نظرت إلى هشام، وجدت في عينيه تحذيراً وغضباً، ولأول مرة تراه. تنهدت واهتز قلمها. كادت أن تتراجع لإرضائه وإرضاء خاطره، لكنها في لحظة حسمت أمرها. يكفيها خسارتها لحلمها السابق على يد سليم، فلن تتنازل هذه المرة عن وصولها لذلك المنصب العريق لأجل هشام الذي لم يهتم سوى بحاله وغيرته وفقط. أخذت نفساً عميقاً وأخرجته بهدوء، وبكل قوة وثبات. أمسكت بقلمها من جديد ووضعت إمضاءها على ذلك العقد تحت سعادة سليم التي تخطت عنان السماء.
استشاط هشام داخلها وشعر بطعنة في صدره، وخصوصاً عندما لاحظ سعادة ذلك الواقف بجوارها. تحرك لخارج المكان بأكمله، تاركاً الحفل الذي لم يبدأ بعد. استقل سيارته وقادها بغضب تام. أما سليم، الذي انتفض داخله بسعادة وتراقص قلبه فرحاً. ثم نظر إليها بعيون تشع سعادة لأجلها ولأجل وضع قدميها على أول درجة بسلم صعودها المهني. وأردف بعيون سعيدة وصوت عاشق:
"مبروك يا فريدة، ألف مبروك. الوقتِ بس ابتديتي أول خطوة في مشوار صعودك لسلم المجد في مجالك." نظرت له بتيه، مستغربة شدة سعادته ولمعة عينيه السعيدة لأجلها. وأردفت بسعادة: "متشكرة يا باشمهندس، بجد ميرسي على وقوفك معايا." أجابها بصوت حنون: "عمري ما أسيبك يا فريدة، هفضل واقف جنبك طول الوقت حتى لو كان غصب عنك." فاقت على صوت فايز الذي صافحها مٌهنئاً بسعادة. وأيضاً معظم زملائها، حتى الحاقد منهم.
أتت إليها أسما التي احتضنتها وهنأتها. تلاها علي وأيضاً نورهان. *** كانت تجلس فوق مقعدها داخل شرفتها. استمعت لهاتفها فأردفت سريعاً وبلهفة: "اتأخرتي ليه؟ أنا مستنية تليفونك ده من بدري." أجابها المتصل:
"اسمعيني كويس وركزي علشان معنديش وقت. هشام خرج غضبان من الحفلة، هو حالياً عامل زي الطفل الغضبان اللي لعبته اللي متعود عليها ضاعت منه ومش عارف يوصل لها. علشان كده لازم نهديه ونشغله بلعبة جديدة وتكون مختلفة، علشان ينشغل معاها وينسى بيها لعبته اللي اتعود عليها." أردفت لبنى باستغراب: "هو أنتِ ليه كل كلامك ألغاز كده، أنا مش فاهمة منك حاجة؟ أجابها المتصل:
"هشام حالياً وحيد وحزين وغضبان من فريدة لأنها فضلت شغلها عليه. حالاً تتصلي بيه وبصوت كله حنان تحاولي تحتويه." وأكمل بتحذير: "بس أوعي تجيبي له سيرة فريدة بأي شكل من الأشكال. خليكي دايماً حريصة وذكية في التعامل معاه. اطلبي منه إنه يخرج معاكِ دلوقتي وتسهروا." تساءلت لبنى: "طب ولو رفض؟ أجابها المتصل بنبرة واثقة: "هيقبل. هو حالياً محتاج يثبت لنفسه إنه مرغوب." وأكمل بنبرة أمرة: "حالاً تتصلي بيه."
وبالفعل أغلقت مع ذلك المجهول وهاتفت هشام الذي كان يقود بسرعة جنونية. فاستمع هاتفه، نظر به ووجدها لبنى. رد باقتضاب ونبرة حادة: "أهلاً يا لبنى." ردت بصوت أنثوي مثير: "أزيك يا هشام. آسفة لو كنت أزعجتك، أصلي قاعدة متضايقة وقولت أتصل بيك لو فاضي نتكلم شوية، أو حتى لو حابب نخرج نقعد في مكان مفتوح نشم فيه شوية هوا." أجابها باقتضاب: "معلش يا لبنى تعبان وبجد مش هينفع." ثم فكر قليلاً وأردف قائلاً بعناد:
"خلاص يا لبنى، البسي وأنا هعدي عليكِ حالاً." طار قلبها فرحاً وأغلقت معه وقفزت من سعادتها لترتدي أجمل ما لديها من ثياب. *** داخل الحفل! اشتغلت الموسيقى للإعلان عن رقص كل ثنائي معاً. تحرك فايز مع زوجته الجميلة دكتورة صفاء، وأيضاً مدير الشركة الألمانية مع زوجته، وعلي مع أسما، وأيضاً نورهان وزوجها. وجميع موظفي الشركتين إلا سليم الواقف بجانب ندي. وهو ينظر على تلك الفريدة الواقفة تنظر للأمام بشرود وحزن.
نظرت ندي إلى ما ينظر بحقد وغل وأردفت قائلة بتمني: "بليز يا سليم ممكن ترقص معايا؟ نظر لها ثم أجابها بهدوء: "معلش يا ندي، أنا مبرقصش مع حد." ضيقت عيناها باستغراب وأردفت قائلة بنبرة ساخرة: "لا والله، طب ده أنا ياما سمعت عنك حكايات مع بنات تملي مجلدات. حسام ياما حكالي إنكم كنتم بتخرجوا يومياً وبترقصوا مع بنات وكنتم كمان بتسهروا لوش الصبح." أجابها بعيون حزينة:
"ده كان قبل ما ربنا يهديني وأفهم ديني كويس يا ندي. لما سافرت تعمقت في دراسة ديني وبقيت أدخل على مواقع إسلامية وأبحث في آراء شيوخنا الأجلاء في إزاي نعيش حياتنا ونستمتع بيها وبنفس الوقت ما نغضبش ربنا منا." ضحكت ندي وأردفت بنبرة ساخرة: "يعني الناس بتسافر دول الغرب وتنفتح على ثقافات العالم المختلفة وتعيش حياتها بحرية، وإنتَ رحت هناك علشان تبحث في الدين؟ وأكملت بجهل:
"وبعدين مال الدين بالرقص، إنتَ ليه محسسني إني واقفة قدام شيخ، مش لايق عليك الكلام ده يا سليم." أجابها بهدوء: "أنا عارف إني موصلتش لحالة التدين اللي تسعدني كمسلم وتخليني أفتخر بنفسي، بس الحمد لله أنا واصل لدرجة راضاني وبحاول أوصل للأعلى. ويكفيني إني مبقربش من الكبائر، ولا بقرب من حقوق الناس، لأن أكبر الذنوب هي حقوق الناس بكل أنواعها." وأكمل:
"يوم البعث ربنا سبحانه وتعالى ممكن يغفر لنا أي ذنوب إلا المرتبطة بحقوق البشر، لازم هما بنفسهم يسامحوا في حقوقهم. وده طبعاً نادراً لو حصل لأن معظمنا وقتها هيكون بيفكر في المكانة الأعلى عند رب العالمين، وبالتالي محتاجين لكل حسنة وكل عمل صالح يقربنا من كده، فهمتي يا ندي." وأكمل: "والرقص حرام طبعاً. رقص يعني راجل يقف قدام ست ويقرب منها، يلمس إيديها وكمان كتفها واحتمال وسطها." ونظر لها بأسف وأكمل:
"تفتكري ده يصح ولا يرضي ربنا؟ ونظر إلى شقيقته وأردف قائلاً: "عمرك شفتي ريم رقصت مع حسام؟ طبعاً لا، لأني أنا وبابا قعدنا معاها قبل كده وشرحناها كل الكلام ده." وأكمل: "وعلى فكرة يا ندي، أنا مش راضي عن نفسي كل الرضا وأكيد فيه حاجات بعملها غلط، لكن على الأقل بحاول. ما لا يدرك كله لا يترك كله، بمعنى إذا مكناش صالحين بما يكفي ونفذنا أوامر دينا بحذافيرها، منبقاش مفسدين ونهمل نفسنا وننسى تأديبها ونوصل نفسنا بأيدينا للهلاك."
هزت رأسها بإيجاب حتى يصمت لعدم إرادتها الحديث معه بهذه المواضيع أكثر، فقد زين لها شيطانها دنياها فقط وأنسى أخرتها. *** في تلك الأثناء كان حسام يقف بجانب ريم وتحدث إليها بغضب تام: "عرفتي وأتأكدتي إن سليم فعلاً مبحبنيش؟ أجابته بهدوء تحاول تهدئته:
"متقولش كده يا حسام. أكيد سليم شاف إن فريدة أحق بالمنصب ده منك وأنها هتحقق مكاسب للشركة من خلال وجودها معاهم. واحتمال يكون هيرشحك في أقرب فرصة. وبعدين مش يمكن يكون بيحاول يعتذر لها عن اللي حصل منه زمان." وأكملت: "وبصراحة كده يا حسام فريدة دي شكلها متمكنة جداً في شغلها." نظر لها بضيق وأردف قائلاً باستخفاف: "شكلها متمكنة، هو بقا بالشكل كمان ولا إيه يا دكتورة ريم؟ أجابته بتأكيد:
"أه طبعاً. الإنسان الذكي بيبان من نظرة عيونه ومن خلال تعامله مع المحيطين بيه." في تلك الأثناء أشار إليها شقيقها فذهبت إليه. جذبها من يدها وتحرك بها إلى مكان وقوف فريدة التي بدورها استغربت. وبدأ هو بتعريفهما وأردف باحترام وهو يشير بيده إلى فريدة: "أحب أعرفك بالباشمهندسة فريدة فؤاد، طالبتي النجيبة سابقاً، صديقة العمل حالياً." وأكمل التعارف وهو ينتقل بيده ليشير إلى شقيقته:
"ودي بقا أختي وصديقتي ريم، طالبة صيدلة في الفرقة الرابعة." نظرت لها فريدة بابتسامة جذابة وأردفت بنبرة سعيدة: "أهلاً يا ريم، اتشرفت جداً بمعرفتك." بادلتها ريم ابتسامتها وأردفت قائلة باحترام: "الشرف ليا يا باشمهندسة، كان نفسي أتعرف عليكِ من زمان من كتر ما سمعت عنك." نظرت فريدة إلى سليم بعيون متسائلة وأردفت بدعابة: "وياترى اللي سمعتيه عني شيء يحسب لي ولا... ضحك سليم برجولة أثارت داخل فريدة. وأردف بابتسامة ساحرة:
"على فكرة إنتِ دايماً ظلماني. أنا عمري ما اتكلمت عنك غير بكل خير، حتى اسألي ريم." ابتسمت له برضا، وأردفت ريم: "ده حقيقي على فكرة يا باشمهندسة." ردت فريدة بوجه بشوش: "خليها فريدة وبس، ولا عاوزاني أقول لك يا دكتور؟ ابتسمت بوجه جميل وأردفت بسعادة: "ده شرف ليا إنك تشيلي الألقاب ما بينا، ويا ريت لو نبقى أصحاب." ابتسمت فريدة بوجع وأجابتها بقلب حزين لعدم استطاعتها لتحقيق تلك الرغبة: "إن شاء الله يا ريم."
ثم انسحبت بهدوء تحت تألم سليم ووجع روحه. تنهد بأسف فحدثته ريم بصوت حزين: "أنا آسفة يا حبيبي، والله آسفة." نظر لوجه شقيقته وقبل رأسها وأردف قائلاً بهدوء: "متتأسفيش يا ريم، ده قدر ربنا، وإن شاء الله اللي جاي كله خير." *** وقفت بجانب أسما التي حدثتها بأسف: "هو خطيبك مشي خلاص وساب الحفلة؟ أخذت نفساً عميقاً وأخرجته كي تهدأ، ثم أردفت بنبرة حزينة لم تستطع السيطرة عليها: "للأسف." نظرت لها بأسف وأردفت بتردد:
"فريدة، ممكن أتكلم معاكي بصراحة؟ نظرت لها فريدة وهزت رأسها بتأكيد فأكملت أسما حديثها بنبرة هادئة: "أنا عارفة إني مليش الحق في إني أتكلم في موضوعك مع خطيبك، بس بصراحة إنتِ وهو وكمان سليم صعبانين عليا أوي." وأكملت بتيقن: "على فكرة خطيبك حاسس بحب سليم ليكي، وممكن كمان يكون حاسس باللي في قلبك ناحية سليم واللي غصب عنك مقدرتيش تتخلصي منه وتنسيه." نظرت إليها بأسف وأردفت بنبرة صوت تتألم ويكاد أن يصرخ:
"وتفتكري أنا مبسوطة بكده يا أسما. أنا قلبي جواه نار والعة مبتهداش، نار وجعي على حالي واللي وصلت له، ونار وجعي ووجع ضميري على هشام اللي بجد ميستاهلش مني كده، و... وكادت أن تكمل ولكنها تراجعت وفضلت الصمت. فأكملت أسما: "ونار وجعك على وجع سليم وتيهة حياته من بعدك. سيبي هشام وريحيه وريحي نفسك يا فريدة، صدقيني إنتوا التلاتة هترتاحوا لو الخطوبة دي انتهت." ابتسمت بجانب فمها بطريقة ساخرة ثم أردفت لإنهاء الحديث:
"إيه رأيك في ترتيبات الحفلة، حلوة مش كده؟ تيقنت أسما من أنها تريد إنهاء المحادثة فأحترمت رغبتها وغيرت مجرى الحديث. وبعد مدة قرر ذلك العاشق أن يهدي حبيبته غنوة علها تشرح ما يكنه داخل قلبه العاشق لها ويجعلها تفكر فيما عليها فعله لأجل إحياء قلبيهما معاً. وقف أمام الجميع وأمسك بالميكروفون وظبط صوته ببعض التقنيات الحديثة التي يجيدها بحكم مجاله، ليتلائم مع صوت الموسيقى. مع انتشاء جميع الحضور وانتباه أذهانهم مع ذلك الوسيم.
عدل من وقوفه ليكون باتجاه بوصلتها، ولكنه نظر للسماء لعدم جذب الانتباه إليهما وذلك حفاظاً على مظهرها العام أمام الجميع. وبدأ بالغناء غنوة "عارفة" ذات اللحن الرائع والرقيق. وتغنى بصوته العاشق العذب: عارفة، من يوم ما قابلتك إنتِ، واحتل هواكِ مدينتي وبقيتي في لحظة أميرتي، أيوه أميرتي أميرتي وعارفة، أن نفسي تكوني حلالي، وحبيبتي وأم عيالي ونعيش العمر أنا وإنتِ، بس أنا وإنتِ أنا وإنتِ
وعارفة، أنا هفضل طووول العمر معاااكِ، معاااكِ مهما الأياااام طالت وياكِ، طالت ويااااكِ هو أنا مجنون علشان أنساكِ، أنسااااكِ آه يا أول فرحة تمسح دمعة عيني وأستغرب لييييه طولتي علياااا لا متجاوبيش استني شوية، شوية أصل أنا برداااان دفي لي إيديا وخديني في حضنك وبوسيني على جبيني كانت تستمع إلى صوته الهائم وكلماته الموجهة كسهام إلى ذلك القلب العاشق حتى النخاع. فما بيدها لتفعله؟ فدائماً ما يخونها ذاك القلب العنيد.
كان ينزف ويصرخ ألماً، يريده، يريد قاتله وجارح نبضاته، يصرخ ويكاد يجذبها عنوةً عنها ويومي بها داخل أحضانه الدافئة لتنعم بها. لكن عقلها يحثها على الرجوع ويصرخ بذلك القلب الساذج ويحدثه: "استفق أيها المغفل، فهذا السليم هو من جعلك تنزف خلال تلك السنوات الحزينة الماضية، هو من جعلنا نعيش تلك الليالي الحالكة الخالية من النجوم، تلك الليالي قاسية البرودة." "أبعد كل ما عايشته من آلام تريد الارتماء داخل أحضانه الخائنة تلك؟
استفق وعد لرشدك أيها الأحمق." تنهدت بألم لما أصبحت عليه. أمسكت حقيبتها وتحركت للمغادرة فأوقفها علي بتساؤل: "رايحة فين يا فريدة، الحفلة لسه مخلصتش." أجابته بصوت يكسوه الألم: "بالنسبة لي خلصت من بدري يا باشمهندس." نظر بأسف لحالتها المزرية فأردف بهدوء: "طب تعالي كملي سهرتك معانا أنا وأسما وسليم وريم. هنخرج نقعد في أي مكان هادي. إنتِ أكيد محتاجة تهدي أعصابك وتغيري جو." أجابته بابتسامة شاكرة:
"متشكرة يا علي، بس أنا للأسف تعبانة وكل اللي محتاجاه حالياً هو إني أروح مش أكتر." نظرت على ذلك الذي ينظر إليها باهتمام يترقب قرارها، فأصابه الإحباط حين رأى تعبيرات وجهها الحزين. وأكملت بعيون حزينة تنم عن مدى ألمها الداخلي الساكن روحها:
"علي، أرجوك قول لسليم يبعد عني لأني مش هقدر أتخلى عن هشام ولا أسيبه لأي سبب كان. قوله يكمل حياته وينساني ويعتبرني ذكرى حلوة، كل ما يفتكرها يبتسم، ويفتكر إن فيه واحدة حبته بكل ما فيها، لكن القدر كان ليه رأي تاني. قوله كمان إن فيه حاجات لما بيروح وقتها ويعدي، مينفعش ترجع تاني." أجابها علي معترضاً على حديثها: "وليه توجعيه وتوجعي روحك بالبعد لما فيكم تكونوا مع بعض. إنتوا فعلاً بتحبوا بعض وتستحقوا تعيشوا إحساس السعادة."
قاطعته بقوة واعتراض: "حتى إحساس السعادة في حالتنا دي مرفوض لأنه هيتبني على أنقاض قلب كل ذنبه إنه حب وأخلص." وأكملت بنبرة صوت ضعيف وحزين: "أرجوك يا علي، قول لسليم فريدة بتقول لك وحياة حبك ليها تنساني وتسيبني أكمل مع هشام في هدوء، وبلاش تتدخل تاني في حياتي." وأكملت برجاء: "قوله إنه كده بيوجع روحي وبيحرقها وإني بجد ما أستاهلش منه كده." ثم تنفست بتألم ونظرت إلى سليم بأسف ينِم عن احتراق روحها وتألمها الشديد.
واستأذنت من علي وتحركت باتجاه فايز وزوجته واستأذنت منهما. واتجهت من جديد إلى الباب الخارجي تاركة المكان بأكمله. استقلت سيارتها عائدة إلى منزلها بقلب محمل بالأثقال عكس ما كان يجب أن يكون عليه. فكان من المفترض أن يكون اليوم هو أسعد أيامها. ولكن من أين تأتيها السعادة وهي حائرة ومكبلة ما بين سليم وهشام! انفطر داخلها ولم تستطع التمالك من حالها أكثر فأجهشت ببكاء مرير لقلب حزين لم يعد يستطيع التحمل بعد. ***
في مكان آخر من المدينة تجلس تلك العاشقة تستند بإحدى ساعديها فوق المنضدة، واضعة كف يدها فوق وجنتها، تنظر له بعيون هائمة تراقب كل كلمة تخرج من شفتيه بقلب عاشق وروح طائرة في سماء عشقه. كان يخبرها عن كل ما حدث معه خلال فترة سفرها، وكأنه يحتاج من تلهيه من غضبه وألمه من ما فعلته به فريدة أحلامه. انتهى من حديثه ومازالت هي على وضعيتها وهي تنظر له بعيونها المتلهفة للنظر لعينيه ولشفتيه ولكل إنش به. ابتسم لها وأردف قائلاً:
"إيه يا بنتي، بتبصي لي كده ليه؟ أجابته بعيون عاشقة وصوت هائم: "أقولك بصراحة، للحظة شفت قدامي هشام اللي كنت معاه قبل أربع سنين. وحشني كلامك ونبرة صوتك، وحشني عيونك وإنتَ بتتكلم، وحشني سردك لتفاصيلك. شفتك هشام بتاع زمان، هشام اللي كنت لما بغيب عنه يومين وبعدها نتقابل كان يجري عليا ويقعد يبص جوة عيوني ويبدأ في سرد تفاصيل يومه اللي قضاه بعيد عني." ابتسم لها بمرارة وأردف قائلاً بتوضيح:
"يمكن الشكل فعلاً شكلي، لكن لا أنا بقيت هشام بتاع زمان، ولا إنتِ فضلتِ على حالك يا لبنى." ثم ابتسم بعيون ملئها العشق متذكراً معشوقة عيناه. نعم هي معشوقته ومعشوقة عيناه وقلبه، حتى ولو أغضبته ولم تستمع إليه إلا أنها ما زالت ولا تزال معشوقته المفضلة التي أنسته آلام الماضي بقلبها البريء. أجابها بنبرة عاشقة كي يقطع عنها أي أمل ممكن أن يجعلها تبني آمالاً وأوهاماً داخلها:
"هشام اللي قدامك قلبه بقى مليان بالغرام، قلبه بقى ملك لفريدة وبس يا لبنى. أنا حبيتها أوي، حبيتها لدرجة إن قلبي مبقاش يدق غير علشانها." نزلت كلماته عليها وكأنها سواط نزل على جسدها جلد كل إنش به بلا رحمة. وأردفت بنبرة حزينة:
"أنا عارفة إنك بتحبها، وعارفة إنه مش بإيدك، لكن كمان مش بإيدي أبطل أحبك ولا أخرج حبك من قلبي. الحب قدر، وهو اللي بيختار قلوبنا مش هي اللي بتختاره يا هشام. ياريت كان بأدينا نقدر نعشق ونقدر كمان بسهولة ننسى، أكيد كنا هنبقى أحسن من كده، لكن للأسف، لا بإيدك تبطل تحبها، ولا بإيدي أبطل أتنفس حبك." نظر لها بتيه وأردف متسائلاً: "إنتِ لسه بتحبيني يا لبنى، أقصد لسه بتحبيني بنفس درجة الحب بتاع زمان؟
هزت له رأسها نافية وأردفت قائلة بأسف وعيون شبه دامعة: "لا يا هشام، أنا مش بس بحبك زي زمان، أنا اتخطيت معاك درجة الحب ووصلت لدرجة عشق الهوس والجنون." وأكملت بهيام: "مبقيتش عاوزة ولا قادرة أتخيل نفسي مع راجل غيرك، أنا بقيت بتنفسك يا هشام." شعر بإحساس متناقض غريب وصراع داخله، ما بين سعادته وشعوره بالفخر برجولته لسماعه اعتراف لبنى بعشقه، هو دون غيره من الرجال. وما بين كرامته التي تأبى الخضوع لتلك المخادعة من جديد.
وما بين رفضه لحديثها وشعوره بخيانته لفريدة التي لم تستحق منه مجرد شعوره بالسعادة من اعتراف غيرها بعشقه. هل ستستسلم لبنى بعد اعتراف هشام الصريح بعشقه الهائل لفريدة؟ أم أنها ستظل تحارب من أجل الوصول إلى مبتغاها وهو قلب هشام لا غير. *** قضى الجميع ليلتهم بقلوب حائرة تائهة وأرواح تملأها الجراح. فريدة وسليم وهشام ولبنى وحتى ريم التي حزنت لأجل حال شقيقها وما والت إليه هي بأيديها إليه. صباح اليوم التالي، يوم الجمعة.
تلملمت فريدة فوق تختها تحاول أن تفتح عيناها بتثاقل لتصحو من غفوتها القصيرة التي كانت غير مريحة بالمرة. مدت يدها بجانبها لتلتقط هاتفها الموضوع فوق الكومود لترى به كم أصبح الوقت. وجدت الساعة قد تخطت العاشرة. نهضت واتجهت خارج الغرفة باتجاه المرحاض. توضأت وصّلت فريضة الضحى وتضرعت إلى الله لتدعوه أن يصلح شأنها ويوجهها للطريق المستقيم. خرجت من جديد وجدت بهو المنزل خالياً من الجميع.
استمعت لصوت والدتها وشقيقتها يخرجان عليها من داخل المطبخ. اتجهت إليهما وأردفت قائلة بوخم وصوت متحشرج: "صباح الخير." نظرت كلاهما إليها وردوا الصباح وأردفت والدتها بابتسامة: "تعالي يا حبيبتي اقعدي علشان تفطري." اتجهت إلى المنضدة الموضوعة بمنتصف المطبخ وسحبت مقعداً وجلست فوقه بتراخي وأردفت باستفهام: "هو بابا فين؟ أجابتها والدتها بتوضيح: "راح مع عمك عزيز يزور واحد صاحبه في الشغل تعبان."
هزت فريدة رأسها بتفهم وتحركت نهلة إليها وأردفت قائلة بتساؤل وهي تجلس بمقابلتها: "يلا بقا احكي لي على كل اللي حصل في الحفلة، امبارح قولتي لي إنك راجعة مرهقة ومش قادرة تحكي، أظن النهارده بقا مليكيش حجة." أجابتها عايدة وهي تضع الطعام لصغيرتها: "يعني هيكون إيه اللي حصل فيها، أهي حفلة زي باقي الحفلات اللي كانت بتحضرها قبل كده." أردفت نهلة قائلة باعتراض:
"لا طبعاً يا ماما مش زي باقي الحفلات. أولاً الحفلة فيها ناس مختلفة وأجانب من الشركة الجديدة. ثانياً بقا فريدة في الحفلة دي مضت عقد منصبها الجديد، يعني كانت محط الأنظار كلها وملكة الليلة." تنهدت عايدة بألم وأردفت متسائلة بأسف لعلمها الإجابة مسبقاً وذلك من الحزن الظاهر على وجه ابنتها: "اللي أهم من ده كله إن هشام يكون ربنا هداه واتكلم معاكي ونهيتوا الزعل اللي بينكم."
صمتت ففهمت والدتها ألم ابنتها ونظرت إلى نهلة بحزن وصمت. تحدثت فريدة بنبرة جادة: "ماما، المكافأة اللي أخدتها من الشركة الألمانية مش محتاجة فلوسها في حاجة، وكنت بفكر لو تقنعي بابا في إننا نغير فرش الشقة ونجدد ألوان الحيطان." هلت نهلة قائلة بحماس: "ياريت يا فريدة، الشقة بجد محتاجة شوية تجديدات." غمزت لها فريدة بعينها وأردفت بمداعبة:
"أيوة طبعاً يا نانا، لازم حبة تجديدات علشان لو حد زارنا كده ولا كده الشقة تبقا فخامة وتشرف." نظرت لها نهلة سريعاً بنظرات تحذيرية تحسها على الالتزام الصمت حين. تنهدت عايدة بأسف وأجابت بصوت قلق: "أيوة يا بنات بس تفتكروا بابا هيوافق؟ ثم نظرت إلى فريدة وأكملت بنبرة حزينة: "ده أنتِ لو شفتي حالته كانت عاملة إزاي لما أخدتي إخواتك ونزلتي تشتري لهم لبس جديد." تأففت نهلة وأردفت بتملل:
"بصراحة يا ماما بابا مكبر الموضوع أوي، فيها إيه لما فريدة ربنا فرجها عليها وبقا معاها فلوس وحبت تفرحنا معاها." أجابتها عايدة: "بابا واخد الموضوع من ناحية إنه حاسس إنه قصر معاكم ومكانش الأب اللي عرف يسعد أولاده ويسد حاجتهم، مع إني اتكلمت معاه في الموضوع ده أكتر من مرة وفهمته إنه عمره ما قصر معاكم في حاجة، بس تقولوا إيه بقا لدماغه اللي زي الحجر." استمعن لجرس الباب وقفت فريدة وأردفت بابتسامة:
"ده أكيد بابا، أنا هروح أفتح له." تحركت إلى بهو الشقة وأخذت حجابها وضعته على شعرها بإهمال فهربت خصلة من شعرها لتزيدها جمالاً وتجعل من هيئتها جذابة إلى حد كبير. فتحت الباب ونظرت باستغراب عندما وجدت أمامها سيدتان جميلتان ومنمقتان في هيئتهما ويبدو عليهما الثراء. نظرت أمال إليها وصدمت عندما رأت جمال عينيها الساحرة ووجهها الذي ينم عن شخصية قوية.
كانت ترتدي إحدى البيجامات البيتيه التي تجسد منحنيات جسدها بطريقة تجعله مثيراً ويشهي لكل من ينظر إليه. بدأتا السيدتان بالنظر إليها باشمئزاز وأردفت إحداهما بغرور وكبرياء وهي تشير إليها بسبابتها باشمئزاز واضح: "إنتِ بقا اللي اسمك فريدة؟ استغربت فريدة إلى طريقة هذه المتعجرفة التي لم تسمي لها حتى معرفتها لكي تحدثها بتلك الطريقة المهينة. فأردفت فريدة باستنكار: "أيوة أنا فريدة، مين حضراتكم؟
أردفت أمال بكبرياء وهي تشير من جديد بسبابتها بوجه مكشر ولكن هذه المرة تشير إلى داخل الشقة وأردفت قائلة: "مش تقولي لنا اتفضلوا الأول وبعدين تسألينا." أجابتها بقوة ومازالت تمسك بيدها الباب بحركة تعني عدم السماح بالدخول: "مش لما أعرف الأول مين حضراتكم؟ تأففت أماني وأردفت قائلة بملل: "دي تبقى أمال هانم الشافعي، مامت الباشمهندس سليم الدمنهوري. أظن عارفاه كويس." وأكملت بغرور وهي تشير على حالها بمنتهى الكبرياء:
"وأنا أختها، أماني هانم الشافعي." ابتلعت فريدة لعابها بتوتر من أثر هذه الزيارة الغريبة والغير متوقعة بالمرة. تحركت من أمام الباب وأشارت لهما بالدخول وأردفت باحترام: "أهلاً وسهلاً، اتفضلوا ادخلوا وأسفة لو ضايقتكم." خطت أمال للداخل بخطوات بطيئة وهي تتناقل بصرها حولها يميناً ويساراً تتطلع إلى المكان باشمئزاز. وأردفت بكبرياء ووقاحة:
"برغم جهدكم اللي باين في توضيب المكان وريحة النظافة اللي واضحة، إلا إني متأكدة إن شقة رقية اللي بتنظف لي الشقة أرقى وأحسن من كده بكتير." في تلك اللحظة خرجتا عايدة ونهلة من المطبخ حينما استمعتا لأصوات غريبة داخل منزلهما. وأردفت عايدة بضيق عندما استمعت لتلك الترهات التي خرجت من فم تلك المتعجرفة التي تقف وتنظر لكل ما حولها باشمئزاز. أردفت عايدة قائلة بنبرة حادة متسائلة: "إنتِ مين يا ست إنتِ؟
وشقة مين دي اللي شقة الست اللي بتنظف لك أحسن منها يا عنيا؟ نظرت أمال إليها باشمئزاز ثم حولت بصرها لشقيقتها وابتسمتا ساخرتان وأردفت أمال وهي تشير إلى فريدة: "إنتِ أكيد مامتها، صح؟ أجابتها عايدة بقوة وشموخ: "أيوة يا روحي، أنا مامت الباشمهندسة فريدة. ممكن بقا أعرف إنتِ مين وبأي حق داخلة بيتنا وبتكلمينا بالطريقة دي؟ أجابتها أماني بنبرة قوية:
"دي تبقى أمال هانم الشافعي، مامت الباشمهندس سليم الدمنهوري اللي الهانم المحترمة اللي بتقولي عليها باشمهندسة دايرة تحوم حواليه ومشغلاه." وأكملت بوقاحة: "فيا ريت بدل ما إنتِ واقفة تتفردي علينا كده تربي بنتك وتعلميها متبصش لأسيادها وتخليها في خطيبها الكحيان، أهو على الأقل شبهها ومن مستواها، ولما تتجوزوا مش هتحس بالنقص لا ليها ولا لأهلها." وأكملت وهي تتناقل الإشارة بين عايدة وأمال قائلة بكبرياء وغرور
موجهة حديثها إلى فريدة: "أظن إنتِ شايفة بعينك الفرق الشاسع بين أمال هانم الشافعي وبين... وضحكت ساخرة وهي تنظر إلى عايدة نظرات تنم على الاستخفاف والاشمئزاز. هنا لم تتحمل فريدة إهانة والدتها بهذا الشكل المهين من تلك العقربة التي تبخ سمها بوجه البشر دون الاكتراث إلى مشاعرهم. وقفت بكل شموخ ورأس مرفوعة وأردفت بنبرة حادة:
"اعرفي حدودك كويس وياريت تراعي إنك موجودة في بيتنا، وللأسف ده الشيء الوحيد اللي هيمنعني إني أرد عليكي الرد المناسب اللي يليق بواحدة قليلة الذوق والأخلاق زيك، وأحمدي ربنا إنك وقعتي في وسط ناس محترمين ومتربيين على إنهم يحترموا الضيف حتى لو كان هو مش محترم نفسه ولا محترم الناس اللي موجود في بيتهم. بس لحد كده وكفاية أوي." ثم نظرت إلى أمال وأردفت بنبرة حادة:
"أنا بصراحة مستغربة إزاي جت لكم الجرأة تيجم لحد هنا وتتكلموا الكلام الفارغ ده برغم إنكم عارفين إني مخطوبة." ابتسمت أمال بطريقة ساخرة وأردفت: "وتفتكري إن ده سبب يمنعك في إنك تسعي وتحاولي تخطفي سليم علشان ينقلك من حالة العدم اللي إنتِ عايشاها إنتِ وأهلك دي؟ وأكملت بإطراء: "أنا منكرش إنك جميلة وكمان ذكية، بس تفتكري ده كفاية علشان تنولي شرف لقب حرم سليم قاسم الدمنهوري؟ وأكملت بنبرة تهديدية:
"فوقي لنفسك قبل ما تصحي على صدمة أكبر من صدمتك الأولى." وأكملت بنبرة شامتة: "فاكرة، لما سابك ورماكي وسافر لألمانيا؟ صاحت نهلة بها وتحدثت بكبرياء: "وأهو راجع لها من تاني ندمان وعمال يلف حواليها ويترجاها إنها تسيب خطيبها ويتجوزها ويسفرها معاه ألمانيا، وهي اللي بتصده ومش معبرة." وأكملت نهلة بحدة:
"بدل ما إنتِ تاعبة نفسك وجاية لحد هنا تقولي الكلام الفارغ ده لفريدة، روحي قولي لابنك اللي داير يتحايل عليها في كل مناسبة يحترم نفسه ويسيبها في حالها هي وخطيبها." فتحت عايدة فاها قائلة بعدم استيعاب: "ابنك مين وسليم مين ده اللي بتتكلموا عنه؟ وتساءلت: "الست دي بتتكلم عن إيه يا فريدة، ومين ده اللي سابك وسافر؟ ضحكت أماني وأردفت قائلة بنبرة ساخرة:
"يا حراااام، بنتك يا مدام شكلها استغفلتك ومقالتلكيش على سليم اللي اداها قلم عمرها ورماها وسابها وسافر لألمانيا." صرخت بهما فريدة وصاحت بنبرة غاضبة: "كفاية أوي لحد كده واتفضلوا من غير مطرود، وياريت تطمني على ابنك يا هانم، لإن ببساطة ابنك مكنش راجل معايا بالدرجة الكافية اللي تخليني أفكر إني أسيب راجل بجد زي هشام، علشان أرجع لواحد عمره ما كان راجل معايا." وأكملت بنبرة ساخرة:
"وأطمني أوي حضرتك، حتى لو كان شيطاني بيوزني إني أحاول أصدق كلامه من تاني، فصدقيني بعد ما شفت حضراتكم أصبح مجرد التفكير في الموضوع مستحيل بالنسبة لي." وأكملت وهي تشير إلى باب الخروج: "وياريت بقا تتفضلوا وكفاية أوي لحد كده." تحدثت أمال: "ياريت تبقي قد كلامك ده وتنفذيه فعلاً، ساعتها بس صدقيني هحترمك جداً وأبتدي أبص لك نظرة تانية." قاطعتها فريدة بحدة:
"وأنا مستغنية عن احترام سيادتك الجليل وكل اللي محتاجاه منكم إنكم تنسوني خالص وتخرجوني من تفكيركم." وتحركت إلى الباب وفتحته بقوة ولكن ارتعبت عندما وجدت والدها بوجهه. دلف والدها ونظر إلى السيدتين وأردف باحترام: "هو إحنا عندنا ضيوف؟ أجابته عايدة بقوة وهي تنظر إلى أمال بنظرة تحذيرية: "دول غلطانين في العنوان وكانوا خارجين حالاً." نظرت لها أمال بتفهم وأردفت: "إحنا آسفين للإزعاج يا مدام." ونظرت إلى شقيقتها وأردفت بهدوء:
"يلا بينا يا أماني." أومأت لها أماني بطاعة وخرجا معاً وأغلقت فريدة خلفهما الباب بهدوء، ثم نظرت إلى والدتها بعيون متألمة ودلفت إلى غرفتها. تبعها نهلة وأغلقت الباب خلفهما. فتساءل فؤاد: "بناتك مالهم يا عايدة، ومين الناس دول؟ سحبت بصرها عنه ومالت على طبق الفاكهة الموضوع فوق المنضدة الصغيرة وأخذت ثمرة موز وبدأت بتقشيرها وتناولها لإلهائه. وأردفت بلامبالاة مصطنعة:
"أنا عارفة يا فؤاد، إحنا كنا قاعدين في أمان الله ولقينا دول بيخبطوا وبيسألوا عن واحدة." وأكملت بإلهاء: "ده أنا حتى مش فاكرة قالوا اسمها إيه، شكلهم كده تايهين وغلطانين في العنوان." نظر لها وتساؤل بشك: "طب ولما هما غلطانين في العنوان مدخلاهم الشقة ليه يا أم البنات؟ تنهدت وأردفت بضيق: "طلبوا كباية ميه يشربوا، جري إيه يا فؤاد، هو تحقيق ولا إيه؟ وأكملت وهي تتحرك لداخل غرفة نومهما:
"تعالى غير هدومك على ما أجهز لك الحمام علشان تجهز قبل الشيخ ما يبدأ في خطبة الجمعة وتفوتك." *** نظرت نهلة إلى فريدة التي وما إن دلفت لداخل الغرفة حتى هبطت دموعها بغزارة وكأنها كانت مكبلة وفك الآن وثاقها. أسرعت إليها وشددت من احتضانها وحاولت تهدئتها قائلة:
"إهدي يا فريدة ومتخليش كلام ستات تافهة وفاضية زي دول يأثر فيكي بالشكل ده، وعلى فكرة بقا وجودهم هنا النهارده أكبر دليل على رعبهم وخوفهم منك، وده طبعاً مش من فراغ. أكيد مجوش غير لما حسوا بتمسك سليم بيكي وإصراره على حبك." جرجت من بين أحضان شقيقتها وصاحت كمن لدغتها عقرب: "متجبليش سيرة البني آدم ده تاني، مش عاوزة أسمع اسمه ولا حتى طايقة أشوفه قدامي." وأكملت بانهيار:
"أي إهانة حصلت لي في حياتي كلها كانت بسببه وبسبب وجوده في حياتي." أردفت نهلة وهي تمسك كف يدها بحنان قائلة: "خلاص يا حبيبتي إهدي ومتعمليش في نفسك كده." ترجتها فريدة بدموع: "من فضلك يا نهلة عاوزة أبقى لوحدي شوية." هزت رأسها بإيجاب وتفهم وخرجت من الغرفة وأغلقت بابها عليها. وبخروجها انفجرت فريدة وأخذت تبكي بشدة وظلت هكذا مدة حتى استكانت وهدأت وشعرت ببعض الراحة. أمسكت هاتفها ونظرت باسمه.
لم تعِ لما جاء بخاطرها في ذلك الوقت بالتحديد. شعرت بالاحتياج إليه وإلى التحدث معه. كل ما شعرت به في هذا التوقيت أنها تحتاج إلى التقرب منه أكثر. فحقاً كان قد ابتعدا كثيراً في الآونة الأخيرة ولكنها لن تسمح لذلك السليم بأن يبعدها عنه أكثر. فكفى بأنه دمر لها حياتها السابقة، لن تعطي له الفرصة من جديد ليُفسد عليها حياتها القادمة مع هشام.
لابد أن تستقوي بنفسها على حالها وتبدأ برفع راية العصيان على ذلك القلب العنيد الفاقد الوعي بكل ما يحدث من حوله، وكل ما يهمه ويشغل دقاته هو عشق سليم وفقط لا غير، ولا يبالي بأي كان. وبلحظة حسمت أمرها وضغطت زر الاتصال وانتظرت الرد. كان يجلس وسط عائلته داخل حديقة منزلهم يحتسون الشاي وسط أجواء يوم الجمعة المبهجة وضحكات أشقائه وأصوات أطفالهم وهم يلعبون من حولهم لتضيف بهجة وسعادة للمكان.
وبالداخل توجد نساء العائلة ووالدة دعاء التي أنجبت طفلها الثالث منذ يومين. يجلسن بجانبها ليطمئنوا عليها. استمع لصوت هاتفه معلناً عن وصول مكالمة. نظر لشاشة الهاتف بإهمال وفجأة أجحظت عيناه وتراقص داخله وانتفض قلبه فرحاً عندما شاهد نقش اسمه. نظر إليه حازم وأردف وهو يوشي له بجانب أذنه ويهمس: "يلا أجمد شوية مش كده، البت كده هي اللي هتمسك الدفة وتسوق يا إتش." ابتسم لأخيه بسعادة لم يستطع مداراتها وأردف بعيون هائمة:
"متقلقش على إتش يا حازم، أخوك مسيطر وماسك اللجام كويس." ضحك حازم برجولة وأردف بفخر: "راجل يا إتش، تربية حسن نور الدين بجد." وقف سريعاً ولكن كان الاتصال قد انتهى. فبادر هو واتصل من جديد وهو يتحرك إلى داخل غرفته التي أوصد بابها خلفه وجلس فوق تخته. كانت تتقوقع فوق تختها تبكي بشدة على عدم تفهم هشام لحالتها وعدم الإجابة على اتصالها. حتى استمعت لرنين الهاتف. فأمسكت الهاتف بلهفة وأردفت بدموع وتساؤل:
"إنتَ فين يا هشام وليه سايبني لوحدي؟ انفطر قلبه حين استمع لصوتها الباكي وأردف سريعاً بنبرة قلقة متناسياً غضبه منها: "فريدة، مالك يا قلبي بتعيطي ليه؟ أجابته بشهقات متقطعة لم تستطع السيطرة عليها: "أنا آسفة يا هشام والله ما كان قصدي أزعلك، أنا بس كان صعبان عليا منك وكان نفسي تفرح لي وتقف معايا، كنت محتاجة لك تكون واقف جنبي وأنا بحقق أحلامي مش أكتر والله." أجابها بصوت حنون:
"أنا اللي آسف إني كنت أناني ومفكرتش غير في غيرتي العمياء عليكِ، بس أنا كمان كان صعبان عليا منك لما حسيت إن زعلي مش فارق معاكي، ولا أنا نفسي كنت فارق معاكي يا فريدة." أجابته بدموع: "متقولش كده يا هشام، إنتَ غالي، وغالي أوي كمان." وأكملت بدموع وترجي: "أنا محتاجة لك أوي يا هشام، أرجوك متبعدش عني وتسيبني لوحدي." أردف هو قائلاً بذهول: "يا حبيبتي، للدرجة دي فرق معاكي بعدي عنك اليومين اللي عدوا يا فريدة؟ وأكمل بحماس:
"خلاص يا حبيبتي، إنسي كل اللي حصل واعتبريه كأنه محصلش." وأكمل بصوت عاشق: "أنا بحبك أوي يا فريدة، بحبك ومقدرش أبعد عنك أبداً." أردفت وهي تجفف دموعها بصوت مترجي: "هشام هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟ أجابها بلهفة: "أؤمريني يا فريدة." تنهدت وأردفت بانتشاء: "أنا عاوزة أخرج معاك إنهاردة، نفسي نخرج في مكان فيه ميه وخضرا وهوا نضيف، نفسي أتنفس، حاسة إني مخنوقة أوي يا هشام." انتفض داخله بسعادة وأردف بدعابة:
"لو أعرف إن بعدي عنك هيغيرك لدرجة إنك تطلبي مني إننا نخرج مع بعض، كنت بعدت من زمان، على الأقل كنت عرفت إني غالي أوي كده عندك." ابتسمت لسعادته وأردفت بصوت حنون: "إنت تستاهل كل حاجة حلوة يا هشام." أجابها بهيام: "يبقا أنا فعلاً أستاهلك يا فريدة، لأن مفيش أحلى منك، ولا أسعد مني بوجودي معاكي." وأكمل بتفكر:
"إيه رأيك أتصل دلوقتي حالاً وأحجز لك يخت في النيل لمدة 3 ساعات وأخليهم يجهزوا لنا غدا. بيتهيأ لي النيل هو المكان اللي إنتِ فعلاً محتاجة له." أجابته بعيون دامعة وصوت حنون: "ربنا يخليك ليا يا هشام، هو ده فعلاً المكان اللي أنا محتاجة أروحه معاك." أردف هشام قائلاً بحماس: "خلاص يا قلبي، أنا هقفل دلوقتي علشان صلاة الجمعة وإن شاء الله هعدي عليكِ بعد أذان العصر." وتساءل: "هتيجي معايا بعربيتك؟ أردفت سريعاً قائلة بنفي:
"لا يا هشام، أنا حابة أروح معاك بعربيتك، محتاجة لك تكون جنبي." ابتسم بسعادة وأردف قائلاً بصوت مغروم: "أنا بحبك أوي يا فريدة، خليكي فاكرة كده كويس أوي." استمعت لطرقات خفيفة فوق الباب فسمحت للطارق بالدخول وأنهت المكالمة مع هشام. دَلفت ووالدتها تنظر لها بملامح جادة وتساءلت بنبرة حادة: "بتكلمي مين؟ نظرت لها بأسف لهدم الثقة بينهما وأردفت: "ده هشام يا ماما." تساءلت عايدة وهي مازالت واقفة متصلبة الجسد:
"إنتِ اللي كلمتيه ولا هو اللي كلمك؟ أجابتها بهدوء: "أنا اللي كلمته، وهو اعتذر لي وطلب مني ننسى كل اللي حصل، وكمان عازمني على الغدا إنهاردة، ياريت تبلغي بابا إني خارجة معاه بعد أذان العصر." أومأت برأسها بإيجاب ثم تحركت وسحبت مقعداً وجلست فوقه بجسد مشدود وتساءلت: "الست اللي كانت هنا دي مامت الباشمهندس سليم اللي جابك المستشفى بعربيته وقت ما كان بابا تعبان، صح يا فريدة؟ هزت رأسها بإيماء وصمت تام أصابها.
فأكملت والدتها بذهول: "يااااه يا فريدة، تصدقي إني كنت فاكرة إني عارفة بناتي كويس ومصحباهم، بس طلعت مغفلة بالظبط زي خالة البيّه المحترم ما قالت عليا." لم تقو فريدة على رفع عينيها في وجه والدتها وأكملت عايدة بتساؤل حاد: "عرفتيه إمتى وإزاي؟ تطلعت لوجه والدتها وأردفت بهدوء: "كان المعيد بتاعي في آخر سنة في الكلية." شهقت والدتها ونظرت لها وأردفت بعتاب:
"علشان كده مجبتيش تقدير في السنة دي وضيعتي حلمك وحلم أبوكي اللي عاش عمره كله يحلم بيه." وأكملت بأمر: "أتفضلي يا أستاذة احكي لي الموضوع كله من أوله لآخره." أخذت فريدة نفساً طويلاً وأخرجته وبدأت بقص الرواية لوالدتها إلا من بعض التفاصيل الخاصة جداً التي ستزعج والدتها. وبعد مدة تنهدت عايدة بألم لأجل حال ابنتها ونصحتها بالابتعاد عن ذلك السليم نهائياً والتمسك بخطيبها فهو يشبهها وأيضاً يعشقها وهذا يظهر للعلن. انتهى البارت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!