صرخ جاسم بحده: أنا راجل غصب عنك يا كارمن. تكلمت كارمن بكره: أنت ولا تسوى يا جاسم... أنت أقذر راجل أنا شفته في حياتي. فقد جاسم آخر ذرة من ضبط النفس وانقض عليها يخنقها. بقوة تملصت كارمن منه وحاولت أن تبعده عنها ولكنه يفوقها قوة وضخامة. شحب وجهها، ليتركها جاسم وهو ينظر لها بحقد: ده بس تحذير بسيط عشان تعرفي يا كارمن إني ممكن أدنك ولا حد يعرف لك طريق.
تلاحقت أنفاسها بصعوبة وهي تنظر إليه بغل. كاد أن يقتلها هذا المجنون دون أن يشعر بها أحد. لو بقيت معه ستكون نهايتها القتل لا محالة. تنفست بعمق وهي تمنع نفسها من البكاء، ولكنها فقدت السيطرة وانفجرت في البكاء وهي تتكلم بصوت مبحوح: حرام عليك يا جاسم... أنت بتعمل فيا كده ليه؟ أنا عملت لك إيه؟
اقترب منها جاسم سريعًا يحاول أن يضمها إليه وهي تحاول أن تبتعد عنه وهي تضربه في كتفه وصدره بكل قوة. ولكن المقارنة مجحفة، فهي هشة ضعيفة ترتجف من الخوف وهو في أوج قوته. ضمها جاسم بقوة وقال: أنتِ ليه عاوزة تسيبيني يا كارمن؟ أنتِ عارفة إني بحبك... أنا مليش حد غيرك. صرخت كارمن بصوت مهزوز: أنت اللي خونتني... خونتني بدل المرة ألف... كنت هفضل معاك إزاي؟ بعد ما شفتك بعيني وأنت بتخوني... أنا استحملت كتير وسامحتك أكتر...
أنا استحملت حرماني من الأمومة عشانك... وده يكون جزائي؟ إنك تخوني وتضربني وعاوز تموتني. شدد جاسم من ضمه لها كأنه خائف أن تهرب منه: أنتِ وعدتيني إن عمرك ما هتسبيني... حتى بعد ما عرفتي إن مستحيل أخلف فضلتِ معايا، ليه عاوزة تسبيني دلوقتي؟ بكت كارمن أكثر: لأني مبقتش قادرة أتحمل... طاقتي خلصت وتعبت. مسح لها جاسم دموعها وهو يمسك وجهها بين يديه: سامحيني... آخر مرة... والله ما هعمل كده تاني.
بكت كارمن من قلة حيلتها، دموع تعبر عن مدى ما وصلت إليه من وجع. قبل جاسم يدها ووجنتيها وهو يعتذر، وهي لا تفعل شيئًا وكأنها تمثال من الشمع. اقترب منها جاسم أكثر وأكثر، لتفيق كارمن وهي تبعده عنها بحده وهي تصرخ بحده: لا... لا لا... مش هقدر... مستحيل... أبعد عني. ابتعد جاسم بهدوء وقال: طب خلاص... خلاص أهدي. *** كان صلاح يجلس في المقهى وبجانبه عمار يشرب كأس الشاي بالنعناع بمزاج رائق. نظر له صلاح وقال: منور.
ابتسم عمار وهو يربت على صدره قائلًا: حبيبي تسلم... بس أنت قلت لي منور ولا يجي عشرين مرة، كفاية كده النور هيغطي على كهربا المنطقة كلها. ضحك صلاح وقال: عندك حق فعلاً... كفاية كده... بس الواحد زهقان أوي ومش عارف يعمل إيه. نظر عمار لكأس الشاي بيده وقال: قلت لك اشرب لك كوباية شاي بالنعناع وأنت مزاجك هيبقى عنب بس أنت مصدقتنيش. قلب صلاح عينيه وهو ينظر له بقرف: عمار... اكتم عشان أنا مش طايقك أساسًا.
لم يعره عمار أي اهتمام وهو يكمل شرابه بمزاج، حتى حضر نعمان بهيبته المعتادة وهو يقول: السلام عليكم. هلل صلاح ببشاشة قائلًا: وعليكم السلام... يا أهلا بالعريس... نازل بدري ليه كده؟ ده أنا النهارده لسه الصباحية. ابتسم نعمان برزانة وقال: أصل سهير وروان عندنا، فقولت أسيبهم براحتهم. وكمان هدير كانت عاوزة ياسين فبعتهولها. هز صلاح رأسه بتفهم ولم يعلق. لينظر عمار لنعمان نظرة ذات معنى وأردف: مبروك يا عريس...
هاا رفعت راسنا ولا إيه؟ نظر له نعمان بغضب، وانفجر صلاح في الضحك. ليهتف نعمان بسخرية قائلًا: ولااا هو أنت كنت في أمريكا بجد ولا كنت بتضحك علينا؟ ضحك عمار وهتف: لا والله كنت هناك... بس أنا محتفظ بالجزء المصري في قلبي. ضحك نعمان وخبط رأس عمار بمشاغبة وجلسوا يتبادلون الحديث والنكات فيما بينهم، حتى جاء كارم وهو يبدو عليه الحزن. ألقى السلام وجلس بجانب صلاح ليميل عليه صلاح يسأله: إيه مالك؟ زفر كارم بضيق وقال: مفيش حاجة.
تمتم صلاح بهمس: طالما هتولع كده إيه اللي غصبك؟ ما تستنى ما أنت طول عمرك مستني. هز كارم رأسه بقله حيله: مينفعش يا صلاح أنا اتفقت مع الناس... وكمان وعدت أمي... ولو هستنى هفضل مستني لحد إمتى؟ هيجي يوم وتحبني دي بتقول لي يا ابيه. ضحك صلاح: ما هي بتقول لي أنا كمان يا ابيه عادي يعني. نظر له كارم بغضب، ليبتسم صلاح وهو يقول: فاهم... فاهم... بس أنت ليه فاهم إنها شايفاك زي أخوها الكبير؟ ما ممكن تكون بتحبك.
نفى كارم برأسه: لا طبعًا مستحيل... عارف حتى ما شفتش أي رد فعل منها لما عرفت إني هخطب. فخلاص بقى هفضل أعذب نفسي لحد إمتى. أردف صلاح بحزن: صدقني هتندم... مش هتعرف تحب غيرها. نفخ كارم بضيق: هو أنت عاوزني أفضل زيك أبكي على الأطلال وهي عايشة مع جوزها وفرحانة وأنت موقف حياتك من يوم ما سابتك. الكلام نفذ إلى قلب صلاح كخنجر مسموم، ألا يكفي ما في قلبه من أحزان حتى يأتي كارم ويكمل عليه. نظر له صلاح بقوة وقال: عندك حق...
كفاية كده... أنا كنت عاوز أقول لك طالما هتخطب بقا... أنا كمان عاوز أخطب روان. احمرت عين كارم وغضب بشدة وهو يجز على أسنانه بحده: صلاح أنت عارف أنت بتقول إيه؟ كده هنخسر بعض. تكلم صلاح بلامبالاة: والله أنت عاوز تخسرني أنا معنديش مانع... بس ليه أنت هتخطب وهي هتجي يوم وتتخطب وأنا أولى من الغريب صح ولا إيه؟ تنفس كارم بحده وضرب على المنضدة الموضوع عليها الطلبات أمامه وهتف: صلاح. قام صلاح من مكانه وهو
يهم بترك المقهى وهو يقول: ما تنساش تبلغني ردها تمام. ثم تركه يغلي من الغضب والغيرة. *** ابتسمت سهير بسعادة وهي تنظر لهدير التي يبدو عليها أنها تحلق في السماء من شدة الفرح وقالت: مبروك يا ديرو والله فرحنالك من قلبي. ضحكت هدير وردت: حبيبة قلبي يا سوسو... عقبالك يارب إن شاء الله. ابتسمت سهير وقالت بشقاوة: يارب يا أختي يارب. نظرت لروان ولكزتها قائلة: إيه في أي يا بومة ما تفردي وشك.
غضبت روان وهتفت بحده: سهير أنا مش طايقة نفسي... سبيني في حالي. ربتت هدير على كتف روان وسألت: إيه في أي يا روان مالك؟ ابتسمت روان بضعف: مفيش يا هدير أنا كويسة. تمتمت سهير قائلة: والله لو ربنا كاتبه لكِ محدش هيقدر ياخده منك. زفرت روان بضيق: خلاص يا سهير أنا قلت مش عاوزة أتكلم في الموضوع تاني... هيخطب ما يخطب براحته... أنا كمان هشوف نفسي. ضيقت سهير عينيها وسألت بعدم فهم: يعني إيه يا روان؟
ردت روان بلامبالاة: يعني خلاص كارم معدتش في دماغي ولا عاوزاه أصلًا. مصمصت سهير شفتيها وقالت: عجائب مش كارم ده اللي كنتي لسه مموتة نفسك من العياط عشانه... دلوقتي بقيتي مش عاوزاه. هزت روان رأسها بتأكيد: آه مش عاوزاه. لوت سهير شفتيها وردت: وماله... بكرة نشوف. تمتمت روان بلامبالاة: هتشوفي. ***
وقفت تنظر إليه وهو يجلس يتناول فطوره بهدوء تام وكسل وكأنه يمتلك كل وقت العالم. نظرت له بحقد وكره مختلط ببقايا حب قديم قد دهسه تحت قدميه وهاجر دون أن ينظر لمن تركها محطمة الفؤاد. وتذكرت حينما كانت في السادسة عشرة من عمرها. كان سيف يعمل لديهم كسائق خاص لها منذ ست سنوات ولكنه كان أقرب إليها حتى من والدها، فوالدها لا يهمه شيء في الدنيا سوى جمع الأموال، أما سيف فكان كل عالمها.
ذهبت إليه كان يقف ويستند على السيارة. نادت بصوت خفيض وهي تشعر بالخجل الشديد: سيف. ابتسم سيف ورد: عيون سيف... بقالك عشر دقايق واقفة ساكتة ليه؟ نظرت سمران للأرض بخجل وقالت وهي تحاول أن تتشجع وتعترف له: عاوزة أعترف لك اعتراف. جذبت اهتمام سيف فقال: اعتراف إيه؟ بللت سمران شفتيها وهي تغمض عينيها ثم قالت بشجاعة: سيف أنا بحبك. تفاجأ سيف ولكنه حافظ على ملامح وجهه وقال: بتحبيني إزاي؟ هزت سمران أكتافها وكررت: بحبك.
حمحم سيف وقال: أنت لسه صغيرة أوي يا سمران على الكلام ده. هزت سمران رأسها بنفي وهي تنظر إليه بغضب: لا أنا مش صغيرة على فكرة أنا بقيت آنسة... وكمان كل البنات معايا في الـ School مرتبطين وبيحبوا. نظر لها سيف بعدم تصديق: لا والله بجد. أومأت سمران برأسها إيجابًا: آه والله بجد... وأنا بقا بحبك وعاوزة ارتبط بيك تمام. ابتلع سيف ريقه وهو لا يعرف بما يجيبها: يا سمران بس... هزت سمران رأسها بنفي: لا مفيش بس...
عشان خاطري يا سيف عشان خاطري. فكر سيف لثواني وهتف: يا سمران والله ما هينفع... أنتِ فين وأنا فين. رمشت سمران بعينيها تؤثر عليه بدلالها الفطري التي تعلم تأثيره جيدًا: سيف... سيفو. هتف بحدة يستنكر ضعفه أمامها: سمران. ابتسمت سمران وقالت: بحبك. وظلت سمران هكذا لعدة أسابيع تخبره بحبها ليلاً ونهارًا، حتى رفع سيف الراية البيضاء مستسلمًا لها وسقط صريع تلك العيون الرمادية الآسرة.
ولم يكن يعرف أيًا منها أن نهاية هذا الحب سيكون كارثية للجميع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!