وصلت أمال وأماني إلى منزل قاسم الدمنهوري وجلستا معًا. تحدثت أمال بنبرة قلقة: "أنا قلقانة أوي البنت تتصل بسليم وتقول له على اللي حصل." زفرت أماني بضيق وأردفت بتعقل: "وإيه المشكلة لو حصل وقالت له؟ هيزعل له يومين وياخد موقف وبعدها يرجع يصفي لك من جديد زي عادته. مش أحسن ما كنا نقعد نتفرج لحد ما تلعب على عقله وتشوفي خيبة أملك في ابنك وهو مدخل عليكي بنت الحواري دي وفارضها عليكي زوجة ابنه."
أكملت بوجه مٌشمئز: "تقولي لي وقتها كنتي هتعملي إيه وتقدميها للناس هي وأهلها إزاي؟ تنهدت أمال براحة وأردفت بتأكيد: "عندك حق يا أماني. كده أحسن، وعلى رأيك لو عرف هينسى ويسامحني زي كل مرة. سليم طيب ومحترم ومش بيحب يزعلني، وأكيد مش هيخسرني عشان واحدة زي دي." أردفت أماني بحماس: "المهم دلوقتي إننا اتأكدنا إن البنت مش هتسمح لسليم يقرب منها تاني بعد اللي عملناه فيها قدام مامتها، وكده قفلنا الموضوع وصعبناه عليها خالص."
أكملت بتعقل: "المفروض بقى تحاولي تضغطي على سليم انتِ وقاسم عشان يخطب قبل ما يسافر. لازم سليم يخطب يا أمال عشان ينشغل بخطيبته وينسى البنت دي خالص." أجابتها أمال: "ده اللي بحاول أعمله فعلاً يا أماني." في ذلك التوقيت، استمعا لصوت جرس الباب. فتحت العاملة ودلف سليم ووالده، حيث كانا يؤديان صلاة الجمعة داخل المسجد المتواجد في تلك المنطقة الراقية التي يقطنون بها. ألقيا عليهما السلام وردوه.
ثم اقترب سليم من خالته ومال عليها مقبلاً وجنتيها بحنان وأردف قائلاً باحترام: "إزيك يا حبيبتي، عاملة إيه وعمو عاطف ورامي أخبارهم إيه؟ أجابته بحب: "بخير يا حبيبي الحمد لله، طمني عنك إنت؟ وأردفت وهي تغمز له بعينيها: "مفيش خبر سعيد كده يفرحنا قريب؟ أجابها وهو يقبل جبين والدته باحترام وأكمل: "إن شاء الله قريب جداً يا خالتي." أردف قاسم وهو ينظر إلى أماني: "الكلمة دي ليا سنين بسمعها، لما خلاص حاسس إنها بقت حلم بعيد المدى."
تحدثت أماني باستماة: "لا، بعيد المدى إيه، إحنا عاوزين نفرح بالباشمهندس قبل ما يرجع لألمانيا." وأكملت بتفاخر: "ليك عندي حتة عروسة، لما تشوفها هتقضي باقي عمرك كله تشكرني إني كنت السبب في جوازك منها." سألتها أمال بكبرياء: "بنت مين دي يا أماني؟ كادت أن تتحدث ولكن قاطعها سليم منهياً الحديث: "يا حبيبتي أنا مش حابب أتعبكم معايا، على العموم قريب جداً هفرحكم زي ما أنتوا عاوزين." تحدثت أمال بتخابث: "وعد يا سليم؟
أجابها بثقة: "وعد إن شاء الله يا أمي." تحدث قاسم لإنهاء تلك المحادثة التي دائماً ما تنتهي بالخلافات الحادة: "متتصلي بعاطف ورامي يجوا وتقضوا اليوم معانا هنا يا أماني." أجابته: "متشكرة يا قاسم، بس الحقيقة مش هينفع خالص لإن عاطف عازمنا على العشا برة." ***
داخل النيل الساحر وبالتحديد فوق يختٍ صغير، كانت تقف بجانبه يستندان على سور اليخت ويتطلعان بسحرٍ إلى مياه النيل الساحرة وأمواجه العالية المرتفعة للأعلى، وذلك من تأثير مداعبة هواء شهر أكتوبر لأمواجه. حيث كان الهواء يرتطم بالمياه بعنف ويرتفعان سوياً ويتناثران في مظهر رائع يشد البصر والبصيرة.
أغمضت عيناها ورفعت وجهها للأعلى، وأخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء، وكررت تلك العملية عدة مرات حتى حصلت على بعض الاستجمام. ثم ابتسمت بهدوء وهي مازالت مغمضة العينين. كان كل هذا يحدث تحت أعين ذلك العاشق الذي ينظر عليها بعيون هائمة في سحر وجهها ومظهرها البديع. أفتحت عيناها بهدوء وحولت بصرها إليه براحة، وجدته ينظر إليها بعيون تشع سعادة وعلى ثغره ابتسامة خفيفة. ابتسمت له خجلًا وأردفت بنبرة صوت رقيقة: "بتبص لي كده ليه؟
ابتسم لها وأردف قائلاً بسعادة: "مبسوط وأنا شايفك مستجمعة وأد إيه سعيدة." انفرجت أساريرها وأجابته بابتسامة سعيدة: "تعرف يا هشام، النيل ده ساحر، ليه تأثير السحر في إنه يغير مودي في لحظات." نظر لها وتساؤل باهتمام: "بقيتي أحسن؟ أجابته بابتسامة: "الحمد لله يا هشام، بقيت أحسن كتير." أتى إليهم العامل وأردف باحترام: "الأكل جاهز يا أفندم." أجابه هشام بوجه بشوش: "تمام، متشكر جدًا."
ونظر إلى فريدة وأشار لها بالتقدم، وبالفعل تحركا إلى منتصف اليخت حيث المنضدة الموضوع عليها الطعام بعناية. تقدم هشام وسحب لها المقعد، نظرت له بابتسامة وجلست وأردفت: "ميرسي." ابتسم لها وتحرك وجلس بمقابلها وبدأ بتناول طعامهما المحبب الذي اختاره هشام بعناية من إحدى المحلات المشهورة. نظرت له وهي تمضغ قطعة الاستيك الغارقة في صوص الدمجلاس المحبب لديها وابتلعتها ثم أردفت بإعجاب: "الاستيك تحفة يا هشام، هما عاملينه هنا؟ أجابها
وهو ينظر إليها بسعادة: "بألف هنا يا حبيبي، لا يا قلبي هنا مبيعملوش أكل، هما بس بيتعاملوا مع مطاعم معينة وبيطلبوا منهم اللي الزبون بيطلبه، وأنا اللي اخترت لك المنيو عشان عارفك بتحبي الاستيك وورق العنب." ابتسمت له وأردفت بامتنان: "متشكرة يا هشام، بجد متشكرة على كل حاجة عملتها علشاني النهارده." أردف بدعابة: "إنتِ تؤمري يا قلبي، أول ما تحسي إنك متضايقة اديني رنة وأنا أظبط لك مودك في دقايق،
وأكمل بوقاحة وجرأة: "بس بعد الجواز بقى مش هنحتاج نخرج لو المود اتغير، هنظبطه بعون الله من غير ما نخرج من أوضتنا." سعلت من شدة خجلها وتوقف الطعام داخل حلقها مما استدعى هشام الإسراع في إعطائها كوب الماء الموضوع أمامها، وتناولت هي القليل منه حتى هدأت، تحت ضحكات هشام الساخرة من هيئتها التي أصبحت عليها من مجرد بضعة كلمات. وأردف: "خلاص خلاص اهدى يا فيري، كل ده من كلمتين، اومال يوم الدخلة هتعملي فيا إيه، ولا...
أسكتته بحديثها التحذيري: "هشام، لو مبطلتش كلامك ده هخلي القبطان يلف ويرجعنا تاني للمرسى." ضحك برجولة وأردف بمداعبة: "إنتَ تأمر يا مالك القلب، الصبر يا إتش، هانت، كلها أربع شهور وتنوري لي حياتي، وساعتها هنقول أحلى كلام وبدون رقابة." ابتسمت له بقلبٍ مهموم من مجرد ذكره لموعد زفافهما. وأكملت طعامها ثم أردفت لتغيير مجرى الحديث: "دعاء والبيبي عاملين إيه؟ علم أنها تريد تغيير الحديث ففهم ذلك جيداً
وأجابها: "كويسين الحمد لله، تعرفي إن هادي سمى البيبي هشام؟ ابتسمت بسعادة لسعادته قائلة: "ماما سميحة قالت لي لما كلمتها من يومين عشان أطمن عليه." نظر لها وأردف بتأكيد: "إنتِ جاية السبوع طبعاً؟ أجابته بتأكيد: "إن شاء الله يا هشام، هاجي عشان دعاء." وأكملت بدعابة: "وكمان عشان أشوف الأستاذ هشام الصغير." أجابها بسعادة وتمني: "عقبالنا يا فريدة." ابتسمت خجلًا وأحالت بصرها عنه، وابتسم هو لخجلها الذي يعشقه. ثم أردف قائلاً
بجدية: "إن شاء الله هنعدي على أي جواهرجي واحنا مروحين عشان ننقي الهدية بتاعة البيبي مع بعض." ردت عليه بتأكيد: "بس بشرط، أنا اللي هحاسب على الهدية بتاعتي، وأرجوك متتنشّفش دماغك وتحجرها زي كل مرة." نظر لها وتحدث بدعابة: "لا اصحي لي كده وفوقي، هديتك إيه وهديتي إيه، إنتِ عايزاهم يطمعوا فينا كده من أولها، هي هدية واحدة باسمنا إحنا الاتنين وإنتِ اللي هتقدميها، إحنا داخلين على جواز ومحتاجين مصاريف كتير يا ماما."
ابتسمت له وأكملا تناول طعامهما مع حديثهما الشيق معاً. *** آخر الليل كان يجلس فوق سريره ساندًا برأسه بإهمال مغمض العينين، يتنفس بغضب ويحادث حاله: "وماذا بعد فريدة؟ ألن تكتفي من العناد والغباء بعد؟ ألم يكفيكِ بعد ما تذوقناه من الآلام والحرمان؟ ماذا تظنين نفسكِ فاعلة أيتها الغبية؟ وأكمل بغل: "أبكل جرأة ووقاحة تطلبين وده وقربه؟ ماذا دهاكِ يا فتاة، وإلى أين تظنين حالكِ ذاهبة؟
وأكمل بحنان: "لو أنكِ تيقنتِ أنكِ ملكيتي الخاصة لأرحتِ حالكِ وأرحتني من ذلك العناء! هل صور لكِ غبائكِ أنني سأترككِ ترحلين لأحضان رجلٍ غيري؟ إذاً فحينها قد تثبتين لي أنه ليس لديكِ عقلٌ من الأساس."
وأكمل بقلبٍ يشتعل نارًا: "أنتِ لي بكل ما لديكِ فريدتي، قلبك، عقلك، روحك، وحتى جسدك لم يمتلكه غيري من البشر، وإن حكمت سأقتلك قبل أن يمتلككِ غيري من الرجال، نعم فريدة سأقتلك قبل أن أنهي حياتي معك. فلـيس من العدل أن تحيي أنتِ وأزول أنا."
وأكمل بعشق: "سأمتلككِ فريدتي وقريبًا جدًا ستغفين داخل أحضاني الدافئة، وهذا وعدي لكِ غاليتي، فترقبيه في القريب العاجل، ترقبي اللقاء بعد الفراق. الوصل بعد الهجران. السلام بعد الحرب. التسلم والتراخي بعد العصيان. نعم غاليتي ستوهبيني جسدكِ بكامل الرضا مثلما وهبتيني روحكِ وقلبكِ وكيانكِ. ستوهبيني إياه لنتنعم معًا ولنلتقي في دروب العشق ولنقم بجولاتنا الممتعة سوياً. أنتظرك حبيبتي حين تفوقين من غفلتكِ تلك. سأنتظركِ تأتين إلي وتعلنين عن رفع راية الاستسلام بعد العصيان الذي أدمى قلوبنا. سأنتظرك حبيبتي بقلبٍ صبور هادئ، حتى ثورة اللقاء."
*** داخل منزل فريدة مساءً. كان الجميع يجلسون بصحبة عائلة عامر التي أتت لخطبة نهلة لولدهم عبد الله، وأيضًا هشام الذي دعته فريدة إلى جلسة الاتفاق، حيث بدأت بتقريبه إليها حتى تحتمي به من تفكيرها الدائم بسليم. تحدث الأستاذ عامر باحترام: "طبعًا يا فؤاد إحنا جيران وأخوات وأصحاب من زمان، وإنت عارفنا وعارف عبد الله كويس، وعلشان كده أنا يشرفني إني أطلب إيد نهلة لعبد الله ابني، وإحنا تحت أمركم في أي طلبات تطلبوها."
ابتسم فؤاد وأردف قائلاً: "طلبات إيه بس يا عامر اللي بتتكلم عنها، ده أنا أجهز بنتي وأجيبها لحد باب بيتك عشان خاطرِك وخاطر عبد الله اللي يشرف أي بيت يدخله." أجابه عبد الله باحترام: "ربنا يبارك في حضرتك يا عمي، وأوعدك إني إن شاء الله هحافظ على نهلة وأشيلها جوة عيني." ابتسمت فريدة وأمسكت كف شقيقتها التي نظرت إليها بحنان وابتسمت بعيون سعيدة. وأردف عامر قائلاً: "ده من أصلك يا فؤاد، نتكلم بقى في تفاصيل الشبكة والمهر." أجابه
فؤاد بابتسامة وتأكيد: "ما أنا قلت لك يا عامر مليش طلبات، الشبكة دي هدية عبد الله لنهلة وأي حاجة منه أكيد هتفرحها وتسعدها، أما بقى الشقة وفرشها هما اللي هيعيشوا فيها، واللي يريحهم فيها يعملوه." نظر هشام إلى فؤاد وأردف قائلاً باحترام: "ما شاء الله على بساطة حضرتك ومرونة تفكيرك يا عمي، لو كل أب فكر بطريقة حضرتك صدقني مش هيكون فيه أزمة جواز في البلد أبدًا." ابتسم له فؤاد وأردف قائلاً
بتقدير: "يا ابني أنا لما وافقت عليكم لبناتي، وافقت وأنا متأكد إني هسلمهم لأولاد أصول ورجالة متربيين على طبلية أبوهم، إنت وعبد الله رجالة بجد ويعتمد عليكم، وكفاية إني هكون مطمن على بناتي وهما في بيوتكم." وأكمل بتساؤل: "تفتكر يا هشام بعد كل ده، ممكن يكون فيه حاجة تستاهل إننا نتكلم فيها ولا نختلف عليها؟ أجابه هشام وعبد الله معًا: "ربنا يكرم أصل حضرتك يا عمي." تحدثت اعتماد وهي
تنظر إلى نهلة بابتسامة: "نهلة ست البنات وتستاهل أحلى حاجة في الدنيا كلها، وعبد الله هيجيب لها شبكة تليق بأدبها وتربيتها اللي تشرف." ردت عليها عايدة بوجه سعيد: "ربنا يجبر بخاطرك يا أم عبد الله." وظلوا يتسامرون ويتبادلون الأحاديث الممتعة لهم جميعًا. وبعد ذهاب الجميع كانت نهلة تجلس فوق سريرها بسعادة مذهلة. أما فريدة كانت تقبع فوق سجادة الصلاة تقيم صلاة قيام الليل وتتضرع إلى الله داعية بإصلاح أحوال جميع أحبائها. ***
أما داخل منزل كمال وبالتحديد داخل غرفة لُبني. كانت تجلس حزينة بجانب شقيقها الذي دلف إليها ليطمئن عليها بعدما رفضت خروجها من غرفتها لتناول عشائه. تحدث ماجد متأثرًا من حالة شقيقته: "أنا مش فاهم إنتي بتعملي في نفسك كده ليه؟
انسى هشام وحاولي تكملي حياتك مع حد تاني يا لُبني، هشام بيعشق خطيبته مش بس بيحبها، وده أنا شفته بنفسي اليوم اللي رحت له فيه الشغل عشان أقابله، أخدني وعرفني عليها، وساعتها شفت في عيونه حب ولهفة عمري مشفته عليها قبل كده." وأكمل بتذكير: "وبعدين إنتِ اللي سبتيه زمان بمزاجك ومحدش أجبرك، كان فيكي تحكي له الحقيقة، راجعة تاني تبكي على اللبن المسكوب ليه؟ تململت بجلستها وأكشعرّت ملامح وجهها
وأردفت قائلة بنبرة معاتبة: "إنتَ جاي تحاسبني وتلوم عليا يا ماجد؟ وأكملت بنبرة حزينة مستسلمة: "على العموم وفر كلامك لأني فعلاً خلاص، نويت أكمل حياتي لوحدي، من غير أي حد يا ماجد، لأني بجد مش هقدر أعيش وأكمل حياتي مع حد غير هشام." نظر ماجد إلى شقيقته بحزن وكاد أن يتحدث، أسكته رنين هاتف شقيقته التي ارتبكت حين نظرت لشاشته ونظرت سريعًا إلى شقيقها وأردفت: "ماجد من فضلك سيبني لوحدي عشان أكلم صاحبتي."
خرج ماجد وضغطت هي زر الإجابة على الفور وأردفت قائلة باقتضاب: "أفندم." رد المتصل المجهول الهوية بتساؤل: "إيه، بتكلميني كده ليه؟ أجابتها بنبرة ثائرة: "ولا تكلميني ولا أكلمك، أنا الحق عليا اللي صدقتك ومشيت ورا كلامك واقتنعت إن هشام هيسيب خطيبته ويرجع لي من جديد، بس يظهر إني كنت مغفلة." ضحك المتصل وأردفت بنبرة ساخرة: "مكنتش أعرف إنك شخصية انهزامية وضعيفة أوي كده، إيه، تعبتي وسلمتي كده من أول جولة؟ صاحت به لُبني
وأردفت بنبرة غاضبة: "طبعًا ما أنتِ مش خسرانة حاجة، أنا اللي حسيت بمنتهى الإهانة اليومين اللي فاتوا في كل مرة اتصلت عليه وكنسل عليا ورفض المكالمة، أنا اللي كرامتي اتبهدلت في الأرض مش إنتِ." أجابها المتصل بقوة: "في قانون الحب مفيش حاجة اسمها كرامة، فيه حاجة اسمها أحارب بكل السبل والطرق عشان أوصل لقلب حبيبي وأرجعه لحضني من تاني."
وأكمل بنبرة حادة شبه أمر: "فوقي لي كده عشان الموضوع دخل في الجد، هشام لو مش حاسس إن قلبه ابتدى يلين ويحن لك من تاني مكنش هرب من مكالماتك، هشام خايف يسمع صوتك لينهار ويسلم يا لُبني." انفرجت أساريرها ودلف شعاع الأمل إلى قلبها من جديد وأردفت قائلة بنبرة متلهفة: "تفتكري يكون ده تفكير هشام فعلاً، يعني ممكن فعلاً يكون هشام ابتدى يرجع في حبي زي زمان؟ أجابها
المتصل المجهول على عجل: "ده أكيد، هشام غضبان منك بسبب كرامتك اللي فرمتيها تحت جزمتك زمان، عشان كده قافل على قلبه بميت مفتاح وواهم نفسه وبيحاول يوهم كل اللي حواليه بعشقه لفريدة، هشام كذب الكذبة وصدقها يا لُبني." وأكمل بإصرار: "وإحنا بقى لازم نفوقه ونرجعه لصوابه."
وأكمل بعملية: "خلينا في المهم، هشام رجع زي الأول مع فريدة وبدأ يرتاح من جديد، هو حاليًا مطمئن وضامن حب فريدة له وحاسس معاها باستقرار، وهنا يبدأ دورك بمحاصرته وبإحياء مشاعره ورجوعها ليكي من جديد، خليه يحس إنه شهريار زمانه اللي الستات كلها هتموت عليه، ومن هنا هيبدأ غروره يصور له ونفسه تحدثه إنه ليه لأ، ليه ميرجعش يعيش إحساس الحب اللي كان معاكي من جديد، وفي نفس الوقت هو مع فريدة وهيتجوزها." ردت لُبني
باعتراض: "بس هشام مش من النوع ده من الرجالة." أجابها المتصل المجهول بقوة وثقة: "صدقيني كل الرجالة كده، الواحد منهم أول ما يشوف نظرة الرغبة له في عيون الأنثى بيتغر وينساق ورا رغبته الرجولية ويرضي غروره، ويحاول يثبت لنفسه إنه الدكر الوحيد اللي ملوش مثيل في الكون ده كله." "تخيلي بقى لو النظرة دي كانت من أول حب في حياته، بل والوحيد، وده اللي هشام بيحاول ينكره." أردفت لُبني
بنبرة متحمسة وانسياق تام: "تمام، قولي لي إيه المطلوب مني وأنا هنفذه بالحرف الواحد." *** داخل منزل حسن نور الدين. كانت تصعد لسلم الطابق الرابع وجدت رانيا تفترش درجات السلم وتتحدث في هاتفها، أغلقت سريعًا حين وجدت سميحة بوجهها. نظرت لها سميحة بريبة وأردفت متسائلة: "رانيا، إيه يا بنتي اللي مقعدك هنا، وبتكلمي مين في الوقت المتأخر ده؟
ارتبكت وأردفت قائلة: "كنت عايزة أكلم ماما والشبكة ضعيفة تحت فقولت أطلع أكلمها هنا، منه الشبكة قوية ومنه كمان أكون بعيدة عن الدوشة اللي تحت دي كلها." وأكملت بضيق: "بصراحة يا طنط أهل دعاء مزودينها أوي، كل يوم مامتها وأخواتها وولادهم هنا، لدرجة إني بقيت حاسة إننا قاعدين في شارع مش في بيت." أجابتها سميحة وهي تضع مفتاحًا داخل باب الشقة الخالية وتدلف للداخل: "مش أهلها يا بنتي وبييجوا يطمنوا عليها."
أجابتها رانيا وهي تدلف خلفها داخل الشقة وتتطلع حولها باستطلاع وفضول: "أنا مقولتش ميجوش يا طنط، بس يعني مش كل يوم ييجوا من بعد أذان الظهر وميمشوش غير آخر الليل، المفروض يراعوا إن البيت فيه ناس ومحتاج يرتاح." تنهدت سميحة وصمتت لصحة حديث رانيا. فأردفت رانيا قائلة بتساؤل: "ساكتة ليه يا طنط؟
تحدثت سميحة بهدوء: "هتكلم أقول إيه بس يا رانيا، أدينا متحملين لحد السبوع ما يعدي ودعاء تبقى أحسن، وأكيد بعد كده مامتها بس هي اللي هتيجي تطمن عليها." وأكملت: "تعالي شيلي معايا طقم الصيني ده ننـزله عشان نستخدمه يوم السبوع." أردفت رانيا قائلة بنبرة متسائلة: "هي فريدة جاية مع أهلها تحضر السبوع يا طنط؟ أجابتها بتأكيد: "إن شاء الله جاية." أردفت بنبرة لئيمة: "مظنش إنها هتتنازل وتوافق تيجي عندنا هنا."
زفرت سميحة بضيق وأغمضت عينيها باستسلام وأردفت قائلة: "أنا مش فاهمة إنتِ حاطة فريدة في دماغك ليه يا رانيا، ياريت تشيليها هي وهشام من دماغك وتعالي ننزل الحاجات دي عشان نغسلها ونجهزها ليوم السبوع." اغتاظت من دفاع والدة زوجها المستديم لتلك التي تدعي فريدة وحملت معها الأشياء وقامت بتنزيلها للطابق الأرضي. ثم صعدت من جديد ودلفت لداخل مسكنها الخاص وجدت الشقة هادئة.
دلفت غرفة طفليها وجدتهما غافيين بسلام فوق سريرهما مندثران تحت غطائهما، حيث اهتم بهما حازم. قبلتهما وخرجت متجهة إلى غرفة نومها. دلفت وجدت زوجها يقبع فوق السرير ساندًا ظهره براحة على ظهره، واضعًا جهاز اللاب توب فوق ساقيه وينظر به حيث يستمع إلى فيلم سينمائي وهو مبتسم. نظرت له بضيق وأردفت قائلة بتهكم: "خليك إنتَ قاعد لي كده طول الوقت قدام اللاب توب وسايب الدنيا تضرب تقلب."
نفخ بضيق ونظر إليها باشمئزاز وأردف ساخرًا: "أهلاً بخميرة عكننة حياتي." نظرت إليه بوجه غاضب وأردفت قائلة بصياح: "حااازم، إمسي ولم نفسك، وبدل ما تقعد تتمسخر عليا روح شوف إخواتك واللي بيعملوه." نظر لها بضيق وأردف: "وعملوا لك إيه بقى إخواتي هما كمان إن شاء الله؟ تحركت بعد أن بدلت ثيابها، جلست بجانبه وتحدثت: "قصدي على هشام اللي بابا قرر يدي له الفلوس اللي كان شايلها في البنك، عشان البيه يجيب فرش يليق بالليدي فريدة فؤاد."
أجابها بهدوء: "طب وإنتِ إيه مشكلتك مش فاهم، واحد هيساعد ابنه في جوازه وده الطبيعي، إيه بقى اللي مزعل جنابك؟ ردت عليه باقتضاب ونبرة غاضبة: "يساعده على حسابكم؟ هي الفلوس دي مش المفروض بتاعت شقة فيصل اللي عمي باعها السنة اللي فاتت، يعني المفروض كلكم ليكم نصيب فيها، إزاي بقى يديها كلها لهشام؟
أجابها بضيق: "أولاً محدش له حاجة طول ما بابا موجود وعلى وش الدنيا، ثانيًا بقى هو حر يدي فلوسه للي هو عاوزه، وبعدين ده حق هشام عليه، بابا ساعدنا كلنا في جوازنا وكل واحد فينا له شقة هنا حتى مصطفى اللي لسه بيدرس، هشام الوحيد اللي اشترى شقة لنفسه، يبقى من الطبيعي إن بابا يساعده في الفرش اللي هيفرش بيه شقته." اغتاظت
وأجابته بغيرة واضحة: "كان ممكن يدي له جزء يساعده بيه ويجيب أي فرش وخلاص، لكن إزاي، البيه أخوك عاوز يفرش شقته من أفخم محلات الموبيليا، على أساس إن فريدة هانم عايشة في جاردن سيتي مش في العمرانية." زفر بضيق وأردف وهو يتحرك بغضب واضعًا اللاب توب فوق الكومود: "خليكي إنتِ اهرى كده مع نفسك وأنا نازل وسايب لك الشقة كلها تشبعي بيها." وارتدى ثيابه ونزل للأسفل يجلس بجانب والده ووالدته المتواجدان داخل حديقة المنزل. ***
بعد يومين كانت فريدة تعمل داخل مكتبها. دلت عليها نجوى تتحرك بدلال قائلة: "أنا قلت طالما إنتِ ما بتسأليش أسأل أنا وأجي أشرب معاكي مج نسكافيه." وأكملت بدلال: "هو إحنا مش أصحاب ولا إيه يا فريدة؟ تفاجأت فريدة بزيارتها غير المرحب بها بالمرة. نظرت إليها وأردفت بهدوء وهي تشير بيدها: "أهلاً يا باشمهندسة، اتفضلي." ورفعت سماعة هاتف المكتب وطلبت من عامل البوفيه كوبًا من النسكافيه. فأردفت نجوى بدلال: "مطلبتيش لنفسك نسكافيه ليه؟
وأكملت بدعابة: "ولا مش حابة تشربي حاجة معايا؟ أجابتها فريدة بنبرة جادة: "مش قادرة أشرب حاجة يا باشمهندسة، ويا ريت تدخلي في الموضوع على طول عشان عندي شغل مهم لازم يخلص النهارده." اشعلت داخلها من معاملة تلك فريدة التي لا تتقبلها كصديقة أبدًا. وأردفت قائلة بابتسامة سمجة: "تمام، أنا فعلًا ليا عندك طلب وكنت حباكي تخدميني فيه." نظرت لها فريدة وأردفت قائلة بترقب: "اتفضلي أنا سمعاكي، ولو في إيدي أساعدك أكيد مش هتأخر." انفرجت
أسارير نجوى وتشجعت قائلة: "بصي يا فريدة، أنا شايفه إن علاقتك بالباشمهندس سليم بخصوص الشغل هايلة، فده شجعني إني أجي وأطلب منك تتوسطي لي عنده بإنه يعينى معاه في الفرع الرئيسي لشركتهم في ألمانيا، نفسي أسافر أشتغل هناك أوي." ابتسمت فريدة بجانب فمها بطريقة ساخرة وأردفت: "أولاً أنا علاقتي بالباشمهندس سليم علاقة جافة جدًا، ومش معنى إنه رشحني للمنصب اللي اتعينت فيه إنه جامّلني، أو إني طلبت ده منه،
وأكملت نافية: "خالص يا نجوى صدقيني، الباشمهندس سليم عمره ما دخل العلاقات الإنسانية في الشغل، هو مرشحنيش للمنصب ده غير لما أتأكد إني هفيد شركته في الجزئية دي، ده غير إن علاقتي بيه متسمحليش إني أطلب منه طلب زي ده، لا ليكي ولا حتى ليا أنا شخصيًا." وأكملت بأسف: "أنا أسفة جدًا بس مش هقدر أفيدك، وأكملت بلؤم: "طب متروحي له المكتب وتطلبي ده منه بنفسك؟
زفرت نجوى بضيق وأردفت: "مكذبش عليكِ يا فريدة، أنا فعلاً حاولت أعمل كده بعد ما رجع لمكتبه بعد دمج الشركتين، بس مسمحليش بالدخول أساسًا، الرخمة مديرة مكتبه اللي اسمها جينا كل ما أروح له تقولي الباشمهندس عنده شغل مهم، وحتى لما بيكون في الـ Break بلاقيه بيصدني، مش فاهمة اتغير كده ليه معايا مرة واحدة، من آخر مرة روحت له المكتب لما كنتِ موجودة معانا وهو اتغير ومبقاش بيسمح لي حتى أحاول أقرب من مكان وجوده."
انتفض داخل فريدة فرحًا وشعرت بسعادة لا متناهية، وتنهدت بارتياح وأردفت قائلة بإخلاص: "عاوزة نصيحتي يا نجوى، سليم الدمنهوري مش سكتك، هتضيعي وقتك معاه على الفاضي، سليم الدمنهوري راجل جد وملتزم جدًا في شغله وعمره ما بيقبل بالتهاون فيه." ردت نجوى بوقاحة: "يا خسارة، كنا هنعمل أنا وهو أحلى دويتو." توضحت فريدة بنبرة ساخرة وأردفت قائلة باستفهام: "إلا قولي لي يا نجوى، إنتِ اتطلقتي من جوزك التاني ليه؟
رغم إني سمعت إنه كان بيحبك جدًا، وكمان كان راجل غني وهيحقق لك كل أحلامك؟ ضحكت نجوى وأردفت قائلة: "هو فعلاً حقق لي كتير من أحلامي وكنت عايشة معاه ملكة، وحتى بعد الطلاق أخدت لي منه شقة وعربية وقرشين حلوين في البنك، بس بيني وبينك كده يا فيري أنا مش بتاعت جواز، جواز يعني خنقة وتحكمات وأنا مليش في الجو ده، أنا واحدة عاملة زي الفراشة، عاوزة أطير وأفرح وأعيش حياتي زي ما أنا عاوزة وبالطريقة اللي تريحني." تنهدت فريدة بأسى
على تفكير تلك نجوى وأردفت: "بس الكلام اللي بتقوليه ده ضد الشرع والعرف وكمان الطبيعة يا نجوى، إنتِ محتاجة تقربي من ربنا أكتر من كده وكمان محتاجة تفهمي دينك كويس، ومع فهمه هتعرفي وتفهمي طبيعة الحياة اللي بجد، الحياة اللي تستحق تعيشيها، فكري في الاستقرار وإن يبقى عندك أطفال وتهتمي بيهم وبحياتهم، أكيد هتحسي بالفرق." نظرت لها
نجوى وأردفت بنبرة ساخرة: "أجيب ولاد وأربيهم، طب ما أنا كنت طفلة يا فريدة لما بابا وماما اتطلقوا وكل واحد راح عاش حياته واتجوز ورموني عند جدتي أم بابا أواجه مصيري بنفسي." وقفت متهربة وأردفت قائلة: "أخدت من وقتك كتير يا فيري، وأسفة لو عطلتك عن شغلك." وقفت فريدة ونظرت لها بوجه بشوش وأردفت قائلة بصدق بعدما تعاطفت معها وتفهمت أن أفعالها ما
هي إلا نتيجة ظروف نشأتها: "ولا يهمك يا نجوى، لو حبيتي تيجي وتقعدي معايا، مكتبي مفتوح لك في أي وقت، نورتي يا نجوى." نظرت لها نجوى باستغراب من تحولها السريع وأردفت قائلة بوجه سعيد: "متشكرة أوي يا فريدة، أكيد هاجي لك تاني." وتحركت للخارج في حين ظلت فريدة ناظرة بشرود على أثرها بأسى وحزن على حال تلك الفتاة التي كانت ضحية أنانية أب وأم غير ناضجين فكريًا، دمروا ابنتهم وشوهوها نفسيًا إلى هذا الدرجة. ***
بعد خروج نجوى مباشرةً استمعت فريدة إلى رنين هاتفها. أمسكته لتري من المتصل، ابتسمت حين وجدت نقش اسم أسما زوجة علي. ضغطت فوق زر الإجابة وأردفت قائلة بنبرة سعيدة: "الناس الرايقة اللي قاعدة تستجم في شرم الشيخ." ضحكت أسما بسعادة وأردفت قائلة بتمني: "ياريتك كنتِ معانا يا فريدة، بجد الجو هنا يجنن." ابتسمت فريدة وأردفت قائلة: "أهم حاجة انبسطي إنتِ والباشمهندس وسولي ومتفكريش في أي حاجة تانية."
أجابتها أسما: "فيري، إحنا نازلين القاهرة بكرة عشان عيد ميلاد سولي، وكنت حباكي تكوني معايا في اليوم ده عشان أفرحه، إنتِ عارفة في ألمانيا مفيش حد معانا غير سليم، والسنة دي أول سنة يحضر عيد ميلاده في مصر، فحابة أعمل له عيد ميلاد كبير وأجمع فيه كل أهلنا وأصحابنا وحبايبنا." ارتبكت فريدة من دعوة أسما لعلمها بوجود سليم المؤكد فأردفت بهدوء: "هو أنا لو اعتذرت ممكن تتفهمي موقفي وتعذريني يا أسما؟
أجابتها أسما بنبرة محبة: "أكيد هزعل طبعًا، وخصوصًا إن رفضك غير مبرر بالنسبة لي، عشان سليم اللي مش حابة تحضري عشان خاطره إنتِ كده كده بتشوفيه كل يوم في الشغل." أردفت فريدة قائلة بنبرة مستسلمة: "أوكِ يا أسما، بس بعد إذنك أنا هاجي مع هشام."
أردفت أسما بالموافقة بترحاب رغم ارتباكها لانتوائها من البداية عدم رغبتها بحضور هشام كي لا تزعج صديقها وصديق زوجها سليم، ولكنها وافقت مرغمة لأجل حضور فريدة التي احتلت مكانًا ومعزة داخل قلبها بدون استئذان. *** جاءت الساعة الثانية عشر لتعلن عن بدء موعد الـ Break المخصص لموظفي الشركة. تحركت فريدة متجهة إلى المصعد للهبوط إلى الكافتيريا بعد أن هاتفها هشام وأخبرها أنه بانتظارها داخل الكافتيريا.
وصلت للمصعد وضغطت فوق زر استدعائه. استمعت لصوت أقدام أحدهما خلفها، التفت لتستعلم عن صاحب تلك الأقدام، وجدته سليم يقترب عليها هو ومساعدته الخاصة جينا التي ما أن رأت فريدة حتى انفرجت أساريرها. وأردفت بابتسامة بشوشة: "إزيك يا باشمهندسة." ردت فريدة بنفس تلك الابتسامة: "أهلاً أستاذة جينا، أخبارك إيه؟ ردت ببشاشة وجه. حين نظر سليم إلى فريدة نظرة باردة واكتفى بإيماءة رأسه لها كتحية منه.
ردتها فريدة بنفس إيماءة الرأس الباردة مع تجاهل كلي للنظر إليه وضيق ظهر بملامحها مما استدعى استغراب سليم. أتى المصعد ودلف إليه ثلاثتهم مع تحفظ فريدة النظر أو الحديث إلى سليم حتى توقف المصعد. خرجت هي سريعًا واتجهت أمامهما ناحية الكافتيريا. دلف وتحركت باتجاه هشام الذي ما أن رآها حتى انفرجت أساريره ووقف احترامًا لها ليستقبلها تحت نظرات سليم المستشاطة حين وجدها تبتسم ببشاشة وراحة وهي تتحرك إليه.
جلست مع هشام بطاولته، كان قد طلب الطعام ووضعه فوقها وانتظر حضور فريدة التي ما أن حضرت حتى أشرعوا بتناول طعامهما معًا تحت سعادة هشام وألم سليم الناظر لهما من خلف نظارته الشمسية التي لم يخلعها عنه حتى ينظر إليهما ويراقب أفعالهما دون لفت النظر إليهما. نظرت جينا إليه وأردفت قائلة بتذكير وهي تشير إلى عينيها: "نظارة حضرتك يا أفندم." نظر إليها من خلفها وأردف ساخرًا بضيق: "بتركز في حاجات غريبة إنتِ يا جينا."
وانتزعها عنه مرغمًا بعد ملاحظة جينا. وأردف قائلاً لها بإهمال: "شوفي هتأكلينا إيه، إنا سايب لك نفسي النهارده تطلبي لي على ذوقك." ابتسمت له وأردفت بعملية: "من امتى يا باشمهندس وحضرتك بتسمح لحد إنه يوجهك أو يفرض عليك اختياره؟ نظر لها بتأفف وأجاب بملل مصطنع: "طب إيه رأيك بقى أنا اللي هاكلك على ذوقي، وهطلب لك أكتر حاجة مبتحبيهاش." تحدثت سريعًا
باستعطاف مصطنع: "أرجوك تقبل اعتذاري يا أفندم وتعتبر كلامي جهل مني وذلة لسان مش أكتر." أما عند فريدة، كانت تتناول طعامها تحت سعادة هشام بتغير فريدة الهائل معه واهتمامها الواضح به وبما يرضيه. تحدثت فريدة باستحياء: "هشام، كنت عايزة أقول لك على حاجة، بس أرجوك توافق." نظر لها باستغراب وأردف قائلاً بترقب: "قولي يا حبيبتي، وأكيد لو أقدر أنفذ لك اللي إنتِ هتطلبيه مش هتأخر."
نظرت له وأردفت بترقب: "أسما مرات الباشمهندس علي، اتصلت بيا النهارده وعزمتني أنا وانتَ على عيد ميلاد سليم ابنها." استمع هو اسم سليم يخرج من بين شفتيها واشتعل جسده بالكامل غضبًا وأردف قائلاً: "لا يا فريدة، الناس دي ولا شبهنا ولا يخصونا أساسًا عشان نحضر أعياد ميلادهم، تطلع مين أسما دي ولا إيه اللي يربطنا بيها عشان علاقتنا توصل بيها إننا نحضر حفلة عيد ميلاد ابنها."
نظرت له باستعطاف وأردفت بنبرة حنون رصدها سليم وصرخ قلبه حينها، وأكملت فريدة: "ممكن تهدي يا هشام أرجوك." انتفض داخل هشام حين استمع لصوتها الحنون ونظراتها المستعطفة فأردف بهدوء وطاعة: "حاضر يا فريدة، أديني هديت، بس أنا يا حبيبتي عايزك تقدري ظروفي أكتر من كده." ونظر إليها بتوتر ثم أخذ نفسًا عميقًا وأكمل بشجاعة: "أكلمك بصراحة أكتر." هزت رأسها وأردفت بهدوء وترقب: "ياريت يا هشام." أردف قائلاً
وهو ينظر إلى عينيها برجاء: "أنا مش حابب يكون لنا أي صلة بأي حد ممكن يقربنا خطوة واحدة من اللي اسمه سليم الدمنهوري، أنا مبرتحش للراجل ده يا فريدة، ياريت يا حبيبتي تقدري الجزئية دي." نظرت له بتيه ومشاعر مختلطة ما بين ألم لأجله وما بين إحساس بالذنب والعتاب لحالها لما أوصلت إليه هشام وجعلته يشعر بذلك الإحساس. وأجابت بنبرة هادئة: "أنا فاهمة ومقدرة شعورك كويس أوي، بس أرجوك يا هشام اتحمل المشوار ده عشان خاطري."
أسما حد كويس أوي وأول مرة تعمل عيد ميلاد لابنها في بلده، وحابة تجمع له أكبر عدد من الناس اللي بتحبهم حواليها عشان تفرح ابنها، وأكملت لتهدئته: "وبعدين يا سيدي دول هما أسبوعين ويسافروا ومش هنشوفهم تاني ولا حتى بالصدفة." أخذ نفسًا عميقًا ليهدئ من روعه ويحاول تقبل الأمر لأجلها وأبلغها الموافقة تحت سعادتها. واشتعال ذلك المراقب لهما بقلبٍ لو خرجت منه تلك النار المشتعلة بداخله لأحترق المكان بأكمله. ***
داخل إحدى النوادي الاجتماعية. حيث تجلس أمال وأماني بصحبة حسام. تحدثت أماني موجهة حديثها إلى حسام: "إنتَ متأكد يا حسام من الكلام اللي بتقوله ده، يعني فعلًا البنت وسليم بعدوا نهائي عن بعض؟
أجاب عمته بانتشاء وتأكيد: "طبعًا يا عمتو متأكد، البنت اللي بتبلغني بأخبار فريدة لسه مكلماني قبل ما أجي لكم حالًا، وأكدت لي إن فريدة علاقتها مع هشام بقت أعمق وأحسن من الأول بكتير، قالت لي كمان إن سليم مبقاش بيستدعي فريدة لمكتبه نهائي، وكمان فريدة بقت تتجاهل وجود سليم، يعني مثلاً امبارح كانت رايحة مكتب مدير الشركة لكن لما عرفت إن سليم موجود عنده، رجعت لمكتبها واستنت لما سليم خرج وبعدها راحت للمدير." ضايقت أماني عينيها
باستغراب وأردفت قائلة: "أنا مستغربة إنها مقالتش لسليم على زيارتنا ليها بيت أهلها، بصراحة كنت متخيلة هتجري عليه وتشتكي له مننا وتحاول تقلبه علينا لصالحها." تنهدت أمال بارتياح وأردفت بكبرياء: "شكلك كده كان عندك حق لما أصرتي إننا نروح لها البيت ونهددها، وأهو التهديد جاب نتيجة وعرفها قيمة نفسها هي وأهلها كويس أوي." أكدت أماني
على حديثها وأردفت بغرور: "طبعًا، وخصوصًا لما شافتنا قدامها، شكلنا، لبسنا، لبقتنا في الكلام، قارنت بينك وبين مامتها أكيد وعرفت حجمها الطبيعي، من الآخر كده طلعت ذكية وصانت كرامتها هي وأهلها اللي كنا هنمسح بيها البلاط لو تمادت أكتر من كده مع سليم." نظر
حسام إليهما وأردف بتعقل: "صدقوني يا جماعة إنتوا بتلعبوا مع الخصم الغلط، فريدة مش خصم ليكم أصلًا ومفيش منها أي خوف، الخوف كله من سليم نفسه، هو ده اللاعب الأساسي واللي المفروض تحاصروه من كل الاتجاهات، عشان المفاجآت الغير متوقعة كلها هتبقى من سليم." "إنتوا متخيلين إن فريدة ممكن تفكر في إنها تسيب خطيبها وترجع لسليم، طب بأمارة إيه؟
دي تبقى في منتهى الغباء لو فكرت بالشكل ده، فريدة أذكى من إنها تسيب الراجل اللي بيحبها وراح خطبها من باباها وترجع لواحد مشفتش منه غير الغدر." أجابته أمال بنبرة واثقة: "وتخطيط سليم هيفيد بأيه لما تكون البنت رافضة موضوع الرجوع أصلًا، وبعدين مش البنت اللي بتنقل لك أخبارها في الشركة قالت لك إن سليم هو كمان بعد جدًا عنها؟
رد حسام بدهاء: "وهو ده اللي قالقني ومخليني مش مطمن يا عمتو، سليم مش هو الحد اللي بسهولة يستسلم ويعلن هزيمته وخصوصًا لما يكون الموضوع متعلق بفريدة اللي وقف حياته عشانها خمس سنين بحالهم." توترت أمال وتبادلت النظرات بينها وبين أماني لاقتناعهما بصحة حديث حسام عن شخصية سليم غير الهزيمة بالمرة. *** داخل مكتب مراد الحُسيني. كان يجلس باسترخاء ملقي برأسه للخلف مغمض العينين.
استمع إلى طرقات خفيفة فوق الباب، فأذن للطارق بالدخول وما زال على وضعيته. دلت ريم بجانب محامي الشركة الذي تحدث بهدوء: "صباح الخير يا دكتور مراد." تنفس براحة وتحدث بصوت هادئ ينم عن استرخائه وراحته وهو ما زال على وضعيته: "صباح النور أستاذ سامح." مما أثار استغرابها وهي تنظر إليه ببلاهه وحدثت حالها ساخرة: "ما بك اليوم أيها المتعجرف، أم مريض أنت أم خارت قواك من كثرة الغل والتكبر؟ أين لسانك السليط وكبرياؤك ووجهك الكشر؟
فتح مراد عينيه واعتدل في جلسته ينظر إلى سامح وما أن رأى تلك الواقفة بجانبه حتى احتلت نظرة عينيه واقشعرّت ملامح وجهه وتحولت من هادئة حنونة جذابة، إلى مكشعرة محتقنة مكتظة. حدثت حالها بدعابة: "نعم، هاهو ذلك الفظ قد أتى، كنت أستغرب من ذلك القانط بهدوء واستكانة، فمرحًا بك من جديد أيها الفظ صاحب أسوء طباع مرت عليّ بحياتي، وأكملت بدعاء: يا الله ساعدني أرجوك كي أتحمل ذلك الوجه العكر."
تحدث بملامح مكتظة محتقنة وهو ينظر إلى تلك الواقفة ترتسم فوق وجهها ابتسامة سمجة بلهاء وتحدث هو من بين أسنانه بضيق: "خير يا أستاذ سامح على الصبح؟ ارتاع داخل سامح من هيئة ذلك الرجل الذي يتحول بلحظة من أثر رؤيته لإحدى بنات حواء. "أنا جبت دكتورة ريم لحضرتك عشان تتفقوا على بنود العقد اللي بلغني به دكتور صادق." "نتفق؟ " قالها مراد بنبرة ساخرة. وأكمل باقتضاب وتهاون
وهو يشير بيده بعدم أهمية: "نتفق على إيه، أعمل لها عقد زي عقد أي موظف عادي." نظرت إليه وقد كسي الغضب وجهها من تلك المعاملة السيئة التي لا ترتقي بها ولا بمستوى ذكائها وتحدثت: "يعني إيه زي أي عقد لموظف عادي، وأكملت بعملية: دكتور صادق لما كلمني فهمني إن ده عقد احتقار للتجربة بتاعتي لشركتكم، وده معناه إننا لازم نقعد ونتفق على بنود العقد والنسبة اللي هتطلع لي من دخول التجربة وإضافتها لخط الإنتاج."
ثم نظرت إلى سامح وتحدثت: "مش هي دي أصول الشغل بردوا ولا إيه يا أستاذ سامح؟ نظر لها مراد بذهول وتسائل داخله: كيف لتلك الصغيرة أن تكون بكل ذلك الوعي والدراية بتلك الأمور الإدارية. ثم استفاق على حاله وتحدث بنبرة ساخرة: "ما شاء الله عليكي، شكلك سألتي محامي وعرفتي حقوقك كويس جدًا." وأكمل بنظرة ساخطة ونبرة متهكمة: "كلكم نفس النوعية، الفلوس عندكم أولاً وأخيرًا، بتتنفسوها بدل الهوا." استشاط داخلها لعلمها ما
يقصده وتحدثت بنبرة حادة: "أنا مسمحلكش تكلمني بالطريقة المهينة دي، أولاً يا حضرة المبجل ده شغلي ومجهودي ولازم أسأل فيه وأعرف حقوقي كويس جدًا، وده اللي أكد عليه دكتور صادق للباشمهندس سليم أخويا لما اتصل بيه يستعلم عن حقوقي هتتحفظ إزاي في بنود العقد. ثانيًا أنا دكتورة وبشتغل وده حق مشروع ليا." وأكملت قاصدة كي تحرق روحه: "أنا لا جايه أتسول منك، ولا جايه أستغفلك وأسرق فلوسك وأهرب."
أما مراد الذي وبمجرد سماعه لما تفوهت به وبتيقنه ما تقصده، شعر باشتعال يسري بكامل جسده وتحولت ملامحه للغضب وانتفض من جلسته كالأسد الذي يستعد للانقضاض على فريسته. مما جعل الرعب يدب داخل أوصالها وتراجعت للخلف رعبًا من هيئته، وأيضًا ذلك سامح الذي انتفض رعبًا من ذلك الذي تحول إلى مجنون بلحظة. شهق سامح مما رأى. جحظت عين ريم ووضعت يدها على فمها شاهقة من هول ما رأت.
ترى ما الذي سيفعله مراد بريم بعدما تهورت وذكرته بأكثر نكبة حدثت له وجعلته يشعر كيف كان مغفلاً حين أمن لإحداهن؟ وما الذي فعله مراد كي يجعل ريم وسامح يذهلان هكذا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!