بيته بإيده؟!

هكذا ردت صابرين بنفي، تؤكد لها أن هذا ليس ذنبها، لكن إبريل لم تستطع طرد هذا الشعور القاتم من قلبها، وبدأت العبرات تتجمع في عينيها، ثم بكلمات تقطر حزنًا هتفت بقهر: "وبنته ذنبها إيه في كل اللي بيحصل ده؟ ليه الأنانية دي؟ ليه يحرمها منه؟ ليه ما يخليهاش تعيش حياة طبيعية بين أب وأم مع بعض؟ ليه ما يرضاش بعيشته ويجي على نفسه مرة عشان خاطر بيته ليه؟! حاولت صابرين تهدئتها مسرعة: "بالراحة يا إبريل أنتِ بتعيطي ولا إيه؟!

يا حبيبتي، ما تزعليش نفسك، أنتِ ما لكيش ذنب في حاجة من كل ده. لهثت ابريل أنفاسها بصوت عالٍ، فوضعت كفها فوق فمها، وأنهت المكالمة بصوت مكبوت: أنا تمام يا صابرين ما تقلقيش. هأقفل دلوقتي عشان أحضر نفسي للشغل. هاكلمك بعدين.

التفتت ابريل فجأة إلى الخلف، لتجده واقفًا خلفها مباشرة، فالتقت عيناه الرماديتان بعينيها الفيروزيتين، وما كان منها إلا أن ألقت بنفسها على صدره دون أي مقدمات، وأحاطت خصره بذراعيها، وكأنها وجدت ملاذًا آمنًا، تشبثت به كما لو أنه الوحيد الذي يستطيع أن ينقذها من دوامة مشاعرها. تجمد باسم لوهلة، مصدومًا من مبادرتها الجريئة، لكنه شعر بقوة احتياجها إليه، فترك جسدها الصغير يغرق في حضنه الدافئ.

أجهشت بالبكاء بشدة، دموعها تنسدل كأنها سيول هاربة من عاصفة مكبوتة، لم يكن يدري ماذا يفعل، لكن كل ما شعر به هو حاجته لإراحتها، فهمس لها بنبرة لينة: اهدِي يا حبيبتي... رفعت رأسها إليه بعينين مغرورقتين بالعبرات، وصوتها المرتجف يخرج منه بوضوح قسوة الألم في سؤالها: أنتَ سمعتني؟ صح؟ ابتلع ريقه بصعوبة، يحاول أن يتماسك أمام انهيارها الذي آلمه بقوة، وأجاب بخفوت يكاد يلامس شفتيه: أيوه. غرست وجهها في صدره مجددًا،

وتابعت بهمس مكتوم: أحمد طلق مراته. سابها وهما بينهم طفلة صغيرة. كل حرف كانت تقوله مثل سكينٍ حادٍ يشق قلبها، ولمس هو وجعها العميق في نبرة صوتها المتحشرجة، فقرر أن يخفف عنها بقدر استطاعته، فحرك جسدها برفق معه ليجلسا معًا على المقعد في الشرفة دون أن يفلتها من بين ذراعيه كما لو أنها ستنهار لو أرخى قبضته عنها.

وضعت رأسها على صدره، بينما كانت نبضاته السريعة تتسارع وكأنها تحاول أن تمنحها الأمان، رفع ذقنه واتكأ بها على شعرها بحنان، ويداه تمسدان ظهرها برفق. بين شهقاتها المتقطعة، خرجت كلماتها بمزيج من الخوف والضياع: أنا خايفة. خايفة على البنت. مش عايزاها تبقى زيي. رد بصوت دافئ مملوء بالصدق: يا ريتها تكون زيك. أنتِ ما فيش حد زيك. أنتِ أحسن من ناس كتير يا ابريل. نفت ابريل برأسها في حزن عميق، وهي تفصح بنغمة طفولية مفعمة بالمرارة:

لا. مش عايزاها تتعذب في الدنيا زي ما أنا اتعذبت. مش عايزاها تحس باليتم وأهلها عايشين. مش عايزاها تذوق الحرمان اللي أنا عشته. أو الخوف والوحدة اللي مرافقتني زي ظلي في كل حتة أروحها. أحاطها باسم بذراعيه أكثر، كما لو كان يحاول أن يمحي كل مخاوفها بحنانه، وطمأنها بلهجته الواثقة مشددًا على الحروف بإصرار: كل ده هيتغير يا ابريل. مع بعض هنعدي كل ده. ادينا فرصة مع بعض ما تخافيش.

صمتت ابريل لبرهة، وكأنها تزن كلماته في داخلها، ثم رفعت أنظارها صوبه، وتمتمت بصوت متحشرج بالارتباك والتردد: يا ريتني أبطل خوف. يا ريتني أقدر أقول لك إني محتاجالك. بس مش عارفة إذا كان اللي بنعمله ده صح ولا لا؟ أنا متلخبطة وخايفة. شعر بنبضات قلبه تتسارع بلهفة، فأمسك بكفها ووضعه على صدره، ونظر إليها بعينين تفيض بالجاذبية، قائلًا بنبرة جياشة بالمشاعر: سامعاه؟

ده ما بقاش بينبض قوي كده إلا في وجودك أنتِ. بيحس بيكِ ومش طالب منك غير إنه يكون عشانك ملكك وبتاعك وليكِ. لسه عايزة إيه ثاني يثبت لك إني ما بضحكش عليكِ؟ إني محتاج لك زي ما أنتِ محتاجالي ويمكن أكثر. شعرت ابريل بدفء كلماته يغمر روحها، حاولت مقاومة تياره، فوجدت نفسها محاصرة بين مشاعرها المتأججة وسحره القوي ممزوجًا بعاطفته الجارفة التي كانت أكبر من أي حواجز بينهما. فاحت نبرة الارتياح في صوته حالما تابع مبتسمًا، وهو يتذكر

الليلة الماضية في شرود: عارفة ليلة إمبارح، مجرد إحساسي إنك معايا في نفس المكان، قدرت أنام لأول مرة من غير ما تزورني كوابيس كل ليلة. من غير ما أكون عايز أنام ما أصحاش ثاني. تاه عقلها لثوانٍ، وسط غياهب الشكوك فور أن أسدل الستار على عبارته المبهمة، وآخر ما كان يخطر ببالها أن يعبث الموت بأفكاره، وعلى غير إرادتها، ارتج قلبها فزعًا من مجرد تخيل فكرة فقدانه ذات يوم. خرجت ابريل من شرودها حالما انطلقت أسئلته مفعمة

بالتوتر الواضح من صمتها: هتفضلي ساكتة كده؟ مش هتقولي حاجة؟ تطلعت إليه بملامح تعكس تعبيرًا مترددًا، ثم عضت على شفتيها قبل أن تجيب سؤاله بسؤال: هأقول إيه يعني؟ استكمل باسم حديثه بابتسامة حانية مثل شمس تنعكس بدفئها على شواطئ الأمل: قولي موافقة. وأنا أوعدك إني هأعوضك عن كل حاجة وجعتك. من دلوقتي اطمني حضني هيكون مكانك وبيتك. ومش هتطلعي من الحضن ده أبدًا. ومستعد أعمل أي حاجة تخليكِ حاسة بالأمان فيه.

ابتسمت فور سماعها جملته، ثم خرجت من بين أحضانه، والقلق ما زال يعتمل في قلبها، قائلة بتردد مرتعش: نفسي أصدقك. عايزة أثق فيك. بس خايفة يطلع في حاجات كتير في حياتك مخبيها عني. وألاقي نفسي مخدوعة ثاني. هيجي الوقت اللي نعرف فيه عن بعض كل حاجة مرت في حياتنا إحنا الاثنين. أنا حابب أكتشف بنفسي كل تفصيلة تخص مراتي الغامضة وأديها فرصة تعرفني على أقل من مهلنا. موافقة؟!

هكذا أجابها بحزم حاني لا يخلو من مرحه المعتاد، معتنقًا يدها بين كفيه كأنما يحاول أن يبدد ظلال مخاوفها، وقلبه يتراقص بين اللهفة والترقب، ليأتيه الرد المنتظر، بإيماءة خجولة تنم عن موافقتها تمنح نفسها لحظة استسلام تامة لمشاعرها المتدفقة.

تأملها باسم بنظرات مشبعة بشوقه كأن الزمن توقف للحظة، وأصبحت هي مركز كونه، ثم دنى بشفتيه يلامس وجنتيها المبللتين بالدموع بنعومة، كأنما يمتص أحزانها، وحرارة أنفاسه تشعل بداخلها مشاعر رائعة، هامسًا في أذنها بصوت عميق مفعم بالعاطفة، كأنه يبوح بسر دفين: يا ريتني كنت جنبك ومعاكي من زمان. عمر ما كنت هأسمح لنسمة تجرحك. ولا دمعة زي دي تنزل من عينيكِ. مع إن رموشك المبلولة دي مغرية قوي مخلّياني مش على بعضي.

شعرت ابريل بخفقات قلبها تتسارع، وكأن كلماته وصلت إلى أعمق أغوارها، فرفعت عينيها إليه بحرج مع عبارته الأخيرة التي نطقها بعبثه المميز، وهي مبتسمة بخجل لترد بلطافة لا تخلو من التوبيخ: لم نفسك. ابتسم باسم بخبث، وهو يقترب أكثر بعينين تتوهجان بشغف، وصوته يفيض بالمزاح الممزوج بالحب: هو أنا لسه قلت حاجة؟ حاولت ابريل التملص من أسره المهيمن، بضحكة صغيرة: وبعدين معاك؟! شدد ذراعيه حولها أكثر، وهو يسألها بصوت منخفض

وعينيه مليئتان بالتوق: عايزة تروحي مني فين؟ يدوب آخد شاور سريع وأغير هدومي زمانها نشفت وأجري على الشغل. رفع حاجبه بتعجب ممزوج بالفرح مستفسرًا: هو أنتِ غسلتِ هدومك هنا؟ أجابته باندفاع، مشيرة إلى المنامة التي ترتديها: آه إمبارح. أصل ريحتك كانت باينة في الهدوم. ودلوقتي موجودة فيا كمان بعد ما لبست بيجامتك. تسللت ابتسامة ماكرة إلى شفتيه مظهرة نواجذه وهو يميل عليها، ليتساءل بخبث مبطن: وفيها إيه؟ هي ريحتي مش عجباكِ؟

شعرت بارتباكها يتصاعد من إجابته، فردت بابتسامة محرجة: مش قصدي كده. بس أصلها ملفتة قوي وباين إنها رجالي. يعني هأتكسف حد يشمها عليا في الشغل هيقولوا... أتمّ عبارتها بهمسٍ أجشٍ، مفعمٍ بجرأته المعتادة وأنفاسه الحارة تلامس عنقها مشعلة بداخلها شغفًا متأججًا، وبأنفاس متقطعة نكزته في معدته لتنهض من حضنه موبخة إياه: بطل قلة الأدب دي. إيه اللي بتقوله ده!!

لكنه لم يترك لها مجالًا للهروب، حيث قام خلفها مسرعًا، وقبض على خصرها ملصقًا ظهرها في بطنه، فشعر بانتفاضة في قلبه من ملمس جسدها، ليهمس بالقرب من أذنها بنبرة تشي بولعه: يعني يرضيكِ تسيبيني لوحدي وتروحي الشغل؟ أدارت رقبتها إلى الأعلى لتلتقي عينيهما للحظات، ثم استدارت بين ذراعيه، ووضعت يدها برقة على جبهته قبل أن تستفسر بدهشة: هو أنتَ دماغك وجعاك؟ ضحك بصوت عالٍ ممزوج بغرابة من سؤالها: لا. ليه؟ أجابت بضحكة مشاغبة:

بأتأكد إن ما عندكش ارتجاج في دماغك من ضرب إمبارح. انطلقت ضحكته العميقة، كالموسيقى تأسر قلبها، وتذوب في عمق غمازاته الخلابة، في حين دنى منها ليخبرها في أذنها بمزاح عذب: أنتِ شاطرة في الهندسة بس بليدة في الرومانسية. أنا بقي هديكي كورس مكثف فيها بالمجان وأخليكي الأولى على قلبي.

ارتفع صوت ضحكتها العذبة في ذهول، كأنها قيثارة تعزف بأوتارها الرقيقة، لتنسج ألحانًا تسحر قلبه وتغمره بموجات من العشق أطاحت بآخر ذرة تعقل في رأسه، ليتضخم شوقه ولهفته لخوض تجربة أخرى تتيح له تذوق شفتيها المسكرتين. وقبل أن تتمكن من الرد، اجتذب وجهها نحوه بشغف لم يتحكم في مقاومته، ملتهمًا كرزتيها المحمرتين من أثر البكاء، بجنون وشغف يختلجان في قلبه.

أما هي، فارتعش جسدها مع اقترابه المفاجئ، ومزيج متناقض من مشاعر الخجل المتردد والشغف الجارف يتراقصان في قلبها بانسجام مثير يشعل لهفة لم تعشها هكذا من قبل، لتغرق في بحر من عواطفه المتلاطمة، تبتعد شيئًا فشيئًا عن كل ما عرفت، لتصبح أسيرة لهذه اللحظة الساحرة. شعر بأصابعها تسللت لتتشابك حول رقبته، حركة صغيرة لكنها أحدثت داخله دوامة من المشاعر، فزاد من عمق القبلة، لتنساب أنفاسهما المختلطة كألحان ساحرة تعبر عن شغف روحي لا يمكن وصفه، مع حرارة جسديهما التي تصاعدت في تزامن مثير مع نبضات قلوبهما المجنونة، كأنهما يشاركان في رقصة غير مرئية تنسج بينهما خيوط الهيام الناري.

صرخ صوت داخلي في أعماق عقله حالما استغرقت القبلة الأخيرة عدة لحظات أطول، منبهًا إياه بضرورة فصلها والابتعاد عنها، حتى لا تتأذى رئتها من انحباس الهواء في صدرها مدة طويلة، مفسحًا لها مجالًا للتنفس ثم نبس من بين أنفاسه لها بوله: مينفعش تكبري دماغك من الشغل النهاردة وتخليكي معايا؟

هزت رأسها بالنفي، محاولًا عقلها تذكيرها بضرورة المغادرة، لتنفيذ ما خططت له في الليلة الماضية، بينما قلبها يتأجج شوقًا، في رغبة ملحة للبقاء معه حالما سمعته يستكمل بصوت لاهث: ليه مستكترة عليا كام دقيقة كمان في جنتك؟ _بجد متأخرة أوي وضروري أروح.

تسربت نبرتها الضعيفة إلى أعماق روحه، بينما لمساتها تداعب خده الشائك بنعومة، تركت أثرًا دافئًا على قلبه المتأجج، أفقدته المقاومة، ليحتضن شفتيها برقة متناهية، كما لو كانت تلك القبلة وداعًا مؤقتًا. فصل القبلة بسرعة، وقال بلطف مستسلم: طيب خلاص.. هسيبك تخلصي.. بس هنفطر مع بعض ماشي؟ ردت بابتسامة محببة: حاضر. في ذات الوقت، داخل غرفة ريهام.

تجلس ريهام على فراشها في غرفتها الواسعة، يغمرها شعور بالتوتر الحانق ينعكس في حدقتيها الزرقاوين اللتين تنظران إلى الشاشة المضيئة لجهاز الحاسوب المحمول، ليصدح صوت مصطفى الذي ينبعث منه استفسار: عرفتي اللي حصل منين؟ لترد ريهام بنبرة تتسم بالحدة: أبريل حكتلي عن اللي عملته في باسم.. أنت إزاي تعمل حاجة زي كدا؟ دا مكنش ضمن اتفاقنا! تدفقت الأسئلة بغضب على لسانها باندفاع، فقاطعها بصوت محتد: وانتي مش شايفة اللي عملوا ال*** فيا؟

تعكر صفو ملامحها بمزيج من الغضب المكبوت والغيرة اللاذعة، ليظهر ذلك جليًا في نبرتها بعتاب جارح: غضبك خلاك تغلط.. وأهو علم عليك وعمل فيك زي ما عملت فيه.. هو مش النوع اللي بيخاف وينسحب زي ما كنت فاكر.. لا دا كمان استغل اللي حصل لمصلحته وأبريل بايتة في بيته من ليلة إمبارح.

مرارة خانقة تشكلت في حلقها، وهي تنطق العبارة الأخيرة التي تثاقلت بحجم خيباتها، تشعر للمرة الثانية أن امرأة أخرى تتربع على عرش كانت تتوق لأن يكون ملكًا لها، وكأن الزمن يعيد لها ذكريات الخسارة والألم بتحدٍ قاسٍ، لتسترجع في ذهنها مكالمتها معها بالأمس، ثم كلمات ابنها عمر، الذي أخبرها هذا الصباح أن أبريل ليست في غرفتها منذ ليلة الأمس.

غير منتبهة إلى معالم مصطفى التي اشتعلت بجمرات الغضب بعد خروج هذه الكلمات من فمها، وكأنها طلقات نارية في جسده ثم ما لبث تجعدت تعابيرها بالاستنكار حينما استمعت إلى صوته الأجش ذو النبرة الخطيرة: فعلاً كنت غلطان لما سمعت كلامك وفضلت ساكت عليهم.. لحد ما بقت على ذمته وقدام عيني.. بس مش أنا اللي أسيب كلب زي دا يعلم عليا.. هو وأختك ووديني لأكون قالب حياتهم جحيم.

انتفض جسدها من حدته، لكنها تمالكت نفسها سريعًا عابثة في خصلاتها، محاولة أن تظهر الاستخفاف الحاد في وجهه عبر الشاشة، وبنبرة تحمل الشماتة قالت: والله أنت اللي ما حسبتهاش صح.. دا غير إنك عملت اللي عملته من غير ما ترجعلي. _بلاش الشويتين دول يا ريهام.. أنتي بس متضايقة من اللي حصل في حبيب القلب.. بس مش معنى كده تنسي روحك وأنت بتكلميني. أخذ مصطفى لحظة ليلتقط أنفاسه الثائرة، ثم أضاف ببرود قاسٍ:

لو مالكيش مصلحة ما كنتيش دخلتي في الجيم من الأول.. إحنا كان بينا اتفاق أخلصك من الشيكات اللي على أبوكي وديون أمك بمجرد ما أبريل ترجع لي ندمانة، بس الظاهر إني هلغي الاتفاق دا!! ضربت ريهام بكفها على الفراش، وهي تنفث زفرة حارة، لترد بنبرة تحمل غضبًا حادًا: أبريل ممكن تكون غلطت.. بس أنت كمان مش ملاك، ولو هترجعها ليك يبقى من غير ما تمس باسم بأي أذية!!

_دا كان قبل ما الهانم تروح تبات عند الحيوان دا.. لكن من دلوقتي خلاص كل هدفي بقى إني أدمر كل اللي يخصوا باسم وأبريل.. لحد ما تيجي راكعة تحت رجلي وأكسرها.. ما فيش حد مش هيطوله الأذى حتى أنتي يا ريهام. قال عبارته بنبرة تفيض بالقسوة والشراسة، ثم انقطع الاتصال تمامًا حالما أغلق شاشة الحاسوب، فتململت ريهام في مكانها، وشعور الخوف يتوغل في قلبها من تهديده، وهي تدرك أن الجميع سيصبح في خطر حقيقي أمام هذا المختل. في منزل باسم.

كانت الشمس تسلل خيوطها الذهبية عبر النافذة المفتوحة، وتجلس أبريل وباسم على طاولة تتوسط الصالة أمامهما أكواب من عصير البرتقال الطازج، وبعض الأطعمة الخفيفة التي تناسب وجبة الإفطار، حتى قطعت أبريل الصمت بقولها المفاجئ ناظرة له بعينين مليئتين بالتردد والفضول: هو أنا ممكن أسألك سؤال؟!

كانت نبرة صوتها متوترة، تشبه خطوات طفل يخشى أن يعبر عن مشاعره الحقيقية، في تلك اللحظة، لم تكن تسأل فقط، بل كانت تبحث عن إجابة قد تكون مفتاحًا لراحة بالها، إجابة تتعلق بما يخفيه باسم في قلبه. _طبعًا.. خدي راحتك. قالها باسم بنبرة ثابتة وواثقة، لكنه كان يشعر أن السؤال التالي سيحمل شيئًا أعمق من مجرد استفسار عابر، فهزت رأسها قليلًا وكأنها تجمع شجاعتها للسؤال التالي: أنت عمرك.. حبيت.. حب حقيقي؟

كلماتها خرجت كحبات المطر الأولى في يوم شتوي بارد، بطيئة وثقيلة، ونظراتها متشبثة بعينيه، تتوق لمعرفة حقيقة مشاعره القديمة تجاه أختها، هل لا تزال تلك المشاعر تسكن أعماقه؟ ورغم أن طرح هذا السؤال قد يبدو، وكأنه طوق نجاة لقلقها المكبوت، إلا أنها تدرك في أعماقها أنه قد يفتح أبوابًا لدوامة جديدة من عذاب يشعل نارًا خامدة في قلبها، قد لا تستطيع كبحها إذا اندلعت.

_ما أقدرش أقول عليه حب حقيقي.. عشان دايمًا الحب الأول بيكون عفوي ومشاعرك على طبيعتها.. بس دا كان حب قديم.. ومن زمان أوي. هكذا نطق بجملته، التي تحمل في طياتها صدى الماضي بلا مبالاة، وهو يقطم قطعة من التوست في فمه، في تلك الأثناء لم تعد فقط تبحث عن حقيقة الحب القديم، بل عن مكانها هي في حياته، لذا سألته بصوت متردد، ولكنه مكتظ بالتحدي الخفي: مش يمكن لسه الحب القديم دا جواك؟ عشان كدا مش قادر تعيش حب جديد؟

كانت كلماتها تلقى كحجر في ماء هادئ، تولد دوامات من التساؤلات في قلب باسم من اهتمامها الواضح بهذا الموضوع، لكنه هز باسم رأسه ببطء وأجابها بنبرة مفعمة بالتوازن والهدوء: ما أظنش.. عشان المشاعر بتتغير في كل مرحلة من حياتنا وبننضج.. اللي كنا شايفينه مناسب لينا إمبارح.. ممكن ما يناسبش تفكيرنا وأهدافنا ورغباتنا النهاردة.

مع كل إجابة يقدمها كانت تشعر بأنها لا تزال بحاجة إلى المزيد، لكنها لم تستطع إخفاء ابتسامتها التي حملت مزيجًا من الاستغراب والإعجاب في نبرتها الرقيقة: بتعرف تقول كلام موزون. رفع باسم حاجبيه ممازحًا، وهو يحاول كسر التوتر المتصاعد بينهما قبل أن يتجرع من كوب العصير: هو كنتِ شايفاني تافه أوي كدا؟ ضحكت أبريل بخفة، وتجنبت عينيه لثانية، ثم ردت بتمهل، وكأنها تختار كلماتها بحرص: مقدرش أسميك تافه..

ممكن سطحي وبتاخد كل حاجة بالتريقة والهزار، ومعظم الوقت بتكون ساخر. أومأ باسم برأسه موافقًا على هذا الوصف جزئيًا، قائلًا بابتسامة جذابة: "يمكن لأن التفكير الزايد بيتعب ويعطل." كانت هذه الجملة بمثابة مفتاح لفهم جزء كبير من شخصيته، حيث يفضل السخرية كوسيلة لحماية نفسه من الغوص في مشاعر قد تكون مؤلمة أو مرهقة، لكنها لمست استعداده البائن للإفصاح عن مكنوناته معها تدريجيًا. "وأنتِ لسه للحب القديم مكان جواكِ؟

أعادها سؤاله الجاد إلى الواقع، بهدوء يتناقض مع العاصفة التي تأججها الغيرة في ثنايا صدره، بينما تجلت دهشتها في اتساع عينيها ورفع حاجبيها، فلم تكن تتوقع هذا السؤال المباشر. نظرت للأسفل للحظة، ثم رفعت رأسها، وأخذت نفسًا عميقًا، لترد بنفس صيغة إجابته المبهمة: "كل ما بنكبر أكتر بنحتاج لإنسان يفهمنا ونحس معاه بالأمان وإنه السند.. خصوصًا إن دي هي الحاجات اللي طول عمري كنت مفتقدها." التقطت أنفاسها لثوانٍ، مستطردة

بجدية لا تخلو من النعومة: "بس بعد بحث ومعرفة أكتر اكتشفت إننا لازم نتصالح مع نفسنا ونتشافى من جروح الماضي الأول.. عشان ييجي لحياتنا الإنسان الصح.. وإلا هنفضل نجذب اللي عندهم نفس احتياجنا." شبك باسم قبضتيه تحت ذقنه، مرتكزًا بمرفقيه على الطاولة، بينما ارتسمت على شفتيه شبح ابتسامة إعجاب، ثم غمغم بنبرة شبه مازحة: "بتقولي كلام خطير أوي." ارتفعت ضحكتها الرقيقة تأسر قلبه بأنغامها الساحرة.

تسللت الكلمات من شغاف قلبه، لتنساب بنبرته العميقة المفعمة بالشغف، مثل لحن بديع يثير دقات قلبها برقة: "كل شوية بتظهر فيكِ تفاصيل بتجنني أكتر.. وبتخليني ما أحسش بنفسي وأنا معاكِ.. فيكِ جاذبية عجيبة بتشدني ناحيتك زي ما تكوني حتة مغناطيس ما بتخلينيش قادر أسيطر على روحي وأنتِ قدامي."

أنهى عبارته بابتسامة مهلكة تعلو شفتاه، وأمسك يدها برقة عبر الطاولة، كأنه يربط بين قلبيهما بخيوط من الهيام. توردت وجنتاها بلون قانٍ يشبه أزهار الربيع المتفتحة، بينما عضت على شفتها محاولة تغيير الموضوع بسرعة، وهي تسحب يدها برفق من تحت كفه: "ممكن نكمل فطار؟ لمعت عيناه بعشق يسرى في شرايينه، وهو يعقد ذراعيه أمام صدره متسائلًا بهدوء: "ماشي، قولي لي تحبي تعرفي إيه تاني عني؟ "مش على بالي حاجة معينة.."

هكذا أجابته بصوت غير مبالٍ قبل أن يطرأ في ذهنها أمر ما، فصمتت ثوانٍ تستجمع شتات أفكارها، ثم سألته بنبرة يتخللها القلق الخفي: "بس ممكن مثلًا تقول لي إيه هي أكتر حاجة ممكن تخليك تكره إنسان وما تحبش تعرفه تاني؟ استغرق باسم لحظات في التفكير قبل أن يجيبها، وعيناه تلمعان بشيء من الجدية: "الخيانة."

"عارف هتستغربي يعني عشان علاقاتي السريعة كتير.. أيوه ما حبيتش ولا واحدة فيهم.. بس تعرفي ما حاولتش أخون ولا واحدة يعني ما بقاش مع حد وأروح أعمل علاقة تانية بغيرها.. فأكتر إحساس يعصبني ويطلعني عن شعوري وتخليني أقفل باب التفكير في إنسان هي إنه يحسسني إني مغفل وبيتلعب بيا من ورا ضهري."

رده الحاسم ارتطم بها كمرآة تعكس طباعها، فهو يفكر بطريقتها، وهذا جعل قلبها يخفق بجنون، وكأن طبولًا صاخبة تدوي في صدرها. أفكارها تداخلت كضباب كثيف يحجب الرؤية، لتتأرجح بين رياح التوتر وعواصف التردد، إذ لا تعلم كيف ستكون ردة فعله عندما يكتشف ما هي على وشك القيام به اليوم. "سرحتِ في إيه؟ سألها بنبرة فضولية، حاولت الرد لكن الكلمات علقت في حنجرتها: "أنا...

امتدت أصابعها المرتعشة لالتقاط الكوب، ليفلت من يدها لا إراديًا ووقع على الأرض، مما أحدث صوت تكسير عالٍ متناثرًا إلى شظايا صغيرة، مما جعلها تجفل لوهلة، ثم انتفضت من مكانها قائلة بتوتر: "أنا آسفة.. ما قصدتش." "عادي.. فداكِ." نظرت إلى ابتسامته الهادئة بعينين مهزوزتين بعد أن أصبح بجانبها، ممسكًا يديها اللتين ترتجفان بشكل ملحوظ: "مالك اتوترتِ كده ليه؟

شعرت بنظراته كأنها تخترق جدران قلبها الخفية، فابتسمت ابتسامة باهتة، محاولة التظاهر باللامبالاة، وهي تتوجه نحو الكرسي حيث تركت حقيبتها النسائية: "أصلي اتأخرت على الشغل.. يعني يا دوب أطلب أوبر وأروح." اقترب باسم منها بنظرة ماكرة في عينيه، وكأنه يرى فرصة لتأجيل مغادرتها، قائلًا بهدوء: "ليه أوبر؟ خدي عربيتي روحي بيها." "إزاي وأنتَ... قاطعتها ضحكته الجذابة، وهو يرفع يده ليوقفها عن الكلام: "هأروح فين بوشي ده؟

وبعدين كده أضمن إنك هترجعي بالعربية عندي عشان نتغدى سوا ونكمل اليوم مع بعض." "أنتَ أستاذ في التخطيط." ردت بمزحة محاولة السيطرة على خجلها، فابتسم باسم كاشفًا عن نواجذه، رافقت جملته العابثة غمزة شقية: "أستاذ في حاجات كتير.. وبكرة تتأكدي بنفسك." مال عليها قليلًا وهو يتحدث، متكئًا بكفه على ظهر الكرسي خلفها، مشعلًا بينهما شرارة شوق لا يمكن إنكارها. "باسم بطل التلميحات السفلة بتاعتك دي!

لم تستطع إخفاء نغمة الارتباك الخجول الذي يتسرب إلى صوتها بينما دنا بجسده الذي يتحرك لا إراديًا كخيط مشدود نحوها. عيناه لا تفارق شفتيها المتوردتين اللتان تألقتا بلمعان مثير من تمرير لسانها عليهما بتوتر، كأنها ترسم لوحة حية من الإغراء، أشعلت في جسده رغبات تحبس الأنفاس في صدره، فتتأجج براكينه مهددة بالانفجار. انبعثت نبرته مفعمة بشغف مفتون:

"عارفة لو فضلتِ تقولي اسمي بالطريقة دي وتمصمصي شفايفك كده.. مش هتتحركي أبدًا من هنا.. وسفلتي وقتها هتطلع بجد." اتسعت حدقتاها بصدمة خجولة، فابتعدت قليلًا وهي تشعر بحرارة مشاعره تسربت إلى وجهها فألهبته، ثم أطلقت تنهيدة خفيفة رفقت لجلجتها المرتبكة: "كلامك ده بيوترني على فكرة وأنا كده هتأخر...

أنهت كلماتها بسرعة، تتحرك نحو باب المنزل، فاتبعها بخطوات هادئة وثابتة، محاصرًا جسدها بينه وبين الباب، وجعلها تلتفت نحوه، فنظرت بتردد إلى عينيه الغارقتين في تأمل عميق بها. "ليه كل ما أكون عاوز أعبر لك عن مشاعري ناحيتك بتهربي؟ وليه بتبقي حلوة أوي لما بتحمرّي وتتوتري كده؟

سألها باسم بصوت خافت، يحمل عبق الشغف والافتتان، نفذ إلى أغوار روحها، يشعله بحرارة ساحرة. أطلق زفيره الحار بجانب أذنها، لابسًا شفتيها بنعومة بإبهامه، مستطردًا بابتسامة: "طيب عارفة إن التوتر بتاعك ده دليل على إن قلبك بيتحرك ناحيتي زي الإكسبريس.. مهما عاندتِ إنك توقفيه أو تتحكمي في دقاته هيكمل في طريقه ليا.. بطلي معافرة في نفسك... وفيا."

رفرفت خفقات قلبها كفراشة مأسورة تحت سحر همساته التي دغدغت أعماق مشاعرها. أسدلت جفونها بخدر طفيف حالما اقتربت أنفاسه تلامس شفتيها برقة، ثم أطبق عليها بشفتيه في قبلة هادئة، سرعان ما أشعلت فيها نيران شغفه من تجاوبها الخجول معه، وكأنها أوقدت شرارة في بركان عواطفه الثائرة. "استنيني هنا.. هأجيب لك المفاتيح من جوه وراجع."

همس باسم بخشونة حانية بعدما فصل القبلة التي تركت أثرها في أنفاسه المتسارعة بجنون، ثم غاب عنها لبضع لحظات، بينما ظلت هي في مكانها، تلتقط أنفاسها اللاهثة ببطء، تتلمس بإنشادٍ مسرور آثار قبلاته التي ما زالت عالقة على شفتيها حتى عاد إليها بالمفاتيح، وودعها بعناق حار جعل شيئًا في داخلها يرتعد بألم غامض، فتشبثت به بكلتا يديها كأنها لا ترغب في انتهاء تلك اللحظة الدافئة. بعد مرور ساعة

توقفت سيارة باسم أمام مبنى راقٍ، ترجلت أبريل تسير بخطوات متوترة، قلبها يتراقص كفراشة حبيسة تضرب جناحيها على جدران صدرها، لكنها تعلمت إخفاء هشاشتها خلف قناع الصلابة والتهكم. رفعت رأسها بثقة، وهي تتقدم نحو الداخل، تصعد إلى الطابق الموجود به شركته، ثم تقدمت نحو السكرتارية تطلب منها إذن للدخول، فرفعت سماعة الهاتف، لتتحدث بتردد ملحوظ: "أيوه يا مستر مصطفى.. مدام أبريل موجودة برا وعاوزة تقابل حضرتك."

أغلقت الخط بعد ثوانٍ قصيرة، ثم نظرت إلى أبريل بابتسامة مهنية: "اتفضلي." مستر مصطفى منتظر حضرتك في مكتبه. شكراً. قالتها أبريل بابتسامة صفراء بعد أن لاحظت نظراتها المدهوشة من قدومها الجريء إلى عرين الأسد، لتتأكد من متابعة أخبارها باهتمام، خاصة بعد مناداتها بلقب مدام.

قدماها تتحركان بثبات ظاهري نحو الباب، أخذت نفسًا عميقًا وهي تفتحه، نظراتها تلاقت مع عينيه اللتين كانتا تشبهان شظايا الجليد، مسلطة عليها بجمود من خلف مكتبه. جيتي ليه يا أبريل؟ سألها بصوته الذي خرج باردًا قاسيًا، كما لو كان ينحت الكلمات على حجر. ثبتت عينيها عليه بهدوء دون أن ترمش، وابتسامة جانبية ارتفعت على شفتيها المكتنزتين مجيبة بنعومة مثقلة بالسخرية: جيت أتفرج على الراجل الوقور وهو بيتحول لراجل عصابات وقاطع طريق.

وقف مصطفى من خلف مكتبه ببطء، ثم اقترب بخطوات واثقة، شعرت ببرودة جسده المهيبة تحيطها، وهو يلتف حولها مثل نمر يدرس نقاط ضعف فريسته، كتمت أنفاسها تلقائيًا، كأن رائحة الخوف ستفوح منها فتصل إلى حواسه المتأهبة لالتهاهما بلا رحمة. تابعت حركات مصطفى بزاوية عينيها، بينما وقف خلفها مباشرة، وصوته المنخفض تسلل مثل السم يملأ الجو بخبث شيطاني وهو يسألها: وأنهي واحد فيهم عجبك أكتر؟

أنت زودتها أوي بتصرفاتك اللي بقت خارجة عن السيطرة... صوتها كان مزيجًا من التحدي والاستهجان، وهي تستدير نحوه بنفاذ صبر، ثم صاحت تردف: فضلت ساكتة عن قسوتك وتهديداتك وعداوتك لحد ما وصل بيك الحقد والكره تعمل اللي عملته إمبارح... بأي حق؟ ضاقت عيناه قليلًا، بينما لمعت في صوته نبرة غضب: بتلوميني على إيه وأنت السبب في ده كله؟

أشار بقبضته أمام وجهها يعتصرها بقسوة، معتبرًا تحديقها فيه تحديًا مستفزًا بحد ذاته، وهذا زاد من تصاعد حقده المكتوم، وتابع من بين أسنانه المطبقة بعنف: تعرفي... لولا إني كنت متمسك بآخر ذرة عقل في راسي كنت خلصت عليه. ألسنة الحقد المتأججة في سواد عينيه أنبأتها بأن العناد لن يجدي معه نفعًا، فخفضت نبرتها بهدوء لتفادي اشتعال ما هو أخطر: كفاية كده يا مصطفى... وقف الحرب دي لو سمحت... وقفها.

نبرتها حملت صدى من رجاء خفي انعكس في عينيها اللامعتين، ليميل برأسه متفرسًا فيها بعينين ثاقبتين، ثم بسؤال قاتم مليء بالتهكم قال: الدموع اللي جوه عيونك دي... خوف مني ولا خوف عليه؟ تنفست أبريل بصعوبة، وخرج صوتها هادئًا، لكنه مثقل بالتوتر: أنا كل اللي عايزاه منك تنهي العداوة دي... أنا معنديش القوة عشان أحاربك وأتحداك زي ما أنت فاكر... أنا مش زيك... بحاجب مرفوع من كلماتها التي استفزته، قاطعها بضحكة ساخرة، وبلهجة

لاذعة كحد السيف قال: ما تضحكيش على نفسك... أنت زي بالضبط ما تفرقيش عني حاجة. تلاشت صدى ضحكاته في الهواء، ثم بعينين تشتعلان غضبًا اقترب أكثر منها، ليواصل بهسيس حاد: زودي على كده إنك أنانية وغدارة... وخاينة!!!

ابتلعت ريقها بشق الأنفس من كلماتها التي طوقت عنقها بعقد من الشوك السام، سلب منها القدرة على التفكير للحظات، وقفت في مواجهته تمتزج نيران حقده الحارق، مع نار التمرد المتأجج بتحدي متوهج على أمواج عينيها الفيروزية المستهجنة في صراع مستعر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...