الفصل 8 | من 14 فصل

رواية جريمة العشق الممنوع الفصل الثامن 8 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
20
كلمة
3,690
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

كان “جاك” واقفًا مع قادة الفرقة في هذه العصابة وكل منهم مسؤول عن تخصص وبعض الأفراد، كان يتأكد بأن كل شيء يسير على ما يرام في أعمالهم.

كان المكان مليئًا بضجة هؤلاء الرجال الذين يتدربون من أجل القتال، وبعضهم يتدرب على فحص المخدرات بأنواعها والتأكد منهم. بينما جزء آخر منهم يتعلم على المبارزة بالسكين، وقليل منهم يتدرب على فك المسدسات وتركيبها بسهولة. كانت هذه هي الأجواء الطبيعية لهذا النادي المشبوه الذي يديره “جاك” تحت قيادة رئيستهم “إيفا”.

صُدم الجميع عندما فتحت الأبواب الحديدية للنادي ودلفت ثلاث سيارات سوداء اللون. في المقدمة والمؤخرة كانت سيارتان فان كبيرتان، وبالمنتصف كانت سيارة جيب سوداء رباعية الدفع يعرفها “جاك” والجميع جيدًا، فهي سيارة رئيستهم “إيفا”. توقفت السيارات بينما توقف الجميع عما يفعلون وألتزموا أماكنهم كصفوف الجيش.

فتحت أبواب السيارتين الفان ثم ترجل منهما أكثر من عشرة رجال أقوياء، أختارهم “جاك” بعناية لحراسة “إيفا”. ثم فتح أحدهم الباب الخلفي للسيارة ليترجل منها كلب كبير الحجم وضخم من سلالة روت وايلر، وبدون أي قيود أو شبكة حديدية على فمه.

ثم ترجلت “إيفا” من سيارتها وسارت بغرور وكبرياء قاتل يليق بشخصيتها ومكانتها المرعبة. أحضر الرجال مقعدها، في حين أن أفراد عصابتها وقفوا في صفوف معينة محفوظة، أكثر من مائة رجل. وقف كل عشرة منهم بطريقة زوجية كالطابور، وأمامهم رجل واحد بمثابة قائدهم والمسؤول عن تحريكهم وأعطاهم الأوامر لينقسموا إلى أكثر من سبع مجموعات. ثم رجل واحد وهو بمثابة المدير الخاص بالنادي المسؤول عن القادة، ثم “جاك”. هكذا تنقسم عصابتها.

ابتلع الجميع لعابهم بسبب حضورها. فمجيء “إيفا” إلى النادي يعني الهلاك والموت. وإن كان لقبها “ملاك الموت”، فهي أينما تضع قدمها يجب أن يسقط أحد قتيلاً. لكن هذا الملاك لا يكتفي بقتل واحد، بل في حضرتها لابد من سقوط العشرات.

يتذكر أحد رجال عصابتها، وهو انضم لها منذ سبع سنوات، أنه لم يرَ وجه “إيفا” إلا ثلاث مرات فقط في كل هذه السنوات. في البداية كان يعتقد أن الرئيس هو “جاك” حتى ظهرت هذه المرأة ليعلم أنه يعمل تحت قيادة شيطان وليس رجل. شيطان في وجه امرأة. انحنى الجميع لها، فأشارت لهما بالجلوس وأخرجت صورة من جيبها. فسمعت تمتمة من أحد الرجال يقول: -من الذي سيموت اليوم منا؟ تجاهلت ما سمعته وقالت:

-لنوقف كل الأعمال، لدي مهمة للجميع ومن سيحققها سيحصل على نصف مليون جنيه كمكافأة غير راتبه ومصاريف عائلته. تحمس الجميع لهذا، ثم أشارت للحراس الشخصيين لها فذهبوا إلى رجالها كما هم في صفوفهم، وبدأوا يوزعون صورة هذا الرجل الذي ينتحل شخصيتها ويدعي أنه ملاك الموت على الجميع لينظروا إلى الصورة. فنظر “جاك” لها بغضب واقترب نحوها وهو يقول: -من أين عثرتي عليها؟ أجابته بجدية وهي تحدق برجالها دون أن ترفع نظرها به: -من مكتبك.

رفعت نبرة صوتها وهي تكمل حديثها لهؤلاء الرجال وقالت باللغة الإنجليزية ليفهمها الجميع: -هذا الرجل أطلق النار علي وحاول قتلي، فلتعثروا عليه معًا. وحتى لا يصيبكم الطمع، سأعطي كلا منكم نصف مليون جنيه. لكن تحذيري الوحيد لكم أن تجلبوه لي حيًا. إذا تجرأ أحد منكم على قتله، سأقتله بالمثل هو وعائلته بأكملها حتى وإن كان طفل رضيع. استدارت لتغادر، ثم التفتت لهم مرة أخرى وقالت:

-لا، لقد غيرت رأيي. سأرفع المكافأة لتكن مليون لكل فرد. وكلما عثرتم عليه في وقت أسرع سأزيد المال. صعدت لسيارتها وتركت هؤلاء الرجال يحتفلون ويصرخون من ضخامة المبلغ. بدأ كل منهم يتحدث مع شريكه من أين يبدأ البحث، وبعضهم فتحوا هواتفهم ليتصلوا برجال أخرى يساعدوهم في العثور عليه. تبسمت “إيفا” بمكر وسخرية وهي تغلق باب السيارة وتقول: -لنرى المال يقدر يعمل إيه.

صعد “جاك” بجوار السائق لتنطلق السيارة، و”جاك” غاضب من تصرفها المفاجئ دون الرجوع له، فقال: -why؟ -خلينا نخلص الحكاية دي ونقفل القضية. أجابها “جاك” بنبرة قوية وهو يقول: -لقد وعدتك بأني سأعثر عليه. نظرت “إيفا” إلى الشوارع من النافذة بهدوء وقالت متمتمة: -سيعثر عليه المال يا جاك. كانت تداعب عنق كلبها الشرس بيدها اليسرى في صمت، ثم تذكرت طلب قتل “يحيي” وقالت بجدية باردة: -خلينا نستعد لقتل يحيي القصاص.

أجابها “جاك” بقلق وتوتر وهو ينظر لها في الخلف: -إيفا، ألم تلاحظي شيئًا؟ أنا أشعر بأن هناك شيء سيء سيحدث. كيف لرجل قُتل ابنه بيد ملاك الموت يطلب من ملاك الموت طلبًا ويتناسى أنه قاتل ابنه؟ نظرت “إيفا” لـ “جاك” بهدوء ووجه خالٍ من المشاعر، ثم قالت:

-أنا عارفة أنه فخ للقبض عليا يا جاك، لكن لا تقلق فأنا ملاك الموت. لن يستطيع بشري قتلي. الموت لن يتمكن مني إلا عن طريق القدر والخالق فقط، لكن مخلوق لا أعتقد. وأنت تعرف ذلك. وإن كان فخ، سأوقعهم في فخهم. يعلم جيدًا بأنها إذا وقفت أمام مئات الرجال لن يهزمها أحد، بل ستقتلهم جميعًا بطرفة عين. لكن ما زال القلق ملتهبًا في قلبه وعقله. *** تعجب “أمجد” مما رآه ليضغط على طباعة، ثم أخذ الورقة وذهب إلى غرفة المكتب حيث يجلس فريقه،

ثم قال: -يحيي باشا بص كدة. أعطاه الورقة، ثم نظر “يحيي” بها واجتمع البقية لينظروا. وكان بالورقة آخر ما بحثت عنه “إيلين” في محرك البحث على الإنترنت. تحدث “أمجد” بجدية قائلاً: -إيلين كانت بتبحث عن مكان منعزل، واكتشفت أنها حجزت على طيارة إلى سنغافورة يوم رأس السنة، في نفس اليوم اللي عملت الحادثة فيه. رفع “يحيي” نظره بصدمة له من حديثه، ثم قال: -يعني هي كانت بتحاول تهرب؟ تحدثت “آلاء” بحيرة قائلة:

-يمكن حست أنها متراقبة أو حد هددها بحاجة. وفي محاولة هروبها عملت الحادثة وهي في طريقها للمطار. أكمل “أمجد” حديثه بجدية أكثر وهو يقول: -لا، لأن الغريب أن طيارتها كانت الساعة 5 العصر والحادثة حصلت بليل، كان المفروض تكون سابت البلد. تساءل “يحيي” بصوت مسموع وتوتر وحيرة اجتاحته: -إيه اللي منعها من السفر؟

حيرة كبيرة اقتحمت عقله. في كل مرة يتعمق في البحث عنها وعن خلفيتها، تزداد حيرته والغموض والكثير من الأسئلة يمتلكها لكن لا جواب لها. وكل هذه الإجابات محفورة في ذاكرتها المفقودة، أو بالأحرى بداخل “إيلين”. وقف من مكانه وقال بحزم: -أنا عاوز سجل المكالمات لإيلين في آخر شهرين والرسائل وكل المحادثات اللي ممكن تكون موجودة على حساباتها الشخصية. أكيد لو حد هددها هنوصله، أو على الأقل يكون ساب أي طرف خيط وراءه. إمتى كده؟

أومأ له الجميع بجدية وانصرفوا ليكملوا أعمالهم. *** كانت “إيفا” ترتدي ملابس رياضية سوداء وتضع السماعات في أذنها، وتركض بقوة. وبجوارها كلبها يركض في سباق معها، وهي شاردة الذهن في “يحيي” وكيف لها أن تقتله؟ حتى أن بسمته الدائمة تسبب لها الإزعاج في عقلها. توقفت عن الركض وهي تنحي بظهرها للأمام وتتكئ على ركبتيها بيديها وهي تلهث. ليتوقف الكلب أمامها. فنظرت له بحيرة وقالت: -أقتله؟ صمت الكلب وكيف له أن يجيبها.

فتابعت الحديث وهي تقول: -لا. نباح الكلب بقوة لتستقيم في وقفتها وهي تقول بتذمر ناظرة له: -فخ.. متخافش. أنت نسيت أنا ملاك الموت.. أنا لا أقهر. قالت كلمتها الأخيرة بثقة وفخر بجبروتها في القتال، ثم جلست على المقعد الرخامي أمام النيل. لينظر الكلب جوارها في هدوء. وقالت: -تفتكر لو ممكن حد يقتلني كان زماني لسه عايشة؟

شردت وهي تتذكر الماضي وكيف والدها رجل العصابة وتاجر السلاح كان يلقيها وسط الرجال في ساحة المصارعة وهي طفلة ذات اثني عشر عامًا، لتتصارع بدون خداع. تتصارع بجدية مقابل رجال أقوياء والجميع ضدها، ولم يكن أحد بصفها سوى سكينها الحاد. حتى والدها كان يشجع الرجال على مصارعتها. وكل من يطعنها أو يخدشها بسكينه كان والدها يكافئه بسخاء.

منذ أن أنقذها “جاك” من الحريق في عمر التسع سنوات، وهو بدأ يعلمها المبارزة والقتال لتدافع عن نفسها وتنجو من الموت مهما فعل والدها. تذكرت عندما كانت تجلس تتناول الطعام في مقدمة السفرة مع والدها وهو يجلس في مقدمة السفرة الأخرى مقابلة له. كانت تتناول الطعام في صمت، لكن صوت الملعقة وهي تطرق في الطبق أثار غضبه مما دفعه للوقوف والهجوم عليها. ليأخذها من ملابسها بقوة وهو يسحبها خلفه على الأرض بقوة، وهي تكتم صراخها. وقد اعتادت على معاملته وقسوته عليها هكذا، ليأخذها إلى نادي الرجال

وألقى بها وسطهم وقال بحزم: -لا أريد رؤيتك من الآن، لتعيشي هنا حتى يقتلك هؤلاء الرجال. أنا لا أرغب بابنة مثلك. غادر بالفعل هذه المرة وتركها هنا في نادي للرجال. وعندما اقتربوا منها لقنوها درسًا قويًا بالركلات واللكمات في كل أنحاء جسدها حتى فقدت الوعي من كثرة الضرب. فهؤلاء قد يفعلون بها الأسوأ من ذلك لإرضاء زعيمهم رغم كونه والدها.

كبرت بين هؤلاء الرجال ولمدة ثلاثة سنوات تعاني من ضربهم المبرح لها والجروح التي تركوها على جسدها. ثلاثة سنوات قررت بهما أن تكون رجل مثلهم، بل قلب، وتتصارع معهم لتنجو. وخلال هذه السنوات كانت تقص شعرها كالرجل كلما طال ليظهر أنوثتها ويذكرها بأنها فتاة. حياتها لم تكن هينة أبدًا في هذا المكان، بل كانت أسوأ بكثير من حياة هؤلاء الرجال. اعتادت على النوم والسكين في يدها حتى لا يغدر بها أحد أثناء النوم، وتربي الحقد والكره في قلبها تجاه والدها. فقررت الانتقام منه لتنجو بحياتها. وإذا كان هو من أحضرها لهذا المكان كي تموت، فهي ستنمو بهذا المكان وتصنع من الموت حليفًا لها. وتعهدت على قتل كل رجل تجرأ على لمسها بلكمة أو ركلة خلال سنواتها هنا.

تعلمت كل أنواع القتال. وفي كل مرة يزور والدها النادي، يرفض رؤيتها ويجعل الرجال يسجنونها في غرفة مستقلة قبل مجيئه. حتى جاء اليوم المنشود وقررت فيه بدء الانتقام عندما علمت أن والدها سيأتي غدًا. اقتحمت غرف الرجال غرفة تلو الأخرى أثناء نومهم في الليل، وفي يدها سكين وطعنتهم واحدًا تلو الآخر بالسكين في القلب مباشرة حتى قضت على أكبر عدد منهم. وعند خروجها من إحدى الغرف رآها رجل وهي مليئة بالدم وتمسك سكينها في يدها، وقد نقشت

عليه بالفعل لأول مرة كلمة “ملاك الموت”. هرع الرجل للأسفل وهو يصرخ، لتركض خلفه وفي قتال عنيف بينهما تقتله. لكن صراخه كان كافيًا ليوقظ بقية الرجال. ومن هناك بدأت حربها الحقيقية وهي القتال وجهًا لوجه. تعرضت للكثير من الطعنات والخدوش، لكن كان يجب أن تنهي هذه الحرب اليوم، وإلا سيأمر والدها بقتلها وستقابل الموت.

فتح الباب ودلف “جاك” بصحبة والدها وهم يتهامسون ويضحكون. ليُصدم والدها عندما رأى جثث الجميع والمكان مليء بالدم، وهي تقف هناك في المنتصف وتمسك رأس رجل من رجاله من شعره. لتتقابل عيناها بعيني والدها بكل غضب وحقد، لتذبح هذا الرجل بدم بارد وعينيها مثبتة على والدها.

اشتاط والدها غضبًا من فعلتها وركض نحوها ليتصارع معها بنفسه. وقبل أن يبدأ العراك بينهما، تلقت طعنة من سكينها في قلبه. فاتسعت عيناه بصدمة وعيناها في عينيه، وهي تلف السكين المغروس في قلبه بقسوة، ثم سحبتها بقوة وقالت: -لتتذكر أنك من صنعت من الملاك.. الموت.

ومن هنا أصبحت “ملاك الموت”. قسوة والدها حولتها من طفلة بريئة إلى قاتلة. هو من حول الملاك الصغير إلى قاتل أرواح. لهذا اختارت لقبها ملاك الموت.. ملاك من براءتها التي قُتلت، والموت من سلبها للأرواح.

فاقت من شرودها على صوت هاتفها يدق، وكانت “ليزا”. وضعت الهاتف في جيبها بهدوء دون أن تجيب، وعادت بنظرها على النيل وهي تراجع ذكرياتها الأليمة دون أن ترجف لها عين أو تدمع حتى. بداخلها كل القسوة التي وضعها والدها بداخلها. ربما لهذا تزعجها بسمة “يحيي” وحنانه عليها، فلم يعاملها أحد من قبل بهذه الحنية واللطف. اعتادت على القسوة لدرجة أنها أصبحت رفيقتها وقطعة من قلبها. ***

صاحت “ليزا” وهي تجلس في سيارتها وتتحدث في الهاتف مع “إيفا” قائلة: -لماذا ستذهبين له مرة أخرى؟ أجابتها “إيفا” وهي تصعد الدرج في عمارة “يحيي” قائلة: -هجيب صوري اللي وصلت له، مش هتأخر متقلقيش. أغلقت “إيفا” الخط معها، ثم وقفت أمام باب الشقة وضربت الجرس. لتُصدم عندما شعرت بنغزة في عنقها بعد أن حقنها أحد بمخدر وفقدت الوعي، ليسقط من يدها الهاتف.

وصل “يحيي” لشقته مساءً ووقف يفتح الباب ليدهس بقدمه على الهاتف. تعجب بهدوء وانحنى ليأخذ الهاتف، لكنه صُدم عندما رأى صورتها بصحبة كلب خليفة خارجية للهاتف. وقبل أن يفكر بشيء، رأى الإبرة على الأرض ليفهم الموقف سريعًا. فركض للخارج متجهًا للقسم باحثًا عنها. ***

كانت “إيفا” جالسة في مخزن للسيارات مقيدة بالمقعد الخشبي، فاقدة للوعي. فتحت عينيها بتعب شديد وهي تنظر حولها، وسريعًا ما ترجمت الموقف الذي حدث. لتحاول فك قيد يدها، لكن ظهر “منصور السويسي” أمامها وخلفه مساعده “همام” ليقول بجدية: -هي دي. أجابه “همام” وهو يقول: -آه ما دام دي هنا يبقى يحيي هيجي وملاك الموت كمان هيجي. تبسم “منصور السويسي” وهو يغادر ويقول: -لما يظهروا اقتلوهم وأولهم يحيي.

غادر المكان وهي تفهم الموقف بأنه لم يخطفها من أجل أذيتها، بل أخذها ليصنع فخًا لقتل “يحيي” وملاك الموت. لكنه يجهل تمامًا أن ملاك الموت بين يديه. فكرت لدقائق، هل تظل ثابتة وتنتظر أن يأتي “يحيي” ويقتلوا رجال هذا الرجل، أم تخلص نفسها وتنقذ “يحيي” لتقتله هي؟ هزت رأسها بقوة وهي تتذمر من بسمته العالقة في رأسها وقالت متذمرة: -اخخخخ، أوك لنرد الجميل زي ما أنقذ حياتي مرة، أنقذه المرة دي.

فكت قيد يديها بعد محاولات عدة من هذه الأصداف الحديدية، وهي تكتم الألم من نزع جلدها وهي تخرج يدها من هذا القيد. سالت الدماء بقوة من يدها، لكنها اعتادت على تحمل الألم. وعندما انتهت من هذا القيد، رآها أحد الرجال ويركض نحوها وهو ينادي على رجاله. ومن هنا بدأ العراك بينهم. أخرج كل منهم سكينًا حتى لا يطلقوا النار ويثيروا قلق سكان المنطقة. لتُلكم أحدهم بكوعها في وجهها وانتزعت السكين منه. ***

وصلت رسالة لـ “يحيي” بمكانها، ولكنه لم يفكر كثيرًا بأن هذا فخ، بل ركض وخلفه رجاله من القسم حتى يذهب لينقذها، وهو يعلم بأنها أضعف من أن تواجه الخطف والمجرمين. *** كانت تركض وتقفز بمهارة، ومع كل حركة تسقط قتيل وهي لا تهتم لهؤلاء القتلة. هذا السكين الذي تحتضنه بين أناملها كقطعة من جسدها، تلوث بالدماء وهكذا ملابسها، لكنها لا تكترث للأمر بتاتًا. طاحت بهذا الرجل بعد أن طعنته في كليته وهي تسحب السكين للخارج بقسوة وحقد.

ركضت “إيفا” للأسفل وهي تحاول الهروب من هؤلاء الرجال، حتى رأت “يحيي” يقترب منها وهو يبحث بين الجثث عنها بهلع وخوف اعتراه. ثم وقع نظره عليها لتتقابل عيناهما معًا، فركض “يحيي” نحوها بسرعة قصوى أسرع من البرق نفسه. وفور وصوله لها احتضنها بقوة بين ذراعيه.

تشنج جسد “إيفا” بين دفء ذراعيه وتشعر كأنها تحت تأثير مخدر. ومهما حاولت الإفلات منه أو إبعاده عنها، يخذلها عقلها بسبب هذا الخدر الذي يُلقي دفء هذا الرجل عليها. وحتى أن جسدها لا يتصرف كما تريد. بل ألقت السكين من يدها ويجتاحها شعور بالخجل والحرج من طبيعتها أمامه. خجلت رغم الخوف الذي أصابها بهذه اللحظة من أن يرى حقيقتها وكيف لا ترمش لها عين وهي تذبح أحد، وكم هي وحشية وقد غلبت وحشيتها الوحوش نفسهم. ابتعد “يحيي” عنها

بقلق ونظر لها وهو يسألها: -أنتِ كويسة؟ حد آذاكي؟ كانت تنظر له فقط في صمت تام، حتى أنها لا تجيبه بالإشارة. تمتمت بنبرة هادئة على وشك البكاء: -شكرًا لأنك جيت. تعجب لكلمتها لتكمل جملتها في صمت محدثة نفسها: -وصولك هو اللي هيوقفني عن قتلهم، شكرًا لأنك احتويت وحشيتي. تبسم في وجهها بلطف. فتساءلت هل لو سمع هذه الجملة أو لو تفوهت بها بصوت مسموع، كان سيبتسم أم سيلقي القبض عليها؟ ليقطعها صوته وهو يقول:

-شكرًا لأنك حافظتي على حياتك. أنا المفروض أشكرك أنك استنيت، وإلا كنت هعيش في ندم عمري كله وأنا مش ناوي أندم عليكِ أبدًا. استنيني دايما وأنا هجي في كل مرة وعمري ما هخذلك ولا مرة حتى. أومأت له بنعم وابتسمت له لأول مرة في حياتها، ترسم بسمة على وجهها بصدق. وكانت لأجله فقط. "يحيي" وكأنه كاسمه سيعطيها الحياة.

نظر “يحيي” للدماء الموجودة على يدها فأخذهما بين قبضته ليُصدم عندما رأى ظهر يديها بدون طبقة جلدية. كانت تتألم من لمسه ليديها. وعلى الرغم من أنها اعتادت على إخفاء ألمها، لكنها أظهرت الألم في حضرته. سمع أنين وجعها ليرفع نظره لها وقال: -أنا آسف أني اتأخرت. أومأت له بضعف وحزن وهي تقول بصوت مبحوح: -يحيي أنا قتلت. مسح على رأسها بلطف وقال بثقة: -متخافيش، أنتِ كنتِ بتدافعي عن نفسك وأنا…

بتر حديثه عندما سقطت بين ذراعيه فاقدة للوعي وهي تترجف. ليعتقد “يحيي” بأنها فقدت الوعي بسبب خوفها من ارتكاب جريمة قتل. فتاة كالـملاك مثلها لن تجرؤ على أذي حيوان، فكيف ستتحمل فكرة أنها قتلت رجل.

طوقها “يحيي” بذراعيه بقوة وهو يراها فتاة بريئة بدأت تتسرب بداخله بسلاسة الماء. وعندما أخذها بين ذراعيه هذه المرة، دق قلبه دقة قلب غريبة وجديدة على صاحبه، وكأن قلبه يخبره بأنه بدأ في السقوط في غرام هذه الفتاة وهو على حافة عالم الحب. ليتمتم “يحيي” بدون وعي قائلًا: -أنا حبيتك ولا إيه؟ أنتِ طلعتي منين يا ملاكي؟

انقبض قلب “إيفا” وهي مغمضة العين تدعي الإغماء بعد أن سمعت جملته وهو يلقبها بملاكه، وكيف يراها ملاك وهي شيطان. أحبها؟ كيف أحبها وهي لا تستحق الحب؟ وهل سيظل يحبها عندما يعرف ماهيتها وحقيقتها المرعبة؟ ستصيبه بأكبر صدمة قد يتعرض لها في حياته. لقد ارتكب “يحيي” أكبر جريمة قد يرتكبها رجل شرطة عندما وقع في حب قاتلة. هذه الجريمة ما تسمى بجريمة العشق الممنوع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...