الفصل 24 | من 37 فصل

رواية جراح الروح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم روز امين

المشاهدات
25
كلمة
7,748
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

صباح اليوم التالي. ترجلت فريدة من سيارتها وأعطت المفاتيح للعامل المختص كي يصفها داخل جراج الشركة. دَلفت للداخل وفجأة تسمرت واتسعت عيناها بذهول. شعرت بروحها تحومٌ من شدة سعادتها التي تملكت من روحها. نظرت أمامها بسعادة وجدت ما جعل صدرها ينتفض فرحاً. إنه سليم. فارسها النبيل ومرادها. معشوق عيناها، أسير روحها. فارس أحلامها، متملك فؤادها. خاطف أنفاسها، مالك زمامها.

كان بإنتظارها يقف بطوله الفارع وجسده العريض، كفارس هُمام خرج للتو من إحدى الأساطير العريقة كي يخطف أميرته الحسناء بجواده العربي الأصيل. يرتدي حلة سوداء، يطلق العنان لأزرار قميصه العلوي ليظهر صدره بمظهر شديد الرجولة، مُهلك ل أنوثتها وروحها العاشقة. ممسكاً بين يديه باقة من أروع الزهور وأجملها، ممزوجة باللونين القرمزي والأبيض معاً مما أعطاها مظهراً خلاب.

يصطف خلفه جميع موظفي الشركة، والذين أتوا لينتظرونها لتهنئتها، وعلى رأسهم فايز الذي لم يتفاجأ بالخبر حين أخبرهم به سليم منذ قليل. فقد استشف بفطانته اهتمام سليم المبالغ به بفريدة وفهم عشق ذلك الرجل لتلك الحسناء. ابتسمت بسعادة حين وجدته يقترب عليها بطلته المهلكة لقلبها الولهان. ابتلعت لعابها من شدة وسامته وهو يبتسم لها بسعادة ظهرت على ملامح وجهه، فزادتها وسامة وجاذبية مهلكة لروحها.

مد يده إليها بالزهور ونظر بهيام وعيون تكاد تلتهم جميع ملامحها، وتحدث بصوت حنون هائم: "مبروك يا عيون سليم! انتشى داخلها ودقت طبول السعادة داخل قلبها الرقيق، ونظرت له بعيون هائمة، حاولت التحكم بها ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً. وتحدثت بصوت حنون أذابه وهز كل ذرة بكيانه: "الله يبارك فيك يا سليم! تحرك إليها فايز وتحدث بابتسامة: "ألف ألف مبروك يا فريدة، حقيقي تستاهلوا بعض." أجابته بابتسامة: "ميرسي يا باشمهندس."

أتت إليها نورهان التي رسمت على وجهها ابتسامة مزيفة، خبأت خلفها مدى حقدها لتلك المسكينة التي لا ذنب لها سوى أنها حالمة ومتفوقة وتمتلك روح شفافة. وتحدثت وهي تحتضنها كالأفعى التي تحتضن ضحيتها وتشدد من احتوائها بجلدها الناعم الملمس، حتى تتمكن من تكسير عظامها لتسهيل التهامها في الوقت المناسب: "مبروك يا فريدة، ألف ألف مبروك يا حبيبتي، ماتتصوريش فرحتي بيكي قد إيه النهارده، مع إني عاتبة عليكي عشان خبيتي عليا."

أجابتها باختصار لضيق الوقت وشدة الزحام ممن يقتربون منها لتقديم التهنئة: "صدقيني يا نور الموضوع كله كان مفاجأة بالنسبة لي." ثم تهافت عليها المهنئون يقدمون لها التهاني، هي وذلك الواقف بجانبها يشعر بتفاخر وكبرياء وقلب يهيم فرحاً وسعادة على أنه وأخيراً اقتنى جوهرته الثمينة. تحرك عمال الكافيتريا بين الحضور وهم يوزعون الشيكولا والحلوي وعلب المياه الغازية احتفالاً بتلك المناسبة السعيدة، وذلك بناءً على توصية سليم بحد ذاته.

كان ينظر عليهما من أعلى، ممسكاً بقوة وغضب بسور الشرفة المطلة على مدخل الشركة، بقلب يحترق على تلك التي عشق روحها الطيبة وقلبها ناصع البياض، تلك التي أزرته ووقفت بجانبه وأسندته بقوة حين تخلى عنه الجميع. تلك الجميلة ذات الحس المرهف والضمير المستيقظ، تلك الجوهرة التي أضاعها بغبائه. نعم، مازال لديه عشق للبني من ما مضى، ولكن ليس كافياً لينسيه تلك الشفافة، جميلة القلب والعقل والروح.

كيف له أن ينسى من وقفت معه بأحلك الليالي وأسوأها؟ كيف سيحيا بدون عيناها وضحكتها؟ حديثها ورقتها، خجلها وعفتها. فسلام على من ملكت الروح بعذوبتها. أما أنا... فلي الله يصبرني على مر الأيام وقسوتها. تحدث حاله بغضب: "اللعنة عليك سليم، اللعنة عليك أيها المخادع المكار، اللعنة عليك وعلى غبائي ومراهقتي المتأخرة، اللعنة على كل من باعد بيني وبينك جوهرتي، قلبي يحترق لأجل خسارتك غاليتي!

"عزائي أن تكوني سعيدة بحياتك بعدي، أما أنا فلي الله بعدك عزيزة عيني وأسرتي!! تحرك بقلب يحترق متجهاً إلى مكتبه، وقرر أن يتناساها وينغمس بالعمل محاولاً نسيانها وأن يكمل حياته بدونها ويتحمل ويلاتها. *** داخل شركة الحسين.

كانت تتحرك داخل الرواق تتجه إلى البوفيه الخاص بالدور المتواجدة به. وجدها تتحرك فاتجه إليها بعيون تطلق قلوب من شدة سعادتها، فقد قرر أن يطلق العنان لمشاعره البريئة تجاهها وذلك بعد الفشل الذريع في محاولاته المستميتة لأجل نسيانها وإخراجها من قلبه وعقله. اقترب عليها وأردف قائلاً باحترام ونبرة صوت هادئة: "دكتورة ريم، أزيك." ارتبك داخلها حين رأته، فقد أصبح هذا هو حالها مؤخراً عندما تنظر داخل عيناه أو تستمع لرنين صوته العذب.

وأردفت قائلة بصوت هادئ: "أزيك إنتَ يا دكتور." ابتسم بجاذبية على ارتباكها، حديث الولادة المصاحب بنظرة تيهة عندما تراه، وهذا وإن دل لديه بشيء فيدل على أنها بدأت تشعر بما غزا قلبه تجاهها، وبالطبع فهو يغزو قلبها أيضاً. فتحدث بهدوء كي لا يربكها أكثر: "رايحة فين؟ نظرت له باستغراب لتطفله الغير معتاد وأجابت: "رايحة البوفيه، هجيب حاجة أشربها." نظر لها مضيق العينان متسائلاً: "ورايا بنفسك ليه؟

ماتطلبي البوفيه وهيبعتوا لك اللي إنتِ عايزاه مع عامل البوفيه؟ أجابته بكلمات تظهر كم أن روحها جميلة: "وعلى إيه أتعب العامل معايا، وبعدين أنا بحب أتمشي بدل القعدة على الكرسي طول اليوم." وابتسمت وتحدثت خجلاً: "وبيني وبينك كده أنا خرجت النهاردة من غير فطار وجعانة جداً، هروح أشوف أي بسكوت أو أي حاجة تنفع تتاكل مع النسكافيه."

ابتسم لها وأنساق بجانبها متجه معها إلى البوفيه ودلفا معاً. انتفض عمال البوفيه من جلستهم ونهضوا واقفين باحترام. وتحدث أحدهم وعيناه بالأسفل: "تحت أمرك يا مراد بيه." ابتسمت على استحياء منه، من رعب هؤلاء المساكين الذين هلعوا خوفاً من بطش ذلك المتجبر بهم كعادته. نظر بجانبه لها وأبتسم لأجل ابتسامتها. ثم وجه حديثه للعامل بهدوء: "شوف دكتورة ريم تطلب إيه الأول."

استغرب العامل تعامل مديره بكل تلك الهدوء والسكينة مع إحدى بنات حواء. ثم نظر إلى ريم وتساءل باحترام: "أؤمري يا دكتورة؟ أجابته بابتسامة بشوشة: "الأمر لله وحده، عايزة نسكافيه من غير سكر ومعاه أي بسكوت سادة." نظر لها وأجابها نافياً: "للأسف يا دكتور مفيش بسكوت." تساءلت: "ولا كيك؟ هز رأسه قائلاً: "مفيش أي مأكولات في البوفيه، البوفيه هنا مشاريب فقط لا غير يا أفندم." نظرت ببلاهة وتحدثت باعتراض:

"يعني إيه بوفيه في شركة كبيرة زي دي وميكونش فيه حتى باكو بسكوت يتقدم مع الشاي لو حد من الموظفين حس بالجوع؟ أنزل بصره أرضاً قائلاً على استحياء: "دي أوامر يا دكتورة." تحدثت باستهجان: "أوامر؟! والأوامر دي خرجت من دماغ أنهي عبقري إن شاء الله؟ ابتسم ذلك الواقف بجانبها يستمع حديثها مع العامل بصمت وضحكات داخلية. أمال على أذنها بهدوء هامساً بدعابة: "أوامر من دماغ دراكولا الشركة اللي واقف جنب حضرتك."

أغمضت عيناها خجلاً ونظرت بجانب عيناها تترقب لذلك الواقف. ثم تحدثت للعامل بدعابة: "قرار صائب طبعاً وفي مصلحة الموظفين، إحنا جايين نشتغل يا حسن، مش هنهرج بقى ونقضيها شاي وبسكوت ونضيع وقت الشركة." وتحمحمت وأردفت بطريقة ساخرة وهي تشير لساعة يدها: "استعجل بالنسكافيه يا حسن من فضلك، إحنا كده بنهدر وقت الشركة يا ابني." يضحك على جمال وخفة ظلها، ووجه حديثه إلى حسن:

"تصرف في علبة بسكوت سادة حالاً وتجيبها على مكتبي مع النسكافيه بتاع الدكتورة وقهوتي السادة." ثم نظر لها بجانب عيناه وأكمل حديثه: "ومن بكرة تنزل في البوفيه أي حاجة ممكن يحتاجوها الدكاترة والموظفين هنا في الشركة." وأشار بيده إليها ليحثها على التحرك أمامه وأردف قائلاً: "اتفضلي يا دكتورة نكمل شغلنا في مكتبي." تحركت بجانبه وتساءلت حين خرجا من البوفيه: "شغل إيه ده اللي حضرتك عايزني فيه؟ أجابها:

"عايز أسألك وأخد رأيك في موضوع خاص بالشغل هنا في الشركة." ضيقت عيناها وتساءلت وهي تشير بسبابتها على حالها بتعجب: "حضرتك متأكد من إنك عايز تاخد رأيي أنا؟ ابتسم بخفة ودلف معاً لباب المكتب وتحدث وهو يشير إليها بالجلوس: "أعتبر ده تواضع منك؟ واتجه إلى مقعده الرئيسي خلف مكتبه وأكمل بنبرة معظمة: "إنتِ مش عارفة قيمة نفسك وعقلك ولا إيه يا دكتورة." ابتسمت لإطرائه عليها.

خلع حلة بدلته وعلقها خلفه وبدأ برفع أكمام قميصه بطريقة جعلته أكثر وسامة. انتفض قلبها وارتبكت من شدة وسامته ورجولته وغضت بصرها سريعاً. لاحظ هو ارتباكها وسعد داخله بشدة وتنهد براحة. ثم بدأ يتحدثا بالعمل وتوقفا حين استمعا لطرقات خفيفة فوق الباب. تحدث مراد بهدوء: "أدخل."

دلف العامل ومعه علبة بسكوت كانت متواجدة بالفعل لديهم خاصة بهم، وأنزل النسكافيه وقدح القهوة وخرج سريعاً. كان يتحدث معها بالعمل تحت سعادته المطلقة وهو يراها تتناول طعامها خجلاً مع المشروب ويبدو عليها الجوع الشديد. وبعد مدة دلف صادق إلى مكتب مراد. شعر بغصة مؤلمة اقتحمت صدره حينما وجدها تجلس أمام صغيره بكل أريحية ووجد السعادة تكسو وجه فلذة كبده. تساءل صادق بعدما ألقى التحية: "لعل وجودك هنا خير يا دكتورة ريم؟

نظرت له باستغراب في حين غلى داخل مراد من إحراج والده لمن خطفت قلبه مؤخراً. وقفت ريم وابتسمت بوجهها الصابح وتحدثت: "لا اطمن يا دكتور صادق، خير جداً إن شاء الله. أنا ودكتور مراد كنا بنتناقش في بعض الأمور الخاصة بالفرع هنا." ثم ابتسمت وحولت بصرها إلى مراد وتحدثت مداعبة إياه: "دكتور مراد عمل لنا هدنة من لعبة القط والفار والحمد لله تجاوزنا المرحلة دي وبقينا أصدقاء كمان." ثم أشارت إلى علبة البسكوت الموضوعة فوق

المنضدة وتحدثت بخفة ظل: "ده حتى سمح للبسكوت يتواجد معانا في الشركة بدون قيود ولا فرض رسوم." كان يستمع لحديثها وهو ينظر لوجه فلذة كبده الذي يبتسم بسعادة لم يره عليها منذ الكثير. فتحدث صادق متعمدًا لإفاقة مراد: "أخبار خطيبك إيه يا ريم، مش هنفرح بيكي قريب ولا إيه؟ ارتبك داخلها وانكمشت أسفل معدتها وأكشعرّت ملامح وجهها لا إرادياً عندما تذكرت حسام.

على الجهه الأخرى، ارتخت أعضاء جسده ولانت بعدما لاحظ تشنجها وردة فعل وجهها التي تدل على ضيقها وضيق صدرها من مجرد الحديث عنه، فهي حقاً أصبحت مؤخراً لم تعد تريد الاستماع حتى لذكر اسمه، فقد باتت تشعر بالاختناق مباشرة لمجرد الإشارة من أحدهم لشخصه. وأردفت قائلة بلامبالاة: "لسه بدري يا دكتور، أنا حالياً مابفكرش غير في دراستي وإزاي أتخرج منها بتفوق عشان أكون جديرة بالمكانة اللي حضرتك وضعتني فيها."

أجابها ذلك المنتشي التي كست ملامحه السعادة فجعلت منه وسيماً بشكل مبالغ به تحت أنظار والده المشتتة: "برافوا عليكي يا دكتورة، كلام عملي وصحيح جداً لحد متمكن من نفسه ومن قدراته." نظر والده لملامحه بعقل مشوش وقلب مشتت متسائلاً هل يفرح لأجل سعادة صغيرته المزيفة، أم يحزن ويستعد لما هو آت. أكملت ريم بسعادة وهي تستعد للخروج:

"على العموم عندنا فرح قريب جداً، الباشمهندس سليم خطب وهيتجوز في خلال أسبوعين إن شاء الله، وأكيد حضراتكم هتكونوا أول المدعوين." ابتسما كلاهما وهنأها وخرجت هي. ضل صادق ينظر لوجه ابنه السعيد وهو مكتف الأيدي ولا يدري ماذا يتوجب عليه فعله. *** أما ذلك العاشق الذي كان متواجداً داخل مكتبها يجلس أمامها، مستنداً بساعديه فوق المكتب ويضع كف يده على وجنته، ينظر إليها بعيون هائمة عاشقة حتى النخاع. تحدث بعدم استيعاب:

"أنا مش مصدق نفسي يا فريدة، من كتر ما اتمنيت اليوم ده وحلمت بيه مش مصدق إنه أخيراً حصل وقريب جداً هتكوني مراتي، نور عيوني وأميرة حياتي." ابتسمت له وسحبت بصرها للأسفل خجلاً فتحدث هو معترضاً: "بتحرميني من عيونك ليه يا فريدة؟ وأكمل بهيام: "بصي لي يا حبيبتي، بصي لي خلي سليم يشبع من عيون حبيبه اللي اتحرم منها سنين وسنين." وأكمل بصوت ذائب عشق أذاب روحها وجعل قلبها يصرخ مطالباً إياه: "يا فريدة."

نظرت له بعيون هائمة مطيعة مسحورة فأكمل هو لينتهي على ما تبقى من صبرها وتماسكها الهش: "بحبك يا فريدة." تحدثت مستعطفة إياه بشفاه مرتعشة: "سليم." أجابها بطاعة وعشق: "يا عيون سليم." تحدثت خجلاً: "وبعدين معاك يا سليم، كفاية كده أرجوك." أجابها هائماً: "كفاية إيه؟ هو إحنا لسه قولنا حاجة، إحنا لسه بنبتدي يا حبيبي." وأكمل: "لسه هنقول اللي ماقولناهوش طول الخمس سنين اللي فاتوا، هوريكي الغرام على أصوله يا فريدة."

"غرام سليم الدمنهوري لمراته حبيبته اللي عاش عمره كله يتمنى اليوم اللي ياخدها فيه جوة حضنه ويتقفل عليهم باب واحد." وأكمل بنبرة حماسية: "إسبوعين يا فريدة، إسبوعين بس وهتكوني حلالي، وساعتها هعوضك وهعوض نفسي عن سنين الحرمان اللي عشناها، هدوقك شهد الغرام، غرام سليم لفريدة أحلامه."

كانت تستمع لكلماته بقلب هائم وروح حالمة ومشاعر مدغدغة وكأنها تتراقص على نغمات عازف بيانو محترف استطاع تملك روحها بالكامل وجعل منها راقصة باليه محترفة. استفاقت على حالها وتحدثت خجلاً: "أرجوك كفاية يا سليم، حرام عليك اللي بتعمله فيا ده! غمز بعيناه وأجابها بوقاحة: "هو أنا لسه عملت حاجة يا قلب سليم، اصبري، ده أنا هبهرك." ابتلعت لعابها وتحدثت بارتباك: "إنت قليل الأدب على فكرة، واتفضل بقى على مكتبك."

ضحك برجولة وتحدث بوقاحة: "قليل الأدب من مجرد تلميح، أومال وقت التنفيذ هتعملي إيه؟ وقهقه مسترسلاً حديثه: "هتقدمي فيا بلاغ لشرطة الآداب قسم مكافحة إفساد الأخلاق والفضيلة." وقفت بارتباك وتحدثت وهي تشير إليه للخارج: "سليم من فضلك، ياريت تتفضل على مكتبك لأن عندي شغل كتير محتاج يخلص." وأكملت وهي تتهرب من عيناه: "وياريت تبطل تلميحاتك دي لأنها بتوترني وبتضايقني."

وقف وتحرك إليها واقترب من وقفتها، تلفحتها رائحة عطره التي باتت تعشقها كما تعشقه وشعرت بقشعريرة تسري بجسدها من مجرد اقترابه. بات صدرها يعلو ويهبط بسرعة فائقة. فتساءل هو بهمس عابث بعثر كيانها: "فعلاً تلميحاتي بتضايقك وتوترك؟ أجابته برجاء وارتباك حاجب عيناها عنه: "سليم." أجابها هامساً بعثر داخلها: "عيونه." تحدثت بقلب ينتفض: "كفاية أرجوك، متعملش فيا كده." تساءل وهو يقترب أكثر:

"كده اللي هو إزاي يا فريدة، ممكن أعرف هو قربي بيعمل إيه في حبيبي؟ أعلنت استسلامها ورمت حالها بإهمال فوق مقعدها وتحدثت بنبرة توسلية: "اخرج يا سليم من فضلك، أرجوك اخرج، إنتَ ناسي إننا في الشركة." أجابها بهيام: "عيونك تنسي الواحد اسمه وزمانه يا حبيبي." ثم زفر بهدوء وتراجع للخلف وتنهد براحة وعيون هائمة: "بحبك يا فريدة، بحبك." ثم تحرك للخارج وأغلق خلفه الباب. وتنهدت هي ثم وضعت يدها فوق صدرها. وابتسمت بسعادة وحدثت حالها:

"ما أجمل شعور عشقك حبيبي، يا لك من رجل ساحر وسيم، أعشقك يا رجلي، أعشق كل ما بك." "عيناك الساحرة المتيمة بالنظر إلي رسمي." "صوتك الهائم وهو يتغنى بحروف اسمي." "روحك السارحة في سماء عشقي وهمسي." "أعشقك سليم، أعشقك وأنتظر ضمتك الحلال لي ولقلبي المسكين الذي طال انتظاره لفرحة لقياك." "سأنتظر لقياك وأنا على أحر من الجمر من شدة الاشتياق." "أحبك سليمي بل أعشقك رجلي الوحيد وزوجي المنتظر." ***

داخل منزل حسن نور الدين وبالتحديد داخل شقة هادي. خرجت دعاء من المرحاض بعدما أخذت حماماً دافئاً، وجدت زوجها يحمل طفله الرضيع ويهدهده بين راحتيه. تحركت إليه بهدوء وتحدثت هامسة: "البيبي نام؟ هز لها رأسه بإيجاب وتحرك بملاكه وقبل جبهته بحنان ثم وضعه داخل مهده بهدوء وعاد إليها. وبعد مدة كانت تقبع داخل أحضانه فوق سريرهما وهو يحتويها بحنان متمدداً بجوارها. تحدثت دعاء بنبرة صوت مهموم: "هادي، أنا عايزة أقول لك على حاجة."

قبل جبهتها بحب وأردف قائلاً بدعابة: "قولي على حاجة." تنهدت دعاء وتحدثت: "أنا حاسة إن رانيا هي المتصل المجهول اللي كان بيكلم لبني." وفجأة وبدون مقدمات انفجر هادي ضاحكاً بصوت عالٍ جعلها تبتعد عن أحضانه وجلست تنظر إليه بوجه عابس. وأردفت قائلة بغضب طفولي: "شكراً يا هادي على تقديرك ليا ولكلامي." أردف قائلاً وهو يحاول السيطرة على نوبة الضحك التي أصابته من حديث زوجته الساذج:

"أنا آسف يا حبيبتي، حقيقي مقصدش أتريق على كلامك، بس بجد يا دعاء كلامك مش منطقي خالص." بعثت يداها على صدرها وتحدثت بوجه كاشر: "طب مش تسألني يا أستاذ إيه اللي خلاني أقول لك كلامي ده قبل ما تتريق." نظر لها وكتم ضحكاته محاولاً السيطرة وتحدث بهدوء: "أنا آسف يا قلبي، اتفضلي قوليلي أسبابك." زفرت بضيق وأكملت: "بص يا هادي، إنتَ عارفني مبحبش أظلم حد ولا أفتري عليه بالكلام، عشان كده هقولك شكوكي وإنتَ احكم بنفسك."

وأسترسلت حديثها: "من فترة كده رانيا استدرجتني في الكلام وعرفت مني علاقة هشام ولبني القديمة والغريبة إنها فرحت أوي وقتها، وبعدها بدأت تتقرب من لبني وأخدت رقم تليفونها وبقت تكلمها على طول، ده غير إنها كانت بتتصرف مؤخراً بطريقة غريبة." ابتسم لها هادي وتحدث بتعقل:

"أنا معاكي في كلامك وأصدق إن رانيا كانت ممكن تعمل أي حاجة عشان تخلي هشام يسيب فريدة، لأن زي ما كان واضح للجميع إن رانيا بتغير من فريدة وبتحقد عليها، وأكمل حديثه معترضاً: بس أنا مش معاكِ في موضوع إن رانيا هي المتصل المجهول، لسبب بسيط جداً وهو إن رانيا أغبي من إنها تخطط بالذكاء ده كله، ده غير private number واللي رانيا لا تقدر على تمنه ولا حتى كان ييجي في خيالها." تنهدت وأردفت بتفهم وهي تهز رأسها:

"كلامك صح، بس أنا برضو حاسة إن رانيا مش بريئة من موضوع هشام وفريدة." تنهد هادي وتحدث بنبرة جادة: "ربنا يستر عليها الفترة اللي جاية، حازم هيفوقها من عمايلها دي كلها على كابوس عمرها." ضيقت عيناها باستغراب وأردفت قائلة: "تقصد إيه بكلامك ده يا هادي؟ تنهد مهموماً وأجابها وهو يسحبها داخل أحضانه من جديد ويدثرها تحت الغطاء بعناية: "ما أقصدش حاجة يا حبيبتي، تعالي في حضني ونامي لك شوية قبل الولد ما يصحى."

تنهدت باسترخاء ووضعت رأسها فوق ذراعه وأغمضت عيناها مستسلمة للنوم بأحضان زوجها الدافئة. أما هادي الذي شرد بحديث شقيقه الذي أخبره به منذ يومان على أنه عشق صديقه له بالعمل وينوي إخبار والديه وزوجته لإتمام زواجه منها وذلك لعدم راحته مع زوجته. *** في اليوم التالي داخل مسكن غادة.

كان هشام يجلس فوق الأريكة مجاوراً خالته التي تواسيه وتعينه على حاله كعادتها. استمعا لصوت جرس المنزل فتحركت غادة وفتحت الباب، فوجئت بلبني تقف أمامها. تنهدت وأشارت لها بالدخول. دَلفت للداخل ونظرت إليه والدموع تملأ مقلتيها وتحدثت بندم: "أنا آسفة يا هشام، أرجوك سامحني." وقف كمن لدغه عقرب وتحدث بحدة: "أسفة على إيه يا أستاذة؟ على إنك اتفقتي مع واحد حقير ومثلتِ عليا دور الحب عشان تخلي فريدة تسيبني؟ تحدثت بصياح بنبرة معترضة:

"أنا ممثلتش عليك الحب يا هشام وإنتَ عارف كده كويس أوي، وأكملت بنبرة صريحة: ومش هنكر اللي عملته ولا هتكسف منه، ولو رجع بيا الزمن تاني مش هتردد لحظة واحدة بإني أعمل أي حاجة في سبيل إني أرجعك ليا تاني." تحدثت غادة بمحاولة منها لتهدئة كلاهما: "اهدوا واتكلموا بالراحة وبالعقل عشان تعرفوا تفهموا بعض!! وقف هشام وحمل أشياءه قائلاً وهو يستعد للذهاب: "أنا لا طايق أتكلم مع حد ولا عاوز أفهم حاجة، أنا ماشي!! جرت عليه وأمسكته من

ساعديه وتحدثت بتوسل ودموع: "أرجوك تسمعني يا هشام، اديني فرصة أتكلم وأشرح لك كل اللي حصل، وأنا راضية بحكمك عليا بعدها." وأكملت بعيون باكية مترجية: "أنا محتاجة لك أوي يا هشام، أرجوك متسبنيش وتمشي!!

نظر لعيناها مطولاً، وبِلحظة انتفض داخله وارتعش صارخاً متمرداً معلناً عن انهيار وذوبان جبل الجليد الذي ظل يبنيه داخل قلبه طيلة السنوات الأربع الماضية. ظل يبنيه حتى لا يأتي اليوم الذي يضعف به أمام عيناها مرة أخرى، ولكن يبدو أنه حان الآن أوان الانهيار. أمالت رأسها له في حركة توسلية شلت بها حركته وتسمر بوقفته. فأكملت هي بهمس عابث له، بعدما شعرت ببداية لينه لها:

"تعال نتكلم جوة، أرجوك يا هشام، أنا تعبانة وفعلاً محتاجة أتكلم معاك!! ابتلع لُعابه فاستغلت هي ضعفه وسحبته من يده وأنساق هو ورائها ممتثلاً لأمر الهوى ولأمرها. نظرت لهما غادة وتنهدت متمنيه داخل نفسها بأن يتفقا ويعودان لعهدهما السابق. دلفا لداخل حجرة المعيشة وأجلسته فوق الأريكة وجلست بجانبه ثم أمسكت يده تحت انتفاض قلبه وتحدثت:

"خلاص يا هشام، ملوش لزوم تعاند وتغالط نفسك أكتر من كده، أنا بحبك وعمري ما قدرت أنساك، وإنتَ بتحبني وعمرك ما قدرت تنساني، يبقى ليه العند والبعاد؟ وأكملت بترجي: "خلينا نرجع تاني يا هشام، خلينا نتجوز زي ما كنت بتطلب مني زمان!! انتفض جسده غضباً عندما ذكرته بالماضي وبلحظة استفاق من حالة الهيام تلك التي سيطرت عليه. فجذب يده منها بعنف وتحدث بصياح ونبرة محتده:

"أتجوزك عشان ترجعي من تاني تسيبيني وتقولي لي إحنا زي الإخوات ومننفعش لبعض يا هشام؟ هزت رأسها بدموع وأردفت قائلة بنفي: "عمري ما هعمل كده لأني بحبك." أجابها بحده وعيون تطلق شرزاً: "طب ما انتِ برضو كنتِ بتحبيني زمان، وحبك ده ما منعكيش ولا شفع لي عندك إنك تفضلي معايا، سبتيني عشان تسافري لباباكي وتتمتعي وتعيشي حياتك في دبي، اتكبرتي عليا وعلي عيشتي وحسستيني بعجزي وقلة حيلتي ومستوايا اللي ما يليق بمستوى جنابك."

وأسترسل حديثه بصياح عالٍ: "ويوم ما قررتي ترجعي رجعتي عشان تخربي لي حياتي اللي عشت أبني فيها عشان أتخبى ورا جدرانها وأنسى بيها تجربة غدرك المرة!! وأكمل باتهام وصياح عالٍ: "يوم ما رجعتي رجعتي عشان تخلي فريدة تسيبني وتتخلي عني زي ما إنتِ عملتي معايا بالظبط، يعني ما اكتفيتيش باللي عملتيه فيا زمان، لا، رجعتي عشان تخليني أعيش نفس تجربتك المرة من جديد على إيد فريدة." وأكمل بمرارة وعيون بها لمعة دموع حبيسة تأبي النزول:

"فريدة الإنسانة الوحيدة اللي احتوتني باحترامها وولائها ليا وصبرها معايا، ووقفتها في ظهري وإصرارها على إننا نتخطى الصعب ونصنع حياة أفضل بمجهودنا وكفاحنا مع بعض." وأكمل معنفاً إياها: "فريدة قبلت بيا وبظروفي اللي إنتِ اتمردتي عليها وروحتي تعيشي حياة الرفاهية عند أبوكي." "وسبحان الله، بعد ما سافرتي على طول قابلت فريدة بالصدفة، وكانت دي الصدفة اللي غيرت حياتي 180 درجة للأفضل."

"ونظر لها بقلب يتألم وعيون حزينة تتلألأ بها حبات الدموع." "فريدة كانت القشة اللي اتعلقت بيها عشان أخرج من بحر ظلماتك اللي رميتيني فيه ومشيتي وسبتيني بدون رحمة!!

"وأكمل متألماً: فريدة قدمت لي كل حاجة فقدتها على إيديك، قدمت لي ثقتي في نفسي اللي علت وارتفعت لعنان السماء بفضلها، قدمت لي الاحترام في معاملتها الراقية ليا، عاملتني كإنسان ليه قيمة، ومكتفتش بكده وبس، لا، فريدة فضلت جنبي وتدعمني عند رؤسائها ومديرينها لحد ما وصلت للمكانة اللي حسيت بيها إني بقيت بني آدم ليه قيمة بجد." "وأكمل بعيون تحن لذكرى أجمل وأنقى فتاة قابلها بحياته وأضاعها

بغبائه وضعفه الذكوري: فريدة كانت السبب في كل حاجة حلوة حصلت لي في حياتي، فريدة كانت كل حياتي." ثم نظر لها وهدر بها باشمئزاز ووجع دفين لسنوات مضت: "إنتِ بقا عملتي لي إيه غير إنك اتمردتي على ظروفي وروحتي تعيشي في الرخاء عند أبوكي؟ كانت تنظر له بقلب يتأكل ندم وغيرة وحسرة، وتهز رأسها بنفي ودموعها تنهمر فوق وجنتيها وتحدثت مفسرة: "إنتَ فاهم غلط يا هشام، إنتَ كده بتظلمني، أنا مسبتكش عشان ظروفك المادية."

نظر لها باشمئزاز وتحدث متسائلاً: "أومال سبتيني ليه يا حب عمري؟ بكت وأنزلت بصرها للأسفل وصمتت. تنظر لها وتحدث بنبرة حادة: "من النهارده مش عاوز أشوف وشك قدامي في أي مكان أروحه يا لبني." وخطى خطوتين وفجأة تسمر بوقفته وتزلزل جسده بالكامل حين استمع لحديثها بنبرة صوتها الباكي: "أنا سافرت عشان ما تشوفنيش وأنا بموت يا هشام، أنا كنت مريضة لوكيميا في مرحلة متأخرة."

فاق كلاهما على صوت تهشم عالٍ. التفتًا حيث مصدر الصوت، ووجدا غادة تقف واضعة يدها فوق فمها بذهول وعيون جاحظة، تتناثر حولها قطع زجاجية نتيجة تهشم تلك الكؤوس التي كانت تحملها وتدلف بها إليهما، ووقعت منها على أثر ما استمعته من فم ابنة شقيقتها. أما هو التي نزلت عليه كلماتها كالصاعقة الكهربائية، حول بصره إليها وتحدث بذهول: "إنتِ بتقولي إيه يا لبني؟ بكت بحرقة وجرت عليها غادة تسألها والقلق ينهش داخلها: "لبني، إنتِ بتقولي إيه؟

تحرك بخطوات مرتبكة ووقف مقابلًا لها وتساءل بصوت حذر والقلق ينهش داخله: "قبل أي حاجة طمنيني وقولي لي إنك خفيتي وبقيتي كويسة؟ هزت رأسها من بين دموعها الغزيرة بإيجاب. فتنفس هو براحة كمن كان خارج الحياة وعاد إليها بسلام. أمسكت غادة التي تبكي بشدة يدها تجرها خلفها للأريكة وأجلستها وتحدث بهدوء: "أنا كنت حاسة إن سفرك إنتِ وأمك وراه حاجة كبيرة، بس كنت طول الوقت بكذب إحساسي." "احكي لي كل حاجة من الأول."

نظرت لهما وبكت حين تذكرت أسوأ ذكرى في تاريخ حياتها على الإطلاق. *** فلاش باك. قبل أربعة أعوام من وقتنا الحالي. كانت تتحرك داخل جامعتها بجانب صديقاتها. فتحرك شاب إليهما قائلاً: "نتيجة التحاليل بتاعت الحملة اللي وزارة الصحة كانت عاملاها لنا ظهرت يا بنات، كل واحدة تروح تستلم أوراق تحاليلها وتطمن على نفسها." ضحكت لبني قائلة بدعابة:

"وإنتَ بقا دخل عليك حوار الاهتمام من الدولة والكلام الفاكس ده، يا ابني ده مجرد بروتوكول ظاهري ولا منه أي لازمة." تحدث هيثم معترضاً: "لا طبعاً يا لبني مش مجرد بروتوكول، الدولة عاملة الحملة دي عشان اكتشاف الأمراض وازدياد فرصة علاجها وشفائها." هزت رأسها بعدم اقتناع وذهبت لاستلام نتيجة التحليل الخاص بها. نظر لها الموظف الخاص بتسليم نتائج التحاليل مطولاً ثم تحدث بنبرة قلقة:

"آنسة لبني، مفيش أي أعراض غريبة حسيتي بيها الفترة اللي فاتت؟ تساءلت بعدم فهم: "أعراض زي إيه يعني مش فاهمة؟ أجابها بهدوء: "بصي يا آنسة، نتيجة التحاليل بتقول إن فيه أجسام غريبة في الدم، لازم تخضعي لكشف كامل عند دكتور خبرة وتروحي معمل كويس وتعملي تحليل CBC وربنا معاكي إن شاء الله." ارتبكت لبني من حديثه وعادت إلى المنزل وقصت على مسامع والدتها ما دار بينها وبين ذلك المختص.

بعد مرور ثلاثة أيام كانت تقبع فوق سريرها بحالة لا يرثى لها تنظر لسقف الغرفة بشرود وصمت مخيف، تجاورها والدتها التي تحتضن كف يدها وتبكي بألم يمزق جسدها بالكامل وليس قلبها فقط، وذلك بعدما كشفت التحاليل والأشعة التلفزيونية أنها مريضة بسرطان الدم بمرحلة متأخرة وتحتاج إلى معجزة لشفائها. أخبرهم الطبيب أيضاً أن العلاج الأسلم هو زرع نخاع لها من أحد أقرباء الدرجة الأولى وبعدها ستخضع للعلاج الكيميائي.

دلف شقيقها إليهما وهو يتحدث إلى والده عبر تطبيق الفيديو كول من جهاز الحاسوب. وبعد مدة من الدموع والآلام من الجميع، تحدث كمال بحنان ليطمئن فلذة كبده: "متخافيش يا لبني، هتتعالجي وهتبقي كويسة، لو هتضطر أبيع هدومي وأعالجك مش هتأخر عليكي يا بنتي، أنا هحجز وهنزل مصر في أقرب وقت." بعد قليل خرجت لبني لبهو المسكن وجدت والدتها وشقيقها يجلسان بوجه مهموم حزين. جلست مقابله لهما وتحدثت بجمود اصطنعته بصعوبة:

"أنا قررت أسيب هشام، وهسافر عند بابا أقضي أيامي اللي باقيالي في هدوء بعيد عن الكل." نظرت لها والدتها بألم فأكملت هي: "مش عايزة أي حد يعرف قصة مرضي، أنا فاضل لي أسبوع وأبدأ امتحاناتي، هخلصها عشان محدش يشك في حاجة وبعدها هسافر دبي عند بابا." بكت والدتها بقهر وتحدث ماجد بنبرة حادة: "إيه كمية الإحباط اللي في كلامك دي يا لبني؟ وأكمل بنبرة حماسية آمرة:

"أنا مش هسمحلك تكوني بالضعف ده إنتِ فاهمه، هتتعالجي وهتخفي وإحنا كلنا هنكون معاكي وحواليكي ومش هنسيبك، أنا وبابا وماما وهشام وكل حبايبك هندعمك ونقف معاكِ." صرخت به وتحدثت بانهيار: "قولت لك مش عايزة حد يعرف وخصوصاً هشام." أردفت مني قائلة بدموع: "ليه بس يا بنتي، هشام بيحبك وأكيد وجوده معاكي هيفرق في نفسيتك وهيسرع شفاكي." صرخت لبني قائلة بيأس وانهيار ودموع: "إنتِ بتضحكي على نفسك ولا بتضحكي عليا يا ماما؟

أنا وإنتِ عارفين كويس أوي إن اللي بيجيله المرض ده مبينجوش منه، وأكملت بضعف واستسلام: تيتا وعمتو متوفيين بنفس المرض وأنا أكيد هموت زيهم." جرى عليها ماجد واحتضنها باحتواء وتحدث بدموع: "خلاص يا حبيبتي اهدي، أنا هكلم بابا وأقول له يلغي الحجز وأنا وإنتِ هنسافر له وهتتعالجي هناك وهتبقي زي الفل." أكملت والدته على حديثه بتأكيد: "وأنا هسافر معاكم، وهتخفي يا قلبي، بس أنا هتصل بهشام وأقول له عشان يعمل حسابه ويسافر معانا."

خرجت من أحضان شقيقها تهز رأسها رفضاً بطريقة هستيرية وأردفت قائلة: "قولت لك هشام مش لازم يعرف يا ماما." وأكملت ببكاء حارق للقلوب: "هشام ما يستاهلش إني أوجعه يا ماما، أنا هسيبه وهسافر عشان يكرهني وينساني، مش عايزاه يشوفني وأنا باتألم ويتوجع علشاني، وأكملت بمرارة تدمي القلوب

وهي تتلمس شعر رأسها بحسرة: عايزة لما أجي على باله يفتكرني وأنا في أجمل صورة ليا، عايزاه يفضل فاكر لبني الجميلة اللي حبها وحلم معاها ببيت صغير يضمهم." وبعد جدال طويل وافقتها مني وماجد وأبلغا والدها وبالفعل بعد تأدية الاختبارات أبلغت هشام أنها لا تريد الزواج منه، وسافرت وتركته محطم الآمال والوجدان.

بعد ذهابها إلى دبي تبرع لها أحد الأثرياء المقربين من كمال بمبلغ طائل وساعدها على السفر إلى أمريكا وبدأت رحلة علاجها التي استغرقت ثلاثة أعوام حتى الشفاء الكامل. ذاقت خلالهم الويلات وكم قابلتها لحظات ضعف ولحظات استسلام حتى تجاوزت محنتها بفضل الله ثم الصبر والدعاء من والديها ومنها وشقيقها.

تذكرت بإحدى المرات التي كانت تقبع فوق سرير المشفى بهيئة مزرية وجسد نحيل ووجه ذابل وذلك من تأثير جلسات العلاج الكيميائي التي خضعت إليه بعد زرع النخاع داخل عظامها والذي تبرع به شقيقها ماجد. تحدثت بصوت ضعيف إلى شقيقها الجالس بجانبها هو ووالدتها: "ماجد،،،،، اتصل بهشام وكلمه في أي حاجة،،، نفسي أسمع صوته،، وحشني أوي." وبكت والدتها وأردفت قائلة بمرارة تسكن داخلها: "خليني أكلمه وأقوله ييجي يقف معاكي يا لبني." هزت

رأسها بضعف وأردفت قائلة: "عايزاه ييجي يشوفني وأنا بالشكل ده، ليه كده يا ماما، للدرجة دي مش خايفة عليه وعلى قلبه من الوجع؟ ماجد رأسه بطاعة وأجابها: "متجهديش نفسك بالكلام يا حبيبتي وأنا هتصل لك عليه بكرة عشان ممنوع دخول التليفونات وإنتي واخده الجلسة." في اليوم التالي هاتف ماجد هشام لتستمع لبني صوته وتريح قلبها المشتاق، لكنه لم يجب على المكالمة التي كررها ماجد ولكن دون فائدة.

استمرت رحلة العلاج ثلاثة أعوام كاملة وبعدها تم الشفاء بفضل الله، ظلت لبني عام آخر بدبي عندما علمت بخطبة هشام لأخرى واندماجه معها ونسيانها. حاولت الارتباط بآخر حتى تمحو هشام من ذاكرتها ويصبح من ماضيها وتكمل هي حياتها بدونه، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً، وبعدها قررت العودة هي وأسرتها إلى أرض الوطن. *** عودة للحاضر.

انتهت من سرد قصة مرضها المميت ونظرت إليه تستشف من عيناه السماح والغفران. كان ينظر لها بذهول وصدمة ألجمته وشلت جميع جسده بالكامل. أما عن غادة التي كانت تبكي بانهيار، أمسكت كفي يداها وقبلتهما وأردفت قائلة بدموع: "كل ده يحصل لك ومتقوللناش." تحركت إلى ذلك الساكن بجلسته وجلست بجانبه وتساءلت بترقب: "ساكت ليه يا هشام؟ ابتسم ساخراً وأجابها بنبرة متهكمة:

"منتظرة تسمعي مني إيه يا لبني، أجري عليكِ وأحضنك وأقول لك أنا آسفة، أقول لك أنا آسفة على إنك خليتيني أعيش تجربة وجعت روحي ودمرت كياني سنين، إنتِ عارفة إنتِ عملتي فيا إيه؟ ثم نظر لها باشمئزاز قائلاً:

"تعرفي يا لبني، إنتِ أكتر واحدة أنانية أنا شفتها في حياتي، كنتِ أنانية حتى في مرضك وقررتي تخبيه عن الكل، كنتِ أنانية وإنتِ بتدبحي روحي وتحسسيني أنا قد إيه قليل الحيلة ومش قادر أحقق لك أحلامك، مشيتي ومهمكيش أهلي وأصحابي هيبصولي إزاي، حتى لما قررتي ترجعي رجعتي عشان نفسك، قررتي تدبحي فريدة بسكينة لمة ومهمكيش قلبها اللي اتكسر وثقتها في نفسها اللي كانت ممكن تدمر لولا قوتها وثباتها، وبرضه ده عملتيه عشان نفسك."

"وراجعة تاني وبكل بساطة عايزة تاخدي كل حاجة من غير ما تخسري أي حاجة،" وتساءل: "ده في شرع مين الكلام ده يا لبني هانم؟ أجابته بعيون متوسلة: "في شرع القلوب العاشقة يا هشام، وأكملت بدموع وترجي: أنا راجعة من رحلة الموت وانكتب لي عمر جديد ونفسي أعيشه في حضنك يا هشام." "سامحني يا هشام وأديني فرصة ثانية، أنا بحبك ومستعدة أعيش عمري كله تحت رجليك، بس خليني جنبك أرجوك متبعدنيش."

تمالك لأبعد الحدود كي لا يرتمي بأحضانها ويبكي كطفل صغير وجد ملاذه الآمن بوجود أمه نبع الطمأنينة والأمان. نظر لها وأخذ نفساً طويلاً وتحدث معترفاً بتألم: "أنا عمري مانسيتك يا لبني، أنا كنت بتناساكي، كنت بتلاشى أي حد يجيب سيرتك عشان محسش بحنين ناحيتك." انفرجت أساريرها وتحدثت بحماس وفرحة عارمة: "يعني إنتَ لسه بتحبني يا هشام؟ أجابها بابتسامة وعيون عاشقة: "أنا اكتشفت النهاردة بس إن عمري ما بطلت أحبك يا لبني!!

تساءلت هي بحماس: "هشام، إنتَ لسه عايز تتجوزني؟ ابتسم لها بحب وهز رأسه بإيجاب. فتحدثت هي سريعاً بسعادة: "وأنا موافقة، موافقة إني أكون مراتك يا هشام." تحركت غادة إليهما وإبتسمت بسعادة وأحتضنت ابنة شقيقتها التي كادت أن تحلق في السماء من شدة سعادتها. ثم تحركت لهشام الذي هب واقفاً واحتضنته بسعادة قائلة: "ألف مبروك يا حبيبي، عين العقل يا هشام، عين العقل يا حبيبي."

ثم نظرت إلى لبني وأشارت لها لتقترب واحتضنت كلاهما بسعادة وحب تحت نظرات الهيام والسعادة التي تنطق من نظراتهما بعضهما البعض. سعد داخله وهو ينظر إليها وقرر أن يكمل حياته مع لبني ليُنسيها آلام الماضي ويتناسى معها آلام ماضيه وحاضره، وينغمس داخل أحضانها ويذوب فيها ويسبح، لعلها تنسيه تلك البريئة جميلة الروح، صافية القلب التي لم ولن ينسى برائتها مهما طال الزمن.

ولكن صبراً هشام، فالزمن كفيل يا ولدي أن ينسيك صافية القلب والروح، نعم لن يستطيع أن يمحو تفاصيلها من مخيلتك، ولكن ستتناساها وتتغافل وجودها وخصوصاً بوجود تلك العاشقة لبني. ستزور مخيلتك كل حين وآخر، مثل طيف جميل يمر عبر خيالك السارح، مثل نسمة هواء منعشة في نهار صيف ساخن تلفح وجهك تنعشه وتسعد فؤادك، تبتسم لتلك الذكرى بسعادة، ثم تستمر بالمضي قدماً في رحلة حياتك مع عاشقة عيناك "لبني". هكذا هي الحياة، وهذا هو حال العاشقين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...