صفاء بحزن: أقول لكم إيه بس، أنا نفسي مش عايزة أفتكر، بس كله يهون عشان خاطر جسور يسامحني. من زمان يا بنتي كان فيه طار بين عيلتنا وعيلة السيوفي. ساعتها كان سليم في عز قوته وجبروته، وكان أبويا وإخواتي خايفين منه. لحد ما جه اليوم اللي لقينا فيه شيخ البلد بيقولنا إن سليم عايز دية عشان يوقف الطار. بس مش عايز فلوس، عايز عروسة. وللأسف كنت البنت الوحيدة، كان عندي ساعتها 14 سنة.
لما دخلت البيت دا، كنت حاضنة عروستي القماش، مش فاهمة حاجة. عمري ما أنسى الابتسامة اللي كانت على وشه، كأن إبليس هو اللي كان مبتسم. سليم كان أبعد ما يكون عن الرحمة. اغتصب طفلة عندها 14 سنة، كان صوت صريخي مالي القصر وأنا عمالة أقول له: "ارحمني يا عمو". بدأت الدموع تنساب
من عين صفاء وهي تكمل: "بس الغل اللي كان جوه سليم كان أقوى من إنه يسمع صوتي. كان بيعاملني زي الخدامين. مشي كل الخدامين اللي في السرايا وخلاني أنا بس اللي أخدم على السرايا كلها لوحدي. كان بيسبني أنام في المطبخ. ما كانش بياخدني معاه أوضته إلا عشان يدبحني وبعد كدة يرميني بره أوضته". "ما عداش سنتين وخلفت جسور. كان طاير بيه من الفرحة.
كان بيقول لي: 'إنتي خدامته مش أمّه'. بس اللي حصل إن جسور وهو صغير كان متعلق بيا أوي، ما كانش بيرضى ينام بعيد عني. فسليم اضطر إنه يقعدني في أوضة في السرايا عشان خاطر جسور. لسه فاكرة الجملة اللي قالهالي لما شاف حب جسور ليا. ساعتها قالي: 'قسماً بربي يا صفاء، لهخلي جسور يكرهك طول حياتك. هخليه يقرف حتى يبص في وشك'".
أكملت صفاء بحزن عميق: "حاول سليم يكره جسور فيا بشتى الطرق، بس جسور وهو صغير كان حنين أوي. لما كان بيلاقي سليم بيضربني كعادته، كان بيجري عليا ويترمي في حضني ويفضل يعيط. وعشان سليم كان بيحبه أوي، كان بيسبني لما يلاقي جسور بيعيط". "وعدي بعدها 8 سنين وخلفتك يا سهر. وعلى عكس ما توقعت إن سليم هيغضب، بس الحقيقة سليم كان فرحان بيكي، يمكن أكتر من جسور".
تنهدت بألم وهي تكمل: "لحد ما جه اليوم ده، وجه عمك يا جميلة. عمك مهندس زراعي، كان يشتغل مع سليم. طبعاً لما جه المهندس، سليم استقبله عندنا في السرايا. ولأن ما فيش خدامين في البيت غيري، عملت الشاي يا بنتي وروحته وديته". مختار مبتسماً بود وهو يأخذ منها الشاي: متشكر يا آنسة. ردت عليه صفاء بابتسامة متوترة ثم فرت هاربة إلى السرايا. مختار لسليم بود: بنتك أمورة أوي، ربنا يخليلهالك. اشتعلت
عيني سليم بغضب من حديثه: مالكش صالح بيها وما تتحدثش معاها واصل، إنت فاهم. هز مختار رأسه إيجاباً بلامبالاة وانشغل بعدها في عمله. صفاء مكملة بألم: "لما جه الليل وسليم رجع، نزل فيا ضرب. ضرب، وفي الآخر طلقني وطردني. طردني في الشارع". صفاء بابتسامة خائفة: أحضر لك الأكل. سليم غاضباً: إنتي إيه بينك وبين المهندس؟ صفاء بصدمة: مهندس مين؟ سليم غاضباً وهو يجذبها من شعرها: هتكذبي عليا يا *****!
أنا شوفته وهو بيضحكلك. عايزة تخونيني معاه؟ فاكراني كبرت وخرفت؟ مش هسمحلك تعملي زيها. مش هسمحلك. ثم بدأ يكيل لها باللكمات والركلات والصفعات. وفي النهاية جذبها من شعرها إلى أن وصلا إلى بوابة السرايا فالقاها سليم خارجاً. سليم غاضباً: إنتي طالق، طالق. واوعاكي أشوف وشك هنا تاني. هقتلك. جميلة مقاطعة: هي مين دي اللي كان بيقولك مش هسمحلك تعملي زيها؟
صفاء بحسرة: أمه. اللي عرفته بالصدفة إن أمه هربت من أبوه بعد ما خلفت سليم، وسليم كان ليه أخ تؤام كان اسمه سالم. جميلة: وسالم ده فين؟ صفاء: مات، قتله أخويا في حرب الدم ما بين العيلتين. سهر باكية: وبعدين يا أمي. صفاء بألم: "لقيت نفسي في الشارع بعد نص الليل، مش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين. لو رجعت لأهلي هيرجعوني لسليم بالعافية. كنت ماشية دايخة من كتر الضرب لحد ما وقعت من طولي. وما حستش بنفسي غير وأنا في المستشفى". صفاء
بألم وهي تحاول فتح عينيها: آه، أنا فين؟ جسور، سهر، إنتوا فين يا ولاد؟ مختار بابتسامة صغيرة: حمد لله على السلامة. انتبهت صفاء على صوته، ففتحت عينيها تنظر له بتوتر: أنا فين؟ مختار: في المستشفى. صفاء بصدمة: مستشفى؟ وإزاي جيت هنا؟ مختار: أنا لقيتك بالصدفة واقعة في الطريق مضروبة، فجبتك هنا. صفاء بخوف: سليم هنا؟
مختار: لأ. أنا كنت مستنيكي تفوقي وهروح أقول له إنك هنا عشان ما يقلقش عليكي. أكيد دلوقتي هيتجنن عليكي، قلبه محروق على بنته. صفاء باكية: لأ لأ، أبو س يدك ما تخبروش إني هنا. إني مش بنته، إني مرته وهو اللي عمل فيا كده. لو شافني هيقتلني. مختار: أنا مش فاهم حاجة. مراته إزاي؟ وهيقتلك ليه؟ وليه أصلاً عمل فيكي كده؟
كانت بحاجة لأن تخرج ذلك العبء من على قلبها منذ أن تزوجت سليم، فبدأت تحكي وتحكي، وملامح مختار تتغير ما بين ضيق وشفقة وحزن وغضب. مختار: يعني إنتي هنا بسببي؟ أنا بجد آسف. بس إنتي إزاي استحملتي الذل ده كل السنين دي؟ نظرت صفاء له بانكسار ولم تجب. مختار: طب تحبي أرجعك لأهلك؟ صفاء سريعاً: لأ لأ. أحب على إيدك، أهلي هيرجعوني ليه بالعافية. تنهد مختار بقلة حيلة: طب والعمل؟ ما هو أنا مش هسيبك هنا، كفاية إني السبب في اللي حصلك.
مختار بعد تفكير: بقولك إيه، تيجي معايا مصر؟ صفاء بدهشة: مصر؟ مختار: آه. أنا أخويا ظابط، وأكيد هيلاقي لنا حل للمشكلة، وممكن تقعدي مع مراته لحد ما نشوف هنعمل إيه. صفاء بخوف: ما عرفاش. مختار: أرجوكي افهميني. إنتي قدامك دلوقتي 3 حلول: إما ترجعي لسليم تاني ويقتلك، أو ترجعي لأهلك ويرجعوكي لسليم ويكمل ذل فيكي. لتثقي فيا وتيجي معايا. صفاء باكية: بس ولادي. مختار: هشام أخويا هيساعدك، ها؟ هتيجي معايا.
خرجت صفاء من بحر ذكرياتها على يد جميلة تربت على يدها. صفاء بابتسامة شاحبة: وعمك كان قد الثقة يا جميلة. خدني معاه ووداني عند والدك ووالدتك الله يرحمهم. ربنا يرحم مامتك، لولاها ساعتها كان زماني انتحرت. كان دمها خفيف وطيبة أوي. إنتي نسخة منها. ووالدك وقف معايا وقفة أخواتي ما وقفوهاش معايا. حاول يقنع سليم بشتى الطرق. إنتي مش فاكرة يا جميلة، إنتي شبطتي في باباكِ وإحنا رايحين لسليم، واختفيتي. واللي لقاكي جسور وفضلتِ
تعيطي وتقولي: "عايزة سلسلتي". قطبت جميلة حاجبيها بدهشة وبعض الصور المشوشة تضيء في عقلها: (بعدي يا بت عن حصاني) (اسمي جسور مش سور، لأ اسمك سور عشان إنت طويل أوي) جميلة بذهول: سُور. سهر: وبعدين يا أمي. صفاء بحزن: "سليم ساعتها خيّرني لأول مرة في حياته. إما إني أفضل جنبكوا جارية. هو قالها بالحرف: جارية، أنفذ طلباتكوا وأوامرك من غير جواز حتى. أو أمشي ويعتبروني ميتة".
"أنا والله كنت مستعدة أفضل جارية بس أبقى معاكوا، بس مختار وهشام رفضوا رفض قاطع. ومن ساعتها وأنا ما أعرفش حاجة عنكوا". جميلة بصوت عالي: أظن إنك عرفت كل حاجة دلوقتي، مين الظالم ومين المظلوم. نظرت صفاء وسهر لها باستفهام تحول لصدمة عندما فتح جسور الباب. كان يقف من البداية وقد سمع كل شيء عندما تلقى تلك الرسالة من جميلة: (لو عايز تعرف الحقيقة كلها، تعالي دلوقتي عند أوضة سهر من غير ما تعمل صوت)
ظل ينظر لهم للحظات بصمت. وكما جاء، غادر بمنتهى الهدوء. تركهم وذهب إلى غرفته. جميلة في نفسها بدهشة: هو راح فين؟ ده بوظ لي النهاية. أنا قلت هيحضنها ونقعد نعيط وننفعل. ماشي يا جسور، كده تبوظ لي النهاية. أصاب صفاء خيبة أمل من رد فعل ابنها. بينما ذهبت جميلة بخطوات غاضبة ناحية غرفته. فتحت فمها لتصرخ فيه بغضب، ولكنها توقفت عندما وجدته جالساً يضع وجهه بين كفيه. جميلة بخفوت: جسور. جسور بصوت معذب: اخرجي يا جميلة.
هزت رأسها نفياً. جثت على ركبتيها بجانبه. توكزة في كتفه بإصبعها: جسور، جسور، جسور بص لي. رفع وجهه من بين كفيه لتُرى تلك الدموع الحبيسة في عينيه، لتتسع عينيها بدهشة. جميلة بدهشة: جسور، إنت بتبكي؟ جسور بعذاب: ليه؟ ليه عمل فيها كده؟ وليه عمل فيا كده؟ أنا ما أقدرش أكسر وصيته. ما أقدرش. هو وصاني قبل ما يموت إني ما أسمحهاش. إنتي عارفة أنا ليه قاسي أوي على سهر؟
بسبب وصيته، خايف لتغلط، فاضطر أنفذ وصيته وأقتلها. أنا ماليش غيرها في الدنيا.
جميلة بعقلانية: بس كده مش صح. وصية والدك دي ظالمة ليك ولـ والدتك. جسور، وصية الميت واجبة التنفيذ، بس مش بالظلم ده. إنت كده بتعذب نفسك وبتعذب أمك اللي اتحرمت منك السنين دي كلها بسبب والدك الله يرحمه ويغفر له. كفاية اللي كان هو بيعمله فيها وكانت مستحملاه عشانك إنت وسهر. والدك اغتصب طفلة عندها 14 سنة. عاملها زي الخدامين. كان بينمها على الأرض وجو الصعيد على رأيك بيسفح هوا. واستحملت عشانكوا. كفاية كده يا جسور.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!