في يوم زفاف المعلم نعمان والست هدير، كانت الحارة مليئة بالأنوار المبهجة التي علقت في الحارة بأكملها. رغم أن هدير أصرت على أن يكون عقد قرآن فقط، إلا أن المعلم أحب أن يفرح بطريقته، فذبح الذبائح ووزعها على الحارة بأكملها. وفي منزل هدير، كانت الأنوار الملونة تغطي البناية بأكملها، ويخرج صوت الأغاني العالية من كل اتجاه. فالجميع يشعر بالبهجة والفرح، فكما يقولون إن الضحك عدوى، فالفرح أيضًا عدوى.
كانت الفتيات متواجدات مع هدير منذ الصباح، وكانوا يملئون المنزل بالزغاريد. فسُهير منطلقة تشعر أنها تحلق في السماء مبتهجة على غير العادة. وكارمن تشعر بالطمأنينة، فجاسم قد اختفى منذ أن زارها آخر مرة، تتوسم فيه خيرًا أن يتركها لحال سبيلها. أما روان، فكانت الوحيدة الحزينة، رغم فرحتها الشديدة من أجل هدير، إلا أنها تشعر أنها محطمة الفؤاد. فكارم قد استجاب لأمه وفعل لها ما تريد، وقرر أن يذهب لرؤية العروس بعد زفاف نعمان، وربما يراها اليوم في الزفاف.
ابتسمت سُهير بسعادة وهي تنظر لهدير وتقول: "بسم الله ما شاء الله... زي القمر يا هدير... مش كدا يا روان؟ ابتسمت هدير بخجل: "بجد حلو." هزت كارمن رأسها وقالت: "والله حلوة جدا... ثم غمزت لها وقالت: المعلم عقله هيطير لما يشوفك." انفجرت هدير في الضحك وشاركتها سُهير، ثم نظرت لروان الصامتة ولكزتها في جنبها تقول بهمس: "في إيه؟ رسمت روان بسمة صغيرة على شفتيها وردت: "مفيش حاجة." رفعت سُهير حاجبها بشك: "متأكدة؟
أومأت روان برأسها إيجابًا وأجابت: "أيوا." قطع حديثهم صوت الخالة أم سيد تهتف بفرحة: "يلا يا بنات العريس جه ومعاه المأذون." قامت سُهير سريعًا تطلق الزغاريد وتساعد هدير في إتمام مظهرها، وخرجن سويا إلى غرفة الصالون المتواجد فيها العريس والمقربين له من شباب الحارة، وبعض المدعوات من معارف هدير.
جلست هدير بجانب المعلم، الذي ابتسم بسعادة ما إن رآها بشكل مختلف عما كان يراها دائمًا. فكانت ترتدي فستانًا من اللون الأوف وايت يضيق من عند الخصر ويتسع حتى كعبيها، وحجابًا باللون الذهبي، وحذاء عالي الكعبين من نفس اللون، وتضع القليل من مساحيق التجميل، ورغم ذلك كانت فائقة الجمال.
بدأت مراسم عقد القرآن، نعمان وهدير ينظرون لبعضهما وقلوبهم تغرد عشقًا، لم يكن يخطر على بال أحدهم أن تتم الأمور بهذه السرعة وأن يكونا لبعضهما في نهاية الطريق. في أثناء المراسم، لم يستطع صلاح أن يمنع نفسه من النظر إلى كارمن وهو يتذكر موقفًا مشابهًا فيما مضى انتهى بكارثة وبتحطيم قلبه. حينما نظر إليها، علمت كارمن أنه يتذكر أيضًا كما تتذكر هي، والآن هي تندم أشد الندم.
بجانب صلاح، كان كارم يسرح بأفكاره هو الآخر، يحلم أنه لو تزوج روان سيكون أسعد رجل على وجه الأرض. أما روان، فتفكر لو تزوج كارم من تلك العروس، هل تستطيع أن تتحمل كل هذا؟ هل سيتحمل قلبها رؤيته مع أخرى؟ لا لا لا، بالتأكيد سيكون الموت أهون عليها. بعد انتهاء المراسم وقد أعلن المأذون أنهما أصبحا زوجًا وزوجة، لم تستطع كارمن أن تبقى أكثر من ذلك مع هذه الذكريات التي انتشرت في الأجواء. باركت لهما واستأذنت سريعًا.
سارت في الطريق شارده تتذكر منذ ما يقرب العشر سنوات، كانت هي وصلاح يعيشون قصة حب رائعة. حينما اعترف لها بحبه، كانت الأسعد على الإطلاق، وتمت خطبتهما، وسارت الأمور على ما يرام. حتى بدأت هي تتمرد على الحياة، والعيش في هذه الحارة الشعبية. كانت تريد أن ترتقي بالحياة، أن تعيش كما تتمنى وكما تحلم دائمًا، أن تحيا حياة الأميرات. حينما تعرفت على هايدي، أخته لجاسم، ورأت حياتهم وتعرفت على جاسم، تمنت أن تعيش معهم. تركت كل شيء وراءها وأحبت جاسم. هي لا تعرف هل أحبته حقًا أم أوهمت نفسها بحبه. الحقيقة أنها كانت تحيا حلمًا سعيدًا وفاق منه على الواقع المرير، واقع الألم والخيانه.
تظن أن هذا ذنب صلاح الذي تركته يوم عقد القرآن، ورفضت رفضًا قاطعًا أن تكون له بعد ما كان قد جهز كل شيء ورتب حياته على وجودها. خذلته، وما أمر الخذلان. في أثناء شرودها، شعرت بأحد ما يضع منديلاً وهو يكتم فمها وأنفها. حاولت أن تصرخ أو تتملص منه، ولكنها أغمي عليها بسبب المخدر، ليحملها سريعًا ويضعها في السيارة وينطلق إلى وجهته.
في فيلا المسيري، كانت سمران تشعر بالملل والاكتئاب الحاد، فمنذ أسبوعين لم تخرج من الفيلا، تحبس نفسها في غرفتها، تشعر أنه يراقب حتى أنفاسها. تتمنى أن تموت حتى تخلص منه، ولكن ليس لها أحد ينجدها منه، فوالدها لن يستطيع أن يعود الآن أبدًا.
تنفست بغضب تنوي التمرد، لن يتحكم فيها أبدًا. ارتدت فستانًا أسود قصيرًا للغاية، ووضعت الكثير من مساحيق التجميل، وتركت العنان لشعرها الأسود الطويل، وخرجت من غرفتها تطرق بكعب حذائها عالي الكعبين. نزلت السلالم وكادت أن تخرج من الفيلا لتتجمد مكانها وهي تسمع صوته يصدح: "استني عندك... انتي لابسة كدا ورايحة فين؟ أغمضت عينيها بقوة وارتجفت من الداخل، ولكنها استدارت وهي ترسم على شفتيها ابتسامة مستفزة: "خارجة أسهر مع صحابي."
ضحك سيف بسخرية وقال: "صحابك؟ ... اطلعي يا هانم أوضتك ومتفكريش مجرد تفكير إنك تخرجي من هنا." احمرت عينا سمران وهي تصرخ: "انت مش هتتحكم فيا... أنا أعمل اللي أنا عاوزاه." نظر لها بقوة وقال: "بقا كدا... أخر مرة... أنا بحذرك يا سمران." جزت على أسنانها وقالت: "أعلى ما في خيلك اركبه." واستدارت تنوي المغادرة، ولكنه في لمح البصر أمسكها من شعرها الطويل يكومه بيده ويشدد عليها حتى كاد أن يخلعه وقال:
"حذرتك بس انتي ما بتسمعيش الكلام." صرخت سمران ببكاء: "ابعد عني... اه... سيب شعري... حرام عليك... حرام عليك... سيف متعملش فيا كدا... حرام." ولكنه لم يستمع لها وهو يجرها من شعرها يصعد بها درجات السلم وهي تكاد تنكفئ على وجهها، حتى وصل إلى غرفتها وفتحها بعنف، ثم دفعها بقوة لتسقط على الأرض وأغلق الباب بالمفتاح. وقف عمار بجانب صلاح وهمس له: "يااه محضرتش أفراح زي دي من زمان أوي." ضحك صلاح ورد:
"انت اللي حبيت الأجانب وأفراحهم." ابتسم عمار وقال: "هما الأجانب حلوين بردو ويتحبوا." اقتربت منهم سُهير تعطي لهم الشربات، أخذ صلاح أحد الأكواب يعطيها لعمار، ولكن عمار قال دون أن يلاحظ سُهير: "لا مش عاوز." شهقت سُهير لينظر لها بصدمة، يعلم أنها كشفت لعبته. جزت سُهير على أسنانها تقول في نفسها: "آه يا ابن.... بقا بتشتغلني؟ والله لأوريك." ثم مثلت أنها تمر بجانبه ودون قصد دلقت عليه الصينية بما تحمله من أكواب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!