الفصل 11 | من 37 فصل

رواية جراح الروح الفصل الحادي عشر 11 - بقلم روز امين

المشاهدات
27
كلمة
8,557
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

داخل كافيتريا الشركه، كانت فريدة تحتسي قهوتها بصحبة هشام ويتبادلان الآراء سوياً في التجهيزات الخاصة بمسكن الزوجية الخاص بهما. دلف فايز ونظر للجميع بترقب وتحدث بصوتٍ عالٍ يملؤه الحماس: "ليكم عندي خبر مهم جداً." نظر جميع الموظفين إليه بتمعن واهتمام يترقبون إكمال حديثه، ثم أردف هو قائلاً: "الشركه الألمانيه... وصمت لمدة ثوانٍ، ولكنها مرت على الجميع ك دهر. ثم نظر إليهم بحماس وهو يرفع يداه لأعلى وأردف قائلاً بنبرة حماسية:

"الشركة وافقت على دمج شركتنا لمجموعة شركاتها." وقف الجميع وصاحوا وهللوا بحماس وصوتٍ عالٍ، وبدأوا بتبادل التهاني بينهم وبين مديرهم. ثم أكمل فايز وهو يشير إلى فريدة بفخر: "وطبعاً مش لازم ننسى دور الباشمهندسة فريدة في طريقة تقديم شغلها المميز وإظهار أعلى إمكانيات شركتنا قدام العضو المنتدب، واللي أشاد به سليم الدمنهوري بذات نفسه." نظر الجميع إلى فريدة وهم يصفقون بحرارة كتحية لها ويردفون بالشكر والتهاني.

عدا تلك الواقفة التي تغلي من داخلها على مدح فايز لصديقة دراستها التي دائماً ما تظهر تفوقها عليها وبمراحل، إنها نورهان. التي حدثت حالها بغضبٍ مشتعل: "بالطبع لابد من أن يغمرها بالشكر لدي سيدي، ولما لا وذلك الأبله عاشق لعيناها حتى النخاع." ثم نظرت إلى هشام وأكملت داخلها بإستهجان: "يا لك من مغفل أيها الأبله، ألم تر عشق ذلك الوسيم داخل عيناها اللعينة وهي تتطلع إليه؟

أريد رؤية ملامح وجهك حينما تكتشف تلك الحرباء المتلونة على حقيقتها، وأريد رؤية معالم وجهك حينما تكتشف أنك لم تكن سوى مغفلاً." وأكملت بغل دفين: "لو كان الأمر بيدي لأخبرتك في التو واللحظة، ولكن لسوء حظي أنني مقيدة ولن أستطيع إخباركَ على الأقل بالوقت الحالي." ثم وجهت بصرها إلى فريدة وحدثت حالها بغل: "لما يختارك ذلك الفايز لتلك المهمة اللعينة التي ستحصلين منها على مبلغ من المال لم ولن تحلمي به قط؟

أنا من كنت أحق منك بذلك المال، أنا من أستحق هذا الإطراء، لما الجميع دائماً يشيدون بكِ وبذكائكِ؟ لما لا أكون أنا البديل، لما؟ ثم نظرت إلى فريدة وهزت رأسها بتحية مزيفة منها وابتسمت لها بتخابث. قابلتها فريدة بابتسامة بشوشة وأمالت رأسها بإيماء.

ابتسمت فريدة وسعد داخلها لأجل إتمام تلك الشراكة التي ستكون بمثابة خيط رفيع بينها وبين سليم. أينعم هي من طلبت منه الإبعاد، ولكن ما زال قلبها مشتعلاً بنار فراقه. تريد رؤية عيناه الساحرة، تريد الاستماع إلى نبرة صوته الولهان وهو ينطق بحروف اسمها بتلذذ. يعلم الله كيف مر هذا الأسبوع على قلبها المسكين، ولكن ما بيدها لتفعله، فهذه إرادة الله وهذا قدرها وما عليها إلا الرضوخ والقبول به بنفس راضية.

ثم نظرت إلى هشام وجدته مكشعر الوجه، حدثته بتساؤل: "مالك يا هشام، معقولة مش مبسوط للنقلة الكبيرة اللي هنتنقل لها كلنا دي؟ زفر بوجه كاشر وتحدث بضيق: "أنا فعلاً مش مبسوط يا فريدة، وكل يوم كنت بدعي لربنا إن الشراكة دي ما تتمش." ححظت عيناها بذهول وأردفت متسائلة: "انت سامع نفسك بتقول إيه يا هشام، معقول بتدعي إن ربنا يحرمنا كلنا من زيادة مرتباتنا للضعف، ده على الأقل ده إذا ما كانش أكتر؟

انت متخيل حجم النقلة اللي أنا وانت على الأقل هنتنقل لها؟ أجابها باقتضاب: "أنا مش متخيل غير رخامة وغرور اللي اسمه سليم وهو جاي الشركة ينظر ويعدل علينا بما فينا مستر فايز بنفسه." زفرت بضيق وأردفت قائلة بتملل: "يا سلام عليك يا هشام، هو أنت ما بتعرفش تفرح أبداً، دايماً تسيب الجانب الإيجابي لأي موضوع وتبص على الجانب السلبي حتى ولو كان تأثيره علينا لا يذكر." وأكملت:

"ثم اطمن يا سيدي وريح نفسك، سليم الدمنهوري مش فاضي لنا أساساً، عنده زيارات لشركات تانية، ده غير زيارته وسفره لدبي." نظر إليها بضيق وأردف قائلاً بنبرة حادة: "وحضرتك عرفتي منين بقى إن شاء الله المعلومات دي كلها؟ نظرت إليه باستغراب وأجابته بتلقائية: "عرفت من مستر فايز طبعاً، وكمان عرفت من خلال شغلي معاه، انت ناسي إني اشتغلت معاه أسبوع بحاله وكان من الطبيعي إني أعرف جدول أعماله الفترة الجاية."

أتى إليهم فايز بابتسامة سعيدة على ثغره وأردف قائلاً ببشاشة موجهاً حديثه إلى فريدة: "برافو عليكي يا فريدة، عمرك ما خيبتي نظرتي فيكِ أبداً. مستنيكي في مكتبي كمان نص ساعة، ليكي عندي مفاجأة حلوة جداً." ابتسمت له وأجابت بسعادة وقلب يتراقص من شدة سعادته: "أشكرك يا أفندم، ويا رب دايماً أكون عند حسن ظن حضرتك فيا." ابتسم لها ثم نظر باستغراب لذلك الواقف بوجه مكشر: "مالك يا هشام، فيه حاجة مضيقاك؟ أجابه باقتضاب:

"لا يا أفندم مفيش حاجة." أردف قائلاً بتعجب: "أومال مكشر كده ليه؟ وأكمل ساخراً: "أوعى تكون بتخاف تضحك لو وشك يكرمش يا إتش؟ ضحكت فريدة بشدة. نظر لها هشام بتعجب مصطنع وأردف: "مبسوطة سيادتك طبعاً." ضحكت وأردفت بمداعبة: "جداً بصراحة." ضحك فايز ثم تحدث وهو يتحرك ويشير إلى فريدة بإصبع يده: "مستنيكي في مكتبي، أوعي تنسي! أجابته بابتسامة وحديث ذات معنى: "أكيد مش هنسي طبعاً." بعد ذهاب فايز نظرت فريدة بتعجب

إلى هشام وتحدثت بتساؤل: "أنا مش فاهمة يا هشام إنت ليه مكشر كده؟ وأكملت بدلال: "طب ياسيدي لو مش فرحان علشان مرتبك اللي زاد، افرح علشاني وعشان المكافأة اللي مستر فايز وعدني بيها، واللي هتسهل عليا موضوع العربية." أجابها بابتسامة سعيدة لأجل سعادتها وأجاب: "أكيد طبعاً فرحان علشانك يا حبيبتي، أنا بس متضايق من اللي اسمه سليم مش أكتر." نظرت له بأسى وأردفت قائلة:

"ليه كل ده يا هشام، الراجل في حاله وطول الأسبوع اللي قعده هنا ما حاولش يضايقك أبداً، بالعكس إنت اللي كنت بتستفزه بتصرفاتك معاه." أخذ نفساً عميقاً وتحدث بضيق: "بصراحة كده يا فريدة أنا بحس إن اللي اسمه سليم ده حاطط عينه عليكِ." وأكمل بنبرة يكسوها الغضب: "دايماً بيبص لك نظرات غامضة من تحت لتحت، نظرات ما يفهمهاش غير راجل زيه." ارتعبت أوصالها واقشعر بدنها مما استمعته للتو وأردفت قائلة بنبرة مرتبكة:

"ايه التخاريف اللي بتقولها دي يا هشام؟ أجابها بقوة وتأكيد: "دي مش تخاريف يا فريدة، الكلام اللي بقوله ليكي ده أنا متأكد منه زي ما أنا متأكد إني واقف بتكلم معاكي حالاً." وأكمل بتمني: "علشان كده أنا بطلب منك إنك تتجنبي أي فرصة شغل تجمعك بالشخص ده تاني، أرجوكِ يا فريدة." هزت رأسها بإيجاب وأخرجت صوتها وهي تحاول الثبات: "حاضر يا هشام." وأكملت بكذب كي يزيل تلك الأفكار من داخل رأسه:

"بس أنا عايزة أقول لك إن إحساسك ده ملهوش أي أساس من الصحة، ياريت تخرج الأفكار دي من دماغك علشان ترتاح." وأكملت سريعاً كي لا تعطي له فرصة التحدث من جديد: "أنا لازم أطلع مكتبي علشان هبعت إيميل مهم خاص بالشغل، وبعدها هروح للباشمهندس فايز." وتحركت هي إلى أعلى متهربة من نظرات هشام. تحرك إليه أدم صديق العمل بالشركة وحدثه بمداعبة: "أيوا يا سيدي مين قدك، إنت وخطيبتك هتقفشولكم قرشين حلوين يروقوكم." نظر له هشام وأكمل بمداعبة:

"والله ما جايبنا لورا غير نقكم ده، أرحمونا أنت وزمايلك من عنيكم اللي راشقة جوة حياتنا موقفينها." ثم ضحكا معاً وأكملا حديثهما. وصلت فريدة إلى مكتبها ووضعت يدها على صدرها الذي يهبط ويعلو ويدق بوتيرة عالية من شدة رعبها. حدثت حالها: "يا الله ساعدني فيما هو آت." ثم أخذت نفساً عميقاً هدأت به حالها، وخرجت مرة أخرى متجهة إلى مكتب فايز الذي رحب بها وتحدث بابتسامة فرحة: "مبروك عليكي المكافأة يا فريدة." ابتسمت بوجه بشوش

وأردفت بابتسامة عرفان: "متشكرة جداً لحضرتك يا أفندم." نظر لها وأجابها بمداعبة: "طب مش تسألي الأول المكافأة قد إيه؟ أجابته بمداعبة منها: "والله يا باشمهندس أنا قنوعة جداً، يعني لو حضرتك هتديني مليون جنيه بس أنا راضية بيهم." فتح فاهه مدعياً الذهول ثم حدثها بمداعبة: "لا فعلاً قنوعة يا باشمهندسة، ده أنا نفسي اللي اسمي مدير الشركة، مش هتحصل على نص المبلغ ده." ثم أكمل بابتسامة مطمئنة:

"بس ما تقلقيش، مكافأتك حلوة برضه مش وحشة، وكمان ليكي عندي خبر حلو." أردفت بلهفة وتساؤل: "خير يا باشمهندس، قول حضرتك وفرحني." أجابها بنبرة جادة:

"بصي يا ستي، أنا ليا صديق مدير بنك، كلمته عن موضوع القروض الخاصة بالعربيات والراجل كتر خيره قالي إنه هيساعدك ويخرج لك قرض بفايدة ضعيفة جداً، وكمان مش هيبقى باسمك ودي الخدمة اللي قدمهالي. قالي إنه هيخلي موظف عنده من البنك يعمل القرض باسمه، لإن زي ما هو معروف إن موظفين البنوك ليهم امتيازات مخصوصة ليهم." وأكمل بابتسامة:

"بس ده طبعاً بعد ما أنا ضمنتك عنده وقولتله إني أضمنك زي نفسي بالظبط، فكده مش مطلوب منك غير إنك تروحي مع الموظف بتاع البنك وتختاري الموديل واللون بتوع العربية، وباقي الإجراءات هيخلصها الموظف، وإنتي هتدفعي مقدم بسيط للعربية وده هيتحدد بناءً على سعر العربية اللي هتختاريها، وبعدها هتدفعي مبلغ معين كل شهر كتسديد للقرض." انفرجت أساريرها وتحدثت بسعادة:

"بجد مش عارفة أشكر حضرتك إزاي يا أفندم، متشكرة جداً على وقفتك معايا بالشكل ده." أجابها بابتسامة: "مفيش داعي للشكر يا فريدة، إنتِ زي أختي الصغيرة، وبعدين لازم أعترف إن لولا ذكائك وتميزك ما كنتش الشركة حصلت على الاتفاقية دي من الأساس، يعني أنا اللي المفروض أشكرك." ابتسمت له وشكرته وخرجت إلى مكتبها لتستكمل عملها. *** مساءً. داخل غرفة فريدة ونهلة المشتركة.

كانت تجلس فوق مكتبها سانده ظهرها إلى الخلف ممسكة بيدها هاتفها تتحدث إلى عبدالله. سألها عبدالله عبر الهاتف: "طمنيني يا حبيبتي، قولتي لفريدة زي ما اتفقنا؟ أغمضت عيناها بأسى وتحدثت بصوتٍ هادئ: "للأسف لا يا عبدالله، فريدة مشغولة جداً الفترة دي في شغلها، وأنا شايفة إنه مش هينفع أفاتحها في التوقيت ده خالص، وبصراحة أكتر أنا شايفة إن الموضوع مش هينفع يتفتح في الوقت الحالي." أجابها عبدالله عبر هاتفه:

"يا بنتي هو إنتِ كنتِ فاتحتي أهلك في الموضوع أصلاً علشان تقولي إنه مش هينفع؟ أردفت نهلة بتعقل: "الموضوع مش محتاج إني أفتحهم فيه علشان أعرف إنه مش هينفع يا عبدالله، ما هو بالعقل كده، إزاي بابا هيوافق على خطوبتك ليا وفريدة لسه بتجهز نفسها؟ أجابها بهدوء:

"يا حبيبي إنتِ بنفسك قولتيها، فريدة هي اللي بتجهز نفسها، يعني عمي فؤاد مفيش عليه أي مسؤولية من ناحية جهازها، وبعدين إنتِ كمان فاضل لك كام شهر وتخلصي جامعتك وتشتغلي، وأنا خلاص حجزت لك مكانك من دلوقتي في شركة محترمة ومرتباتها كويسة جداً، يعني إنتِ كمان هتجهزي نفسك ومش هنلزم عمي فؤاد بحاجة." وأكمل بقناعة:

"ثم أنا مش عاوز منك حاجة يا نهلة، اللي تقدري عليه هاتيه واللي يفضل نبقى نكمله بعد جوازنا، ربنا سبحانه وتعالى خلق الكون في سبع أيام." تنهدت باستسلام وأردفت: "أنا خايفة بابا يرفض مبدأ ارتباطي نفسه يا عبدالله وساعتها هنكون خسرنا كل حاجة." أجابها بنبرة تحفيزية: "اسمعي كلامي إنتِ بس وقولي لفريدة وهي أكيد هتساعدنا، فريدة عقلها كبير وباباكي بيحترمها وبياخد رأيها في كل حاجة." وأكمل بحب:

"يا نهلة أنا بحبك ونفسي ناخد خطوة جادة في علاقتنا دي علشان ربنا يبارك لنا في حياتنا، وبعدين بصراحة بقا أنا متضايق من نفسي جداً إني بكلمك في التليفون من غير علم عمي فؤاد وطنط عايدة، وده شيء جارحني أوي ومحسسني إني مش راجل محترم ولا أمين عليكي، فهماني يا نهلة؟ أجابته بهدوء: "فاهماك يا عبدالله، خلاص أنا هكلم فريدة النهارده وأقول لها وربنا يعمل لنا اللي فيه الخير." ***

أما فريدة التي كانت تجلس بجانب والدها ووالدتها يحتسون مشروب الشاي في جو يغلب عليه طابع الألفة والسكينة. تحدثت عايدة بسعادة: "حلوة أوي المكافأة يا فريدة، وكمان موضوع العربية أهو اتحل من عند ربنا." وأكملت بعملية: "أنا شايفة إنك تشيلي المكافأة على جنب مع باقي فلوس جهازك وكده تقريباً هيكفوا إن شاء الله وتبقي خلصتي." أجابتها فريدة بهدوء: "إن شاء الله يا ماما." تحدثت عايدة: "طب ما تعرفيش مرتبك هيزيد قد إيه؟ أجابتها فريدة:

"لسه يا ماما، الموضوع ده لسه هتنسقه الشركة مع الشركة اللي انضمينا ليها، يعني الموضوع هياخد شوية وقت." أجابت عايدة باستغراب: "أومال إنتِ عرفتي فلوس المكافأة إزاي؟ أجابتها فريدة: "مبلغ المكافأة شركتي هي اللي مكافئاني بيه يا ماما، مكافأة تحفيزية منهم على تعبي في الأسبوع اللي فات، ملهوش علاقة بالشركة الجديدة." ثم نظرت إلى والدها الجالس يستمع بصمت تام وأردفت متسائلة: "مالك يا بابا، حضرتك ليه ساكت من وقت ما قعدنا؟

تنهد مطولاً وتحدث بأسى: "متضايق علشانك يا بنتي، فكراها سهلة عليا إني أحملك هم جهازك؟ ونظر لها بعيون حانية وأردف بحب ظهر بعيناه: "بس والله يا بنتي غصب عني، أديكي شايفة الظروف بنفسك، البيت ومصاريفه، ومصاريف جامعة أختك، ودروس أسامة اللي عايزة ميزانية لوحده." تألمت بشدة من تلك الكسرة التي تكسو صوت والدها وعيناه التي تتهرب من النظر إليها لضيق حاله. أجابته بابتسامة بشوشة:

"ومين اللي كان السبب في إنه وصلني وخلاني باشمهندسة وبقبض وبعرف أجهز نفسي، مش حضرتك وفلوسك برضه يا بابا؟ حضرتك صرفت علينا وعلمتنا أحسن تعليم، والحمد لله مش مخلينا ناقصنا أي حاجة، يعني كله من خير ربنا علينا وخيرك يا حبيبي." تحدثت عايدة بلوم: "ما أنت لو سمحت لنهلة إنها تشتغل زي ما كانت عايزة، كان زمانها على الأقل بتصرف على نفسها ومش محملك هم مصاريف تعليمها ومواصلاتها ولبسها." احتدم صوته وتحدث بنبرة صارمة:

"أنا قولتلِك 100 مرة ما تجيبيش سيرة شغل الولاد طول ما هما بيدرسوا." وأكمل بنبرة حزينة: "مش كفاية اللي حصل مع فريدة نتيجة شغلها وهي بتدرس، إنتِ وهي فرحتوا بالقرشين اللي كانت بتاخدهم في المكتب اللي كانت بتشتغل فيه والنتيجة كانت إيه؟ تألم قائلاً: "حلم عمري وعمرها في إنها تبقى دكتورة جامعية اتهد في يوم وليلة."

نزلت كلمات والدها على قلبها شرخه وصرخ قلبها، وفي لحظة انهمرت دموعها على وجنتيها حين تذكرت أسوأ ذكرى مرت بحياتها وعصفت بكيانها بالكامل. وقفت معتذرة واتجهت سريعاً إلى غرفتها. تنهدت عايدة وأردفت بحزن: "كان لزمته إيه بس الكلام ده دلوقتي يا فؤاد، كده تكسر فرحتها." نظر لها وتنهد بألم وبصمت. *** أما داخل غرفة فريدة وبعد مدة، هدأت فريدة كثيراً بعدما أخذتها نهلة بين أحضانها وواستها. وبعد قليل تحدثت نهلة بارتباك:

"فريدة، كنت عايزة أقول لك على حاجة، بصي هو الموضوع حصل من وقت طويل، لكن أنا بصراحة كنت محرجة أفاتحك فيه." وكادت أن تكمل، ولكن أوقفها حديث فريدة الحاد: "هتقعدي تبرري كده كتير، ما أنتِ عرفاني يا نهلة خلقي ضيق وما بحبش المقدمات الطويلة، اتفضلي ادخلي في الموضوع مباشرة." أخذت نفساً عميقاً وأردفت بإحراج: "أنا وعبدالله محسن بنحب بعض من حوالي سبع شهور وهو عاوز يتقدم لي." ححظت عيون فريدة وأردفت قائلة بتساؤل:

"عبدالله محسن عبدالحي؟ عبدالله اللي هو جارنا ابن طنط اعتماد؟ نظرت أرضاً وأردفت بنبرة خجلة: "أيوة هو." أردفت فريدة بتساؤل: "أوعي تكونوا بتخرجوا لوحدكم يا نهلة؟ ردت سريعاً: "خالص يا فريدة والله، كل اللي بينا تليفونات مش أكتر، حتى لما ببقى واقفة في البلكونة وهو يخرج لبلكونته ويلاقيني بيدخل بسرعة، بيخاف علشان ما حدش يشوفنا ويتكلم علينا." نظرت لها فريدة بترقب وتساءلت: "وهو عرف رقم تليفونك منين؟ نظرت لها بخجل وأجابت:

"أخده من على فون طنط اعتماد." نظرت لها ثم ابتسمت ببشاشة وأردفت بتساؤل: "بتحبيه؟ أطالت النظر لشقيقتها وابتسمت وأجابتها بعيون هائمة: "أوي يا فريدة، بحبه بجنون." أمسكت فريدة كف شقيقتها وملست عليه بحنان وأردفت وهي تنظر لها بعيون حانية: "كبرتي يا قلبي وحبيتي، خلي بالك على نفسك يا نهلة، قولي له لو حابب ييجي يتقدم يتفضل وأنا هكلم بابا وأقنعه يوافق." تحدثت نهلة بلهفة: "بجد يا فريدة، بجد هكلمي بابا وتقنعيه؟

أجابتها بنبرة جادة: "عبدالله حد محترم وابن أصول وشرف لأي عيلة إنها تناسبه، كفاية إنه عارف حدوده معاكي ومتخطاها." سعدت نهلة بشدة وبدأت تقص لشقيقتها كل ما حدث لها من مواقف مع عبدالله. *** داخل شركة الحسيني لصناعة الأدوية. كان يمر داخل إحدى أفرع شركات والده الخاصة بصناعة الأدوية، يتفقدها باهتمام وعملية وهو يباشر عمله كمدير لهذا الفرع ومراقب على جودة صناعة الأدوية.

إنه دكتور مراد صادق الحسيني، شاب في بداية العقد الثالث من عمره، تخرج من كلية الصيدلة وعمل مع والده دكتور صادق الحسيني بشركاته الشهيرة ذات السمعة الطيبة. كان يتحرك بهيئته المنمقة وأناقته المعهودة وغروره اللامتناهي. وأثناء مروره لتفقد إحدى المعامل، توقف فجأة وهو ينظر لإحدى الفتيات التي تتحدث بإنسجام عبر هاتفها تاركة ما يجب عليها فعله وهو المساعدة في صناعة وتركيب الأدوية. ذهب إليها وتحدث بحدة وغرور:

"إنتِ بتعملي إيه عندك يا أستاذة؟ نظرت له باستغراب، ثم أنهت حديثها مع حسام سريعاً وتحدثت بتساؤل: "أفندم؟ أجابها بحدة وكبرياء: "هو أنتِ كمان مسمعتيش سؤالي؟ وأكمل بتهكم: "طبعاً، وهتسمعيني إزاي وسياتك مشغولة في الرغي في التليفونات." نظرت له باستتهجان وتحدثت بحدة بعدما نجح غروره باستشاطة داخلها الهادئ: "إنت مين وإزاي تسمح لنفسك تكلمني بالطريقة دي؟ أمسكتها صديقتها سارة من يدها وهي توشي بجانب أذنها:

"بتعملي إيه يا مجنونة، ده دكتور مراد الحسيني ابن صاحب الشركة والمدير التنفيذي للفرع اللي إحنا موجودين فيه ده." أجابتها بحدة وصوت عالٍ ليصل حديثها إلى مسامع ذلك المغرور: "ولو، ده ميدلوش الحق إنه يكلمني بالطريقة المتعجرفة دي." تحرك إليها ووضع يداه داخل جيب بنطاله وضيق عيناه قائلاً بتكبر: "إنتِ بتتكلمي عني أنا بالشكل ده؟ "منين جبتي الجرأة اللي تخليكي تقفي قدام مراد الحسيني وبكل بجاحة تنتقدي كلامي وتراجعيه؟

وقفت أمامه قائلة بكبرياء وبنبرة ساخرة من حديثه: "من نفس المكان اللي جبت منه جرأة جلالتك اللي خلتك تكلمني بالطريقة دي وتدي لنفسك الحق إنك تقف قدامي وتحاسبني." نظر الجميع لبعضهم البعض بذهول وبدأوا يتهامسون بنبرة ساخرة وهم ينظرون على مديرهم المغرور وتلك الفتاة تكيل له وابلًا من الكلمات اللاذعة. نظر للجميع نظرة صارمة أخرستهم، ثم حول بصره لتلك الواقفة بشموخ وتحدث بكبرياء وهو يوجه حديثه للطبيب المسؤول الذي يترأس

ذلك المعمل وتلك المجموعة: "البنت دي تخرج برة الشركة حالاً ومشوفش وشها هنا مرة تانية، مفهوم." هز له رأسه بالإيجاب. بينما نظرت له ساخرة وتحدثت بقوة: "أنا اللي ميشرفنيش أقعد في مكان بيرأسه واحد عديم مهنية زيك." قالت كلماتها ونزعت عنها الزي الأبيض المسمى بـ "البالطو" وألقت به بعنف فوق المنضدة الموضوعة. استشاط داخله من تلك الوقحة التي تتحدّاه وتقف بوجهه بدلاً من أن تنحني أمامه وتترجاه كي يعيدها إلى العمل مرة أخرى.

كاد أن يتحدث إلا أنه وجد صوت أباه يصدح من خلفه: "فيه إيه يا دكتور مراد، مزعل دكتور ريم مننا ليه؟ اعتدل إلى والده لينظر إليه بذهول وتحدث: "مزعل دكتور ريم؟ وأكمل ساخراً: "وتطلع مين بجلالة قدرها الدكتورة؟ نظرت عليه بقلب مشتعل ووجه عابس، فقد نجح ذلك المستبد المتعجرف لتحويل هدوئها إلى عاصفة. تحدث والده بهدوء ووقار وهو ينظر لولده نظرة تحذيرية بألا يتحامق: "دكتور مراد، دكتورة ريم، من فضلكم خلينا نتكلم في مكتبي أفضل." ونظر

للحضور وتحدث بحدة صارمة: "كل واحد على شغله يا حضرات." تحركت هي بجانب صادق تحت استشاطة وذهول ذلك المصدوم من أفعال أبيه. نظر لهما صادق وهو يتوجه إلى مقعده وأشار لهما يدعوهما للجلوس وتحدث: "اتفضلوا ارتاحوا يا دكاترة." نظر مراد بذهول إلى والده الذي حذره وأمره بنظرة عيناه بأن يصمت. ثم تحدث صادق بعملية: "خليني الأول أعرفكم على بعض." وأشار إلى ولده وهو يتحدث إلى ريم:

"دكتور مراد الحسيني، المدير التنفيذي للفرع ده والمسؤول عن سلامة صناعة الأدوية، وفي نفس الوقت يبقى ابني الوحيد." وأشار إلى مراد وأكمل تعارف: "ودي دكتورة ريم الدمنهوري، بنت سعادة قاسم بيه الدمنهوري، مسؤول كبير في الهيئة الدبلوماسية المصرية، والدكتورة موجودة هنا بقرار مني أنا شخصياً." احتقنت ملامحه بالغضب من نظرات تلك الصغيرة الشامتة به وتحدث: "بس يا باشا." قاطعه والده بنبرة جادة:

"خلاص يا دكتور، بقول لك الدكتورة تحت إشرافي أنا شخصياً وفي حمايتي." ردت ريم باعتراض: "أنا متشكرة جداً لاهتمام حضرتك يا دكتور، بس أنا آسفة، أنا مش هقدر أكمل تدريب في الشركة بعد اللي حصل من الدكتور المبجل." نظرت له صادق وتحدث بابتسامة هادئة: "خلاص بقا يا دكتورة، ويا ستي لو الدكتور تجاوز معاكي في الكلام خليها عندي أنا، هو أنا مش في مقام قاسم بيه عندك ولا إيه؟

نظر إلى والده بأعصاب تغلي من نصرته لتلك الفتاة التي استطاعت أن تجعل داخله يغلي استشاطاً وغضباً. وتحدث بنبرة حادة إلى حد ما: "هو حضرتك كمان بتترجاها يا دكتور؟ الدكتورة كانت سايبة شغلها ومقضياها رغي في التليفونات." أجابه بقوة غير معتادة عليها ولكنه بفضله استطاع إخراج الجانب الشرس المدفون بداخلها والتي لم تكن تعلم هي شخصياً بوجوده من الأساس: "أولاً أنا مسمحش لحضرتك تتكلم عني بالشكل ده."

"ثانياً أنا كنت مخلصة الشغل المطلوب مني وده تقدر تسأل فيه دكتور حسن المسؤول عن تدريبي." جاء ليتحدث ولكن أوقفه والده وتحدث ناهياً للجدال الدائر: "خلاص يا دكاترة لو سمحتم، الموضوع بسيط وما يستاهلش كل الشد والجذب اللي بينكم ده." وأكمل بعملية: "ودلوقتي اتفضلي يا دكتورة على شغلك لو سمحتي،" وأكمل بمجاملة وابتسامة هادئة:

"وياريت تبلغي تحياتي وسلامي ل قاسم باشا، وتشكري لي الباشمهندس سليم بالنيابة عني على جودة وكفاءة الأجهزة اللي وردها لي من شركته في ألمانيا." هزت رأسها بإيجاب وتحدثت باحترام: "يوصل يا أفندم، بعد إذن حضرتك." ورمقت ذلك المغرور بنظرة شامتة انتصارية وتحركت للخارج. ثم تحرك هو إلى والده وتحدث بنبرة غاضبة حاول التحكم بها إلى أبعد الحدود وذلك احتراماً لوالده: "ممكن بقا يا دكتور تفهمني إيه اللي حصل من شوية ده؟ وأكمل بغرور:

"حضرتك باللي عملته ده كسرت كلمتي قدام الموجودين كلهم، ومحدش بعد كده هيحترم كلمتي ولا هياخد قراراتي على محمل الجد." تنهد أباه بهدوء وتحدث:

"إنت اللي حطيت نفسك في المأزق ده مش أنا يا دكتور، كام مرة نبهتك لعصبيتك الزايدة وقولت لك لازم تتأنى وتفكر كويس قبل ما تتخذ أي قرار، وخصوصاً لو كان خاص بالشغل. إيه الجريمة الكبرى اللي اقترفتها البنت لما تكلمت في التليفون، تفتكر حاجة تافهة زي دي تستاهل إنك تفصلها من التدريب وتطردها برة الشركة؟ أجابه والده بقوة:

"أنا ما طردتهاش عشان كده يا دكتور، أنا طردتها لما وقفت قدامي واتحدتني وسخرت من أسلوبي وكلامي قدام كل الموجودين." أجابه صادق باعتراض: "وهي البنت عملت كده من نفسها يا دكتور ولا بعد ما حضرتك تهكمت عليها وسخرت منها قدام اللي موجودين كلهم؟ وقف بشموخ وتحدث بغرور: "أنا آسف يا دكتور، بس لو حضرتك يهمك شكلي ووضعي في الشركة يبقى لازم البنت دي تسيب الشركة وحالاً." أجابه بهدوء:

"يا خسارة يا دكتور، على قد ما ربنا أدا لك ذكاء وعبقرية في مجال شغلك، على قد ما أدالك غباء اجتماعي، وده السبب في إنك لحد النهارده مش عارف تكون شبكة اجتماعية حواليك بسبب غطرستك وتسرعك في الحكم على الأمور." أجاب والده بعناد: "أنا مرتاح كده حضرتك، وبعدين أنا نفسي أفهم حضرتك متمسك بالبنت بالشكل ده ليه؟ تحدث صادق: "ببساطة لأني بستفاد من منصب باباها يا أستاذ." مراد باستفهام: "بتستفاد إزاي يعني؟ أجابه صادق:

"أنا اتعرفت على قاسم الدمنهوري في اجتماع شامل لرأسة الوزرا، كانوا بيناقشوا فيه أهمية صناعة الأدوية في مصر وكيفية تصديرها للقارة الأفريقية. اتعرفنا وبقينا بنتكلم كل فترة، ولما سألت عنه عرفت إن ابنه بيشتغل مهندس إلكترونيات وماسك منصب مهم جداً في شركة عالمية. قولت أستفاد منه في تجديد الأجهزة اللي عندنا في الشركات، وبالمرة أخليه يساعدني بخبرته في اختيار أجهزة متطورة تقدر تفيدنا في تطوير صناعة الأدوية، وبالفعل قاسم اداني رقمه وتواصلت معاه، وساعدني جداً وبعت لي مجموعة أجهزة متطورة وبسعر ما كنت أحلم بيه."

وتنهد وتحدث بهدوء: "وعلى فكرة، قاسم ما طلبش مني أدرب بنته معانا هنا، أنا اللي طلبت ده منه لما بالصدفة عرفت إن عنده بنت في صيدلة." وأكمل لذلك المستشاط: "فهمت أنا ليه مينفعش أمشيها يا مراد." وأكمل بمرارة وعيون حزينة: "وياريت يا ابني تحاول تنسى وتريح نفسك وتريحني معاك، بطل تبص لكل البنات على إنهم القذرة اللي خانتك وهربت مع أعز أصحابك." صاح بغضب وتحدث باشتعال ظهر بعيناه: "بابا لو سمحت." تحدث صادق سريعاً:

"خلاص يا ابني حقك عليا، اتفضل على شغلك وياريت تحاول تتحكم في أعصابك أكتر من كده."

خرج كالإعصار المدمر وتوجه مباشرة إلى مكتبه بعدما أغلق بابه بشدة. توجه إلى مقعده وجلس وهو في قمة غضبه، وكل ذرة بجسده متشنجة نافرة وبشدة وهو يتذكر تلك الخائنة التي كان يعشقها منذ أن كانا يدرسان معاً بكلية الصيدلة، ثم ارتبط بها وأتم خطبته عليها. وبعدما أنفق عليها الغالي والنفيس هربت للخارج بصحبة صديقه المقرب، عشيقها والذي كانت قد تزوجته عرفياً في الخفاء، وذلك بعدما استغلت مراد أسوأ استغلال واستنزفت منه أموالاً طائلة بحجة شراء شقة الزوجية والإشراف على تجهيزها بنفسها. هربت للخارج بصحبة صديقه محملين بأمواله وشبكته الباهظة الثمن، ومنذ ذلك اليوم تحول مراد من شخص هادئ الطباع وودود مع البشر، لشخص كاره وساخط على كل ما هو مرتبط بتاء التأنيث.

*** بعد منتصف الليل. كانت تتمدد فوق تختها تحاول أن تغفو ولكن هيهات، من أين يأتي النوم ونار الاشتياق قد اجتاحت روحها وتملكت منها. زفرت بضيق واعتدلت وجلست ثم أسندت ظهرها على ظهر التخت. نظرت على شقيقتها وجدتها غافية بسلام.

تنهدت باستسلام ونظرت لسقف الغرفة وأغمضت عيناها تحاول الاستجمام، لكن غلبها الشوق له. فتحت عيناها من جديد وأمسكت هاتفها وبدأت تتصفح صفحات التواصل الاجتماعي عبر حسابها التمويهي التي أنشأته بعد اختراق حسام لحسابها السابق. أغمضت عيناها من جديد وزفرت بضيق تحاول مجاهدة حالها بألا تضعف أمام ذلك القلب العنيد الذي وما زال يئن بعشقه، بل أنه وصل به الأمر بأن أصبح لا يدق إلا لأجل عشقه، ولا يعطي الفرصة لها بنسيانه.

فتحت عيناها من جديد وبيد مرتعشة، وقلب تتسارع دقاته، دلفت لحساب سليم وجدت صورة الحساب. نظرت لعيناه بوله ودقات متسارعة وعيون عاشقة هائمة وهي تنظر له وتتحسس بيدها ملامح وجهه بصدر يهبط ويعلو.

سحبت شاشة هاتفها لأعلى وجدت له صورة أشعلت صدرها بنار الغيرة حين وجدته يتوسط فتاتين ويضع يده في خصر إحداهن. تيقنت أنها ريم شقيقته، فقد شاهدت صورتها من قبل مع سليم. نعم، لقد مرت أعوام وتغيرت ملامحها، ولكن تبقى منها بعض الملامح والشبه الذي يربط بينها وبين سليم. أما الفتاة الأخرى والتي كانت ترتدي ثياباً تظهر كم أنوثتها الهائلة، بالإضافة إلى نظرتها العاشقة التي كانت تنظر بها إلى سليم، تلك النظرات تعرفها هي جيداً.

جن جنونها واشتعلت نيران قلبها وثارت روحها بغضب هائل. ولولا ستر الله علينا بأن نار القلوب تظل قاطنة بالقلوب لأشعلت الغرفة بأكملها من شدة حرارتها. وهذا ما أراده سليم بالفعل حينما نشر تلك الصور وجعل مشاهدتها للعام للتأكد من أن لها حساباً لم يتوصل هو إليه وذلك لشدة حرصها. وتيقن أنها تراقبه به للتطلع على أخباره. نعم، فهو يحفظها ويحفظ تفكيرها عن ظهر قلب. ومن غير الحبيب يحفظ تفاصيل معشوقه؟

وبلحظة نزلت دموع عيناها وسرت تجري على وجنتيها وكأنها ناراً حارقة تكوي كل ما يقابلها. حدثت حالها بألم ودموع: "أفعلتها سليم؟ أعشقت غيري بتلك السرعة؟ أين عشقك لي يا رجل؟ أكُنت تخدعني من جديد؟ اللعنة عليك سليم! اللعنة عليك مدمرى ومدمر أحلامي! كيف لك أيها الحقير أن تحطم قلبي هكذا؟ كيف لك أن تجعلني أتألم من جديد بتلك الوحشية؟ لقد اشتعل داخلي من مجرد صورة يا رجل! كيف لي أن أتحمل فكرة زواجك وإنجابك أطفالاً من امرأة غيري؟

اااه سليم، لما فعلت بنا ما فعلته بالماضي أيها الحقير، لو أنك لم تتركني لأصبح الحال غير الحال." وصرخ داخلها مناجياً ربه: "يا الله، قلبي يتألم يا الله! فلتساعدني أرجوك، فلترحم قلبي الضعيف من تلك النيران المشتعلة بداخله. يا الله." تحاملت على حالها ووقفت وتوجهت إلى المرحاض، توضأت وأرتدت ثياب الصلاة وشرعت بتأدية صلاة قيام الليل. وسجدت تناجي ربها بدموع وتترجاه أن يرحمها وقلبها من تلك النيران المشتعلة التي لا تهدأ أبداً.

وبعد مرور أكثر من ساعة كانت فوق تختها تغمض عيناها وتغفو بثبات عميق بعد أن هدأت واغتسل قلبها بالمناجاة مع الله، ومن لنا غير الله ل نلتجأ إليه عند ضيقتنا. *** ترى ما قصة تلك الحياة الجديدة التي وهبها الله عز وجل إلى لبنى كما ذكرتها منى؟ *** داخل منزل حسن نور الدين. كان الأشقاء الثلاث يجلسون في حديقة منزلهم يتناولون مشروباً بارداً مع بعض التسالي والمقرمشات.

نظر حازم إلى هشام الذي يمسك هاتفه ويبتسم بسعادة وهو يراسل فريدة على تطبيق الواتساب وأردف بتساؤل ملح: "هو أنت يا ابني ما بتزهقش، طول اليوم معاها في الشغل ولما تروح يادوب تتغدى وتنام لك شوية، وبعدها تقوم تكلمها واتس، وبالليل تكلمها علشان تنام على صوتها." وأكمل ساخراً: "بالراحة على نفسك يا نجم، خف شوية واعمل حساب البوساء اللي زي حالاتي اللي مقضيها نكد صبح وليل." ابتسم هشام وترك هاتفه قائلاً بمداعبة:

"وأديني يا سيدي قفلت معاها، إيكش ترتاح يا سي حازم وتبطل قر." أردف حازم متسائلاً: "إلا قولي يا إتش، حسيت بإيه لما شفت لبنى؟ ثم نظر إلى هادي وغمز بعينه وأردف ساخراً: "أصل بصراحة البنت شكلها راجعة مشتاقة أوي وحابة ترجع الماضي اللي كان." انفجرا هادي وحازم ضاحكين وأبتسم هشام وأردف ساخراً: "لا والله، وهي بقا اللي قالت لك إنها حابة ترجع الماضي اللي فات؟ أردف هادي قائلاً بدهاء:

"ودي محتاجة حد يقول له عليها يا إتش، البنت جايبة لك رولكس يا معلم." وأكمل ساخراً بمداعبة: "دي جايبة للمسكين حازم جوزين شربات من الرويعي." انفجرا ثلاثتهم من الضحك وأردف حازم مازحاً: "والفردتين طلعوا شمال يا باشا." ثم أكمل بنبرة جادة: "لا بجد يا إتش عايز أعرف إحساسك لما شفتها وسلمت عليها." وأكمل بعيون متسائلة مبرراً:

"أصل دايماً أسمع عن الحب الأول وأنه من أصدق المشاعر اللي الإنسان بيعيشها، وعمره ما يقدر ينساها مهما حب وعاش بعدها." ابتسم هشام وتحدث بعيون سارحة هائمة رغماً عنه:

"هو أنا ما أنكرش إني اتخطف لما شفتها، وكمان حسيت برعشة لمست في جسمي كله وفي قلبي بالأخص، هزت مشاعر مش عارف لها وصف، تقدر تقول كده هزة قوية بتهز مشاعرك وكيانك كله، ده غير الحنين للماضي اللي في لحظة بيتملك منك ويرجعك لسنين ورا، بتحس نفس المشاعر ونفس رعشة القلب والجسد اللي كنت بتحسها زمان." وأكمل حين وعى على حاله:

"لحظات،،،،، مجرد لحظات بتعدي عليك كعمر بحاله وبعدها بتحصل صدمة الإفاقة، ودي الحمد لله ما أخدتش معايا ثواني ورجعت لوعيي من جديد." كانا شقيقاه ينظران إليه بتمعن يراقبان حركة عيناه وشفتاه المبتسمة حين تذكر الماضي. وجه هادي الحديث إليه مردفاً باهتمام: "هشام، هو أنت فعلاً نسيت لبنى وحبيت فريدة؟ وعند ذكر أخاه لنطق أحرف كلمة فريدة تحول وجه هشام إلى وجه عاشق ولهان في التو واللحظة، وأجاب أخاه بعيون عاشقة

لم يستطع السيطرة عليها: "أنا بعشق فريدة، مش بحبها يا هادي." نظر له حازم ذلك المسكين الذي لم يحالفه الحظ بمقابلة ذلك الذي يسمونه العشق، نطق مستفسراً: "ودي تفرق يا هشام؟ أجابه بنبرة هائلة:

"تفرق كتير أوي يا حازم، العشق هو تخطيك الحب بمراحل، العشق معناه إنك وصلت لأعلى درجات الحب، لما بتوصل لدرجة عاشق عمرك ما بتشوف عيب في حبيبك، دايماً تشوفه أجمل حد في الكون شكلاً وموضوعاً، كلامه أحلى كلام، أفعاله أحلى أفعال، العشق بيغسل قلوبنا من أي كره وأي تفكير سلبي يا حازم." أجابه هادي: "وياتري فريدة هي كمان وصلت معاك لدرجة العشق دي؟ أجابه بثقة:

"بص يا هادي، فريدة خجولة جداً وصعب إنها تعبر عن مشاعرها بأريحية، وده طبعاً بحكم تدينها وقربها من ربنا، بس أنا متأكد من إنها بتعشقني زي ما بعشقها ويمكن أكتر." غمز حازم وتحدث بوقاحة: "تعرف يا زومة، بيقولوا إن الست المتدينة دي بتوري لجوزها الدلع والأنوثة على حقها، زي كده الشيوخ والمتدينين." وأكمل بنبرة جادة: "بياخدوها من باب عفة الزوج أو الزوجة، اللي هو هدلع جوزي وأتشقلب له علشان أعفه وما يطلعش يتشقلب برة."

ضحك هادي وتحدث: "على فكرة يا زومة إنت بتتكلم صح." زفر هشام بحنق وأردف باعتراض وغيرة ظهرت بعيناه: "الكلام ده ما فيهوش هزار يا رجالة، ياريت تغيروا الموضوع." ابتسم حازم واحترم غيرة هشام على خطيبته وأردف قائلاً بمداعبة ساخراً: "عندك حق يا إتش، نرجع بقا ل لبنى." ضحك هادي ساخراً على شقيقه وتحدث: "خلاص يا زومة إتش قفلك الكلام في الموضوع باعترافه عن عشق فريدة." ابتسم هشام ونظر إلى هادي وأردف بنبرة ساخرة:

"حازم شكله كده رانيا منكدة عليه كالعادة فعايز يتكلم في أي كلام والسلام." *** داخل شقة كمال. كانت لبنى تجلس فوق الأريكة تشاهد جهاز التلفاز بشرود ونظرة حزن تسكن داخل عيناها. أتت إليها منى وجلست بجوارها وتحدثت بترقب شديد: "لبنى، عايزة أتكلم معاكي في موضوع بس أرجوكي يا بنتي تفهميني كويس وتريحي قلبي." نظرت لها لبنى تترقب ما هو آت، فأكملت منى: "أنا عايزكي تبعدي عن هشام خالص وما تحاوليش تقربي منه تاني،" وأكملت بحزن:

"لأني لاحظت لما كنا عندهم إن خالتك سميحة متضايقة من قربك منه، ده غير هشام نفسه ورفضه اللي كان واضح قدامنا كلنا لأي محاولة منك للكلام معاه." أخرجت زفيراً قوياً يدل على ثقل همومها الساكنة داخل صدرها المتألم. ثم نظرت لها قائلة بنبرة متألمة: "إنتِ عايزاني أتخلى عن هشام يا ماما؟ تنهدت منى بألم وهي تنظر لحالة طفلتها المزرية نتيجة عدم نسيانها لهشام وعشقه الذي بات يؤلم قلبها الضعيف. وتحدثت بصوت متألم:

"هشام هو اللي اتخلى يا بنتي، هشام نسيكي ورتب لحياته خلاص، سيبيه يعيش يا بنتي." أجابتها بألم: "مش هقدر أعيش من غيره يا ماما، أنا محتاجة له أوي في حياتي علشان أقدر أكمل." وأكملت بدموع: "كان نفسي أحكي له عن حقيقة سفري وأوضح له أنا ليه سبته زمان، كان نفسي أقول له إني ما اتخليتش عنه زي ما هو فاكر." وهزت رأسها بأسى وأكملت: "بس مش عايزاه يرجع لي مرغم، عايزاه يرجع لي علشان لسه بيحبني، مش شفقة ولا علشان صعبت عليه."

بكت منى وتحدثت بحدة: "خلاص يا لبنى، وقت الكلام عدى وفات، الكلام ده كان ينفع من أربع سنين لما قولت لك سبيني أقول له وإنتِ وقتها اللي عندتي وصممتي إن محدش يعرف، وأجبرتيني أكذب وأقول لهم إن باباكي هو اللي مصمم وعاوزنا نروح نعيش معاه في دبي." وأكملت بدموع: "ياما اتحايلت عليكي إني أقول لهشام علشان ييجي معانا، لكن إنتِ اللي رفضتي وأصررتي على رأيك، وما كان مني أنا وأبوكي وأخوكي وقتها غير إننا نطيع أوامرك." وأكملت بانهيار:

"وما اكتفيتيش بده وبس، لا، خليتينا ألفنا موضوع خطوبتك على شاب إماراتي." أجابت والدتها بدموع وقلب متألم من تذكر تلك النكبة التي مرت بها: "كان لازم أخليه ينساني ويكرهني يا ماما، كان لازم أقطع عنه أي أمل في إنه يستناني." تنهدت منى وتحدثت وهي تجفف دموعها: "خلاص يا لبنى، طالما اخترتي من الأول إنك تضحي علشانه يبقى كملي الطريق لآخره، وسيبيه يعيش حياته اللي اختارها بإيديه." صاحت بدموع:

"حاولت والله يا ماما، حاولت، بدليل خطوبتي من علاء اللي كانت من 8 شهور، وصدقيني حاولت إني أكمل معاه وأنسى هشام لكن مقدرتش، والله العظيم مقدرتش، غصب عني مش شايفة نفسي مع حد غيره، غصب عني يا ماما." تحدثت منى وهي تحتضن صغيرتها بحب: "انسي يا بنتي، هشام بيحب خطيبته ومش هيسيبها عشان أي حد، حتى لو حكيتي له الحقيقة اللي خليتك بعدتي عنه وكذبتي عليه وفهمتيه إنك مش عايزاه." هزت رأسها بدموع ونفي وتحدثت من بين شهقاتها العالية:

"مش هقدر أعيش من غير هشام يا ماما، مش هقدر." ربتت منى على ظهر غاليتها المتألمة وتحدثت بقلب يصرخ لأجلها: "هتقدري يا ماما، ربنا هيقويكي ويساعدك في إنك تنسيه وتكملي، ربنا مش هيتخلي عنك وهيشملك بعطفه، وزي ما شملنا قبل كده ورزقك بحياة جديدة، هيعطف عليكي ويمحي حب هشام من قلبك علشان تقدري تكملي حياتك وإنتِ مرتاحة."

بكت وبكت والدتها معها بانهيار تام وهي تحتضن صغيرتها لتضمم جرحها النازف الذي لم يجف لحظة طيلة الأربع سنوات الماضية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...