داخل منزل عزمي الشافعي كان يجلس فوق سريره ممسكًا بجهاز اللاب توب، ينظر بحقد دفين إلى صورتها وهي تتسلم جائزة الدولة على براءة الاختراع الخاص بها. كان ذلك الغائر يجاورها وهو يحتضن يدها برعاية وتملك ظاهرين للعلن. التفتت والدته إليه وتحدثت باقتضاب: "وبعدين معاك يا حسام؟ هو أنت يا ابني هتفضل قاعد لي في البيت كده كتير؟ ما تطلع تدور على شغل بدل ما أنت قاعد لي ليل ونهار في أوضتك كده."
تململ في جلسته وأردف قائلاً بحدة توطدت في شخصيته مؤخرًا: "هو أنتِ مبزهقش من الكلام ده خالص، كل يوم تعيدي وتزيدي في نفس النغمة." "وياريته جايب معاك نتيجة." جملة صاحت بها سميرة. جاورته الجلوس وأكملت بهدوء: "إيه اللي جرى لك بس يا حسام؟ من يوم اللي اسمه قاسم ما أجبرك وخلاك بعت الدوبلكس ورجعت له الفلوس بتاعة ابنه، وانت مخرجتش من أوضتك." أجابها بعيون تطلق شررًا: "وديني لأندمه هو وبنته وابنه على كل اللي عملوه معايا."
صاحت سميرة بنبرة غاضبة: "هو أنت مابتوبش أبدًا؟ مش كفاية اللي حصل لك من اللي اسمه مراد والعلقة اللي إدهالك؟ وبعدين البنت اتجوزت خلاص، عاوز منها إيه تاني؟ أكملت بحقد وهي تنظر أمامها: "طلعت بنت أمال بجد ووقعت واقفة، رسمت على الواد وسحبته وهتغرق في العز هي وأمها." أكملت باشمئزاز: "مش زيك أنت وأختك." استمعت إلى صوت ندي التي تقف ممسكة بالباب تتحدث بنبرة ساخطة:
"ممكن تخليكي في خيبة ابنك وتسبيني في حالي، لأن محدش ضيعني غير طمعي. لولا خطته الخايبة وأنانته كان زماني متجوزة سليم ومسافرة معاه ألمانيا." نظر إليها وزفر بضيق وتحدث بوعيد: "تصدقي بالله أنا قررت أسافر وأسيب لك البلد كلها علشان أخلص من ندبك ده." انفرجت أسارير سميرة وتحدثت بإشادة: "ربنا يكملك بعقلك يا حسام، هو ده الكلام المظبوط. سافر واشتغل علشان تثبت للكل إنك أحسن وأنجح منهم كلهم."
زفر بضيق مستسلمًا لمصيره المعتم بعدما قرر السفر بعيدًا عن قبضة مراد ومحاصرة سليم له، واللذان ضيقا عليه الخناق للغاية، فقرر الانسحاب والهرب، وذلك بحكم شخصيته الجبانة التي لا تستطيع المواجهة كالرجال. *** داخل مدينة برلين
هاتف سليم فؤاد وحدد معه ميعاد الزفاف بعد يومين من رجوعهما. اتصل بوالده الذي طبع له دعوات الزفاف وقام بتوزيعها على الأقارب والأحباب والأصدقاء. قام سليم عبر الإنترنت بحجز مكان مفتوح لإقامة الحفل بداخله بعيدًا عن الفنادق وما باتت تحمله من ذكرى مؤلمة لفريدة. وقرر العروسان أن يكون الحفل نهارًا وليس ليلاً، كنوع من التغيير والتفاؤل. تأهب الجميع لرجوع العشاق وإتمام زواجهما الذي طال انتظاره. *** بعد انتهاء اليومين
خطت بساقيها لداخل المطار بجوار عاشقها، أسما وعلي، والصغير، وكلها أمل بغد أفضل مع عاشق عيناها. بعد قليل، كانت تجلس بجانبه فوق مقعد الطائرة، مستلقية للخلف، تنظر إليه بعيون سعيدة يبادلها إياها بمتلهفة عاشقة. تساءلت هي باندهاش: "إمتى جهزت فستان الفرح؟ ابتسم لها وأجاب: "من أول أسبوع جيت فيه هنا وأنا بجهز لفرحنا. اشتريت الفستان واشتريت بيت وجهزته بكل سبل الراحة علشان حبيبي يكون مبسوط فيه ومرتاح." ابتسمت له ثم
تساءلت بحزن ظهر في عينيها: "ليه مكلمتنيش قبل ما تسافر يا سليم؟ كنت مستعدة أسيب الدنيا كلها وأجي معاك لو كنت حسيت إنك لسه عاوزني." أجابها بهدوء وابتسامة جميلة زينة ثغره: "أنا وأنتِ كنا محتاجين وقت نهدي فيه ونرتب أفكارنا من جديد يا فريدة. لو رجعنا على طول مكناش هنعرف قيمة بعض وأهميتنا في حياة بعض، ومع أول خلاف بينا كنا هنرمي بعض بالاتهامات. حاليًا إحنا هدينا ورجعنا لبعض بكامل شوقنا ومن غير أي ضغوط علينا."
ابتسمت له ووافقتته الرأي وأكملا أحاديثهما التي لا تنتهي ولا يكلا ولا يمل منها. وبعد مدة، وصلوا إلى مطار القاهرة الدولي، وجدوا المكان مكتظًا بالأحباب المنتظرين عودة العشاق. كانت تتحرك بجانبه وسعادة الدنيا تملأ قلبها البريء. نظرت أمامها وجدت الجميع بانتظارهم: "عايدة، فؤاد، نهلة وعبدالله وأسامة، قاسم وريم ومراد العاشق." أسرعت وارتمت داخل أحضان والدها الذي بدوره ضمها إليه باحتواء وتحدث وهو يربت على ضهر صغيرته بحنان:
"مبروك يا باشمهندسة، ألف مبروك يا بنتي." خرجت من بين أحضانه تنظر إليه خجلًا وأجابته: "الله يبارك فيك يا حبيبي." أما عايدة، فكانت سعادتها تتخطى عنان السماء من ذلك الخبر السعيد. اقترب عليها سليم وأمسك كف يدها وأردف قائلاً وهو يضع قبلة احترام: "ادعي لي ربنا يتمم لي فرحتي يا ماما." ابتسمت له عايدة وأجابته بتفاؤل ويقين:
"إن شاء الله هتكمل على خير يا حبيبي، أنا قلبي دليلي وقلبي بيقول لي إن سنين العجاف انتهت خلاص واللي جاي كله حصاد الخير والصبر." انتش تع داخله من كلمات تلك المتفائلة وتحدث بانتشاء: "يارب يا أمي، يارب." *** ليلاً داخل فيلا سليم كان يجلس هو وقاسم وريم. انتفض في جلسته كمن لدغته عقرب وأردف قائلاً بنبرة رافضة صارمة: "لا يا بابا، أنا مش حاببها تحضر." أكمل غاضبًا بجمود:
"كل اللي فرق بيني وبين سعادتي وحرمني في آخر لحظة من حضن حبيبتي مش عاوز يكون له وجود وأنا بكمل فرحتي." "بس دي أمك يا سليم." قالها قاسم وهو يحاول إقناعه بحضور أمال لحفل زفافه. وقف منتصب الظهر وأجابه بملامح جامدة متشنجة: "وأنا خلاص، خرجتها من حساباتي ومش محتاج لوجودها تاني في حياتي. كفاية اللي جرى لي من ورا تخطيطها طول السنين اللي فاتت." تنهد قاسم بأسى لصحة حديث نجله، وتحدث كي يقنعه:
"إنت فاكرني نسيت اللي عملته فيك ولا سامحتها عليه؟ أنا مبقتش بشوف أمال غير في وجود مناسبة تستدعي وجودنا مع بعض وببقى مرغم ومضطر كمان. بس أنا عامل على شكلنا الاجتماعي قدام الناس وخصوصًا أهل جوز أختك اللي ميعرفوش حاجة عن اللي بينا ومش لازم يعرفوا." نظر سليم إلى تلك الصامتة التي تستمع حديثهما بحزن عميق على ما أوصلت به غاليتها حالها وما آوت إليه بفضل تعاونها مع شيطان الإنس المسمى بحسام، لعنة الله على أمثاله. تنهد
وتحدث بتأثر لأجل غاليته: "أنا هوافق علشان خاطر ريم بس بشرط." نظر إليه كلاهما، فأكمل هو مشيرًا بسبابته بنبرة حادة: "ملهاش دعوة بيا أنا وفريدة ومتقربش مننا نهائي. تخليها في ضيوفها وتترسم عليهم براحتها، وأظن إن هي بتجيد وبتتفنن في رسم دور المهمة وملكة الليلة." تنهد قاسم لجل نجله وما وصل إليه من عدم تقبله لوالدته ودخولها مرة أخرى إلى حياته. ووافقاه على شرطه مرغمين. ***
كانت تجلس داخل شرفة غرفتها التي تظل حبيستها طيلة الوقت، تتحدث عبر الهاتف إلى شقيقتها بنبرة نادمة حزينة لأجل حالها التي أصبحت عليه: "إهدي إزاي بس يا أماني؟ بقولك مكنش عاوزني أحضر فرحه، لولا قاسم هو اللي ضغط عليه علشان نكمل الشكل الاجتماعي مش أكتر." تنهدت أماني وأردفت قائلة بأسى: "أنا مش عارفة سليم جاب القسوة دي كلها منين؟ هو مش عمل اللي في دماغه وهيتجوز البنت اللي كانت السبب في المشكلة، زعلان منك ليه بقا؟
بكت أمال وأردفت قائلة: "متكبريش نفسك واعترفي بالحق يا أماني، أنا اللي وصلت ابني بأنه يكرهني ويخرجني من حياته. غروري وكبريائي عماوني عن إني أشوف الحقيقة. أنا تجاهلت مشاعر ابني ومشيت ورا هوس حبي لاختيار الأفضل ليه من وجهة نظري وتجاهلت رغبته وصوت قلبه." أكملت بنبرة نادمة متألمة: "وأدي النتيجة، ابني بعد عني وكرهني، وجوزي حرمني عليه كزوجة ونفاني من بيتي ووصل بيا الحال إنه يطبق عليا نظام الإقامة الجبرية في أوضتي."
شعرت أماني بالذنب المشترك والحزن داخلها لما آوت إليه شقيقتها الغالية، ولكن بما يفيد الندم وقد فات الأوان. *** وأخيرًا جاء اليوم الذي طال انتظاره. كان الجميع متواجدون وسط أجواء سعيدة من الجميع، حتى تلك الآمال التي وبرغم حزنها على عدم تقبل ولدها لوجودها ووضع شرطه بألا تقترب منه ومن عروسه، إلا أنها تشعر بسعادة لا مثيل لها.
أما مكان إقامة حفل الزفاف، فكان أشبه بالأماكن المذكورة داخل حكايات الأساطير والروايات، حيث الحديقة الواسعة للغاية، يتواجد بها مبنى داخلي تقطن بداخله فريدة بصحبة شقيقتها وابنة خالتها وفريق التجميل الخاص بتزيينها ليلتها المميزة تلك.
أما الحديقة، فكانت عبارة عن قطعة من الأرض الواسعة مفرشة بنبتة النجيلة بلونها الأخضر الجذاب. يتوسطها حمام سباحة مزين بالورود والبالونات باللونين الأبيض والموف. وباقي المساحة وضعت بها الطاولات المستديرة ذات المفارش البيضاء والزهور الموضوعة عليها بعناية فائقة بلونينها الممزوجين الأبيض والموف، مما أعطى للمكان رونقًا مميزًا ومبهجًا للغاية.
ويُحاط المكان بأكمله بالستائر البيضاء المنسدلة، يتدلى منها عناقيد الزهور بلونيها الممزوجين الموف والأبيض، تداعبها نسائم إبريل برقة فتجعلها ترفرف بمظهر يسر البصر والبصيرة. تحرك قاسم إلى الطاولة المستطيلة المخصصة لعقد القران وسأل المأذون: "جاهز يا مولانا؟ أجابه المأذون وهو يفتح ذلك الدفتر الموضوع أمامه: "جاهز يا أفندم." أشار قاسم إلى سليم الذي يبتعد قليلاً بصحبة علي ومراد وإيهاب. أتى إليه سليم فتحدث قاسم:
"نادي على أستاذ فؤاد ويلا علشان نكتب الكتاب." هز سليم رأسه وتحرك إلى قاسم وأشقائه وأبلغهم. ضحك أحمد شقيق فؤاد وتحدث إلى سليم بدعابة: "كويس إنك جيت إنهاردة، وإلا المرة دي مكنش حد هيعرف يخلصك من إيدي." ضحك سليم وتحدث بدعابة مماثلة: "لا ما أنا عملت حسابي المرة دي، وعلشان كده بايت هنا من امبارح أنا وأبويا." ضحك فؤاد وصالح وأحمد وتحركوا جميعًا بصحبة سليم.
اصطف الجميع وتوسط المأذون فؤاد وسليم وبدأ بمراسم بدء عقد القران. وبعد مدة، تحدث فؤاد بناءً على تعليمات المأذون: "زوجتك ابنتي البكر الرشيد فريدة فؤاد شكري على سنة الله ورسوله وعلى الصداق المسمى بيننا." تحدث المأذون موجهًا حديثه إلى سليم وكرر سليم قائلاً وهو ينظر إلى فؤاد بقلب ينتفض فرحًا وروح منطلقة تكاد تصل لعنان السماء: "وأنا قبلت الزواج من موكلتك." تحدث المأذون:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، بالرفاق والبنيين إن شاء الله." اختطف علي المحرم سريعًا وانطلقت الزغاريد من نساء الحفل معلنة عن إتمام عقد القران. اقترب قاسم من نجله واحتضنه في عناق طويل بث به كم سعادته ومشاركته لفرحة نجله الحبيب. أخرجه مرة أخرى وتحدث: "ألف مبروك يا ابني، ألف مبروك." أجابه وكأن سعادة الدنيا تكونت وتجمعت داخل مقلتيه فجعلت بها لمعة براقة: "الله يبارك فيك يا حبيبي."
احتضنه فؤاد وأردف قائلاً: "ألف مبروك يا ابني." أجابه مبتسمًا: "الله يبارك في حضرتك يا عمي." أما عايدة، التي اقتربت عليه محتضنة إياه وأردفت قائلة بنبرة حنون: "مبروك يا سليم، ألف مبروك يا ابني،" وأكملت برجاء أم: "خلي بالك من فريدة." رفع يدها مقبلاً إياها وأردف قائلاً بامتنان: "فريدة في عيوني يا أمي."
كانت تقف بعيدًا وكأنها أحد المدعوين الغرباء. صرخ قلبها معنفًا كبرياءها وغباءها الذي أوصلها إلى تلك المكانة المهينة لكرامتها. أحست بطعنة شقت صدرها وتعمقت به عندما رأت صغيرها أمسك كف يد عايدة وقبله بكل حب تحت سعادة عايدة وهي تربت فوق كتفه بحنان. فرت دمعة هاربة من عينيها، جففتها سريعًا كي لا يراها أحد في لحظات ضعفها وتحركت بين صفوف الحضور كي ترحب بهم وتتناسى حالها وهمها الكبير.
احتضن علي صديقه وربت على ظهره بحنان وتحدثت أسما وسعادة الدنيا سكنت مقلتيها لأجل صديقها وحبيبته الغالية: "مبررررروك يا سليم، وأخيرًا." ابتسم لها وأردف قائلاً: "الله يبارك فيكي يا أسما، عقبال سولي." صعد فؤاد إلى الأعلى لجلب ابنته كي يسلمها إلى الرجل التي اختارته بنفسها ليكون رجُلها وسندها وشريكها بالحياة.
نظرت أمال إلى سليم وجدته يقف بانتظار عروسه والقلق يظهر على وجهه. شعرت بالذنب وتيقنت أنها من أوصلت ولدها إلى هذه الحالة من عدم الطمأنينة. وأكثر ما زاد الحسرة والألم داخل قلبها هو وقوف عايدة الحميمي بجانبه في انتظار ابنته. تحرك مراد حيث مكان سليم وهمس بجانب أذنه بدعابة: "الباشا اللي هيشرفنا إنهاردة ويرفع راسنا." انتبه إليه سليم وأبتسم بهدوء ثم حول بصره مرة أخرى باتجاه المبنى حيث ترقب وصول غاليته والقلق سيد موقفه.
تحدث إليه مراد متسائلاً: "مالك يا سليم؟ نظر إليه بعيون زائغة وأردف قائلاً بنبرة متوترة: "قلقان يا مراد، اللي حصل المرة اللي فاتت سايب أثر سلبي جوايا ومش مخليني عارف أطمن." أحاطه مراد بوضع يده حول كتفه باحتواء وأردف قائلاً باطمئنان: "إهدي يا سليم ومتخليش القلق يسيطر عليك، وبعدين فريدة خلاص بقت مراتك رسمي." وأكمل بهدوء كنوع من المؤازرة: "أنا حاسس بيك، ومعاك في إنها كانت تجربة قاسية، بس حاول تتخطاها وتكمل." أجابه سليم
بألم ظهر في نبرة صوته: "دي مكنتش تجربة يا مراد، دي كانت عاصفة عصفت كل كياني وأخدت معاها حاجات حلوة كتير أوي، أخدت غلاوة ناس وثقة عمرها ما هترجع تاني، وأخدت معاها فرحة حلم عشت عمري كله أتمناه وأحلمه، وفجأة صحيت منه على كابوس عمري." يرد مراد بأسى: "حاسس بيك طبعًا." أجابه سليم بأسى: "إنك تحس بحد وتقدر موقفه اللي اتحط فيه حاجة، وإنك تتعايش وتعيش الحدث دي قصة تانية خالص. ده شعور مميت، ودي فعلاً أقل كلمة توصفه."
انتبه كلاهما على صوت تلك البريئة التي أتت إليهما بابتسامتها الجذابة ووجهها البشوش. وقفت أمام شقيقها وأمسكت يده وتحدثت بابتسامتها البريئة: "ألف مبروك يا حبيبي، أنا فرحانة أوي علشانك يا سليم." تمالك من حاله وابتسم لها كي لا ينقل إليها توتره وأجابها وهو يدخلها داخل أحضانه: "الله يبارك فيكي يا حبيبتي." ثم أخرجها وحاوط وجهها بكفيه وتحدث بحنان: "عقبالك يا ريم." ابتسمت برقة وهي تنظر لذلك المستشاط الذي تحدث من بين أسنانه:
"ما تهدي يا هندسة، هو أنا مش مالي عينك ولا إيه؟ ابتسمت ريم حين تحدثت عايدة إلى سليم بلهفة أم: "جهز نفسك يا سليم، عمك فؤاد اتصل وبيقول إنهم نازلين حالًا." شد من انتصاب ظهره وأخذ نفسًا عميقًا ملأ به رئتيه وصوب بصره على مدخل المبنى يترقب ظهور أميرته. اشتغلت الموسيقى الهادئة المعدة لدخول العروس. وبلحظة تسمر بوقفته واتسعت عيناه بذهول وانبهار حين وجدها أمامه كحورية هبطت عليه من الجنان.
تنفس عاليًا وانتفض داخله بشدة وتسارعت دقات قلبه بوتيرة سريعة. وحدث حاله: "غاليتي وأميرتي، كم انتظرت وصولي إلى لحظتي تلك وكثيرًا تمنيتها، كم تخيلت طلتك البهية بثوبك الأبيض وحجابك الشاهد على عفتك وطهارتك، ولكن، دعيني أعترف لكِ صغيرتي، أنني وبرغم براعتي في رسم صورتكِ، إلا أنني أعترف أنني لم أصب التخيل."
أما تلك الجميلة الراقية، فكانت تتأبط ذراع والدها وتتحرك بجانبه بفخر واعتزاز به. نظرت أمامها وجدت عاشقها يقف بانتظارها بهيئته الجذابة بتلك الحلة السوداء التي جعلت منه وسيمًا للغاية، ممسكًا بيده باقة من الزهور النادرة. تحركت بجانب والدها حتى وصلت إلى ذلك العاشق. نظر له فؤاد وبنبرة صوت متحشرجة تأثرًا بالموقف حدثه قائلاً برجاء أب: "خلي بالك من فريدة يا سليم، بنتي أمانة عندك يا ابني، حافظ عليها وأكرمها."
تأثرت بنبرة صوت أبيها فاللمعت مقلتاها بالدموع واحتضن سليم فؤاد وربت على قلب الأب بداخله وأردف قائلاً بنبرة مطمئنة: "أمانتك جوة عيوني وهتتصان وتتشال على الراس يا عمي، وأوعا حضرتك تقلق على فريدة طول ما أنا موجود على وش الدنيا." ربت فؤاد على ظهره بحنان وتحدث بامتنان: "ربنا يكرم أصلك يا ابني." حول بصره لفريدته، ملكة حياته وأميرته، مبتغاه وجوهرته الثمينة الذي طالما حلم باقتنائها، وها هو أخيرًا قد فعلها وامتلكها.
أمسك فؤاد يدها وسلمها إلى سليم بقلب يتمزق وانسحب بهدوء. لمس سليم كف يدها الرقيق ورفعه إلى فمه وقبله، وأعطاها باقة الزهور، ثم حاوط وجنتيها بكفيه والتقت الأعين. وقالت حديثها، ثم وضع قبلة فوق جبهتها، تلمس بشفتاه بشرتها الناعمة ولأول مرة. "يا الله، يا له من شعور رائع لم يحظ به من ذي قبل." اقشعر بدنها لملامسة شفتاه لبشرتها. أبعدها من جديد وتحدث ومازال محاوطًا وجهها بيداه: "مبروك يا حبيبي." ابتسمت برقة وأردفت
قائلة بنبرة هادئة مرتبكة: "الله يبارك فيك يا سليم." وقف بجانبها وكبل يدها داخل راحته بتملك وتأبط ذراعها وتحرك متجهاً إلى المكان المخصص لجلوسهم تحت الموسيقى الهادئة وأوراق الورود التي تتناثر فوق رؤوسهما من المحبين. كانت تتحرك بجانبه وسعادة الدنيا سكنت بداخلها. أما هو، فكان يشعر وكأنه ملك قد تسلم عرشه في التو واللحظة.
وصل لمكانهما المخصص التي انبهرت به فريدة. جلسا وتهافت عليهم المهنئون من الأهل والأحباب عدا تلك الحزينة التي تدفع ثمن ما فعلته يديها. كانت الحسرة والندم والنفي جزاءها لما اقترفته يديها وما آوت إليه بفضل كبريائها وعدم إدراكها لبشاعة فعلتها. تحركت سميحة بصحبة حسن إلى مكان فريدة التي وما أن رأتهما إلا وأنفرجت أساريرها وسعد داخلها وتحدثت بنبرة سعيدة: "ده إيه المفاجأة الجميلة دي يا طنط." احتضنتها سميحة بحب وتحدثت:
"مكنش ينفع أحضر فرح بنتي، ألف مبروك يا فريدة، ربنا يتمم لك بخير يا بنتي." وأردف حسن قائلاً بابتسامة وهو يشير إلى سليم المبتسم بسعادة: "الباشمهندس اتصل بينا وعزمنا وأكد على ضرورة حضورنا علشان يفرحك ويعملهالك مفاجأة." نظرت لحبيبها بسعادة وشكرته عيناها بامتنان وتحدثت إلى حسن بنبرة حماسية: "أحلى مفاجأة يا عمو، حقيقي مبسوطة جدًا بوجودكم حواليا في يوم مهم بالنسبة لي زي ده."
نزل ذلك الثنائي وصعد إليهما حازم متأبطًا بسعادة تلك رانيا التي قد تغيرت مائة وثمانون درجة خلال الثلاثة أشهر المنصرمة حتى أنه بات يعشقها بعدما وجد منها ما كان ينقصه، وهو الاحتواء والاهتمام والحب والرعاية. اقتربت رانيا من فريدة وهنأتها بحفاوة هي وحازم وهمست لها جانبًا متحدثة بنبرة خجل: "سامحيني يا فريدة، أنا آذيتك كتير بكلامي وأفعالي، بس أنا فوقت واتغيرت وأتمنى متكونيش زعلانة مني." ابتسمت لها فريدة
وتحدثت بوجه بشوش وطيبة: "ولو إني معرفش بتقصدي إيه بكلامك ده إلا إني طول عمري بحبك وبعتبرك زي نهلة، وأكيد مسامحاكي على أي تجاوز قلتيه في حقي." خجلت رانيا من جميلة الشكل والروح تلك، وتحدثت بنبرة صادقة: "ربنا يسعدك يا فريدة ويديكي خير على قد ما في قلبك حب وسماحة للناس." وبعدها صعدت دعاء بجانب هادي وهنئهما. بعد مدة اشتغلت الموسيقى لتعلن عن بدء رقصة العروسين، فتلربكت فريدة وتحدثت إلى سليمها بنبرة
معترضة ويسيطر عليها القلق: "مش هينفع يا سليم، أنا مبعرفش أرقص." ابتسم لها برقة وأردف قائلاً باطمئنان وهو يسحبها بجانبه: "طول ما أنتِ معايا مش عاوزك تقلقي من أي حاجة، أنا معاكِ يا حبيبي وواحدة واحدة هعلمك، كل اللي عليكي تبصي في عيوني وتتحركي معايا مش أكتر." هزت رأسها بطاعة بعدما اطمأنت ووصلت معه إلى المكان المخصص للرقص. وقفا فوق الدانس فلور. بدأت أغنية "أوعديني" لرامي جمال.
أمسك كف يدها بإحدى يديه والأخرى لفها حول خصرها في حركة أذابت جسدها وأصابته بالقشعريرة. وبدأ بحرفية عالية يخطو بها في حركات هادئة سلسة جعلتها سرعان ما تناست قلقها واندَمجت معه، وخصوصًا أنه أذابها بنظرات عينيه الهائمة التي تُنسيها عالمها بأكمله. رقصا سوياً على كلمات تلك الأغنية الرومانسية التي أذابت كلاهما.
بعدما انتهت من رقصتهما الأولى، أشار إلى العامل المختص بتشغيل الموسيقى. أتى إليه ممسكًا بيده الميكروفون بناءً على اتفاق سليم المسبق معه. أمسك الميكروفون وتحدث إليها برقة: "دي غنوتك يا فريدة، كل كلمة فيها كأنها متفصلة على شعوري ناحيتك بالمقاس." وبدأ بالغناء:
"وأناااا، من غيرك الدنيا لما أتخيلها، بلاقيني صعب أكملها. وأنا لو قدرت أعيش بعدك، دا أنا أموت ولا إني أعملها. وأنااااا، من غيرك أحلامي مش عايز أحلمها، تبقي الحياة زي عدمها. كلمة حبيبي استحرمها، مع حد تاني غيرك أقولها. بس وأنا معاك أنا نفسي عمري ما يخلص. جوايا كلام ما بيتقالش لكن يتحس. لو فيه حاجة مش حلوة في عينيك. كفاية أشوفك بس، علشان تحلي في عيني لما إنت تبص لها. وأناااا من غيرك، فكرة أما بتاخد ليها، بحس إني هروح
فيها. وبخاف كمان أوي من بكرة، واللي هيجري لي بعديها. وأنااااااا من غيرك دي فكرة لازم أستبعدها. وأنا من زمان قلبي رافضها، قضيت كتير أيام قبلك أنا بدعي ربنا لا يعيدها. بس وأنا معاك أنا نفسي عمري ما يخلص. جوايا كلام ما بيتقالش لكن يتحس. لو فيه حاجة مش حلوة في عينيك. كفاية أشوفك بس، علشان تحلي في عيني لما إنت تبص لها."
كانت تستمع له ودموع الفرح سيدة موقفها. وعايدة التي تبكي بدموع الفرح لعشق ذلك الولهان لابنتها وتحتضنها نهلة وعفاف اللتان تشاركانها دموعها فرحهم بغاليتهم فريدة. انتهى من غنوته ثم احتضنها وشدد من ضمتها تحت تصفيق حار من جميع الحضور. دفن وجهه داخل عنقها حتى يختبئ كي لا يبكي ويعلن انهياره وانهيار جدران قوته التي دكت حصونها من تلك الرقيقة.
ثم رفعها لمستواه واحتضنها بشدة وبدأ يدور بها بسعادة بالغة وقلوبهما تتراقص على أنغام عشقهما. صفق الجميع وبدأوا بالصفير أيضًا تشجيعًا لسليم. ثم أنزلها وقبل وجنتها بحنان تحت خجلها. انضم إليهما ثنائيات الحفل ليشاركهما رقصتهما وفرحتهما. اتسعت عيناها بذهول حينما رأت هشام ولُبنى يقتربان عليهما بابتسامات عذبة جميلة. اقترب هشام ومد يده مصافحًا سليم بابتسامة: "مبروك يا باشمهندس." قابله سليم بابتسامة جذابة قائلاً:
"متشكر يا أستاذ هشام إنك قبلت دعوتي وشرفتني." تبادلت النظر بينهما ببلاهة ونظرات غير مستوعبة ما يحدث حولها. انتبهت على هشام الذي تحدث إليها بابتسامة سعيدة: "مبروك يا فريدة، ماتتصوريش فرحت إزاي عشانك." ابتسمت له وأجابته بسعادة: "متشكرة يا هشام، حقيقي فرحتوني بوجودكم معايا إنهاردة." ابتسمت لها لُبنى وتحدثت: "مبروك يا باشمهندسة." بادلتها فريدة. ثم أشار هشام إلى لُبنى وتحدث مداعبًا سليم:
"مش هتسلم على شريكتك الإلكترونية ولا إيه يا باشمهندس؟ ضحك الجميع وتحدث سليم إلى لبنى مشيرًا بأصبعه متسائلاً: "أستاذة لبنى؟ هزت رأسها بابتسامة مؤكدة فتحدث هشام مستغربًا: "معقولة متعرفوش بعض؟ ابتسم سليم وتحدث نافيًا: "تخيل." وأكملت لُبنى بابتسامة: "أنا أصلاً كنت فكراه واحدة مش واحد." ضحك الجميع وتحدث سليم موجهًا حديثه إلى هشام باعتذار: "أتمنى متكونش لسه زعلان مني يا أستاذ هشام." ابتسم هشام ونظر بعيون هائمة إلى لُبنى
وتحدث بنبرة صوت عاشقة: "أزعل منك إزاي وانت رجعت لي حياتي اللي كانت ضايعة مني." نظرت له فريدة غير مستوعبة لما استمعت له أذناها، وسعد داخلها بشدة لأجل هشام التي دومًا ما كانت تشعر تجاهه بالذنب. تحرك الثنائي للرقص وتشابك سليم الأيدي مع فريدة يتابعون رقصتهما وتحدثت فريدة بتساؤل حنون: "كل ده عملته علشاني يا سليم، قد كده بتحبني؟ أجابها بعيون يملؤها الغرام:
"ومستعد أعمل أي حاجة علشان بس أشوف الفرحة دي وهي ساكنة عيونك يا ضي عيوني." "بحبك يا سليم"، قالتها بعيون مغرومة وهائمة في عشق مغرومها ومالك كيانها. انتفض داخله بشدة ونظر إليها وتحدث بعيون ذائبة بعشقها: "حرام عليكِ يا فريدة، بتعملي فيا ليه كده؟ ابتسمت وتساءلت بنبرة لئيمة: "وأنا كنت عملت لك إيه بس يا سليم؟ "دوبتي قلبي يا نبض سليم"، قالها بنبرة ذائبة عشقًا. ضحكت برقة أذابته فأكمل هو بحب: "اتغيرتي أوي يا فريدة."
تساءلت باستفسار: "إزاي يا سليم؟ أجابها بحب: "بقيتي حنينة ورومانسية وشقية أوي، مبقتيش فريدة الغامضة اللي مخبية عشقها جواها ودفناه بعيد عن كل العيون." ابتسمت برقة وأجابته بعقلانية: "مكنش ينفع زمان يا سليم، لكن حاليًا خلاص، أنا بقيت حلالك وانت بقيت جوزي حبيبي." نزلت كلمة "جوزي حبيبي" على قلبه أنعشته وزلزلت كيانه. تحدث بنبرة جادة:
"طب اسمعيني كويس أوي يا فريدة واحفظي الكلمتين دول، من اللحظة اللي إحنا فيها دي لحد ما نروح بيتنا مش عاوز أسمع منك كلمة حبيبي أو جوزي أو أي كلمة غير سليم، تندهي لي كأنك واحد صاحبي، مفهوم يا فريدة؟ ابتسمت وتحدثت برقة أذابته: "مفهوم يا سليم." تنفس عاليًا وأردف قائلاً بهدوء: "ولا حتى سليم، مش عاوزك تنطقي اسمي خالص النهارده."
وأكمل بإحباط: "بصي، من الآخر كده ماتتكلميش خالص لحد ما نوصل بيتنا وبعدها عاوزك تفتحي على الرابع، جوزي وحبيبي وسُلمو." غمز بعينيه وأكمل: "وحتى الجاكوزي يا مجرمة." ابتسمت برقة وأردفت قائلة: "قلبك أسود أوي يا سليم، لسه فاكر؟ أجابها بغمزة وقحة: "ودي حاجة تتنسي بردوا يا بنت عايدة، اصبري بس وأنا هعرفك قيمة اللي عملتيه فيا وقتها وهدفعك حسابه بالكاااامل." ضحكت وأردفت بنبرة شقية لتزيدها عليه:
"طب لعلمك بقا، أنا مبحبش يبقى عليا ديون لحد." أردف قائلاً بغمزة من عينيه: "قد كلامك ده؟ ابتسمت وفاقت على صوت والدتها المحب والحنون: "كفاية رقص لحد كده يا سليم وخد فريدة ويلا اقعدوا علشان متتعبوش وكمان علشان العيون ماتصيبكمش." ابتسم لها وأخذ فريدة وأتجه بها إلى المكان المخصص لهما، وبعد مدة اقترب منهما هناء وصادق الذي تحدث إلى فريدة بسعادة: "ألف مبروك يا باشمهندسة." وتحدثت هناء بنبرة حنونة صادقة:
"ألف مبروك يا بنتي، ماتتصوريش فرحت إزاي عشانك." ابتسمت لهما فريدة وشكرتهما كثيرًا. وجاء المصور الفوتوغرافي لالتقاط بعض الصور التذكارية معًا. فأشارت هناء للمصور وتحدثت: "ثواني لو سمحت." ثم أشارت إلى قاسم وتحدثت بابتسامة: "قاسم بيه، ممكن تجيب مدام أمال وريم ومراد، حابة ناخد صورة جماعية للذكرى." احتقنت ملامح سليم وشعرت به فريدة فهمست بجانب أذنه كي تهدئه رغم غضبها الذي أصابها هي الأخرى:
"إهدي يا حبيبي علشان محدش ياخد باله." نظر لها وأومأ برأسه وصعدت أمال بجانب قاسم تترقب ملامح صغيرها التي تحولت إلى الجمود. وقف الجميع والتقطت لهم بعض الصور. فتحدث المصور مشيرًا إلى أمال وذلك حسب طبيعة عمله: "مامت العريس، اتفضلي حضرتك في وسط العروسة والعريس علشان أصوركم." نظرت إلى سليم بترقب فتحدثت هناء بسعادة: "يا بختك يا مدام أمال، ادعي لي أقف وقفتك دي قريب إن شاء الله."
ابتسمت لها وتحركت. أفسح سليم لها المجال ووقفت تتوسطهم والتقطت لهم الصورة التي تخلو من أية مشاعر أو أية صور للبهجة. نظرت إلى فريدة وتحدثت بنبرة صوت منكسرة خجلة: "مبروك يا فريدة، خلي بالك من سليم." اقشعر داخلها تأثرًا بنبرة تلك السيدة المسكينة التي حرمت من احترام وحضن ومجاورة صغيرها في أسعد ليلة بحياته، ولكنها هي من اختارت وجهتها ومكانتها لدى صغيرها الغالي. أجابتها فريدة بهدوء:
"متشكرة لحضرتك، ومتقلقيش على سليم، سليم في عيني." أما سليم، الذي لف سريعًا من خلفها كي لا يعطي لها المجال للتحدث إليه. تحرك متجاهلاً وجودها واحتضن فريدة ليلتقط لهما المصور بعض الصور بمفردهما. شعرت وكأن أحدهم طعنها بخنجر مسموم داخل قلبها. تحركت بسيقان تجر بهما أذيال خيبتها. نظر قاسم إليها بهدوء وحدث حاله: "لا تحزني رفيقة العمر، وحدك من أوصلتي حالك إلى هذه المكانة، فلا تلومن إلا حالك."
نظرت ريم إليها وصرخ قلبها متألمًا لأجل والدتها وما آوت إليه، وبرغم حزنها الشديد عليها إلا أنها لم تستطع إلقاء اللوم على شقيقها الغالي من معاملته تلك. تحركت ريم إلى والدتها وأمسكت يدها بحنان وقبلتها كنوع من الدعم النفسي، وتحركتا إلى مقعديهما وجاورتها بالجلوس. صعد فايز هو وزوجته ونجوى إلى العروسين وهنئوهما. وتحدث إلى فريدة: "مبروك يا باشمهندسة، هتسيبي فراغ كبير أوي في الشركة يا فريدة."
ابتسم سليم واحتضن فريدة باحتواء وأردف قائلاً: "كفاية عليكم لحد كده يا فايز بيه، جه الدور عليا علشان تنور لي حياتي زي ما كانت منورة لكم الشركة." تحدثت زوجته الجميلة: "ربنا يسعدكم يا باشمهندس." اقتربت نجوى من فريدة وتحدثت هامسة بنبرة دعابة: "بقا أقول لك الباشمهندس عاجبني تقوم تخطفيه لنفسك يا فريدة، هو ده بردوا حق الصداقة عندك." انفجرت فريدة ضاحكة. نظر إليها سليم وتساءل: "ما تضحكوني معاكم." تحدثت نجوى قائلة بمراوغة:
"بوصيها عليك يا باشمهندس، متقلقيش." هزت فريدة رأسها باستسلام تحت ضحكات نجوى. بعد مدة ذهب مراد إلى ريم وأصطحبها للرقص، وبدأ برقصتهما وتحدث بعيون ذائبة: "عقبال ليلتنا يا حبيبي." ابتسمت خجلًا وتحدثت: "إيه رأيك في فكرة الفرح بالنهار، حلوة مش كده؟ غمز بعينيه قائلاً بوقاحة: "طبعًا حلوة وأحلا ما فيها إنهم هيلحقوا اليوم من أوله." ابتسمت خجلًا وتحدثت كي تغير مجرى الحديث:
"مراد، أنا زعلانة أوي علشان معاملة سليم لماما، وفي نفس الوقت مش قادرة أزعل منه أو ألوم عليه." أجابها بهدوء كي يطمئن قلبها: "متحمليش نفسك فوق طاقتها ياريم، أكيد سليم هيرجع مع ماما زي الأول وأحسن، بس الموضوع محتاج وقت." وأكمل بعقلانية: "وبعدين لو حسبتيها صح هتعرفي إن ده أحسن لمامتك." ضيقت عيناها بعدم استيعاب فأردف هو مفسرًا:
"بصي يا حبيبي، خلينا متفقين إن ماما غلطتك غلطة كبيرة جدًا دفع تمنها سليم وفريدة وأهلها، فمن الطبيعي ومن العدل إن مامتك تتعاقب على فعلتها عشان تحس بحجم غلطتها وتندم، عشان بعد كده تفكر قبل ما تعمل أي حاجة وتحسب عواقب أي خطوة هتخطيها." أومأت له بهدوء فتحدث هو غامزًا بعينه بشقاوة: "هو إنتِ حلوة أوي ليه كده إنهاردة." ابتسمت له فتحدث هو بعيون عاشقة: "بحبك يا ريم، والله بحبك."
وبعد مدة جاء العاملين بحمل حلوى الزواج وتحرك سليم وفريدة إليها وأمسكت فريدة وسليم السكين وقاما بتقطيعها تحت التصفيق الحار. أمسك سليم الشوكة وغرسها بقطعة من الحلوى وقربها من فم حبيبته. التقطتها فريدة بفمها تحت خجلها وسعادة سليم، وتبادلت هي الشوكة وأطعمت سليم. وقفت أمال وتحدثت إلى الجميع بابتسامة صافية: "اتفضلوا على البوفيه يا جماعة."
تحرك الجميع إلى البوفيه ووقف سليم بجانب فريدة وأمسك الشوكة وغرسها بالطعام ثم أطعمها إياه. قضى الجميع يومًا رائعًا ومميزًا ثم انتهى الحفل وتحرك الجميع إلى إيصال العروسان لمنزلهما، ثم توجه كل إلى وجهته. *** داخل فيلا سليم دلفا من الباب وأغلقه ثم حملها وصعد بها الدرج سريعًا حتى وصل بها أمام غرفة نومهما وأنزلها بهدوء.
وقف مقابلًا لها ينظر لعيناها وتنظر. اختفت لغة كلام اللسان واحتل محلها لغة العيون. وآه من لغة العيون وسحرها، فللغة العيون سحرها ورونقها الخاص. ابتسم لها برقة وبحركة لم يتوقعها منها، وبدون سابق إنذار رمت حالها داخل أحضانه الدافئة، ملاذها التي طالما حلمت به وبالدلوف إليه. تصلب جسده بالكامل واتسعت عيناه بذهول غير مستوعب ما حدث. "يا إلهي، أحقًا تلك الفتاة هي فريدتي."
لم يشعر بحاله إلا وهو يضمها إليه بشدة كادت أن تسحق عظامها. لفت فريدة ذراعيها حول جسده برعاية، ووضعت كفي يديها الحانية فوق ظهره، وبحركة حانية بدأت تطبطب على ظهره وتتلمسه بحنان كأنها بتلك الحركة تطيب جراحه وتطبطب على قلبه الذي عانى الكثير والكثير. دفن وجهه داخل عنقها وتنفس براحة وكأنه طفل صغير تاه بدروب الحياة وفقد مصدر حنانه وفجأة وجد ضالته، حضن أمه الحنون، حصنه الأمين.
تنفس عاليًا وأخرجها من بين أحضانه، وضع كفي يديه وحاوط بهما وجهها الملائكي وتحدث برقة: "مبروك يا حبيبي، نورتي بيتك." وأكمل بنبرة جادة: "ادخلي أوضة النوم وغيري هدومك واتوضي علشان نصلي، عاوز أشكر ربنا على رحمته بيا ولطفه بقلبي." ابتسمت خجلًا وتحدثت بهدوء: "حاضر يا حبيبي." انتفض داخله لنطقها لحبيبي بتلك الروعة وذلك الإحساس.
حامل على حاله ودلف للداخل معها. فك لها حجابها وساعدها بسحب سحاب الثوب وهو مغمض العينان كي يساعده الله على تخطي تلك اللحظة دون ضعف. أخذ منامته وخرج سريعًا للمرحاض الخارجي وخلعت هي عنها ثيابها ودلف للداخل. أخذت حمامًا دافئًا زال عنها عناء اليوم وتوتره وتوضأت وخرجت.
وقف أمامها يؤم بها للصلاة وبعد مدة ختم صلاتهم. استدار لها واقترب عليها ثم وضع كف يده فوق رأسها وبدأ بالدعاء إلى الله بأن يبارك لهما بحياتهما سويًا وأن يرزقه منها بالذرية الصالحة وأمنت هي على دعائه. وقف ومد يده لها. اقترب منها وبهدوء خلع عنها إسدال صلاتها ليظهر شعرها الحريري الذي أبهرته وأذهلته. ثم احتضنها بشوق سنين عمره الضائع. طال احتضانه لها ثم أخرجها ونظر لها بعيون متشوقة هائمة وتحدث بصوت متحشرج:
"نورتي حياتي يا فريدة." تحمحمت وأنزلت بصرها. أمسك ذقنها ورفع وجهها إليه ومال برقة ليقتطف منها أول قبلة في زواجهما الحلال. طالت قبلته فصلها هو كي يأخذا نفسيهما ثم سحبها من يدها برقة وأوصلها لتختهما وغاصا معًا داخل عشقهما الحلال. ظل يسبحان في بحر الشوق والغرام الذي طال انتظاره من كلاهما. بعد مدة كانت تقطن داخل أحضانه الحانية، حيث كان يشدد من ضمتها، غير مستوعب أنه وأخيرًا نال مراده ومبتغاه.
نظر لها ثم مال على شفتاها اختطف قبلة سريعة واعتدل ينظر لها قائلاً بعيون عاشقة وصوت هائم: "مبروك يا حبيبي." ابتسمت وسحبت بصرها للأسفل خجلًا وتحدثت بهدوء: "مبروك يا سليم." ابتسم لجمال خجلها وحدثها بهدوء: "فريدة." رفع بصرها إليه تترقب حديثه فاسترسل هو حديثه قائلاً: "خليكي دايماً حنينة معايا، ماتبعدنيش عن حضنك تاني مهما حصل، حتى لو حصل بينا خلاف متسبنيش، ازعلي مني بس وإنتِ جوة حضني."
وأكمل بنبرة حنون: "أنا بتوه من نفسي وأنا بعيد عنك يا فريدة." كانت تستمع له بابتسامة حانية تهز رأسها بطاعة فأكمل هو: "عارفه، أنا مصدقتش نفسي لما أخدتيني في حضنك أول مدخلنا هنا." وأكمل بعيون متأثرة: "لمسة إيديكي وهي بتطبطب عليا وتلمس على ظهري مسحت مع كل لمسة تعب وألم وحرمان السنين اللي فاتت كلها." ابتسم وأكمل بحنين:
"وبعد ما كان إحساسي بيكي ذكوري بحت زيي زي أي راجل وإحساسه بمراته في ليلة دخلته، حولتيه بلمسة إيدك لإحتياج من نوع تاني، إحتياج روحاني أكثر من شهوة وإحتياج جسماني." وأكمل بنبرة حنون عاشقة: "إنتِ حنينة أوي يا فريدة." وضعت كف يدها على موضع قلبه وتحدثت بابتسامة جذابة: "أنا بحبك أوي يا سليم وحبك مستوطن جوة روحي، لما حضنتك النهاردة حضنتك عشان حسيت إنك محتاج لحضن الاحتواء ده أكتر من أي شيء تاني."
وأكملت بتأكيد: "احتياجنا لبعض عمره ما كان احتياج جسماني يا سليم، أنا وإنت أرواحنا اتقابلت والتحمت ببعض من سنين." وتساءلت بعيون هائمة: "هو أنت فاكر إنك بعدت عني يوم واحد طول السنين اللي فاتت دي؟ إنت كنت ساكن روحي وبتجري في دمي يا سليم." عقد حاجبيه باستغراب فابتسمت هي وأكملت حديثها:
"ما تستغربش يا حبيبي، برغم حزني ووجع قلبي من اللي عملته فيا إلا إن كل يوم كان بيعدي عليا روحي كانت بتتعلق بروحك أكتر لدرجة إني كنت بقعد أشتكي لك منك وأتخيل إنك موجود، وكنت لما يفيض بيا الحنين وأعيط من شدة اشتياقي واحتياجي ليك، ألاقي إيدك بتمسح دموعي وبتطبطب عليا." وابتسمت وأكملت باعتراف بلمعة دمعة ظهرت بعينيها: "علشان كده أول ما دخلنا هنا حضنتك وطبطبت عليك عشان أشكرك وأرد لك جزء من حنيتك عليا." اتسعت عيناه وأطلق
تنهيدة عالية وتحدث بتأثر: "يااااااه يا فريدة، قد كده حبيتي، وقد كده أنا كنت مغفل وحرمت نفسي من عشقك ده كله." ابتسمت واكمل هو بنبرة صوت حنونة: "إنتِ جميلة ومشاعرك راقية أوي يا فريدة." "فريدة"، قالها بنبرة هائمة. أجابته برقة: "نعم." "بحبك"، قالها وهو يسحبها من جديد داخل عالمه الحالم، عالم العاشقين الذي طال انتظاره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!