في اليوم التالي مساءً، داخل مسكن قاسم الدمنهوري، كان يجلس كل من قاسم، أمال، سليم، ريم، بصحبة عائلة عزمي الشافعي. تحدث عزمي بابتسامة سمجة: "أنا قولت نيجي إحنا نقضي معاكم اليوم ونشوف الباشمهندس سليم اللي ليه أكتر من أسبوعين في مصر وحتي مفكرش ييجي يسلم علي خاله بعد غياب خمس سنين بحالهم! نظر إليه سليم وتحدث باحترام: "صدقني يا خالي غصب عني، أنا يعتبر مبدخلش البيت غير علشان النوم، حتى إسأل مامي."
تحدثت أمال بابتسامة مجاملة لعدم تقبلها لشقيقها وزوجته اللذان ظلماها هي وشقيقتها ومنعوهما من ميراثهما الشرعي. وأردفت قائلة بغرور: "الحقيقة سليم من وقت ما وصل مصر وكل يوم بيمر علي الشركات ويقيمها، وفعلا مبيجيش غير وقت النوم." وأكملت بكبرياء: "ما أنتوا عارفين منصب الباشمهندس كبير ومهم إزاي، الشركة بتثق فيه ثقة عمياء، ده كمان مسافر بعد كام يوم دبي علشان يقيم كام شركة هناك مقدمين طلبات دمج شركاتهم مع شركته!
اشعل الغيظ داخل سميرة من تلك المغرورة المتسلطة وكادت أن تقف وتمسك بتلك الفاز الكريستالية الموضوعة جانباً، وتفتك برأس تلك الشمطاء المتكبرة. حدثت نفسها بغل: "من يستمع لحديثك يظن أنها شركة العائلة التي أسسها له ذلك الأبله القاطن بجانبك والذي يدعي قاسم، يا لكِ من شمطاء حمقاء، رحم الله تلك الأيام حينما كنتي لا تجدين ما تسدي به جوعك، أتتكبرين على سيدتك وسيدة عائلتك بالكامل أيتها الخنفساء، حقاً عائلة رعاع." ثم تلاشت وعت
على حالها وتحدثت بنفاق: "وهو فيه زي الباشمهندس سليم في الدنيا كلها، ربنا يعلي قدرة كمان وكمان." ثم تحدثت برياء: "مش عارفه يا أمال هتصدقيني ولا لأ، بس أنا فعلاً بحب سليم وبتمنى له كل الخير، ودايماً بدعيله أكتر ما بدعي لأولادي نفسهم." كانت تنظر لها مستشفه كذبها وريائها. حدثت نفسها بضيق: "ماذا دهاكِ أيتها الساحرة، أتظنين أنني بذلك الغباء لأصدق مشعوذة شريرة مثلك؟ ثم عن أي دعاء تتحدثين أيتها الحرباء المتلونة؟
أكاد أجزم أنك حتى لا تتذكري أولادك بذلك الدعاء التي تتحدثين عنه، هذا وإن كنتي تركعين لربك من الأساس، أيتها الشيطانة بالعة السحت وأموال اليتامي داخل كرشك اللعين! ثم تحدثت بابتسامة مزيفة قائلة بكبرياء: "أكيد طبعاً، مهو بالنسبة لك زي حسام." ثم صاحت بصوتها لتستدعي العاملة بكبرياء: "ليندا، ليندا." أتت العاملة الفلبينية. وما إن رأتها سميرة حتى لوت فمها. وحدثت نفسها:
"فلبينية يا ابنة عديلة، رحم الله ذلك الأيشارب الذي كنتِ تحيكين به رأسك وأنتِ تمسكين بتلك الخرقة المتهالكة وتنظفين بها أخشاب منزلك الحقير." تحدثت العاملة بلغة ركيكة: "أفندم مدام؟ تحدثت أمال بغرور: "شوفي الضيوف يشربوا إيه! وجه قاسم حديثه إلى أمال بإحراج: "ضيوف إيه بس يا أمال، الجماعة أصحاب بيت." وتحدث لحسها على التحرك: "قومي بلغي المطبخ علشان يجهزوا عشا يليق بأستاذ عزمي ومدام سميرة والأولاد! ابتسمت ريم
لحديث والدها وتحدثت بحماس: "أنا هقوم أبلغهم يا بابا." تحدثت سميرة: "ملوش لزوم يا قاسم بيه، هو إحنا أغراب للكلام ده! أجابها سليم باحترام: "إزاي يا طنط، حضراتكم مشرفينا إنهاردة وده أقل واجب يتقدم لكم." تحدثت أمال مرغمة: "تحبي أخلي الطباخ يعملكم أصناف معينة يا سميرة، ولا تاكلوا على ذوقي؟ أجابتها سميرة بنفاق: "أكيد على ذوقك، هو فيه زي ذوقك يا أمال." رد عليها عزمي بنفاق:
"عندك حق طبعاً يا سميرة، أمال طول عمرها ملكة الذوق." ابتسمت أمال على ذلك الثنائي المنافق من الدرجة الأولى وانسحبت إلى المطبخ. ثم نظرت سميرة إلى ابنتها نظرة ذات معنى. وقفت ندي وتحدثت بنبرة حماسية: "ما تيجي يا سليم إنتَ وحسام نقعد في البلكون ونسيب الكبار يقعدوا براحتهم، أكيد فيه كلام كتير حابين يتكلموا فيه." تحدثت، وياليتها لم تتحدث. ألقى سليم نظرة حارقة على حسام الجالس ينظر إليه يترقب لردة فعله.
فتحدث سليم باحترام مفتعل: "أتفضلوا إنتوا يا ندي وخدوا راحتكم، أنا للأسف مضطر أدخل أوضتي علشان عندي شغل مهم." ثم نظر إلى عزمي وتحدث: "بعد إذن حضرتك يا خالي، وإن شاء الله لما العشا يجهز أكون خلصت شغل وأجي أتعشا معاكم." تحدث عزمي: "براحتك يا حبيبي، ربنا يقويك." ثم نظر إلى سميرة التي احتقن وجهها وتحدث: "بعد إذن حضرتك يا طنط." هزت رأسها بابتسامة كاذبة. أما حسام وندي فقد استشاط داخلهما من عدم تقدير سليم لكل منهما.
وتحركا إلى الشرفة وقفا بجانب بعضهما. حين نظر حسام إلى ندي وحدثها بنبرة ساخرة: "يا بنتي سيبك بقا من كلام ماما إللي هيقلل من كرامتك ده وسيبك من إللي إسمه سليم ده كمان، صدقيني سليم عمره مهيفكر فيكي، وحتي لو حصلت المعجزة وفكر، عمتك عمرها ما هتسمح له بكده." وأكمل بتأكيد: "إنتِ مش شايفة قذف الجبهات اللي بالعيون بينها وبين ماما، أنا متأكد إن الاتنين لو سنحت لهم الفرصة هيقطعوا بعض!! أجابته بتذمر:
"وأنا قولت لك قبل كده إن سليم مش هيكون لحد غيري أنا، وبكرة هفكرك!! أتت ريم إليهما وتحدثت لهما وهي تشير إلى العاملة: "أتفضلوا، أنا خليت داده رقيه تعمل لنا نسكافيه، هيعجبكم أوي على فكرة، أصل سليم جايبه معاه هو والقهوة من ألمانيا!! تحركت ندي وأخذت كوب النسكافيه الخاص بها وتحدثت بتخابث: "أسيبكم بقا علشان تقعدوا براحتكم!! غمز لها حسام بشكر حين ابتسمت ريم خجلاً.
وتحركت هي إلى بهو الشقة واستغلت انشغال الجميع بالحديث ووجود عمتها بالمطبخ لإشرافها على العشاء. وتحركت للداخل حتى وقفت أمام غرفة سليم ثم دقت بابها بخفة وفتحته حتى قبل أن يأذن لها هو بالدخول. وجدته يقف بالشرفة ينظر إلى السماء شارداً. شعر بأقدام تتحرك خلفه فهو لم يستمع لخبطها نتيجة ضعفه، وأيضاً لشروده في من ملكت عقله ووجدانه وأثرته. نظر خلفه وتساؤل مضيقاً عيناه باستغراب: "ندي، فيه حاجة؟! ثم نظر لباب الغرفة وجده موصد.
تحرك سريعاً كمن لدغته عقرب وأمسك المقبض وفتح الباب على مصرعيه. أمالت هي رأسها باستغراب ونظرت إليه وتحدثت باستنكار: "فتحت الباب ليه يا سليم؟! أجابها وهو مازال متسمراً بجانب الباب: "علشان ميصحش وجودك هنا والباب مقفول، وميصحش وجودك في أوضتي من الأساس يا ندي!! أجابته بدلال وإثارة: "هو فيه إيه يا سليم، إنتَ ليه مصر تتعامل معايا على إني غريبة عنك؟! أردف قائلاً بهدوء:
"بالعكس يا ندي، أنا بعتبرك زي ريم بالظبط وبخاف عليكي زيها، وعلشان كده من واجبي إني أحافظ على شكلك وسمعتك قدام الناس!! زفرت وأردفت قائلة بتذمر واعتراض: "إيه حكاية بعتبرك زي ريم اللي كل شويه تقولها لي دي، أولاً أنا مش أختك، ولا عمري اعتبرتك زي حسام." وأكملت باستعطاف ودلال:
"يا سليم أنا محتاجة فرصة أتكلم فيها معاك وأشرح لك كل اللي جوايا وبحس بيه من ناحيتك، هي فرصة واحدة بس، وإنتَ في كل مرة بحاول أخلق الفرصة دي بتصدني ومش بتسمح لي بيها." أجابها بإصرار: "من فضلك يا ندي اخرجي من الأوضة حالاً لإن وجودك هنا مش مقبول، وممكن يتفسر غلط." كادت أن تتحدث ولكن أسكتها دلوف أمال التي وقفت بجانب سليم ونظرت إليها باستنكار وتساءلت بنبرة حادة متعجبة: "سايبة مامتك وباباكي برة وجاية تعملي إيه هنا يا ندي؟!
ارتبكت ندي وأردفت قائلة بكذب وهي تمسك هاتفها: "أنا كنت جايه أسأل سليم عن حاجة خاصة بحسابي على جوجل يا عمتو!! نظر لها باستغراب من كذبها وقدرتها على تلون وجهها رغم صغر سنها. أجابتها أمال بنبرة جادة:
"ما أنتِ سامعة سليم وهو بيقول إن عنده شغل مهم هيعمله، ثم إن وجودك في أوضة شاب عازب غلط ومرفوض، وبيتهيأ لي وقفة سليم عند الباب وفتحه ليه أكبر دليل منه على إن وجودك هنا مش مقبول وغير مرغوب فيه بالنسبة له، ده غير إنه مش فاضي لجوجل والكلام التافه ده!! كان يستمع لحديث والدته بارتياحية لصحتها، وأيضاً لعلمه لأغراض ندي من التقرب إليه وهو ما يرفضه شكلاً وموضوعاً.
تحركت ندي بقلب يملئه الغضب من هذه العمة التي أفسدت عليها فرصتها في التقرب من سليم. وتحدثت بنبرة هادئة عكس ما بداخلها تماماً: "أنا آسفة يا عمتو، أكيد مقصدتش أعطل سليم عن شغله." ثم تحركت ووقفت مقابله لسليم وتحدثت بنبرة صوت رقيقة: "بعد إذنك يا سليم." هز لها رأسه بجمود ووجه خالٍ من أي تعبير. وخرجت. زفر هو وتحرك للداخل وتحدث إلى والدته بعتاب:
"هو إزاي خالي سايب ندي توصل للحالة دي يا ماما، إزاي توصل بيها الجرأة إنها تدخل لراجل أوضته وتقفل بابها من غير خجل ولا حياء؟ ده غير لبسها الضيق وشعرها، هو مستني إيه علشان يقول لها تلبس حجابها الشرعي وتلتزم بلبسها؟ تنهدت وأردفت قائلة: "وهو خالك ولا الهانم مراته فاضيين لها!! تحدث سليم بنبرة جادة: "ياريت يا ماما تخلي بالك من ريم ومتسمحيش لها تخرج وتختلط معاها!! أجابته بجدية:
"هو أنتَ مش عارف باباك وتشدده معاها يا سليم، ده مبيسمحلهاش تخرج برة البيت من بعد أذان المغرب، ودايماً بيراقب لبسها بنفسه!! بعد مرور حوالي ساعة كان الجميع يلتفون حول سفرة الطعام. نظرت سميرة إلى الطعام وتحدثت: "حلو أوي الأكل يا أمال، بس أكيد مش في طعامه ولذاذة أكلك." وتساءلت: "هو أنتِ مبقتيش بتدخلي المطبخ خالص؟ ابتسمت أمال بمجاملة وأجابتها: "بصراحة لا بقى عندي وقت ولا صبر على وقفة المطبخ زي زمان." ثم نظرت
إلى سليم وتحدثت بحنان: "بس ده ميمنعش إن من وقت ما سليم رجع وأنا تقريباً بدخل المطبخ يومياً، إنتِ عارفه بقا أكل دول أوروبا اللي ملوش لا طعم ولا لون!! تحدث عزمي بحديث ذي معنى ومقصود ناظراً إلى سليم: "أنا شايف إن سليم لازم يستغل إجازته دي ويخطب ويتجوز وياخد مراته معاه تطبخ له هي بنفسها." وأكمل بابتسامة سمجة: "ولا أنتَ إيه رأيك يا باشمهندس؟ ابتسم إلى خاله وتحدث عن قصد: "لسه بدري على الخطوة دي حضرتك!!
أجابته سميرة باستمة للتأكيد على حديث زوجها الموجه: "بدري من عمرك يا حبيبي، ده كل اللي من سنك معاهم أولاد، مفيش غيرك إنتَ وحسام، بس على الأقل حسام خاطب وعذره إن ريم لسه بتكمل تعليمها، لكن إنتَ بقا عذرك إيه يا باشمهندس؟ ثم نظرت إلى قاسم وتحدثت: "جري إيه يا قاسم بيه، هو حضرتك مش حابب تشوف أحفادك وهما بيلعبوا حواليك ولا إيه؟ أجابها بعيون سعيدة من مجرد ذكر اسم أحفاده:
"أكيد نفسي وجداً كمان، بس أنا في إيدي إيه أعمله إذا كان صاحب القرار نفسه شايف إن لسه شوية على الخطوة دي؟ نظرت إلى سليم وتحدثت باستمة: "ولا شوية ولا حاجة يا سليم، قرر إنتَ بس وسيب الباقي علينا، حتى علشان تفرح بابا وماما!! كانت ندي تستمع إليهم وهي تنظر إلى سليم بعيون سعيدة وقلب يتراقص. تحدثت أمال ناهية الموضوع لمعرفة غرض أخيها وزوجته من فتح هذا الموضوع الآن: "ياريت يا جماعة تقفلوا على الموضوع ده علشان سليم بيتضايق."
وأكملت بحديث ذي معنى: "وبعدين خلينا نستمتع بطعم الأكل ونستمتع بلمتنا الحلوة اللي مبتتكررش كتير." أجابها عزمي بسماجة: "متقلقيش يا حبيبتي، إن شاء الله زياراتنا هتتكرر كتير بعد كده!! ابتسمت له بمجاملة وأكملوا طعامهم. تحت أنظار ندي الجريئة إلى سليم الذي يتلاشاها وينظر إلى صحن طعامه الموضوع أمامه. ***
بعد يومان كانت تجلس بمكتبها تعمل على جهاز الحاسوب الخاص بها، وجدت هاتفها يرن معلناً عن وصول مكالمة، نظرت به واستغربت حين وجدت نقش اسم والدتها. ردت على الفور. ارتاعت أوصالها حين استمعت لصوت والدتها الباكي وهي تستنجد بها قائلة بصراخ: "الحقيني يا فريدة، أبوكي أغمي عليه ومبيردش عليا! وقفت مرتاعة وتحدثت: "أغمي عليه إزاي يا ماما، إيه اللي حصل، وإنتوا فين دلوقتي؟ صرخت عايدة:
"أنا في البيت والجيران طلبوا الإسعاف ولسه مجتش ومش عارفة أعمل إيه؟ أجابتها على الفور وهي تلتقط حقيبة يدها: "إهدي يا ماما وأنا هكلم عمو عزيز ييجي لكم حالاً، هو جنبك وأكيد هيوصل أسرع، وإطلعي على مستشفى ******* هي أقرب لكم وكمان مستواها كويس، وأنا هسبقك على هناك حالاً." حدثتها عايدة: "بسرعة يا فريدة، خلي هشام يجيبك بالعربية علشان توصلي أسرع ويقف معانا." أجابتها فريدة بأسى:
"هشام في مصلحة الضرائب بيخلص ورق ومش هييجي الوقت خالص." أغلقت مع والدتها وهاتفت عزيز الذي طمأنها وأخبرها أنه قريب جداً من موقع مسكنهم. وصلت إلى مكتب فايز وتحدثت إليه: "بعد إذن حضرتك يا باشمهندس أنا لازم أمشي حالاً." أجابها سريعاً: "خير يا فريدة، فيه حاجة؟ أجابته سريعاً: "بابا تعبان شوية ولازم أروح له المستشفى!! أجابها وهو يتحرك ليحثها على الخروج: "تمام، تحبي أجي معاكي أوصلك؟ أجابته سريعاً:
"متشكرة يا أفندم، أنا هاخد تاكسي من قدام الشركة!! وصلت للمصعد الذي كان يصعد إليها بالفعل وانفتح بابه. وجدت سليم بوجهها وكأنها وجدت ضالتها، وودت لو أن لها الحق في أن ترمي بنفسها داخل أحضانه ليمتص عنها رعبها وهلعها الذي أصابها من هذا الخبر المشؤوم ويتولى هو أمره. تحدث فايز باحترام: "أهلاً باشمهندس سليم، في ميعادك مظبوط." وأشار بيده باتجاه مكتبه: "اتفضل."
نظر سليم إلى فريدة المتخشبة بوقفتها وبعينيها هلع ورعب لم يرها عليه من قبل، وأيضاً قرأ بعينيها احتياجها الشديد له. تحدث سريعاً: "مالك يا باشمهندسة؟ أجابهٌ فايز: "باباها تعبان شوية!! فاقت على حالها وتحدثت وهي تدلف إلى المصعد لتحث سليم على الخروج منه حتى تضغط على زر الهبوط: "بعد إذنك يا باشمهندس!! أجابها بقوة وهو مازال يقبع داخل المصعد: "أنا جاي معاكي أوصلك!!
نظرت له بذهول ولم تعترض وكأنها بالفعل تحتاجه معها ليطمئن قلبها. تحدث سليم فايز: "بعد إذنك يا باشمهندس، وبعد إذن حضرتك مضطر أجل ميعادنا لبكرة إن شاء الله!! أجابه فايز الذي أصابه الذهول من تصرف ذلك السليم المعروف بعدم اكتراثه لأي شيء خارج نطاق عمله: "ولا يهمك يا أفندم، أهم حاجة نطمن على الأستاذ فؤاد." ثم أشار إلى فريدة: "ابقي طمنيني يا فريدة، ما تنسيش!! ضغط سليم زر الهبوط ثم نظر إليها وتحدث بحنان:
"إطمني يا فريدة، إن شاء الله هيبقي كويس." أماطت برأسها بضعف وخرجا واستقلت سيارته وانطلق سريعاً إلى وجهتهم بعدما هاتفت والدتها وتأكدت أنهما اقتربا من المشفي. وفجأة وبدون سابق إنذار انفجرت دموعها التي احتجزتها كثيراً ولكنها لم تعد تحتمل ادعاء القوة أكثر. نظر لها ومازال يقود سيارته وتحدث بتألم: "إهدي يا حبيبتي، صدقيني هيبقا كويس." نظرت له من وسط دموعها وتحدثت بصوت متقطع:
"بابا لو جراله حاجة أنا ممكن أموت يا سليم، عمري ما تخيلت إن ييجي عليا يوم وأشوفه ضعيف ومهزوم من المرض أو... وصمتت وهزت رأسها بدموع وهي ترفض تلك الأفكار المتشائمة التي اجتاحت خيالها. تنهد لأجل حالتها وتمنى لو أن له الحق ليأخذها داخل أحضانه ويمتص عنها آلامها وهمومها. تحدث بهدوء: "إيه اللي حصل؟ رفعت كتفيها بعدم معرفة وأردفت:
"ماعنديش تفاصيل، كل اللي فهمته من ماما إنه أغمي عليه، محبيتش أضغط عليها لإنها منهارة ومضغوطة لوحدها!! أجابها ليطمئنها: "إن شاء الله خير يا فريدة." ردت عليه بعيون متلهفة لدعائه: "يارب يا سليم، يارب." وصلا للمشفي وصعدا معاً إلى مكان والدها بعدما سأل سليم عن مكان تواجده في الاستعلامات. تحركت فريدة بجوار سليم وهي تهرول داخل الممر المؤدي إلى غرفة العناية المشددة المتواجد بها فؤاد.
وجدت والدتها تجلس وهي تبكي بانهيار تام وبجانبها عزيز وشابان من جيرانهم. جرت عليها فريدة واحتضنتها وتحدثت باطمئنان رغم رعبها الساكن بداخلها: "إهدي يا حبيبتي، بابا هيبقا كويس إن شاء الله." تحدثت عايدة من بين شهقاتها وهي تحتضن ابنتها: "فريدة، شفتي إللي حصل لبابا يا فريدة." تحدث سليم إلى عايدة باحترام: "ألف سلامة على أستاذ فؤاد يا أفندم." أجابته بعدم اكتراث دون أن تنظر له: "الله يسلمك." نظرت فريدة إلى الشابان
الواقفان وتحدثت لهما: "متشكرة جداً يا مصطفى إنتَ ومحمد على وقفتكم مع ماما ومجيئكم معاها لحد هنا!! أجابها محمد باحترام: "إنتِ بتقولي إيه يا باشمهندسة، إنتوا أهلنا ولولا إن الوقت وقت شغل ورجالة الشارع كلهم في أشغالهم كان زمان المستشفى دي اتملت بالرجالة!! وأكمل مصطفى مؤكداً على حديث صديقه: "الأستاذ فؤاد خيرة على الكل يا باشمهندسة، وطنط عايدة أم لينا كلنا ونخدمها بعينينا." تحدثت عايدة من بين شهقاتها:
"ربنا يخليكم يا حبايبي وما يحرمنيش منكم أبداً." نظر عزيز إلى فريدة وتحدث: "أنا هروح أكمل الإجراءات يا بنتي وأرجع لكم تاني." وقفت فريدة وأجابته: "أنا جايه معاك يا عمو." حدثها سليم برجولة: "خليكي إنتِ وأنا هنزل." أجابته بتصميم: "أنا إللي هنزل." أجابها بإصرار: "طب هاجي معاكي لتحتاجي فلوس." أجابته بشكر:
"متشكرة، أنا معايا كفاية، وبعدين بابا موظف حكومة والمستشفى دي تبع التأمين بتاعه، يعني إن شاء الله المبلغ المطلوب مش هيكون كبير." وبالفعل نزلت للحسابات ودفعت مبلغاً تحت الحساب من خلال بطاقة الائتمان الخاصة بها. ثم توجهت مرة أخرى إلى الأعلى. جلست بجانب والدتها التي مازالت تبكي بحالة هيستيرية وسليم يجلس مقترباً منها إلى حد ما. خرج الطبيب وأسرع الجميع إليه بتلهف. حين تحدث هو:
"إطمنوا يا جماعة، الحمدلله الحالة استقرت وبقا كويس!! تحدث سليم بعملية: "تشخيص الحالة إيه لو سمحت؟ أجابه الدكتور: "ارتفاع عالي في ضغط الدم أدى لارتفاع نسبة السكر في الدم وده اللي سبب للمريض حالة الإغماء المفاجئة، ونظر لهما وتحدث بترقب أقلق فريدة." "وإحنا بنعمل للمريض أشعة علشان نطمن اكتشفنا إن فيه انسداد للشريان التاجي، وده محتاج عملية بأسرع وقت علشان ميأثرش على صحته وخصوصاً في وجود مرض زي السكر."
شهقت عايدة ووضعت فريدة يدها على فمها وهبطت دموعها بشدة. فبادر سليم بالحديث لطمئنهما: "إهدوا يا جماعة، العملية بسيطة جداً وبتتعمل تقريباً في أقل من ساعة والمريض بيروح بيته في نفس اليوم، بابا لسه عاملها من فترة وبقا كويس جداً الحمدلله!! أجابه الطبيب بتأكيد على حديثه: "كلامك صح جداً وفعلاً الموضوع مش محتاج كل القلق ده، ويا ريت تهدوا ومتظهروش خوفكم قدام المريض علشان حالته النفسية مهمة جداً الفترة دي." وأكمل:
"ياريت تقرروا هتعملوا العملية إمتي علشان نستعد." "بعد إذنكم." أوقفته فريدة وتحدثت وهي تجفف دموعها: "لو سمحت يا دكتور، إحنا ممكن نشوف بابا إمتي؟ أجابها بعملية: "باباكي محتاج يقعد في العناية تحت الملاحظة حوالي ساعتين كمان، وبعدها هنخرجه لغرفة عادية وهيضطر يبات معانا إنهاردة علشان نظبط له السكر والضغط، بعد ما يتنقل لغرفته تقدروا تدخلوا عنده، بس ياريت بلاش الزحمة والكلام الكتير!!
وافقهٌ فريدة وانصرف الطبيب وجلست فريدة ووالدتها تبكيان بحرقة أمام ذلك الذي يتقطع لأجل دموعها وكأنها تنزل على قلبه كحمم تكوي كل ما يقابله. بعد حوالي نصف الساعة تحرك سليم وجلب من كافيتيريا المشفي بعض زجاجات المياه والعصائر لهما وللحضور. شكرته عايدة ورفضت تناول أي شيء حتى خروج شريك حياتها ورفيق دربها الغالي من داخل تلك الغرفة التي تحجب عنها رؤياه.
وأيضاً فريدة التي شكرته ورفضت لكنه أصر عليها فتناولت بعض قطرات المياه من يده. نظرت فريدة إلى والدتها ثم تساءلت: "إيه اللي حصل ووصل بابا للحالة دي يا ماما؟ نظرت لها وتحدثت أمام سليم الجالس بجانبهما:
"هو من الصبح وهو حاسس بنفسه تعبان زي ما سمعتيه كده وإحنا على الفطار، اتصل بالشغل وأخد أجازة عارضة ودخل نام شوية وبعدها قام من النوم، دخلت أعمل له حاجة يشربها وهو دخل أوضة أسامة يتطمن عليه ويشوفه بيذاكر ولا إيه، لاقاه مولع سيجارة." وبكت بحرقة وكأن توفي لها غالي: "شفتي المصيبة اللي إحنا فيها يا فريدة، أسامة بيشرب سجاير وطول الوقت كان بيخدعنا." شهقت فريدة وتحدثت بعدم تصديق: "أسامة، حضرتك متأكدة من الكلام ده يا ماما؟
تحدثت بتأكيد: "أيوه طبعاً، أنا جريت من المطبخ على أصواتهم العالية، دخلت لقيت باباك بيزعق وضرب أسامة قلم على وشه وبعدها مسك صدره واتوجع ووقع على الأرض، قعد حوالي خمس دقايق وبعدها دخل في حالة الإغماء." كانت تستمع لها وهي تبكي ثم أردفت قائلة: "وأسامة فين دلوقتي؟ أجابتها: "جه معايا على المستشفى بس ماعرفش راح فين." تحدث سليم بهدوء: "أنا آسف لتدخلي، بس بعد إذن حضرتك لو تسمحي لي أنا ممكن أقول رأيي في الموضوع ده؟
نظرت له عايدة وكأنها وأخيراً استفاقت ووعت على ذلك الجالس بجانبها منذٌ الكثير، تطلعت إليه باستغراب وتساءلت: "مين حضرتك؟ تحمحمت فريدة وأجابتها وهي تشير إلى سليم: "ده الباشمهندس سليم يا ماما، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة الألمانية اللي كلمتك عنها قبل كده!! نظرت له عايدة بعدم استيعاب وتساءل داخلها عن ما الذي يجعل العضو المنتدب يصطحب ابنتها إلى هنا؟ ولكنها تلاشت تلك الأسئلة فالآن ليس محلها ولا مجالها وتحدثت:
"آه، أهلاً وسهلاً بحضرتك! وأكملت فريدة لاستكمال شرح موقفها: "الباشمهندس كان داخل لمستر فايز مكتبه ولما عرف اللي حصل لبابا من مستر فايز أصر ييجي يوصلني، وكتر خيرة فضل معانا ومرضيش يسيبنا لوحدنا!! ابتسمت له عايدة بجانب فمها وأردفت بعرفان: "كتر خيرك يا باشمهندس، باين عليك ابن أصول يا ابني ومتربي كويس، ربنا ما يوقعك في ضيقة أبداً! أجابها باحترام: "على إيه يا أفندم، أنا ما عملتش حاجة أستاهل عليها شكر حضرتك ده!
وأكمل بتمني: "ممكن بعد إذنك يا فريدة تتصلي بأسامة وتطمنيه على باباه، وكمان تطمنيه عليه، مين عارف حالته عاملة إيه دلوقتي." ثم نظر إلى عايدة وأردف ليطمئن قلبها: "وبالنسبة لموضوع السجاير ده حضرتك تصرف طبيعي جداً ومتوقع من شاب في سنه، متنسيش إن أسامة مراهق وأكيد شيطانه بيحدثه إنه لازم يجرب كل حاجة، وللأسف أصحاب السوء ليهم دور كبير في السن ده." حدثته عايدة:
"بس متوصلش للسجاير يا باشمهندس، ده باباه عمره ما حطها على بقه ولا حتى يعرف طعمها إيه!! أجابها سليم بهدوء: "يا أفندم أسامة في سن مراهقة، يعني طبيعي إنه يتمرد على كل حاجة في حياته، وللأسف أكيد عمره ما هيبص لباباه ويقلده، كمان هينظر على حضرتك وباباه." وأكمل بخجل واعتذار: "أنا آسف طبعاً في اللفظ، هينظر لكم نظرة دونية." وأكمل شارحاً:
"بمعنى إنه هيبص لكم على إنكم مش من مستوى تفكيره وإنه أذكى من حضراتكم، وإنه بيعرف في الدنيا والناس أحسن منكم، وأي نصيحة هتتقال له سواءً من حضرتك أو حتى من باباه هيرفضها رفض قاطع ويبص لها على إنها هراء ليس إلا." تنهدت عايدة وتحدثت مؤكدة على حديث سليم: "عندك حق يا باشمهندس، فعلاً معظم الكلام اللي قولته بيعمله أسامة." وأكملت وهي تنظر إليه باهتمام:
"طب والحل إيه بقا، نسيبه كده يعمل اللي هو عاوزه ونقف نتفرج عليه وهو بيضيع وبيدمر نفسه قدام عنينا؟ ابتسم لها بخفة وأجابها بهدوء: "لا طبعاً يا أفندم، أنا بشرح لحضرتك حالة أسامة وطريقة تفكيره وده مش معناه أبداً إني بقول لحضرتك تسبيه كده." وأكمل بهدوء: "أنا آسف في اللي هقوله لحضرتك، لكن للأسف أستاذ فؤاد غلط لما ضرب أسامة، عمر الضرب والعنف ما كانوا حل لأي مشكلة، بالعكس ده بيزودها."
كانت فريدة تنظر إليه بإعجاب من طريقة حديثه وفكره الناضج. نظرت له عايدة وتساءلت: "أومال إيه التصرف اللي ينفع مع أسامة ويجيب معاه نتيجة؟ أجابها بثقة: "الحب والثقة والاحترام والصداقة، هما دول اللي هتقدري تعدي بيهم مع أسامة لبر الأمان، صاحبي ابنك وأدي له قيمته قدام نفسه، حسسيه إنه كبر وخلاص بقى راجل يعتمد عليه، حمله مسؤولية في البيت، دايماً حسسيه إنك واثقة فيه وفي تصرفاته." وأكمل:
"بس ده ميمنعش إنك لازم تدوري وراه وتراقبي تصرفاته من بعيد لبعيد ومن غير ما ياخد باله وده عشان أمانه." تنهدت عايدة وتحدثت: "تربية الولاد غير البنات خالص، دي فريدة ونهلة عمرهم ما غلبوني، وخصوصاً فريدة ربنا يبارك لها." نظر هو إلى فريدة وتحدث بإطراء: "هو فيه حد في عقل واحترام الباشمهندسة؟ أجابته بخجل: "متشكرة لحضرتك." وأردفت عايدة باندماخ وكأنها تناست أمر زوجها القاطن بتلك الغرفة:
"إلا قولي يا باشمهندس، هو حضرتك عرفت كل المعلومات دي إزاي؟ اللي يسمعك وإنت بتتكلم يقول عليك عديت الخمسين سنة من خبرتك." أجابها: "أنا بحب أبحث وأعرف كل حاجة حواليا، وبعدين بثقف نفسي وبجهزها علشان لما أتزوج وأخلف إن شاء الله أقدر أتواصل مع أولادي كويس." وهنا نظر إلى فريدة نظرة ذات معنى، والتي بدورها انتابتها قشعريرة سرت بجميع جسدها. أردفت عايدة:
"ربنا يا ابني يرزقك ببنت الحلال اللي تسعدك وتخلف لك الولد والبنت إن شاء الله! نظر داخل عيني فريدة وأجاب بتمني: "ربنا يتقبل من حضرتك." ارتبكت وانتفض داخلها وسحبت عينيها عنه. في تلك الأثناء دلفت نهلة بدموع وعيون متلهفة تبحث بكل مكان وهي تسرع ويجاورها عبدالله. نظرت فريدة لهما باستغراب. وصلا لمكان جلوسهم واحتضنت عايدة صغيرتها وبعد اطمئنانها على والدها. حدثتها فريدة بهمس: "جاية مع عبدالله منين يا أستاذة؟
أردفت لطمئنة شقيقتها: "روحت لقيته مستنيني هو وطنط اعتماد وطنط سامية وجينا كلنا مع بعض، بس هما واقفين مع حد يعرفوه برة وهيدخلوا دلوقتي." هزت فريدة رأسها بتفهم. وتحدث عبدالله: "هو أسامة قاعد تحت في الجنينة لوحده ليه، أنا طلبت منه يطلع معانا لكن مرديش! أجابته فريدة بتعقل: "أسامة مش حابب يشوف ماما وهي منهارة بالشكل ده، ففضل يقعد تحت لحد ما بابا يخرج من الرعاية."
أتت خالتها وزوجها وولدها الكبير وامتلأت المشفي بالأهل والمعارف. وفي تلك الأثناء وقفت فريدة وتوجهت إلى سليم وتحدثت: "متشكرة جداً على وقفتك معانا يا باشمهندس، اتفضل حضرتك شوف شغلك ومتعطلش نفسك أكتر من كده، إحنا خلاص اطمنا على بابا الحمدلله." أجابها بهدوء: "لما يخرج من العناية وتتأكدوا إنه كويس هبقى أمشي، وأكمل بنبرة حزينة: وبعدين للدرجة دي مش طايقة وجودي معاكي في نفس المكان؟ نظرت له سريعاً وأجابته بنبرة متلهفة
وعيون أفصحت عن ما بداخلها: "بالعكس، لو تعرف وجودك جنبي طمني أد إيه إنهاردة." ثم وعى على حالها وتحدثت خجلاً بارتباك: "أقصد يعني كلامك مع ماما عن أسامة اللي طمنها، وكمان شغلها وخلاها تبطل عياط وتنسى شوية حالة بابا." ثم نظرت له بعيون شاكرة وأيضاً عاشقة: "شكراً يا سليم." حدثها بهدوء: "فريدة، تعالي معايا نشوف أسامة تحت، الولد تلاقيه مرعوب." هزت رأسها بتفهم وتحدثت إلى والدتها:
"ماما أنا نازلة أشوف أسامة ولما بابا يخرج أبقى رني عليه." هزت عايدة رأسها بموافقة وتحركت هي بجانبه. وبعد مدة كانا يجلسان بحديقة المشفي بجانب أسامة يتحدثان بهدوء. تحدث أسامة بنبرة صوت خجلة: "صدقيني يا فريدة دي أول مرة أعمل كده، وإن شاء الله هتكون آخر مرة." رد عليه سليم:
"يا أسامة إنتَ كبرت وبقيت راجل، مش معقول بدل ما تريح قلب بابا وتشيل عنه هم أخواتك والبيت وتكون مسؤول معاه تكون أنت سبب تعبه، بدل ما تشغل وقتك وتجرب حاجات ممكن تدمر لك حياتك اعمل حاجة تفيدك، العب رياضة مثلاً، أو اتعلم سباحة." وافقه أسامة وبدأ يتحدث معه بأريحية متناسياً حزنه وخوفه، وشعر وكأنهما أصدقاء منذ زمن بعيد.
وقف سليم وتحرك إلى الكافيتيريا ليجلب إلى أسامة زجاجة مياه وأي شيء ليتناوله، فقد مر وقت طويل ولم يتناول الفتى شيئاً. كانت تجلس بجانب شقيقها بالحديقة، وجدت من يتحرك باتجاههما وهو يتحدث بلهفة: "فريدة، طمنيني عمو فؤاد عامل إيه؟ لا تدري لما ارتبك داخلها وارتعبت أوصالها حين رأته يقف أمامها، وتساءلت: "هشام، إنتَ عرفت إزاي إننا هنا؟ أجابها: "مستر فايز اتصل بيا وقال لي." ثم أردف قائلاً بنبرة ملامة:
"هو إنتِ إزاي متكلمنيش وتقولي لي على إللي حصل ده؟ تنهدت بألم وتحدثت بحزن ظهر فوق ملامحها: "هو أنا كنت في إيه ولا في إيه بس يا هشام، ده أنا كنت هموت من الرعب لما ماما اتصلت بيا وقالت لي، وبعدين ما أنا عارفة إنك في مصلحة الضرائب ومش هينفع تيجي وتسيب الورق اللي لما تخلصه وتمضيه." أجابها: "ولو يا حبيبتي، كان لازم تديني خبر، طب يلا بينا علشان نطلع نتطمن على عمي." لم يكمل حديثه ورأى من يتحرك إليهم بثقة عالية ثم
نظر إليه وتحدث بنبرة جادة: "السلام عليكم." نظر له هشام بصدمة وعيون مشتعلة. أما فريدة التي كادت أن تزهق روحها من شدة رعبها من نظرات هشام النارية الموجهه إلى سليم. مد سليم يده إلى أسامة ببعض عبوات البسكوت مع العصائر متلاشياً ذلك المشتعل. أخذ منه أسامة البسكوت وبدأ بفتحه على الفور وتناوله، وذلك لشدة جوعه. تحدث هشام بحدة بالغة: "هو أنا ممكن أفهم حضرتك موجود هنا بأي صفة، ثم إنتَ إزاي عرفت إننا هنا؟
تجاهله وبدأ يناول أسامة قطعة أخرى من البسكوت وتحدث ببرود: "كل دي كمان يا أسامة علشان تظبط لك مستوى السكر في جسمك." ابتلعت فريدة لُعابها برعب وتماسكت جاهدة. أخرجت صوتها بصعوبة متحدثة: "الباشمهندس كان خارج من الأسانسير لما ماما كلمتني، ولما عرف اللي حصل لبابا من مستر فايز أصر ييجي يوصلني، وكتر خيرة فضل معانا ومرضيش يسيبنا لوحدنا!! نظر لها بنظرات مشتعلة كطلقات نارية، ولو كانت النظرات تقتل لانتتهى أمر الفتاة. ثم وجه
حديثه إلى سليم بحده بالغة: "متشكرين يا باشمهندس وياريت حضرتك تتفضل، بيتهيأ لي وجود حضرتك مبقاش ليه لزوم بعد ما أنا جيت، مش عاوزين نعطلك أكتر من كده!! نظر له سليم وتحدث بابتسامة ساخرة وحديث ذي معنى: "في دي بقا معاك حق، أنا وإنتَ فعلاً مينفعش نكون موجودين في نفس المكان!! وأكمل ليُشعل داخله: "أنا كده كده كنت ماشي بعد ما اطمنت على الباشمهندسة واتأكدت إنها خلاص بقت أحسن بعد ما اطمنت على والدها." وأكمل وهو ينظر إلى فريدة:
"بعد إذنك يا باشمهندسة، وياريت توصلي سلامي لمدام عايدة وتتأسفي لها إني مشيت من غير ما أسلم عليها." ونظر إلى أسامة وأردف قائلاً بابتسامة: "لو احتاجت أي حاجة في أي وقت كلمني، رقمي هتلاقيه مع الباشمهندسة وهستنى مكالمتك، تمام! وقف أسامة ومد يده ليصافحه وتحدث: "أكيد، بس ياريت ما تزهقش مني لاني خلاص من النهارده اعتبرتك صديقي! أجابه سليم بابتسامة: "خلي بالك على نفسك! ونظر للجميع وتحدث وهو يتحرك للمغادرة: "بعد إذنكم."
كانت تتابع انسحابه من المكان بقلب يكاد يصرخ ويحتضنه ويتشبث به ليمنعه من الرحيل، فبرغم من ارتباكها الذي أصابها من وجود هشام إلا أنها كانت تشعر بالأمان في وجوده وحضرته. كاد هشام أن يتحدث لكن أوقفه رنين هاتف فريدة التي أسرعت بالرد وكانت والدتها تخبرها بخروج والدها وإفاقته. تحركت سريعاً للأعلى متناسية العالم أجمع وأصبح كل ما يشغل تفكيرها هو الاطمئنان على عزيز عينيها وغاليها والدها الحبيب وفقط.
تحرك خلفها هو وأسامة الذي تشجع بعد حديث سليم له وحثه على أن يستدعي شجاعته ويصعد إلى والده ويطلب منه العفو والسماح! *** كانت تجلس داخل غرفتها تضع طلاء الأظافر كي تذهب إلى منزل خالتها غادة. استمعت لرنين هاتفها أمسكته وتحدثت بعدما رأت ال private number: "كنت مستنية مكالمتك علشان أعرف الخطوة الجاية إيه؟ أجابها المتصل بهدوء وعملية:
"أول حاجة لازم نعملها هي إنك تحاولي تخلقي مواقف شبه اللي كانت بتحصل بينكم زمان، ولازم يشوفك كتير ويسمع صوتك في الفون أكتر، علشان يشتاق ويحن لماضيه." تأففت لُبنى وأجابت بملل: "أيوا بس هشام مش مديني فرصة أقرب منه خالص، إمبارح مثلاً رنيت عليه كذا مرة ومردش عليا، ولما لقيته أون لاين كلمته واتس وأتدللت عليه وقولت له أني زعلانه منه، تخيلي رد عليا وقالي إيه." وأكملت بحزن:
"قال لي معلش أصل كنت بكلم فريدة، زي ما يكون قاصد يقول لي إنه بيحبها وإني أخلي عندي دم وأبعد عنه! أجابها المتصل بهدوء وتفهم: "كل ده طبيعي جداً، هو خايف يتكلم معاكي ويقرب منك عشان ما يحنش ليكي ولماضيه الجميل معاكي، هشام خايف على نفسه ليضعف في قربك يا لُبنى." "إنتِ بقا خليكي أشطر منه وحاوطيه من كل الاتجاهات، ما تديلوش فرصة يفكر ويبعد، لاحقيه في كل مكان ممكن يتواجد فيه، عند غادة، في بيته، حتى في خروجاته." تساءلت بتعجب:
"وأنا هعرف منين خروجاته وتحركاته؟ أجابها: "دي بقا سيبها عليا، أنا عارف كل خطواته وهبلغك بيها أول بأول، بس إنتِ فرغي لي وقتك اليومين الجايين علشان هنبدأ الشغل الصح! تساءلت لُبنى بفضول: "بردوا مش ناويه تقولي لي إنتِ مين؟ رد عليها المتصل بامتعاض: "مش شغلك، وخليكي في اللي مطلوب منك وبس، ولا إنتِ مش عاوزة هشام يسيب فريدة ويرجع لك؟ أجابتها سريعاً:
"طبعاً عاوزاه يرجع لي، أنا آسفة، يلا قولي لي المطلوب مني بالظبط وأنا كلي أذان صاغية! رد المتصل بتأكيد: "أيوا كده خليكي شاطرة واسمعي الكلام علشان ننجز مهمتنا ونخلص!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!