دلفت فريدة إلى حيث والدها بمفردها، وذلك حسب إرشادات الطبيب. وجدته يقبع باستسلام فوق تخت المشفى وتجلس بجانبه عايدة، ممسكة بيده بعناية وحب.
نظر إليها وأبتسم بوهن. تحركت إليه، وبرغم ادعائها التماسك إلا أنها لم تستطع حينما وجدته يرقد بجسد ضعيف. وعلى الفور نزلت دموعها رغماً عنها. صرخ داخلها رافضاً مكثه بتلك الحالة الممزقة لقلبها الضعيف تجاهه. إنه والدها، سندها وعزيز عيناها، بطلها ورجالها وفارسها الأول. كيف له أن يكون بهذا الوهن والضعف وهي التي دائماً تستمد منه قوتها وثباتها.
وصلت إليه وانحنت إلى مستوى كف يده وقبلته بعناية، ثم أردفت بابتسامة خرجت حزينة عنوة عنها، وعيون متألمة رغم محاولاتها المستميتة لمداراة وجعها الساكن روحها. "حمد الله على سلامتك يا حبيبي." وأكملت بدعابة: "كدة يا سي بابا تخضنا عليك بالشكل ده، أيه، حضرتك كنت عايز تعرف مقدار غلاوتك عندنا؟ ابتسم بوهن وأخرج كلماته بصوت ضعيف متعب متألم: "بالظبط كده." تحدثت عايدة وهي تقبل جبهته
وتتحسس شعر رأسه بحنان: "وهو أنت لسه محتاج تعرف غلاتك يا فؤاد، ده أنا والولاد كنا هنموت من الرعب عليك." نظر إليها بعيون محبة وظل يتبادلان نظرات العشق. وبعدها نظر إلى فريدة وتساءل: "أخوكي فين؟ تحدثت عايدة بنبرة قلقة: "قاعد برة مرعوب، خايف يدخل عندك بعد إللي حصل." وأكملت لتهدئته وامتصاص غضبه من ناحية صغيرها: "علشان خاطري متزعلش نفسك يا فؤاد، والله الواد من ساعة إللي حصل وهو دموعه ما نشفت." أغمض فؤاد عيناه بألم، ثم
بادرت فريدة بالحديث بتعقل: "الحمد لله يا بابا، المفروض نحمد ربنا على كل إللي حصل ده." وأكملت بيقين لتهدئة والدها من اتجاه أخاها: "ده لولا إللي حصل من أسامة واتسبب لحضرتك في التعب ده مكناش عرفنا إن حضرتك عندك مشاكل في الشريان التاجي ومحتاج تدخل جراحي فوراً. سبحان الله، كلها أسباب ربنا بيسببها علشان نوصل للي ربنا سبحانه وتعالى عاوزه، واللي أكيد فيه نجاتنا." هز فؤاد رأسه وأردف برضا ويقين: "ونعم بالله العلي العظيم."
أردفت عايدة قائلة بترقب لوجه زوجها: "والله عندك حق يا بنتي." تحدثت فريدة بهدوء: "بابا، بعد إذنك أنا هخرج أجيب أسامة علشان يطمن عليك، وياريت حضرتك متضايقش. اتفقنا يا حبيبي؟ هز رأسه بموافقة. وبعد قليل كان أسامة يقف أمامه بدموع، ممسكاً بيده يقبلها قائلاً بندم: "أنا آسف يا بابا، أرجوك سامحني. صدقني عمري ما هعمل حاجة تزعلك مني تاني. والله يا بابا ما هحطها في بُقي تاني." نظر له فؤاد وتحدث بصوت ضعيف يكاد يسمع: "وعد؟
أجابه أسامة: "وعد يا بابا صدقني." هز فؤاد رأسه. وتحدثت عايدة إلى فريدة: "خدي أخوكي واطلعوا علشان بابا ميتعبش." تحدثت وهي تقبل جبهة والدها: "هشام برة وحابب يطمن على حضرتك." هز رأسه بموافقة. وتحدثت هي إلى والدتها: "هدخل هشام بس يا ماما ومحدش تاني هيدخل. الناس برة كتير جداً وإدارة المستشفى بدأت تضايق، تقريباً المنطقة كلها برة. ده غير أعمامي وولادهم اللي جايين في الطريق وزمانهم على وصول."
تحدثت عايدة: "الناس كلها بتحب أبوكي يا فريدة، دخلي هشام وأنا هقوله يقول لهم أيه." خرجت فريدة ودلف هشام لهما. فعايدة وفؤاد يعتبرانه ابنهما البكري ولديه غلاوة كبيرة بقلب كل منهما. وبعد مدة خرج هشام للجمع المتواجد بالمشفى وأخبرهم أن عليهم الرحيل حتى لا تنزعج إدارة المششفى من شدة الزحام. وذهبت نهلة وأسامة إلى منزلهما بصحبة عبدالله ووالدته. وتبقت عايدة وفريدة وهشام.
في المساء، خرجت فريدة إلى حديقة المشفى لاستنشاق بعض الهواء النقي بعيداً عن رائحة المستشفيات التي تكرهها منذ صغرها. تحرك خلفها هشام وتحدث بصوت عالٍ يطغى عليه الغضب: "بيهيء لي خلاص اطمنتي على باباكي والوقت ممكن نتكلم؟ نظرت له بوجه مرهق وتساءلت بهدوء ونبرة متعبة: "هنتكلم في أيه يا هشام؟ أجابها بقوة: "نتكلم مثلاً على البيه اللي كان سارح بينكم في المستشفى وكأنه واحد من العيلة؟
وأكمل بنبرة غائرة: "مرة يتكلم مع مامتك اللي قاعدة جوة يقول فيه وفيه تفكيره شعر، ومرة مع أسامة اللي كان ناقص ياخده بالأحضان وهو ماشي. لا وكمان بكل وقاحة واقف قدامي يقول له ابقى خد رقمي من فريدة." وأكمل بغضب ونبرة حادة: "سؤالي بقى يا هانم، رقم البيه بيعمل إيه معاكي لحد دلوقتي؟ كان حجته الشغل والمعلومات اللي كان عاوز يعرفها بخصوص اتفاقية الزفت دي، وأهي تمت وخلصنا." وأكمل بنبرة غاضبة: "رقمه بقى لسه بيعمل إيه مع سيادتك؟
وأكمل: "والسؤال الأهم يا أستاذة، إزاي واحدة محترمة زيك تقبل تركب عربية مع راجل غريب عنها. ده انتِ مطلعة عين أمي في الموضوع ده يا فريدة، وأقدر بكل سهولة أعد لك المرات اللي ركبتي فيهم معايا عربيتي؟ وضعت كف يديها فوق وجهها وفركته بتعب وإرهاق، ثم رفعت له عيناها وأردفت باستنكار: "هو أنت فعلاً شايف إن ده وقت ومكان الكلام اللي بتقوله ده؟
وأكملت بنبرة ملامة: "يعني بدل ما تقعد تطمني على أبويا اللي مرمي جوة على سرير وقلبه موصل بأسلاك وداخل على عملية يا عالم هيقوم منها ولا لأ، جاي تحاسبني؟ واقف تحاسبني وتلومني على واحد وقف معايا وساعدني وقت شدتي واحتياجي؟ وأكملت بعيون ضعيفة: "ده أنا كنت خارجة من الشركة منهارة وربنا وحده يعلم إيه اللي بيا وهأوصل للمستشفى إزاي؟
وأكملت مبررة: "وجوده في اللحظة دي كان طوق النجاة بالنسبة لي، وصلني لبابا في وقت قياسي ووقف معانا وقعد يهدي في ماما اللي كانت منهارة، ولا أسامة العيل الصغير اللي كان هيموت من رعبه بعد اللي حصل قدام عيونه. جاي تلومني على إيه يا هشام؟ ده بدل ما تحمد ربنا وتفرح إن ربنا سخر لنا حد يقف معانا في شدتنا؟ أنا بجد مستغرباك ومش قادرة أستوعب تفكيرك ده." وأكملت بنبرة لائمه: "إزاي قادر تكون أناني أوي كده في تفكيرك؟
إزاي مفكرتش فيا وفي حالتي وألمي ورعبي على أبويا اللي مليش سند غيره في الدنيا بعد ربنا؟ إزاي مفرقش معاك خوف أسامة ورعبه اللي كان مالي قلبه ولا أمي اللي كانت هتموت من رعبها على رفيق عمرها وحبيبها. يا خسارة يا هشام، افتكرتك أعقل من كده بكتير." صمت رهيب حل بهما وجلسا صامتان. شعر بخزي عميق بعد حديثها الذي أحزنه وبيّن له كم هو حقاً أناني وتفكيره محدود داخل نطاق حاله فقط. بعد مدة تحدث
بنبرة هادئة ونظرات خزي: "أنا آسف يا فريدة، أنا بعترف لك إني فعلاً كنت أناني في تفكيري، بس أنا حقيقي مقدرتش أشوف غير نار غيرتي عليكي وأنا متخيلك راكبة العربية جنب اللي اسمه سليم ده." تنهدت بقلة صبر وتحدثت باستسلام: "أنا طالعة أشوف ماما لتكون محتاجة حاجة وبعدها هروح لأني بجد فقدت طاقتي ومش قادرة أقعد أكتر من كده." حدثها هو بهدوء: "أنا جاي معاكي وهأوصلك وأرجع هنا تاني."
صعدت لوالدها، اطمأنت عليه، وتحدث عمها الذي أتى من السويس هو وولداه حين علموا بما حدث لشقيقهم. تحدث أحمد إلى عايدة: "يلا أنتي كمان يا أم أسامة روحي مع فريدة وأنا هبات مع فؤاد." رفضت عايدة وتحدثت بعيون تكسوها غشاوة دموع: "أنا مش هسيب فؤاد ومش هروح البيت غير وإحنا مع بعض زي ما خرجنا! حدثتها فريدة: "عمي بيتكلم صح يا ماما، حضرتك مش هتعرفي تتصرفي لو لا قدر الله بابا احتاج لدكتور أو أي مساعدة، عمي الأنسب إنه يبات مع بابا."
وبالكاد أقنع فؤاد والجميع عايدة على مغادرة المشفى مع فريدة وهشام. تحدث هشام إلى أبناء عم فريدة: "طب اتفضلوا باتوا معايا في بيتي يا شباب، إحنا عندنا شقة فاضية في البيت وإن شاء الله هتأخذوا راحتكم فيها." أجابه زياد، الابن الأكبر، باحترام: "متشكرين يا أستاذ هشام على كرم أخلاقك، بس إحنا عندنا شقة هنا في القاهرة، شارينها للطوارئ اللي زي دي! وشكره أحمد أيضاً.
وصلت عايدة وفريدة بصحبة هشام إلى مكان السيارة. بادرت فريدة وتحركت نحو الباب الخلفي وصعدت بالكنبة الخلفية. نظرت لها والدتها باستغراب ثم حولت بصرها إلى هشام الذي كسى الحزن وجهه. تحركت هي غير مبالية بهما، فالآن ليس وقت هذه المهاترات بالنسبة لحالتها. وفتحت الباب الأمامي وجلست بجانب هشام الذي جلس خلف مقود القيادة وتحرك. ووجه المرآة وسلطها على ملامح فريدة الحزينة. تحدث هشام
بهدوء وهو ينظر إلى عايدة: "تحبوا تأكلوا إيه يا ماما؟ أجابته عايدة برفض قاطع: "ولا أي حاجة يا حبيبي، روحنا بس علشان محتاجة أغير هدومي وأريح جسمي شوية علشان أجي لعمك بدري إن شاء الله." أجابها بإصرار: "يا حبيبتي مينفعش تقعدي طول اليوم من غير أكل، وكمان علشان فريدة وأسامة ونهلة يأكلوا أي حاجة معاكي." ثم وجه حديثه لتلك الحزينة الشاردة في حالة والدها: "تحبي تأكلي حاجة معينة يا فريدة ولا أجيب لك على ذوقي؟
نظرت له وتنهدت بتعب: "متجيبش حاجة يا هشام، محدش ليه نفس للأكل، أنا عن نفسي تعبانة وكل اللي محتاجاه هو إني أنام." تحدثت عايدة: "يا ابني متتعبش نفسك، أنا كنت سالقة اللحمة وعاملة خضار وسلطة وكنت بجهز للرز وحصل إللي حصل، يعني أكيد نهلة كملت عمايل الرز وأكلت هي وأخوه." لم يستمع لهما، وصف سيارته وتوقف أمام مطعم للمأكولات المشوية وجلب بعض الأصناف المحببة لديهم مع بعض السلطات والمقبلات، واستقل السيارة من جديد.
أتتها رسالة على هاتفها. نظرت بها تحت أنظار هشام المسلطة عليها. كانت من سليم يطمئن بها على حالة والدها ووالدتها المنهارة. أجابته بإختصار أنهما بخير. ففهم هو أنها بوضع لم يسمح لها بفرصة الحديث. أغمضت عيناها بتألم لحالة أبيها وألقت رأسها بإهمال، مستندة على زجاج النافذة تحت بصر ذلك المستشاط. ثم رن هاتفها مرة أخرى. نظرت لشاشته ووجدته فايز. ردت بهدوء تحت أنظار هشام المترقبة: "أهلاً يا باشمهندس!
انزعج هشام بشدة ظناً منه أنه سليم. فأكملت فريدة بهدوء: "متشكرة لحضرتك يا أفندم. وبعدين حضرتك كلمتني كذا مرة برغم انشغالك، يبقى فين التقصير إللي حضرتك بتقول عليه ده؟ لاحظت فريدة نظرات هشام فردت متعمدة ليطمئن قلبه ويستريح من تلك الشكوك التي انتابته مؤخراً: "هيعملها بكرة إن شاء الله، وبجد متشكرة جداً لاهتمام حضرتك مستر فايز! " وأغلقت تحت ارتياح هشام.
أخيراً وصلوا لمنزلهم. صعدت فريدة ووالدتها وتحرك هشام عائداً إلى منزله. أخذت فريدة حماماً دافئاً وتناولت بعض اللقيمات القليلة هي ووالدتها ونهلة وأسامة. واتجهت إلى تختها وغفت بعمق لتعب عقلها وجسدها المنهكان.
في اليوم التالي، أُجري فؤاد جراحته بنجاح وخرج بنفس اليوم من المشفى واستقرت حالته كثيراً. وبعد أربع أيام، استلمت فريدة سيارتها تحت سعادتها أنها أخيراً سيرتاح بالها من ذهابها للعمل بهدوء نفسي وأيضاً المال المهدر التي كانت تنفقه على السيارات المستأجرة. ابتعد سليم ولم يتصل بها نهائياً من بعد اليوم الذي أُجري والدها به الجراحة وحدثها ليطمئن عليه، تحت استغرابها من ابتعاده. أحقاً قرر نسيانها أو لم يكن يعشقها من الأساس؟ ***
وصلت لبنى إلى مسكن غادة بعدما أخبرها المتصل المجهول أن هشام سيذهب بعد قليل إلى غادة ليتناول غداءه بصحبتها. استقبلت غادة لبنى التي أتت محملة بالحلويات الشرقية التي يعشقها هشام، باستغراب. فتحدثت: "لبنى، مقولتيش إنك جايه يعني؟ أجابتها بتملل وانزعاج: "أرجع تاني يعني ولا أيه؟ ضحكت غادة وتحدثت بدعابة: "ادخلي ادخلي يا قماصة، لسه زي ما أنتِ ومتغيرتيش، بتتأمصي من أقل كلمة." ثم نظرت إلى العلبة
التي بيدها وأردفت بسعادة: "وكمان جايبة لي الحلويات اللي بحبها." وضعت العلبة بين يدي غادة، وفكت لبنى شعرها من ربطته لينساب فوق ظهرها في مظهر مبهر. ثم أجابتها بدعابة: "وهو أنا عندي أغلى منك يا دودَه!! ثم اشتمت بأنفها وأغمضت عيناها بتلذذ وأردفت بتساؤل: "أيه ريحة الأكل اللي تجنن دي، إنتِ عازمة حد من ورايا ولا إيه يا دوده؟ نظرت
لها بترقب وأردفت قائلة: "مستنية هشام على الغدا، اتصل من الشغل وقال لي إنه هيعدي عليا يتغدا ويقضي اليوم معايا." تصنعت الاندهاش وتحدثت بلؤم: "طب أمشي أنا ولا أيه؟ أجابتها غادة بهدوء: "وتِمشي ليه يا بنتي، هو أنتِ غريبة؟ وأكملت بحديث ذي مغزى: "وبعدين هشام خلاص بقى زي أخوكي، عادي يعني لما تقعدوا مع بعض تتغدوا." حزن داخلها من إلقاء تلك الكلمة على مسامعها. هزت رأسها بإيماء وتحدثت بأسى: "عندك حق يا غادة."
استمعا إلى جرس الباب. تحركت غادة وفتحت الباب ومازالت بيدها علبة الحلويات. نظر لها هشام وتحدث: "يعني مكلفة نفسك وعازماني على الغدا وكمان جايبة لي الحلويات اللي بحبها؟ " وأكمل بدعابة وهو يقبل وجنتيها بالتبادل: "كتير عليا كده والله يا غادة."
ثم دلف للداخل وفجأة تسمر مكانه حين وجدها أمامه تبتسم له بعيون متلهفة وكأنها كانت تنتظر قدومه بفارغ الصبر. عاد به الزمان إلى ما قبل الأربع سنوات، حين كانت تنتظره هنا، بنفس المكان ونفس الهيئة ونفس الابتسامة الجذابة، ونفس لهفة العيون الهائمة بعشقه. ولكن... ولكن ما تغير هو الزمان... فلا أصبح الزمان هو الزمان... ولا عاد هو يشعر بها كما كان... ولا بقي كيانه متيم بعيناها وولهان... ولا أصبح قلبه يشعر في حضرتها بالأمان...
مثل زمان... نظرت له بابتسامتها الرائعة وعيناها الولهة بطلتها عليه، تلك النظرات الولهة التي تخصه هو فقط. نظر لها بعد لملمة كيانه من حضوره لذلك الموقف المهيب وتلك الذكرى التي أرجعته للوراء سنوات وسنوات. وأردف بهدوء بعدما تحدى حاله واستقوى عليها: "أزيك يا لبنى، أخبارك وأخبار خالتي إيه؟ أجابته بصوت أنثوي جذاب: "أنا كويسة يا هشام، إنتِ اللي عامل إيه، طمنيني عليك وأخبارك." أجابها بهدوء وهو
يتجه إلى الأريكة ليجلس: "كله تمام الحمد لله." ثم نظر إلى غادة الواقفة تتطلع على ابنة شقيقتها بألم وتحدث هو: "أيه يا دودو، طابخة لنا أيه النهارده؟ أجابته بهدوء: "كل الأكل اللي انت بتحبه يا حبيبي، بس شكل لبنى حماتها هتحبها إن شاء الله، علشان كده جت وهتشاركنا." تحدثت لبنى بدلال أنثوي مقصود: "بس أنا عاوزة ابنها هو اللي يحبني يا دودو!! تجاهل هشام دلالها وأنوثتها المتعمدة وأردف ناظراً إلى غادة عن قصد ليلغي أي أفكار
قد تطرأ بمخيلتها ومخيلته: "على فكرة يا غادة، ديدا بتسلم عليكي كتير." استشاط داخلها وهبت نار الغيرة داخل قلبها المسكين. أجابته غادة بهدوء: "الله يسلمها. باباها أخبارة إيه دلوقتي؟ أجابها بهدوء: "الحمد لله صحته اتحسنت كتير، ده حتى ماشاء الله بقى أحسن من قبل ما يتعب، يظهر إن موضوع الشريان اللي كان مسدود ده كان مؤثر على صحته." تحدثت غادة وهي تتجه إلى المطبخ: "طب كويس، لما رحنا نزوره أنا ومامتك كان لسه تعبان."
وأردفت من داخل المطبخ: "قوم بدل هدومك يا إتش علشان تاكل براحتك، هتلاقي بيجامتك في أوضة الولاد على السرير." ثم وجهت حديثها إلى لبنى: "وإنتِ يا لولو تعالي ساعديني." بدل ثيابه واستغل وجود لبنى بجانب السفرة لتوضيبها، وتحرك هو إلى المطبخ ووقف أمام غادة ينظر لها بامتعاض وضيق وعيون متسائلة. فهمت هي وأجابته: "والله ما قولت لها حاجة ولا كنت أعرف إنها جايه أصلاً." أردف قائلاً بضيق: "طب ليه مكلمتنيش لما وصلت هي؟ مكنتش جيت؟
أجابته بنبرة مفسرة: "ملحقتش يا هشام، وبعدين مالك مكبر الموضوع كده ليه؟ زفر بضيق وأردف بتعجب: "هو إنتي شايفة الموضوع عادي يا غادة؟ يعني عادي أنا ولُبني نرجع نجتمع هنا تاني بعد كل اللي كان بينا زمان؟ طب ولو فريدة عرفت ساعتها يبقى إيه موقفي؟ أجابته: "وفريدة هتعرف منين بس يا هشام؟ وأكملت: "وحتى يا سيدي لو عرفت، هي أصلاً تعرف إللي كان بينك وبين لبنى منين؟
أجابه بتأكيد: "تعرف طبعاً، أنا حكيت لها كل حاجة عن الموضوع قبل الخطوبة." دَلفت لبنى فَصَمَ كلاهما وتحدثت هي بتساؤل: "فيه حاجة؟ أجابتها غادة: "مفيش حاجة يا حبيبتي، ده هشام كان بيسألني عاملة أكل إيه، يلا يا هشام خد بولة السلطة خرجها على السفرة وإحنا هنجيب باقي الأكل ونحصلك."
تحرك وأجتمعوا حول مائدة الطعام وحاوطته لبنى بنظراتها واهتمامها به ووضع الطعام أمامه باهتمام وحب. مما جعل داخله مبعثر ولكنه تدارك حاله ولملم كيانه سريعاً حتى أنه أنهى طعامه وبدل ثيابه وذهب سريعاً كي لا يعطي إليها ولحاله أية فرصة للضعف. بعد رحيله، وقفت غادة أمامها وربعت يديها فوق صدرها وأردفت بتساؤل: "وبعدين معاكي يا لبنى، ناوي على إيه يا بنت أختي؟
ضحكت وتحركت إلى الأريكة مكان جلوس هشام وأمسكت كوب الشاي الخاص به ومدت شفتاها مكان شفتيه وتلمستها بوله دون خجل وتحدثت: "ناوية أرجع حياتي اللي ضاعت مني تاني، ناوي أرجع هشام لحضني من جديد يا غادة." أجابتها بصياح: "وهو كان مين اللي ضيع حياتك زي ما بتقولي يا لبنى، مش إنتِ؟ وأكملت لتحبطها: "وبعدين ريحي نفسك، هشام بيعشق فريدة وبيتمنى لها الرضا ومستحيل يسيبها عشان أي حد." تحدثت
بابتسامة وعيون عاشقة: "وهو أنا بالنسبة لهشام أي حد برضه يا دودو؟ ثم أنا معرفش حاجة اسمها مستحيل في قاموس حياتي." وأكملت بإصرار وعيون حزينة: "هشام حبيبي أنا، ومش هسمح لأي حد ياخده من حضني." تنهدت غادة وظلت تحادثها وتحثها على التراجع عن خطتها التي ستبوء بالفشل بالتأكيد، ولكنها لن تبالي. *** في اليوم التالي، كان يجلس بصحبة فايز بمكتبه.
تحدث فايز بهدوء: "كله تمام يا باشمهندس، الموضوع تم زي ما حضرتك رتبت له بالظبط. الموظف راح معاها وهي اختارت العربية اللي عاوزاها واستلمتها خلاص، وإن شاء الله المبلغ الشهري اللي هتدفعه فريدة هيتحول في الحساب اللي اتفقنا عليه مع مدير البنك." وأكمل مستغرباً: "بس أنا مش فاهم ليه حضرتك أصرت إن الباشمهندسة فريدة متعرفش حاجة عن الموضوع ده؟
أجابه سليم بهدوء: "الباشمهندسة فريدة عندها عزة نفس واعتزاز عالي بكرامتها، وعمرها ما كانت هتقبل مساعدتي ليها." وأكمل بجدية: "الموضوع من ناحيتك إنتَ طبيعي أكتر ومقبول." نظر له فايز باستغراب وبدأ الشك يتسلل لقلبه بأن ذلك السليم يعشق تلك الفريدة من نوعها.
أما فريدة التي كانت تعمل داخل مكتبها حين أتاها اتصال من مكتب سكرتارية فايز يخبرها بأن عليها القدوم لأمرٍ عاجل. دلفت إلى المكتب تفاجأت بوجود سليم. ارتبك داخلها ولم تستطع التمالك من إظهار مشاعرها، فتغلبت عليها مشاعر الأنثى التي بداخلها ونظرت إليه بعيون معاتبة لعدم تقديره لها وإهمالها وعدم الاتصال بها بأي شكل من الأشكال طوال الفترة الماضية. تمالكت من حالها ولملمت روحها وتحدثت بكبرياء
حاولت به تخبئ ما بداخلها: "مساء الخير." أجابها بهدوء ونبرة باردة أحرقت روحها: "أهلاً يا باشمهندسة." تحدث فايز الذي بدأ يتأكد من عشق ذلك الثنائي وهو يشير إليها بالجلوس: "اتفضلي يا باشمهندسة اقعدي." تحركت بهدوء وجلست بالمقعد المقابل لسليم ونظرت عليه بارتباك. تحدث فايز الذي يجلس خلف مقعد مكتبه: "باشمهندس سليم عنده مفاجأة حلوة ليكي، أحب تسمعيها منه هو شخصياً." نظرت إليه بتيه وعيون متسائلة، قابلها هو ببرود ونبرة صوت
عملية موجه حديثه إلى فايز: "هي مش مفاجأة على قد ما هو حق واجب ومشروع للباشمهندسة." ثم نظر إليها بنظرات مبهمة جافة تخلو من أي تعبيرات وأردف بنبرة جادة وعملية: "أول حاجة الشركة خصصت لك مكافأة على تعبك ووقتك اللي مبخلتيش علينا بيه، وإن شاء الله المكافأة تكون مرضية ليكي." نظرت له وتنهدت من شدة ألمها الذي تملك من روحها من تلك المعاملة
الجافة وأردفت بهدوء: "أنا متشكرة جداً يا باشمهندس، بس أنا شايفه إني ما عملتش حاجة لشركة حضرتك أستاهل عليها مكافأة، أنا كل اللي عملته هو إني قمت بشغلي الخاص بشركتي، واللي بالفعل أخدت عليه مكافأتي اللي أستحقها من الشركة."
أجابها بنبرة جادة: "إزاي بقى يا باشمهندسة، حضرتك كرستي معظم وقتك وساعدتيني في حسم اختياري بوقت قياسي، وده ليه تقديره عندنا. إحنا شركة عالمية وبنقدر وقت ومجهود الأشخاص جداً، وحضرتك اديتينا من وقتك ومجهودك ما يكفي لاستحقاق المكافأة. وزي ما فيدتي شركتك كمان أفدتي شركتنا، مش بس شركتكم اللي ربحت من خلال اتفاقية الشراكة، كمان شركتنا أكيد كسبانة من ورا الموضوع."
وأكمل بنبرة عملية: "تاني حاجة ودي الأهم، هي إني رشحتك للشركة علشان تكوني عضو معانا في اللجنة الاستشارية للشركة الألمانية، والحقيقة هما رحبوا بالاختيار بعد شهادتي أنا والباشمهندس علي في حق قدراتك، وإن شاء الله آخر الأسبوع وإحنا بنمضي عقود إتمام اتفاقية الشراكة بين الشركتين هنمضي معاكي عقد انضمامك لي."
سعد داخلها وطارت من شدة فرحها من ترشحها لذلك المنصب ذي الأهمية والشأن العظيم. وسعدت لتلك الخطوة المهمة لبناء تاريخ اسمها في مجال عالم الإلكترونيات. وتحدثت بابتسامة سعيدة ووجه بشوش نستهما ما أصابها من جفاء معاملته: "أنا بجد مش عارفة أشكر حضرتك إزاي يا باشمهندس." تحدث بعملية ووجه غامض يحاول خلفه تخبئة شدة سعادته وروحه
الهائمة لأجل سعادة خليلته: "الموضوع مش مستدعي أي شكر يا باشمهندسة، ولولا أنك تستحقي المنصب ده عن جدارة عمري ما كنت هرشحك ليه لا أنا ولا الباشمهندس علي غلاب." أردف فايز بسعادة لأجل فريدة فهو دائماً يراها متميزة ودؤوبة بعملها وحقاً تستحق الأفضل: "ألف ألف مبروك يا فريدة، حقيقي تستحقي المنصب وبجدارة." وأكمل بإطراء وهو ينظر إلى سليم: "اختيار موفق يا باشمهندس، أحييك عليه."
ابتسمت له فريدة وأردفت: "مٌتشكرة جداً يا أفندم، كله بفضل توجيهات سعادتك." وأكمل سليم: "متشكر يا فايز بيه. نيجي بقى لموضوع الحفلة الخاصة بتوقيع عقد الشراكة، ودي هتتم في نهاية الأسبوع علشان يكونوا مديرين الشركة وصلوا من ألمانيا، وبالنسبة للحفلة مش عايز حضرتك تشغل بالك بيها خالص، أنا اتفقت مع شركة تنظيم حفلات وهي اختارت المكان وهترتب كل حاجة على أعلى مستوى." أردف فايز بنبرة متسائلة محرجة: "طب بالنسبة لنفقات الحفلة ها؟
" ولم يكمل حديثه حين قاطعه سليم بجدية: "كل النفقات الخاصة بالحفلة هتتكفلها الشركة عندنا." وقفت فريدة باعتذار وأردفت: "أستأذن حضراتكم لو مش محتاجيني في حاجة تانية علشان عندي شغل." وقف سليم هو الآخر متحدثاً إليها: "إحنا خلاص خلصنا كلامنا وأنا مضطر أستأذن لإن مرتبط بمواعيد مهمة." تحدث إليه فايز: "شرفتنا يا باشمهندس وإن شاء الله هجهز لحضرتك المكتب لو حبيت في أي وقت تيجي تشوف شغلك منه." خرجت وخرج هو خلفها وتحدث
بجدية وهو يتحرك بجانبها: "أستاذ فؤاد أخباره إيه؟ أجابته بخيبة أمل وعيون حزينة لسؤاله بتلك الجدية: "الحمد لله، أحسن كتير." أجابها وهو يتجه إلى المصعد: "الحمد لله، حمد الله على سلامته، بعد إذنك." تركها وانطلق وضغط زر المصعد وهبط تحت نظراتها وشرودها وذهولها من تغييره المفاجئ. دلفت إلى مكتبها وصفقت خلفها الباب بشدة من أثر غضبها العارم وبدأت تتحرك داخل المكتب ذهاباً وإياباً وهي تفرك يديها ببعضهما بغضب تام.
ثم توقفت فجأة وحدثت حالها: "مابكِ أيتها الغاضبة؟ لما بركان الغضب الثائر بداخلك هذا؟ لما غضبتي من تلك المعاملة، أولم يكن هذا بطلبك أنتِ؟ أولم تترجيه بأن يتركك وشأنك، أنتِ من بادرتي بطلب الابتعاد، إذاً لما العويل والغضب الآن؟ استفيقي وعودي لوعيكِ فريدة، اتقي الله في هشام ونفسك، جاهدِي نفسك وأدبيها يا فتاة،
وأكملت بيقين: استعيذي بالله من شيطانكِ الرجيم، ارجميهِ بذكر الله والتحلي بالصبر والقرب من الله. ليس لديكِ طريقة للنجاة سوى القرب من الله عز وجل." تنهدت واستعاذت بالله وجلست خلف مكتبها وبدأت بإشغال روحها ولهيها بالانغماس بالعمل. ***
داخل شركة الحٌسيني. كانت تقف داخل المعمل الخاص بصناعة الأدوية بجانب أصدقائها والكميائي التي تعمل تحت إشرافها. دلف إليها مراد بكل ثقة بعدما استدعاه الكيميائي المختص بتدريبهم. وقف بجوارهم يتطلع على تلك التجربة الناجحة التي أبهرت الصيدلي الكيميائي عن اكتشاف إحدى العقاقير الجديدة.
تحدث مراد بهدوء واتزان: "هايل يا دكتور، الاكتشاف ده ممكن يبقى نقلة كبيرة للشركة ويخلينا نتبوأ مكانة عالية ويجعل من شركتنا رائدة في مجال صناعة الأدوية! " ثم نظر إلى الكميائي وتحدث بجدية: "حقيقي برافوا دكتور حسين." ابتسم ذلك الكميائي الذي تعدى عامه الخمسين وتحدث وهو يشير إلى ريم الواقفة تبتسم
بسعادة لا يضاهيها شيء: "الحقيقة يا دكتور مراد اللي تستحق الشكر هي دكتورة ريم صاحبة الفكرة، أنا ما عليا غير إني شاركتها تنفيذ التجربة واللي الحمد لله أثبتت نجاحها الباهر."
نظر ليتطلع إلى التي يشير إليها الكميائي وإذ به فجأة تنقبض عضلات جسده وتتيبس، وتكشعر ملامح وجهه ويظهر عليها الغضب، ثم رمقها بنظرات نارية وانسحب من المكان دون أن يتفوه بكلمة واحدة، مما استشاط غضبها وجعل الدموع تترقرق داخل مقلتيها البنيتان ذوات الرموش الكثيفة. تحدثت إليه الكميائي بهدوء
بعدما لاحظ دموعها الأبية: "معلش يا دكتورة ريم، دكتور مراد يمكن مبيعرفش يعبر كويس بالكلام، بس يكفي إن التجربة عجبته وأكيد كمان هيعمل لك شهادة تضاف لك في مشروع تخرجك." جهزت رأسها بإيماء ولم تستطع إخراج صوتها من شدة خجلها وحزنها معاً، وأكملا من جديد ما كان يفعلاه. وبعد قليل كانت تخرج من الشركة بصحبة صديقتها سارة. وقفت وتحدثت بنبرة غاضبة: "بني آدم مريض، المفروض يروح يتعالج."
ضحكت سارة وتحدثت: "يا بنتي انسي بقى، إنتِ هتفضلي طول اليوم تاكلي في نفسك كده، اللي حصل حصل كبري دماغك." أجابتها ريم بضيق: "أنا مش فاهمة هو حاططني في دماغه وبيكرهني كده ليه؟ ردت عليها سارة بانتشاء: "طب اسمعي الجديد بقى." نظرت
لها ريم بترقب فأكملت سارة: "فاكرة اليوم اللي اتخانق معاكي فيه، لما روحتي عملتي عنه سيرش لقيت الجرايد الصفرا كاتبة بالبونط العريض، تفاصيل فضيحة ابن الحسيني، الفضول جنني ودخلت أشوف، لقيتهم كاتبين إن خطيبته سابته وهربت مع صديق عمره قبل فرحهم بتلات شهور." شهقت ريم ووضعت يدها فوق فمها بذهول وتحدثت: "معقولة؟
تحدثت سارة بتأكيد: "أيوه يا بنتي زي ما بقولك كده، وعرفت كمان إن من يومها وهو بقى معقد ستات ورافض الجواز، والدليل على كده معاملته ليكي يوم التليفون وكمان النهارده، الواد اتعقد يا حرام وكرة الصنف كله." هزت ريم رأسها وتحدثت بنفي: "يا بنتي متصدقيش كلام الجرايد اللي من النوعية دي، تلاقيهم كانوا قابضين من منافسين شركة بوه وبيشهروا بيه مش أكتر."
أكدت سارة: "ودي حاجة تفوتني برضه، أنا بحثت عن البنت المذكور اسمها وفعلاً الموضوع طلع حقيقي." نظرت اثنتيهما لذلك المغرور الذي يخرج من باب الشركة متوجهًا إلى سيارته التي أتى بها العامل إليه بكل احترام. وتحرك هو يتخطاهم بكل غرور وكبرياء دون النظر إليهما واستقل سيارته.
فتحدثت ريم وهي تنظر إليه: "والله مجنون، وكلامك ده أكد لي أكتر إنه فعلاً مريض نفسي وإن المفروض ياخدوه يعالجوه، مش يسيبوه كده يقرف في خلق الله ويعقدهم في حياته." نظرت عليه سارة وتحدثت بإعجاب: "بس بصراحة الواد قمر، طول بعرض بعضلات، حاجة كده من الآخر." ضحكت ريم وتحدثت وهي تتحرك باتجاه سيارتها لتستقلها: "أهو قدامك، روحي فكي له عقدته وحلال عليكي." ضحكت سارة التي
استقلت بجانبها وتحدثت: "ياااريت كان ينفع، بس للأسف مليش في الصعب، أنا بتاعة التجارب السهلة المستقرة، والحمد لله ده كله لقيته في أحمد خطيبي، بس ربنا يبعد عني أمه ورزالتها."
ضحكت الفتاتان تحت أنظار ذلك الجالس بسيارته يدعي مهاتفة لأحدهم، وهو يراقب تعبيرات وجهها ويقرأ حركة شفتيها من تحت نظارته الشمسية الذي يحجب بها عيناه. كان غاضباً إلى حد كبير بعدما فهم من حركة شفتيها ونظرات عينيها عليه أنها وصديقتها يسخران منه ووصفته هي بالجنون. فتوعد لها وأنتوي على أن يضيق عليها الخناق بالشركة ويريها كيف يكون الجنون حتى تفر هاربة من الشركة ولا تعود إليها من جديد، وحتى لا يرى وجهها الذي بات يؤرقه ويصيبه بالاشمئزاز والتشنج كلما نظر إليها ورآها أمامه.
*** في المساء، جاء هشام إلى منزل فؤاد ليطمئن على حالته الصحية. جلست معه فريدة وقصت لهم ما حدث، مما أشعل النار من جديد داخل صدر هشام ولكنه فضل الصمت مؤقتاً. هلت والدتها وسعدت كثيراً وأردفت بسعادة: "ألف مبروك يا فريدة، ربنا يا بنتي يكتب لك السعد والهنا كله." على عكس والدها الذي تحدث بقلق: "أيوا يا بنتي بس الكلام ده معناه إنك ممكن تسافري برة البلد في أي وقت؟
أجابته فريدة بهدوء: "موضوع السفر مش وارد في الوقت الحالي يا بابا، أنا معظم شغلي معاهم هيكون عبر مشاركتي ليهم أون لاين، واحتمال السفر هيكون ضعيف جداً." تحدثت نهلة بسعادة قائلة: "حتى لو فيه سفر يا بابا إيه المشكلة، حضرتك عارف النقله دي لفريدة معناها إيه وهي لسه في بداية مشوارها كده، ده غير إن أكيد المرتب هيكون مجزي جداً." ثم نظرت إلى شقيقتها وتحدثت بدعابة: "شكلك كده عديتي خلاص يا فيري."
ابتسمت لشقيقتها وترقبت ردة فعل والدها وهشام على الموضوع. تنهد فؤاد باستسلام ثم نظر إلى هشام الصامت وأردف بتساؤل: "وإنتَ إيه رأيك في الموضوع ده يا هشام؟ ابتسم هشام بجانب فمه بطريقة ساخرة وأردف قائلاً أيضاً بنبرة ساخرة: "كتر خيرك والله يا عمي إن حضرتك أخدت بالك إني موجود." نظر له الجميع خجلاً، فحقاً هم تغافلوا وجوده أو على الأقل فريدة هي من تغافلت!
وأكمل هو معاتباً: "وبعدين أظن إن رأيي ملوش أي أهمية بالنسبة للباشمهندسة، بدليل إنها أدت موافقتها للباشوات من غير حتى ما تقولي أدوني وقت أعرف البني آدم اللي أنا مخطوبة له، وأشوف رأيه إيه في موضوع السفر." ابتلعت لُعابها خجلاً، فحقاً هي مخطئة وأردفت بتعقل ونبرة هادئة: "أنا حقيقي آسفة يا هشام، بس أكيد أنا مقصدتش أضايقك أو حتى أوصلك الإحساس اللي حسيته ده،
وأكملت مبررة: "أنا وافقت علشان عارفة إنك أكيد مش هتكره لي الخير، ثم إن سليم الدمنهوري زي ما أنتَ عارف، تفكيره عملي ومعندوش حاجة اسمها لما أسأل خطيبي، كده كنت هخلي شكلي وحش جداً قدامه يا هشام." أجابها وهو يهز رأسه ساخراً: "لا إزاي، أهم حاجة إن شكلك ميبقاش وحش قدام سليم الدمنهوري، لكن بالنسبة لهشام الغلبان يتفلق ويولع." نظرت له بهدوء، فأكمل والدها: "إنتَ إيه بس اللي مزعلك كده يا هشام؟ أجابه بنبرة هادئة عكس
ما يدور بداخله من بركان: "لازم أزعل لما ألاقي نفسي آخر اهتمامات خطيبتي، لما فريدة تاخد قرارات مصيرية زي دي من غير ما ترجع لي يبقى أنا مليش أي قيمة ولا لازمة عندها يا عمي!! تحدثت عايدة بنفي قاطع: "متقولش كده يا حبيبي، ده أنت على العين والراس ورأيك بالنسبة لفريدة أهم رأي، ده أنت هتبقى راجلها وسندها بعد ربنا يا هشام."
أجابه بجدية: "مش باين يا ماما، لو فعلاً فريدة بتعتبرني إني هكون راجلها مكنتش تجاهلت وجودي ورأيي بالشكل المهين لرجولتي ده، وأكمل بضيق: يعني إيه ميكونليش رأي في موضوع يخصني من الدرجة الأولى بالشكل ده!! تحدثت فريدة بهدوء: "بس الموضوع ميخصش حد غيري يا هشام، ده شغلي ومستقبلي وأظن إنه ميزعلكش إن يبقى لي كارير في شغلي."
أجابها بقوة ونبرة حادة: "لما مراتي اللي هتبقى في بيتي وأبقى مسؤول عنها تيجي في يوم وتقولي إنها مسافرة برة مصر في شغل ضروري، يبقى ساعتها الموضوع يخصني ولا لأ يا باشمهندسة؟ إنتِ مش هتعيشي حياتك لوحدك يا فريدة، وأكمل بحدة ظهرت بصوته رغم محاولاته المستميتة في السيطرة على غضبه: أنا شريكك في الحياة دي، وبالتالي قراراتنا لازم ناخدها بتنسيق وموافقة مننا إحنا الاتنين، وإلا وقتها حياتنا هتتحول لفوضى."
تحدث فؤاد بهدوء: "اقعد مع فريدة يا ابني واستقروا على رأي، وفي الآخر مش هيتم إلا اللي يرضيك." وقف وأشار إلى غرفة الضيافة وتحدث: "تمام يا عمي، وأنا بعد إذن حضرتك محتاج أقعد حالاً مع فريدة لوحدنا." وافق فؤاد ودلفت فريدة مع هشام داخل الغرفة وبقيا بابها مفتوحاً. وتحدثت عايدة بنبرة صوت ملامة: "ملكش حق تقول له مش هيحصل إلا اللي يرضيك، كده طمعته في بنتك يا فؤاد."
أجابها بهدوء: "متقلقيش يا عايدة، فريدة هتعرف تقنعه وهيأتفقوا من غير مشاكل إن شاء الله." أما بالداخل تحدث ذلك المستشاط بعيون غاضبة ليعلن عن إخراج غضبه الذي كتمه بالخارج مضطراً: "هو ده وعدك ليا يا فريدة؟ إنتِ مش وعدتيني إنك هترفضين أي عرض ممكن يخليكي تشتغلي تاني مع اللي اسمه سليم ده؟ تحدثت بأسي وعيون حزينة لما أصابه من حزن
عند استماعه لذلك الخبر: "من فضلك يا هشام اهدى علشان نعرف نتفاهم كويس، طول ما أنتَ متنرفز بالشكل ده مش هنعرف نسمع بعض." ابتسم ساخراً وأردف: "أديني هديت يا أستاذة، اتفضلي اتكلمي، أنا سامعك." أخذت نفساً عميقاً وأردفت بهدوء: "هو أنتَ تكره لي الخير يا هشام؟ أجابها بهدوء: "أكيد لا، بس لو الخير ده هيكون سبب في خراب حياتنا وخلق مشاكل إحنا في غنى عنها يبقى مش خير من الأساس."
أردفت بهدوء: "المشاكل دي ملهاش وجود غير في دماغك وبس يا هشام، ده خير وفرصة عمري اللي هثبت للكل إني أكبر غبية لو فرطت فيها وسيبتها، ده مستوي وظيفي تاني، عارف يعني إيه أكون مستشارة لشركة عالمية زي دي في سني ده، طب إنتَ عارف مرتبتي كام من الوظيفة دي؟ أجابها بضيق: "وإحنا مش محتاجين فلوس يا فريدة، إحنا مرتباتنا اتضاعفت وتقريباً خلصنا جهازنا،
وأكمل بحب: وأنا بعد كده مش هخليكي محتاجة لأي حاجة خالص، حتى لو هضطر أشتغل شغل تاني بالليل هعمل كده علشان أعيشك في المستوى إللي يليق بيكي وتستحقيه." هزت رأسها باعتراض وأردفت مفسرة: "يا هشام إنتَ ليه مش قادر تفهمني، أنا مش هاممني الفلوس على قد ما هاممني المستوى الوظيفي وتقدم مستوايا في شغلي بالشكل السريع ده." وقف بغضب وتحدث بعناد: "وأنا مش موافق يا فريدة." تنهدت بألم وتحدثت
بنبرة حزينة وصوت مختنق: "يا خسارة يا هشام، كان نفسي توفي بوعدك ليا اللي قطعته على نفسك أول ما ارتبطنا، وأكملت بتذكير: لما قولت لي إنك هتقف دايماً في ضهري وهتدعمني لحد ما أوصل لأعلى المناصب في وظيفتي." أجابها بحده: "وأنا لسه عند وعدي ليكي، لكن بعيد عن سليم الدمنهوري، قلتي إيه؟ أجابته بنبرة جادة قاطعة وحزينة: "أنا مش هعتذر عن المنصب ده يا هشام." نظر لها بعيون حادة وأردف قائلاً: "ده آخر كلام عندك؟
صمتت ولم ترد، ففهم هو وخرج كالإعصار من الغرفة بل ومن المنزل بأكمله. خرجت إلى والدها الذي تحدث باعتراض: "إنتي كده ممكن تخسري هشام يا بنتي! أجابت بقوة: "مش هتوصل للخسارة إن شاء الله يا بابا، هشام طيب، هما يومين وهيهدي ويراجع نفسه تاني." أردفت عايدة: "ربنا يهديه." دلفت إلى غرفتها فلحقتها نهلة التي أردفت بحديث ذي مغزى: "أنا شايفة إن القدر بيخدمك وبيعمل معاكي أحلى واجب." نظرت لها باستغراب
فأكملت نهلة بدهاء: "الشغل اللي هيخليكي قريبة من سليم وممكن كمان تسافري معاه، وهشام وغضبه ورفضه للموضوع كله من الأساس، وإنتِ وإصرارك اللي عكس رغبة هشام، واللي ممكن يخليه ينهي موضوع خطوبتكم بمنتهى السهولة، وأكملت بذكاء: وكده تبقى اتحلت من عند هشام نفسه وريح لك ضميرك اللي كان موقفك محلك سر." نظرت لها بذهول وأردفت بقلب منتفض: "إنتِ بتقولي إيه يا نهلة، إزاي تفكري بالطريقة دي؟ كادت نهلة أن
تكمل فأسكتها حديث فريدة: "من فضلك يا نهلة، سيبيني لوحدي واخرجي." وبالفعل خرجت نهلة وخرجت هي إلى الشرفة لتشم بعض الهواء لعله يهديء نبضات قلبها وروعه وحزنها على هشام وما أصابه من حزن لأجل ذلك الموضوع. انتهى البارت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!