بعد ثلاثة أيام كان جاسم قد تمعن في رسم خطته لجعل كارمن تعود إليه بعد أن يرسم عليها كم المعاناة التي يعيشها بدونها. ذهب إليها وهو تظهر عليه ملامح الحزن والألم، فقد ترك ذقنه قد استطالت قليلاً وملابسه غير مهندمة. دق الباب وانتظر حتى فتحت له. تفاجأت كارمن بوجود جاسم، ولكنها كتفت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول: خير؟ نظر لها جاسم بحزن وتكلم بصوت مبحوح: عاملة إيه يا كارمن؟ زفرت كارمن بضيق وأجابت ببرود: كويسة.
طأطأ جاسم رأسه أرضاً وقال: مش هتقوليلي اتفضل؟ فكرت كارمن لثوانٍ، كانت تنوي طرده، ولكنها الآن في منطقة قوة، فأخوها معها وجاسم لن يقدر على فعل شيء لها. أفسحت له المجال وأردفت وهي تشير بيدها: اتفضل. دخل جاسم وأغلقت كارمن الباب خلفه، ولكنه تفاجأ حينما رأى عمار يخرج من غرفته وهو يقول: مين اللي كان بيخبط يا كارمن؟ تجمد جاسم وهو يسب حظه النحس بداخله، ولكنه قرر أن يتمادى في خطته لربما تنجح.
انتبه عمار لوجود جاسم، فرحب به بجمود وأشار لكارمن يسألها عن سبب وجوده. فردت عليه كارمن أن يهدئ ويتركنا نرى ما يريد. ابتسم جاسم ابتسامة عملية لطيفة وقال موجه الكلام لعمار: حمد الله ع السلامة يا عمار، انت رجعت إمتى؟ هز عمار رأسه ورد بجمود: الله يسلمك... رجعت من تلت أيام. ابتسم جاسم وسكت قليلاً لتعاجله كارمن قائلة: خير يا جاسم.. يا ترى مشرفنا بالزيارة السعيدة دي ليه؟
عادت ملامح الحزن لجاسم مرة أخرى واحتقنت عيناه بالدموع، كمشهد يأخذ عليه جائزة الأوسكار من شدة براعته. ركز عينه على عينها وهو يقول: كارمن ارجعيلي، أنا مش قادر أعيش من غيرك... صدقيني حياتي وقفت من يوم ما بعدتي عني... أنا عارف إني غلطت، بس سامحيني عشان خاطري.
ضحكت كارمن بسخرية شديدة وهي تنظر له بكره شديد، تتعجب كيف انقلب حالها من قمة الحب لهذا الكائن الموجود أمامها إلى قمة الكره، حتى تتمنى أن لا تراه أبداً: مصدقاك طبعاً، وباين عليك جداً. ثم وجهت كلامها لأخيها: مش كدا يا عمار ولا إيه؟ هز عمار رأسه سريعاً يشارك أخته حديثها: أكيد طبعاً. تهللت ملامح جاسم وقال: كارمن أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني... أنا بحبك ولسه عاوزك في حياتي. ضيقت كارمن عينيها
الزرقاء وهي تقول بتهكم: بتحبني؟ بتحبني إزاي؟ أنت تعرف إيه عن الحب عشان تقول بتحبني؟ أنت من يوم جوازنا وأنت بتخوني... سبع سنين وأنا مستحملة خيانتك وقرفك، كل يوم بتوجع وبتعذب وأنا بيتبعتلي فيديوهات وصور ليك مع ستات أشكال وألوان، وكل ما أواجهك تقولي نزوة ومش هتتكرر تاني، وأنا استحمل وأعديها، بس معدتش عندي طاقة أستحمل... طاقتي خلاص خلصت...
قلتلك حافظ يا جاسم ع شوية الحب اللي باقين جوايا ليك، بس أنت اتمديت وفكرت إن وجودي شيء مفروغ منه... هتلف زي ما أنت عاوز وترجع تلاقيني... قلتلك لو مشيت مش هرجع، بس أنت مصدقتنيش. ابتلع جاسم الغصة في حلقه، يعلم من داخله أنها معها كل الحق، يعلم أنه شخص قذر، ولكنه لا يقدر على العيش بدونها. الحياة بدون كارمن جحيم لا يطاق، يشعر أنه طفل ضائع بدونها. تكلم هذه المرة بصدق: عارف إني عذبتك كتير...
وعارف إنك استحملتي أكتر، بس صدقيني آخر مرة... والله العظيم ما هتتكرر تاني... ارجعلي يا كارمن أنا من غيرك تايه. هزت كارمن رأسها تنفي ما يقول: هتتكرر... سامحتك كتير وخنتني... أصل الخيانة طبع والطبع مش بيتغير... والخائن لا يؤتمن... طلقني يا جاسم وارحمني... لو لسه بتحبني زي ما بتقول، طلقني. احمرت عين جاسم وتتطاير الشرر منها وقال: دا آخر كلام عندك؟ أومأت كارمن برأسها إيجاباً: آخر كلام ومش هيتغير.
تنفس جاسم بعنف وهو يستسلم هذه الجولة، ولكن المرات القادمة أفضل: ماشي يا كارمن.... ورقتك هتوصلك ع مكتبك. ثم استأذن ورحل، ولكن كارمن لم تسترح أبداً لهذا الاستسلام السريع، فمن غيرها يعرف جاسم حق المعرفة، ولكنها استبشرت خيراً، لربما رأف بها وقرر أن يتركها لوجه الله. نزل عمار إلى الحارة ينوي التعرف على التغيرات التي طرأت عليها في غيابه ويسأل على أصدقائه القدامى.
ولكنه ما إن خرج من البناية حتى رأى سهير، تلك الفتاة التي رآها ما إن خطت أقدامه أرض الحارة. أشار لها وهو يذهب إليها ويقول بابتسامة واسعة: Hi. شهقت سهير بعنف وهي تضرب بيدها على صدرها كعادة اكتسبتها من هدير وهتفت: أنت هتصاحبني ياض ولا إيه؟ كتم عمار ضحكته بصعوبة وقال بدون فهم: What? نظرت له سهير بغيظ وردت: وطووطو عليك ساعة وانفضت يا بعيد. كاد عمار أن يسقط على الأرض من كثرة الضحك، ولكنه حافظ على جمود ملامحه
وإظهار عدم الفهم وسأل: You speak English? ابتسمت وهي تهز رأسها وتجيب بفخر: أيوا طبعاً، أومال. ابتسم عمار وقال: Nice to meet you. خجلت سهير واصطبغت وجنتيها باللون الأحمر القاني وقالت في نفسها تتغزل به: والله أنا اللي nice جداً، أقسم بالله. ولكن تحولت في ثانية وقالت: متشكرين يا أخويا.. واتفضل شوف أنت رايح فين عشان لو حد شافك واقف في سكتي كدا هتبقى ليلتك كوبية.... ولا خليك واقف أما أمشي أنا.
ثم نفذت كلامها وغادرت سريعاً، وما إن غادرت انفجر عمار في الضحك غير قادر على السيطرة عليه حتى أدمعت عينيه وهو يقول: والله الواحد لو في حياته واحدة زي دي مش هيبطل ضحك لا ليل ولا نهار. ثم وقف قليلاً حتى شعر بمن يضع يده على كتفه، رفع نظره إليه ليراه صلاح، فهتف سريعاً بفرحة: أبو صلاح! ابتسم صلاح وسأل: واقف كدا ليه؟ رفع عمار خصلات شعره الطويلة وقال بحرج: هااا لا ولا حاجة.
صلاح رأسه بتفهم وعرض عليه: طب ما تيجي معايا أعرفك على نعمان وبالمرة تشوف كارم. ابتسم عمار ورد: طب يلا بينا... عشان كارم واحشني والله ونفسي أشوفه. نزلت درجات سلالم الفيلا بشرود، قلبها ملئ بالحزن، لم تذهب للشركة منذ أن عاد سيف، لا تريد رؤيته أبداً. ولكن هل من الصحيح أن تترك له شركة والدها التي فنى والدها عمره كله من أجل أن يؤسس شركة بهذا الحجم؟ هل تترك له كل شيء دون أن يكون لها رد فعل؟
ولكنها تفاجأت وجحظت عينيها وهي تراه يجلس على أحد الكراسي، يضع ساق على أخرى وبيده سيجار كوبي يتفخ دخانه في الهواء ويراقب صعودها. أكملت نزول الدرج جرياً حتى وصلت إليه وصرخت بعنف: أنت دخلت هنا إزاي؟ ضحك سيف بسخرية ضحكة عالية: لتاني مرة بتغلطي في السؤال... هو في حد بيتسأل هو دخل بيته إزاي؟
دارت الدنيا بسمران وهي توشك على الانفجار، فإنفسيتها الهشة لن تقدر على تحمل كل هذا، فرؤيته وحدها كافية بأن تجعلها تموت رعباً. لم تقدر على منع الدموع التي انسابت على وجنتيها البيضاء برقة. وهو يراقب اللؤلؤ المناسب من عيونها الماسية بجمود تكلمت سمران ببكاء: حرام عليك، أنت بتعمل كدا ليه؟ طل الكره من عيونه وقال بغضب وحقد: عاوز انتقم منك انتي وابوكي. بكت سمران بحرقة: وأنا عملت إيه عشان تنتقم مني؟
شبك سيف يده وهتف: معملتيش، بس هنتقم من أبوكي فيكي انتي. شحب وجه سمران وهي تعرف أن سنين حياتها ستنقلب إلى ظلام دامس والقادم يبشر بالأسوأ. قطع سيف عليها أفكارها قائلاً: بصي عشان تعرفي إيه اللي هيتم الفترة الجاية... أنا من كرم أخلاقي هسمحلك تعيشي هنا في الفيلا طبعاً عشان انتي مش واخدة ع البهدلة... بس كل حاجة هتم بشروطي، مفيش حاجة تعمليها من غيري إذني، حتى النفس تستأذني الأول قبل ما تاخديه....
العيشة اللي كنتي عايشاها دي تنسيها خالص... عشان من النهارده أنا هحط قواعد اللعبة. شهقت سمران بخوف لا تصدق أبداً، لا تصدق أن هذا ما ستؤول إليه حياتها، فقد سقطت في يد ما لا يرحم. رن جرس الباب لتفتح روان سريعاً وهي تبتسم ابتسامة واسعة تنم عن فرحتها الشديدة برؤيته وهتفت: أبيه! ابتسم كارم وقال: عاملة إيه يا رورو؟ ضحكت روان بشقاوة وردت: أنا كويسة خالص مالص. هز كارم رأسه وسأل: سهير وماما جوا؟
هزت روان رأسها بنفي: لا سهير عند هدير عشان تجهيزات الفرح وكدا، انت عارف... طنط بس اللي جوا. ابتسم كارم: طب أنا هدخل أقعد معاها شوية... وانتِ اعمليلي كوباية قهوة من إيديكي الحلوين. أشارت روان على عيونها وقالت: من عيوني أحلى كوباية قهوة لأحلى أبيه في الدنيا. ابتسم كارم بحب وهو يراقبها تتجه للمطبخ وطرق باب غرفة والدته ودخل يقول بابتهاج: ست الكل وحشتني. ضحكت أم كارم قائلة: تعالا يا واد يا بكاش، أنت فاكر أصلاً إن ليك أم؟
انفجر كارم في الضحك وهتف بدراما: هو أنا أقدر أنساكي يا ست الكل؟ دا انتي اللي في الحتة الشمال. ضحكت الأم وضمته لصدرها بحنان، وهو شدد من احتضانها يتنعم بهذا الدفء المنبعث من هذا الحضن الحنون، ولكن أمه قطعت عليه تنعمه بحضنها قائلة: واد يا كارم ركز معايا كدا عشان عاوزك في موضوع. ظهر الاهتمام على ملامح كارم وهو يجيب: خير يا أمي، موضوع إيه؟ ربتت أمه على ظهره وقالت: جايبالك عروسة إنما إيه زي القمر.
شحبت ملامح كارم ولكنه سأل: عروسة مين؟ ردت الأم بابتسامة: عارف بسمة بنت الحاج حسين، مدرسة زميلة أختك سهير في المدرسة... بنت زي القمر وأخلاقها عالية جداً... أنا شفتها في فرح شروق بنت فتحي الأستروجي وعجبتني خالص، إيه رأيك فيها بقا؟ شرد كارم قليلاً وقال: بس يا أمي أنا لسه رافض الموضوع دا دلوقتي، أما أجوز سهير وروان الأول وأفرح بيهم. عبست ملامح الأم واحمرت عينيها تنذر بانفجار
وشيك في الدموع وقالت: هو أنت كدا على طول مش عاوز تريح قلبي أبداً... يا كارم حرام عليك، عاوزة أفرح بيك قبل ما أموت. رد كارم سريعاً بخوف: بعيد الشر عليكي يا أمي متقوليش كدا... خلاص أنا موافق أشوفها الأول واللي فيه الخير يقدمه ربنا. انفرجت أسارير الأم بفرحة وقالت: إن شاء الله هتعجبك، دي زي القمر. هز كارم رأسه بلا معنى وسكت.
أما هناك خلف الباب، قلب قد تحطم حينما سمع موافقته على رؤية العروس، قلب قد شب على حبه هو وفقط، والآن تحطمت جميع الآمال. سقطت من يدها الصينية الموضوع عليها كوب القهوة وتحطم الكوب كما تحطم قلبها. في منزل المعلم كانت الترتيبات تتم على قدم وساق. فقد اقترب معاد الفرح واقترب المعلم من نيل المراد.
أما هدير فكانت الدنيا لا تسعها من شدة الفرح، وكما أن هناك قلوب قد تحطمت على صخرة الواقع، هناك قلوب تحلق عالياً في السماء من شدة الفرح، وقلوب أخرى... مبتهجة تشعر بفراشات الحب تحلق حولها، عسى أن تقترب منها. وقلوب أخرى يقتلها القلق والانتظار والتمني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!