الفصل الثامن والعشرون (أريدك في فراشي الليلة) وفي خضم الصراعات، وجدتها خلاصي من كل ما أشعله الحقد والانتقام في روحي المحترقة، بعد أن توغلت دون أن أشعر في هويد ليلى تضيئه بفيروزيتيها المستهجنة ببريقٍ استثنائي، طالما انطوى كياني كله إلى العثور عليه. في غرفة نوم باسم
مالت أبريل بجذعها العلوي نحو باسم على حافة السرير، تثني ركبتها تحتها وتتكي بيدها على كتفه العريض بتلقائية لتتوازن، بينما تسارعت دقات قلبه وهو يتململ برأسه على الوسائد العديدة بدون استرخاء، يرفرف برموشه في توتر وتيه من شدة قربها المهلك لأعصابه، وعبيرها الفاتن يغطي بجبروت على رائحة مطهر الجروح الذي تستخدمه مما لا يساعده على الثبات، بالإضافة إلى لمساتها الرقيقة التي تشعل لهبًا حارقًا في أوردته، وهي تمررها بقطنة على وجهه، غير منتبه لنظراتها الحانقة من حركته المستمرة لا شعوريًا، غير مدركة للحرب التي تشن أسلحتها المدمرة على كيانه حتى فاجأها بلف قبضته حول معصمها، يمنعها من الإكمال، ويضع يده الأخرى على عينه اليسرى، ليصرخ متألمًا
يحذرها: اخ .. حاسبي بتحرق! وزعت أبريل نظراتها بتعجب بين يديهما المعلقتين في الهواء قبل أن تسحب يدها منه، لتهتف بسخط: لو غمضت عينك مش هتحس بحاجة. ارتفع باسم بجذعه قليلًا، محاولًا إخفاء التوتر في جسده، محدقًا فيها بعين واحدة، مدمدمًا بامتعاض: ولو مكنتيش هربتي من الأول ما كانش ده كله حصل. حدجته بحاجب مرفوع استنكارًا قبل أن تجيبه بكبرياء أنثى: لو ما كنتش وقفت في طريقي كان زماني دلوقتي في دبي.
هتف باسم بحدة مفعمة بالسخرية، بما يغذي غيرته بالظنون، ووساوس الشياطين التي تحرقه بنيران مستعرة: أو عند حبيب القلب القديم في المنصورة. وصلها مغزى جملته، منعشًا ذاكرتها بكلماته الجارحة في شجارهما الأخير، فتصاعدت ألسنة الغضب في ذهنها، وبدون تفكير، دفعته في صدره حتى تمدد أمامها، ثم أخذت كيس الثلج من على الطاولة، وضغطت بعدائية على أعلى خده، فتجعدت معالمه متأوهًا غيظًا واستنكارًا: آه بتستغلي الموقف .. خفي إيدك شوية.
لو مش عاجبك خد اعمل لنفسك. قالتها أبريل بتحدٍ بارد، ووضعت كيس الثلج في يده، فاعتصره بقوة مسببًا ألمًا حارقًا في باطن كفه، ثم رفعه إلى وجهه العابس، قائلًا بضيق ممزوج بالتقريع: بقى كده هو ده جزائي عشان كنت بحاول أحميكي؟! كان من باب أولى تحميني من نفسك. زوى باسم بين حاجبيه بعد أن فهم ما تعنيه بإجابتها المباغتة، التي تسببت في وخزة مؤلمة شقت منتصف صدره، فثبّت نظراته عليها، ليسألها بهدوء مفتعل:
هو لما أنتِ شايفاني ذئب بشري كده .. ما وافقتيش ليه على سفر دبي؟! أربكت نبرته المتكدرة أحشائها، لوهلة ندمت على تسرعها، فلم تجد صيغة للرد تبرر شعورها بالخوف عليه والانزعاج منه، فتظاهرت بالتذمر في قولها متثبتة كيس الثلج على وجهه: أهو اللي حصل. عض باسم شفته السفلى بيأس متألمًا من ضغطها الشديد على خده لا إراديًا منها، فحذرها بحدة: بطلي الغل ده بقى. عند عز خارج الغرفة
وقف عز على شرفة البيت الخارجية، متكئًا على سياج الزجاج، وهو يتحدث عبر الهاتف بصوت هادئ. أهو لسه واصلين عنده في البيت من شوية .. ما رضيش يروح مستشفى ولا حتى خلاني أكلم هالة مع إنه واخد علقة محترمة. سكت عز عن الحديث، يستمع لما يقال من الطرف الآخر قبل أن يدوي صوته بانفعال طبيعي، ليروي له تفاصيل ما حدث:
وهو اداني فرصة أفهم حاجة يا خالد .. أنا لقيت واحد الجارد بيتصل عليا بيقولي باسم بعت لهم رسالة بلوكيشن ومحدش يقرب لمراته .. فاتصلت على تليفونه مقفول لما رنيت على التليفون الاحتياطي رد عليا قالي مكانه نزلت أجري على عنده ولما وصلت له كانت الحتة مقطوعة وهو متكوم مش قادر يسوق. تلقى استفسارًا من خالد جعله يلوى فمه بنزق صدح في رده: وإحنا من إمتى بنعرف اللي ناوي عليه؟! ما هو دايمًا بيفاجئنا بالمصايب وبعدين بنشوف لها حل.
تنهد عز بضيق ممزوج بالإنهاك، فهو لم ينل قسطًا من الراحة بعد وصوله من سفره، وما إن أنهى خالد جملته حتى أخبره نافيًا بإيجاز: لا مفيش داعي تيجي وما تقلقش لو في جديد هكلمك. في غرفة باسم وضعت يدها على جبينه، لتجدها مثل الجمر المشتعل، فتساءلت بغرابة: من إيه الحرارة دي؟! دور برد من يوم اليخت. طرقات هادئة على الباب، قاطعت استفهامها عما يقوله، أتبعه دخول عز، ليسأل بهدوء: إيه الأخبار؟! عامل إيه دلوقتي؟! تمام.
تبادل عز وباسم نظرات مبهمة لم تفهمها أبريل، فصفّت حلقها مستفسرة: مفيش هنا دواء خافض للحرارة؟! لا. نهضت من مكانها لتقف عند رأسه، ثم أخبرته بصوتها العذب: طب هكلم أقرب صيدلية يبعتولنا. وبعد أن غادرت الغرفة، طوى عز ذراعيه على صدره، مشيرًا برأسه، قائلًا باستفهام: فهمني ليه ما كلمتش الرجالة تيجي على عندك بدل ما تسيبهم يعملوا فيك كده؟! لما لقيت عربية مصطفى ورايا ما فكرتش .. بعتهم على عندها على طول كنت حاسس إنه هيغدر وحصل.
بينما كان باسم يشرح له ما حدث له، سار عز نحوه ليرمي جسده على السرير بقوة بجانبه، فصرخ باسم من الألم الذي نخر عظامه من جلافة الآخر: آه يا أخي حاسب أنت كمان! مرر عز بصره فوقه، بفم مقوس، متصنعًا بالأسى في سؤاله الساخر: شكل إيديهم كانت تقيلة حبتين هما كانوا كام واحد؟ نفخ باسم الهواء من فمه بنزق: يووه مش ناقصك. وضع عز سبابته وإبهامه تحت ذقنه، مفكرًا قبل أن يستفهم بسماجة: طيب هتداري من صلاح إزاي بخلقتك دي؟!
دي هتاخذ لها مش أقل من يومين على ما تتظبط. رمقه باسم من زاوية عينه، متجاهلًا استفزازه له، وقال بلا مبالاة: فكك مش ده اللي شاغلني من أصله .. أنت رجعت إمتى من سفرك صحيح؟! رد عز على سؤاله بهدوء: لسه من كام ساعة .. المهم ناوي على إيه مع مصطفى؟! نظر باسم إلى الأمام يتنهد بهدوء، ثم أجابه بغموض: بعدين هتعرف. هدوئك مش مريحني .. بلاش تتسرع خلينا نفكر نرد اللي عمله فيك بال... باسم مقاطعًا: اللي عمله زمانه بيترد له دلوقتي.
اعتدل عز على الفور مستجوبًا إياه بحيرة مرتابة: يعني إيه مش فاهم؟! عند أبريل وقفت داخل مطبخه الإيطالي تعد له الشاي، عيناها تجوبه في إعجاب بتصميمه الرائع قبل أن تتكى على الطاولة خلفها، وتغمض جفونها في استرخاء وترفع رأسها للأعلى.
أضاف الصمت من حولها الكثير من الأفكار إلى ذهنها لتطلق تنهيدة طويلة من صدرها الذي وضعت كفها عليه، تستشعر نبضاته المضطربة بمشاعر متضاربة في أغوار خُلدها حائرة بشأن أمره، لا تعرف هل هو ملاذًا لها أم هلاكًا لها، عندئذ تصاعدت الدموع في عينيها، وهي لا تزال تشعر بقلبها ينزف بعد أن نهشها بأنياب كلماته السامة في المرة الأخيرة التي جرحتها في الصميم. في الوقت نفسه، لم يفعل لها من قبل ما فعله هذا الرجل الباسم.
بدأ عقلها يتذكر مواقفه السابقة معها، بدءًا من مساعدته لها وإنقاذ حياتها، وصولًا إلى دفاعه عنها وحمايتها أمام الجميع، وتعريض حياته للخطر اليوم. أحاطت بها الأسئلة في حيرة من كل جانب، لم تستطع أن تتغافل عن ارتيابها القوي تجاهه. هل هو ممكن أن ذئبًا مخادعًا مثله قد يتحول إلى حامٍ لها في بضعة أشهر بسيطة؟
لكن دقات قلبه الهادرة ونبرة القلق عليها في صوته المرتجف الليلة وهو يحتضنها بين ذراعيه بلهفة، تتنافى كليًا مع أفكارها السلبية عنه. زفرت ببطء قبل أن تلوح ابتسامة مرتبكة على شفتيها، وهي تشعر بالسعادة الممزوجة بالقلق عليه لما فعله مصطفى به، وعلى الفور فوجئت بوخزات متتالية في قلبها بعدم الارتياح.
أخرجها أزيز هاتفها من أعماق أفكارها المظلمة، فالتفتت بسرعة وأخذته من على الطاولة، لتتفاجأ باسم ريهام يضيء الشاشة، صفّت حلقها بخفة لتخفي توترها قبل أن تضغط على زر الرد. عند باسم رن ضحك عز في الغرفة مندهشًا مما فعله باسم بعد أن غادر مصطفى، تاركًا إياه مع رجاله في وسط الصحراء. _يا ابن الأبالسة يعني ثبت رجّالته.. ووافقوا يعملوا كدا... !!! _قدام الفلوس محدش بيقول لا.. ولا اترددوا لحظة واحدة وافقوا من غير فصال.
هتف عز بنبرة متحمسة: طبيعي يوافقوا الرقم للي هتدفعه ليهم مش شوية.. بس أنا أدفع أي مبلغ وأشوف شكله بعد للي هيتعمل فيه. ضحك باسم بخفة، وهو يخبره بابتسامة لا تخلو من الغموض: من غير ما تغرم نفسك مليم. رفع باسم هاتفه من جانبه، وضغط عليه لبضع لحظات، يراسل شخصًا ما، ثم سلمه إلى عز، الذي أخذه منه بنظرات مرتبكة قبل أن تتسع عيناه ذهولًا عندما رأى باسم يفتح مكالمة فيديو عبر الإنترنت على الشاشة، تلاها صوت مصطفى
الغاضب يصرخ بعدم تصديق: إيه اللي بتعملوه دا يا شوية **** أنتوا اتجننتوا؟!!! صرخ مصطفى بجنون غاضب محاولًا سحب ذراعيه من هؤلاء الرجال الذين يقيدونه من الجانبين في شارع مظلم ليس بعيدًا عن منزله. رفع عز بصره نحو باسم مغمغمًا بانشداه متعجب: إيه دا؟
اتسعت ابتسامة شيطانية على ملامح باسم، كانت أبلغ رد على هذا السؤال، يستمع بصمت إلى أنين مصطفى من الألم فور أن وجه له رجل ضخم لكمة قوية تلتها أخرى في وجهه، ثم صرخ بألم أكبر عندما ضربه الرجل بركبته في بطنه، جعلته يحني ظهره يضغط على أسنانه بقوة، لكنه توقف عن الشتم بمجرد سماعه صوت باسم الواثق مفعمًا
بالاستهانة: حبيبي يا درش ما هنتش عليا أسيبك تنام الليلة وأنت فاكر نفسك غالب.. قولت أمسي عليك بتحية على الماشي كدا.. بس عشان فكرت تنكشني.. تابع باسم بخشونة قاسية النبرات ممزوجة بتحذير سافر: وقسمًا بعزة وجلالة الله مرة تانية عقلك يوزك تبص عليها من بعيد بس لا أخليك تتمنى الموت على أنك تعيش زيك زي أجدعها نعجة في الزريبة للي متربي فيها.. فاكرها قبل ما ربنا يفتح على أبوك وتنسوا أصلكم.
استشاط مصطفى غضبًا من إهانات باسم المحتقرة له، ليصرخ مهددًا: أنا هربيكم يا شوية ****. _سامحنا يا مصطفى باشا.. إحنا مالناش في اللي بينكم.. كلنا عندنا بيوت مفتوحة.. وإحنا مع اللي مصلحتنا أكبر معاه وهو دفع لنا أكتر. قالها أحد الرجال بصوت غليظ مشوبًا بالرجاء قبل أن يغادروا المكان جميعًا في سيارة سوداء ضخمة، مما تسبب في صمت مميت يسود حول مصطفى، الذي سقط جسده على الأرض في إرهاق شديد قبل أن يدوي
صوت باسم في برود هازئ: نصيحة يا درش ابقَ بحبح إيدك مع رجالتك الجداد أصل شكلك كنت منشفها على الغلابة دول أول ما سمعوا المبلغ نسوا اللي خلفوك والصراحة يستاهلوا للي هياخدوه عملوا كل اللي وصيتهم بيه بالحرف. هتف عز باستهزاء غلف صوته من خلال شاشة الهاتف: تعيش وتأكل غيرها يا أبو الدراويش. مسح مصطفى العرق المتصبب من جبينه، وهو يضحك في عدم تصديق لا يخلو من الاستفزاز
من بين أنفاسه اللاهثة: حقيقي حلوة منك فاجئتني طلعت عيشتك برا وسط متسولين أوروبا في السباقات الرخيصة علمتك حاجة. هز باسم كتفيه بفخر ينضح برجولة خاطفة للأنفاس في حديثه، غير مبالٍ بالازدراء في كلمات مصطفى: يلّا أديك عرفت أقل حاجة عند المتسولين شكلها عامل إزاي يا درش.. المرة دي كانت سريعة ما تتحسبش أكيد.. بس لو لسه خيالك مصورك أنك هتقرب من للي يخصني وهقف أتفرج عليك يبقى ذكائك محدود. نطق مصطفى
من بين أسنانه المطبقة بغل: الحساب هيجمع يا ابن الشندويلي. ضحك باسم بقوة تدوي مثل دقات طبول الحرب ثم قال ساخرًا: صدقني ناوي أصفي حسابي معاك وهيحصل قريب أوي بس على الله تبقى راجل لما تعوز تصفي حسابك تيجي لوحدك راجل قدام راجل.. وعلى العموم جدعنة من راجل محدش هيشوفك وأنت بيتعلم عليك والفيديو دا هحتفظ بيه للذكرى في الحفظ والصون.
انطفأت الشاشة في يد مصطفى بمجرد أن انتهت المكالمة، فألقى الهاتف جانبًا، وعيناه السوداوان تلمعان بشراسة، مهسهسًا بلهجة تقطر حقدًا: طيب صبرك عليا يا باسم الكلب أيامك الجاية سودة معايا. في الجهة الأخرى عند باسم _هو مش هيسكت على فكرة. قالها عز بتحذير هادئ، وهو يسير خلف باسم إلى شرفة الغرفة، فأمسك الآخر برأسه متألمًا، هاتفًا بامتِعاض منزعج: بعدين نفكرله يلّا اسكت كفاياك رغي قبل ما ترجع مش عايزها تعرف حاجة.
رن الهاتف في يد عز معلنًا عن اتصال، فنظر إليه قبل أن يخبره: دا عمي صلاح. زفر باسم بضيق: إذا سألوك عني قول لهم بايت هنا. بعد قليل _الدواء وصل. قالتها إبريل بصوت أنثوي عذب من خلفهما بعد أن دخلت الشرفة، متقدمة نحوهما فأخذ الحبة منها بابتسامة سريعة، وضعها في فمه، وابتلع بعض الماء خلفها، فتساءل عز بنبرته المبحوحة عازمًا على الذهاب: طيب محتاجين مني حاجة؟! توجه باسم معه إلى الداخل حتى لا يصل الحديث إلى أذنيها قائلًا
بجدية: ما تنساش تكلم حسان مدير البنك عشان الشيك اللي هيصرفوه الجارد أول ما الصبح هيطلع. همهم عز مازحًا بخبث: أوك.. بقولك ما تيجي نلعب جيم وأهو أبقى بلهيك عن الشيطان و... قاطعه باسم بفظاظة دافعًا إياه نحو الخارج، فأخذ الآخر يضحك بمرح: العبها عند صلاح يا أبو الشهامة هنا مستغنيين عن خدماتك.
اتكأت إبريل بذراعيها على حافة جدار الشرفة، مستمتعة بالنسائم اللطيفة التي أنعشت ذهنها، وداعبت وجهها بلطافة حتى جاء ليجاورها، فناولته الكوب الساخن بهدوء، تشابه مع نظراته التي مرت على ملابسها المكونة من بنطال أسود واسع وكنزة أرجوانية برقبة عالية زادت من جاذبيتها الرقيقة. قاطع باسم تأمله فيها وهو يخفض رأسه نحو الكوب، بجبين مقتطب بعد أن أخذ رشفة منه، متسائلًا بغرابة: طعم الشاي ماله عامل كدا ليه؟ _دا شاي بالزنجبيل.
هكذا جاء ردها ببساطة جعلته ينبس بعبوس: ما بحبش طعمه. رفعت إبريل ذقنها تسلط فيروزيتها عليه، لتتحدث بعذوبة ممزوجة بالجدية: في التعب مفيش بتحب وما بتحبش يلّا اشربه هيريحك. ابتسامة جذابة زينت شفتيه بغمازتين آسرتين، مندهشًا في حبور داخلي بهذه المبادرة الرقيقة منها للاعتناء به، أنزل الكوب عن فمه لوهلة، متسائلًا بهدوء لين: هو دا للي آخرك؟ _جاتلي مكالمة. _من مين؟ _ريهام..
قالت هذه الكلمة بمغزى خفي، قاصدة نصب فخ له، وفيروزيتها تفحص رد فعله بتمعن، بينما أومأ الآخر برأسه يحثها على الإكمال، فأكملت بنبرة لئيمة، وهي تتمايل في دلال أنثوي مقصود: سألتني اتأخرت ليه دا كله برا.. حكيتلها للي حصل.. وبعدين سألتني هترجعي امتى؟ قولتلها هفضل مع جوزي لحد ما أطمن عليه.
صعقته صدمة حقيقية فور أن أنهت جملتها، غير مدرك إلى الخبث الممزوج بالغيرة في طيات سردها، بل اهتدى عقله إلى شيء آخر، فمد شفته السفلى إلى الخارج، متظاهرًا بالتفكير قبل أن يتعجب بسخرية لعوبة: بقت كلمة جوزي سهلة على لسانك دلوقتي وعاوزة تفضلي معايا كمان.. من إمتي الحنية دي كلها!
تشربت وجنتاها باحمرار الخجل الممزوج بالندم على اندفاعها فور أن داهمها برد فعل غير الذي كانت تتوقعه، خاصة أنه لم يظهر عليه أي علامات توتر حين ذكرت اسم ريهام، فخفضت بصرها إلى يديها المتشابكتين خوفًا من أن يكتشف غيرتها، وهي تعي إلى السخرية منها في كلامه، لكنها تابعت بهدوء: اللي أنت فيه دلوقتي بسببي و.. قاطعها بجفاء على الفور: شفقانة عليا يعني! لم يدع لها مجالًا للرد، بل تابع مغلفًا
طبقة صوته بحدة طفيفة: أنا ما أحبش حد يعمل لي حاجة بدافع الشفقة.. اطمني عليا أنا كويس. لانت نبرته في نهاية جملته حين لاحظ ملامحها التي تغضنت حرجًا، لتشيح ببصرها بعيدًا عنه قبل أن تهمس بخفوت: طيب.. أنا هرجع البيت.
استدارت ابريل ومرت من جانبه بهدوء إلى الغرفة، ثم وقفت لحظة، ممسكة بمقبض الباب بشدة، رافعة وجهها إلى الأعلى، محاولة أن تتنفس بعمق لتسيطر على رغبتها في البكاء قبل أن تضغط على المقبض، لتشعر بملمس باطن يده الدافئة ذات الأوردة البارزة فوق الجلد الرقيق لكفها، مخللًا أصابعه بين خاصتها بسلاسة، لتسمعه يقول ببحته الهادئة الرجولية: أوام بترجعي في كلامك مش كنتي هتفضلي معايا! تلفظت أنفاسها بتثاقل، مجيبة إياه بتساؤل خافت
يهدد ثباتها بالانهيار: وأفضل ليه بعد ما حسستني إن وجودي مش مرغوب فيه؟ تحركت أصابعه إلى الأعلى، دافعة خصلات شعرها خلف أذنها، هامسًا بحرارة انتقلت عبر جسده إلى ظهرها، أشعلت لهيبًا في ثناياها، وصل إلى الأطراف، مما أضعف موقفها الدفاعي ضده: زي ما حسستيني لما ما كنتيش بتردي على مكالماتي ورسايلي بالأيام.
أنهى باسم جملته، يدنو منها متكئًا بذراعه الآخر على الباب، لامسًا جلد أذنها بشفتيه من الأعلى ولفحتها أنفاسه الملتهبة، فتدلت جفونها إلى الأسفل بذبذبات طفيفة، لتهمس من بين شفتيها المزمومتين بقهر: عشان كنت قاسي في كلامك معايا. احتدت نبرته الهامسة بجوار أذنها فور أن كرر عقله الحانق كلماتها السابقة: أنتي كمان استفزتيني بعنادك وبكلامك الفارغ اللي قولته.
عبست ملامحها فور أن نطق بهذه الجملة، فالتفتت بجسدها حتى التقت عيناهما بينما قالت شفتاها في استنكار، متهمة إياه: تقوم تجرحني! رغم إنك كنت عارف إني بستفزك ومش قصدي اللي بقوله.. ومضت عيناه الرماديتان بعواصف من غيرته المجنونة، مما جعلها ترتجف بتوتر أمام هيمنة جسده الذي يحاصرها، هادرًا في هسهسة خشنة: مهما كان أنا راجل مش لوح خشب.. ولا هو سهل عليا أسمع مراتي وهي بتقول كانت بتحب راجل تاني قدامي بالطريقة دي..
صمت باسم يلهث أنفاسه بغضب يضاهي انفعالها حالما احتجت بلوم: ده ما يديكش الحق تقولي إني بتنقل من واحد لواحد وأنت ما تعرفش حاجة عني. ساهمت كلماتها المستهجنة في خروج وحوش غضبه الممتعضة، لتدوي بزئيرها الجنوني في سؤاله: وهعرف منين؟ وأمتى؟ وأنتي ما بتتكلميش معايا كلمتين من غير ما تقلب خناقة!!! صاحت ابريل بصوت مرتفع يشوبه اعتراض عنيد: وبأسلوبك البربري ده مش عاوزة أكمل معاك أ..
بتر بقية الجملة على شفتيها عندما انحنى ينهي المسافة بينهما، ممسكًا بفكها بين براثن راحة يده الكبيرة بتملك، مبدلًا مجادلته العبثية معها إلى قبلة حارة، التهمت نيرانها كل غضبها منه في لحظة قبل أن يفك تشابك شفتيهما بتمهل مهلك. أدار باسم وجهه، يمرر خده على خدها الناعم، هامسًا في أذنها بنبرة لينة مليئة بالأسف، يبتر بها يدي المكابرة التي تخنق حلقه عن الاعتراف بما لا
يدعه الكبرياء أن يبوح به: حقك عليا كان غصب عني وعارف إني اتسرعت في اللي قولته.. بس إزاي هشوفه حاضنك وما أتجننش! تابع بلهجة مفعمة بالغيرة، مسلطًا عينيه الرماديتين بعمق في عينيها اللامعتين بإنشداه منه: ما تعرفيش إزاي ولعتي فيا بنار قوية باللي قولتيه.. ما قدرتش أتحكم في نفسي ولا أتحمل فكرة إن في بالك حد تاني. انصهر عقلها في بركة فضيته الذائبة لتهمس دون تردد: بس أنا ما فيش في بالي حد غيرك.
اخترقت الصدمة حجاب عقلها فور أن اندفعت هذه الحروف عبر لسانها، تعكس ما بداخل ثنايا قلبها، ولم يكن حالته أفضل من حالها، حيث تمركزت عيناه على شفتيها المنفرجتين اللتين تحدثتا بما هز كيانه، مما تسبب في زوبعة ضخت مشاعر طاغية في خفقاته المجنونة.
مال بوجهه نحوها ببطء شديد، يتحسس بنعومة شعرها في يده قبل أن يدفعه خلف كتفها، متكئًا بيديه على الباب خلفها يحيط جسدها بذراعيه، ليودع قبلة في غاية الرقة على شفتيها، فاستقبلتها باستجابة وله، لتدوم ثوانٍ معدودة قبل أن تشعر بشفتيه تبتعدان عنها.
ازداد ذوبانه فيها ما إن بادرت برفع وجهها مقابل وجهه في مطالبة صامتة بإعادة الكرة فاستجاب لها بهوادة شديدة تتنافى مع صخب قلبه تلهفًا إليها، ريثما أراحت يدها على صدره الصلب بتجاوب خجول واستسلام أنثوي هش أشعل الأجواء بالدفء حولهما، بينما تتنقل رأسهما يمينًا ويسارًا في تناغم معزوف فوق أوتار نبضات تشتد جنونًا وهيامًا.
أحاط باسم بجانب رقبتها بكفه مثبتًا إياها، وشفتيه تلتهم رحيق كرزيتها الناضجة بشغف حار، لثوانٍ قليلة فقط قبل أن يفصل قبلتهما بصعوبة ما إن لاحظ أنفاسها تتسارع كثيرًا، فخاف على رئتيها من الأذى. تهدلت يديها إلى جانبها، بينما صدره يرتفع وينخفض في إثارة، ولم تكن حالتها أفضل من حالته، ليتمتم بخشونة محببة لأذنيها من بين أنفاسه المسلوبة عشقًا: أنتي كويسة! -تقريبًا؟
تقطعت حروف الكلمة على عتبة شفتيها المبتسمتين بإنشداه عن حالها، وهي تزفر أنفاسها بنعومة على وجهه بلهيب ينبعث من ثنايا صدرها، لتحرقه شوقًا وشغفًا بها، فوضع جبهته على جبهتها، زافرًا بهدوء. خفضت ابريل بصرها إلى الأرض، تستجمع أنفاسها المتحشرجة قبل أن تقول، بتحذير موجهًا إلى نفسها قبل منه: اللي بنعمله ده خطر!
همست بلهجتها الهشة في إغراء غير مقصود، فأشعلت نيرانًا داخل عروقه أشد فتنة بها، تشابكت عيناهما للحظات، فاتسعت ابتسامته المهلكة حتى حفرت غمازتان مثيرتان على جانبي فكه، جعلت نبضاتها تتسابق في افتتان به، ليقول بأنفاس متقطعة مشبعة باللهفة: طول عمري بعشق الخطر. نبست بهمس مماثل لهمسه: وأنا طول عمري ببعد عنه.
أغمضت عينيها فور أن زرع قبلة عميقة وحانية على جبينها، فشعرت بدفء لذيذ كالعسل يتدفق عبر جسدها بالكامل، ليخفض هو وجهه ويمرر شفتيه بنعومة على طرف أنفها، بينما قال بهمسه الأجش والجريء: جربيه معايا المرة دي هتحبيه.. -باسم. لفظت اسمه بدلال عفوي أذابه، فتقابلت الشفتان دون أن يتلامسا، مغمغمًا بحرارة وهو يتشرب أنفاسها بوله: طريقة نطقك اسمي بتعجبني وفي نفس الوقت بتعذبني يا بندقة. بعد مرور فترة وجيزة
داخل مطبخه ذي التصميم الإيطالي -مغمضة ليه؟ حاسة بدوخة! سأل باسم باهتمام، ففتحت عينيها بسرعة، نافية بعد أن كانت متكئة على الحائط بهدوء لا يخلو من التفكير: لا أبدًا.. -هما مين الناس الكتير دول اللي كانوا معاك؟ سألته بفضول من خلف ظهره، وهو يعد لهم القهوة، فأجاب بهدوء: رجالاتي. مطت ابريل باستغراب: ما كنتش عارفة إن عندك جاردات كتير بالمنظر ده.
-دول ما بيظهروش غير لما بكون محتاجهم بس بتوع المهمات الخاصة أصلاً خنيقة فكرة الحرس وأنا بميل للعنف نهائي.. بس يوم ما بكون مضطر بفتح له دراعاتي.
استدار باسم بجسده نحوها في آخر جملة قالها، فاتحًا ذراعيه على اتساعهما بابتسامة جانبية، فأدرك عقلها بسرعة ما يرمي إليه، مطرقة ببصرها إلى الأسفل، وهي تشعر بالخطر يطوق أفكارها بقلق، غافلة عن من سارع بالاقتراب منها، فشقت شهقتها في ارتعاب الأرجاء الساكنة، وهو يحتضن خصرها، رافعًا إياها بخفة وكأنها لا تزن شيئًا بالنسبة له، فطوقت رقبته بكلتا يديها تلقائيًا، ليضعها فوق الطاولة الرخامية ويقف قبالتها تمامًا دون أن يكف عن النظر إليها.
-مش عايزة تبصي لي ليه! خايفة من منظري بعد ما اتحولت مسخ دميم؟ أنهى باسم كلامه، مجعدًا ملامحه بمشاغبة حال أن لاحظها تحدق في كل اتجاه إلا هو، ففشلت في كبت ضحكة تلقائية، رنت أنغامها بنعومة أثارته، وهي تدفعه في كتفه مدعية الغضب، لكن نبرتها خرجت كعتاب جاد: ليك نفس تهزر إزاي وأنت كان ممكن يجرى لك حاجة بسببي النهارده.
قبض على كفها يأسره فوق قلبه النابض بقوة أربكت كيانها، بينما كان عقله يردد عليه كلمات مصطفى الوقحة وتهديداته الماكرة بما قد يفعله لإيذائها، فلم يستطع التحكم في انفعالاته، تاركًا ذئبه يثأر لحمايتها دون التفكير في العواقب، لكنه نفى بنبرة مطمئنة: ما تفكريش كدا. جذبت نفسًا مرتجفًا قائلة بصوت خافت: حياتك اتقلبت من اليوم اللي دخلتها أنا فيه.
أمسك بذقنها بين أصابعه ورفعه، فتشابكت فيروزيتها التائهتين في أعاصير متضاربة تشبه رماديتيه العاصفتين في زوبعة بعثرت دواخله بالشوق قبل أن يتحدث بصوت أجش لا يخلو من الجدية: هي اتقلبت فعلًا بس عشان دا الوقت اللي تترتب فيه بوجودك أنتي معايا يا أبريل. استولت وساوس الشياطين على عقلها الذي صرخ محذرًا إياها من ضرورة توخي الحذر، فتحركت أصابعها لا إراديًا نحو جبينه، تتحسسه برفق، فأغمض عينيه مستمتعًا بلمستها، ليتلاشى شعوره على
الفور بعد أن تكلمت بتردد: هي دي تخاريف من حمى ولا دي كمان تمثيل؟ _عشان بحبك.
صوت بداخله تمتم بهذه العبارة دون أن ينطق بلسانه، فكان هذا هو التفسير الوحيد لكل انفعالاته الضارية، وليتها تشعر بضجيج الحروب العنيفة في ثنايا صدره وتلهفًا عليها، وخوفه الشديد عليها كي لا يمسها أذى يكاد يصيبه بالجنون، كل ذلك يثبت له بما لا يدع مجالًا للشك أنها عبرت أعماقه التي لم يطأها أحد من قبل، فبات مغرمًا بهواها، وحالة من العذاب عزفت ألحانًا تمتزج بالشوق داخل قلبه، لكن لا شيء في متناوله سوى عذرها، فهو على يقين أن ثقتها بمن حولها تمزقت، كما يعلم أن اسمه محفور على جدران بوابة المنافقين داخلها بنقوش نارية تحرقه الآن بقسوة.
فإذ بصوت العقل يطرح عليه سؤالًا بإنشداه من أمره: متى أصبحت لها عاشقًا معذبًا بنارها المتمردة؟ فبادر القلب بالرد عليه: ما العيب في انهيار قيود السلطة ليتحرر غرام مقدرًا له أن يتدفق بسخاء؟ لقد حان الوقت لإسكات منطقك المتجبر، فنحن في حاجة ماسة إلى استراحة محارب، دع عواطفي الجياشة تتولى زمام الإدارة، لأجعلها تشعر بمدى شغفي بها، ولتهدأ نيران لوعتي متنعمًا في حضنها الدافئ.
طال صمته دون أن يعلق على كلماتها الأخيرة، فندمت على اندفاعها، وهمست بصوت يكنفه رجفة: ساعات بكرة نفسي لما بتخدع في ناس بحبهم بحس إني مغفلة وغبية. أومأ برأسه متفهمًا، وبدت ملامحه الحادة أكثر وسامة بكلماته الجادة التي حرص على إخراجها صلبة وحازمة: عارف إن خوفك وخذلانك في اللي حواليكي هيمنعك تصدقيني دلوقتي بس دا مش هيمنعني أوصل لقلبك يا بندقة وهكون أمانك والزمن بينا هيثبتلك كلامي.
اختتم عبارته بنظرات ثاقبة أكدت لها أن لا شيء سيمنعه من التسلل لاقتحام حصون قلعتها العنيدة، وطالت لحظة السكون بينهما قبل أن يغير فجأة مجرى الحديث بسلاسة، فتضاعفت دهشتها منه: تيجي نطلب عشا؟ هزت أكتافها بعدم اهتمام تجلى في قولها: أنا مش جعانة بس إذا جعان مفيش مانع. _لا طالبة معايا تفاح.. بتحبيه؟!
سألها باسم مستفسرًا، وهو يخرج طبقًا مليئًا بالتفاح الأحمر من الثلاجة، فهمهمت بالموافقة، فقام بتقطيع ثمرة إلى قطع صغيرة بسكين حاد، ثم قرب إحداهما من شفتيها حتى تقضم جزءًا منها، فالتهم الجزء الآخر في فمه بلذة، مستفسرًا بنبرة متلاعبة: حلو!! همهمت أبريل ببراءة قبل أن تجفل أنفاسها مضطربة، حالما طبع قبلة عميقة على خدها، مغمغمًا بصوت متحشرج بإفتتان: دا طعمه أحلى. _لاحظ إنك أخدت عليا جامد.
همست أبريل له بتحذير خجول، وخفضت بصرها إلى الأسفل، وهي تشعر به يداعب عنقها بإبهامه، ثم أرخى مرفقه الآخر على الطاولة الرخامية، واقترب منها حتى التصقت جبهتهما، فتسارعت دقات قلبها بقوة وهي تشعر بأنفاسه الدافئة تدغدغ بشرتها الناعمة، وبنفس صياغة جملتها، ردد بمرح جريء تجلى في نبرة صوته الضاحكة، مستمتعًا بتأثيره عليها: ومالو!! خدي أنتي من دا كتير أوي بقي. _تعالي.
هكذا قال باسم، وهو ينزلها على الأرض بسرعة أنزلها، ليخرج معها من المطبخ، فاستفسرت متعجبة: على فين؟ توقف عن السير والتفت إليها، يعتقل خصلة من شعرها بين أصابعه، ووضعها خلف أذنها، وهمس بما أربك خفقات قلبها بعنف: عاوزك الليلة تنامي في سريري.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!