فتح صلاح عينيه ليطالعه سطح الغرفة. أغمض عينيه ثم فتحهما مرة أخرى ليتأكد مما يراه. ليعاجله عمار قائلاً: "صلاح، أنت كويس؟ وجه صلاح نظره إليه ليراه ينظر له بخوف وبجانبه نعمان وكارم وسيف. ليحاول صلاح أن يتعدل في رقدته ويقول: "في أي... أي اللي حصل؟
تولى عمار الرد وهتف: "اللي حصل إن حضرتك كنت واخد رصاصة في ذراعك. وبسبب اللي حصل لكارمن انشغلت ونسيت تشوف جرحك لحد ما التهب. والحمد لله إن الرصاصة دخلت اللحم وخرجت، وإلا كانت هتكون مشكلة كبيرة." هز صلاح رأسه بتفهم: "أنا كنت عارف إنه جرح بسيط، عشان كده مشغلتش بالي." نظر له عمار بلوم: "الجرح مش بسيط خالص يا صلاح." سكت صلاح ولم يرد. ليغير سيف دفة الحديث: "سلامتك يا صلاح."
ابتسم صلاح بهدوء ورد: "الله يسلمك. المهم طمنوني عملتوا إيه؟ رد نعمان: "متقلقش، الموضوع يعتبر خلصان. الظابط بس هياخد أقوالكم وانتوا تأكدوا على الكلام اللي إحنا قولناه أنا وكارم. ولما كارمن تفوق تقول نفس الكلام والقضية تتقفل." أومأ صلاح ووجه السؤال لسيف: "محدش هيتأذى يا سيف، صح؟ هز سيف رأسه بثقة: "ولا تشغل بالك." اقترب كارم من صلاح وربت على كتفه السليم برفق: "سلامتك يا صاحبي."
رفع صلاح عينه لكارم دون كلام، ليشعر كارم بكل ما يريد صلاح قوله. فهو يعاني ولا يملك القدرة على البوح، ومن يشعر به سوى صديق عمره الذي يفهمه فقط من عينيه. لذلك هتف كارم بثقة يبثها لصديقه: "كل حاجة هتبقى تمام، اجمد. مرينا بظروف أصعب من كده وعدت." ليومئ صلاح وهو يشدد على يده، عله يستمد منه بعض الثقة. *** صرخت سهير بغيظ: "أنا هقوم أجيبها من شعرها، الولية دي! قهقهت سمران وروان غير قادرين على منع أنفسهم من الضحك.
لتزجرها هدير بعنف: "ما تسكتي بقى يا سهير! احمرت عين سهير وهتفت: "اسكت أنت، مش شايفاها؟ " وأشارت إلى نسمة، اخت نعمان، التي تجلس على الأريكة أمام التلفاز وتضع طبق الفاكهة على قدمها تأكل منه وهي تضحك على ما تشاهد دون أن تبالي بشيء. واستطردت: "بقى إحنا قاعدين هنموت من القلق على رجالتنا اللي ما نعرفش عنهم حاجة لحد دلوقتي، والست دي جاية تزودها علينا؟ كنا ناقصينها إحنا!
كممت هدير فمها: "بيت أخوها تعمل اللي هي عايزاه. مش عاوزين مشاكل." احتدمت عين سهير: "قصدك إيه يا هدير؟ اطلع منها يعني؟ وع أي يا أختي أما أقوم أروح؟ بيت أبويا أولى بيا." هتفت هدير بغيظ: "في إيه يا سهير؟ هو كل حاجة أروح؟ أروح؟ ما قولنا محدش هيتحرك من هنا لحد ما يوصلوا بالسلامة. أنا قلبي واكلني ومبقتش مستحملة، خايفة يكون حصل حاجة ومخبين علينا." كادت سهير أن ترد عليها ولكن قطع حديثهم رنين هاتف هدير. التي أجابت
على المتصل بلهفة قائلة: "نعمان؟ أنت كويس يا أخويا؟ أجابها نعمان على الطرف الآخر: "أنا كويس يا هدير، متقلقيش. أنتو كويسين؟ هزت رأسها وكأنها يراها أمامه: "أيوا الحمد لله، طمني بس. كارمن وكل الشباب كويسين؟ اجتمع الفتيات حولها، كل منهن تسأل عن من يخصها. ليقول نعمان بتشوش: "إيه الدوشة اللي عندك دي؟ مش سامع حاجة." أجابت هدير: "دول سهير وروان وسمران، بيسألوا على كارمن وعمار وكارم وسيف وصلاح."
رد نعمان: "طمنيهم كلهم بخير. ولما نيجي هنقولكم على كل حاجة، إحنا جايين في الطريق. سلام." هتفت: "ماشي يا نعمان، توصلوا بالسلامة يا حبيبي. مع السلامة." هتفت سهير وروان في صوت واحد: "قالك إيه؟ سندت يدها على خدها وقالت: "جايين في السكة." سألت روان: "طب في إيه؟ أجابت بشرود: "صوته مش مطمني." تكلمت سهير بتساؤل: "هيكون إيه اللي حصل؟ ردت هدير بشرود: "دلوقتي نعرف."
بعد مرور عدة ساعات، كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل. وقفت روان تتطلع من النافذة المطلة على الحارة تراقب مدخل الحارة لكي تكون أول من يرى الشباب عندما يصلوا. هتفت بسخط: "أتأخروا أوي." أردفت هدير بهدوء: "هتلاقيهم داخلين عليكِ حالا." ما كادت تنتهي من جملتها حتى صرخت روان بحماس أنهم وصلوا. وأسرت تجري باتجاه الباب لتكون باستقبالهم. تبعها سهير وسمران ومن خلفهم هدير.
أوقف سيف السيارة أمام البناية التي يسكن بها نعمان. لينزلوا ويقفوا بجانب بعضهم. جاءهم صوت روان وتلهث بشدة: "بيه! استدار كارم بابتسامة حزينة. لتندفع روان إلى أحضانه دون أن تفكر بشيء سوى أنه أمامها وبخير ولم يصبه شيء. فقد كانت أن تجن عندما يخطر ببالها أن يصيبه أذى. ظل كارم مسمر مكانه غير قادر على رفع يده ليغرزها في أحضانه. فبعد عناء هذا اليوم كان يحتاج إلى هذا الحضن لينسيه كل شيء عداها هي، صغيرته وحبيبة قلبه.
ابتعدت روان بخجل وهتفت: "بيه، أنت كويس؟ هز كارم رأسه: "بخير، اطمني." اقتربت هدير وأمسكت يد نعمان تتطمئن عليه. ليهز رأسه دون القدرة على قول شيء. أما سمران فتسمرت حينما رأت كارم وتذكرت أفعالها حينما أرادت أن تستمل له انتقاماً من جنس الرجال بسبب جرح سيف لها. فهرعت إلى سيف تختبئ بين أحضانه. أما سهير فسألت بدهشة: "أومال عمار وكارمن وصلاح فين؟ سكت الشباب دون رد. لتسأل هدير بلهفة: "إيه اللي حصل يا نعمان؟
زفر نعمان بحزن وحكى لهم باختصار شديد ما حدث. لتشهق هدير وهي تضرب بيدها على صدرها: "يا عيني عليكي يا كارمن... يا حبيبة عيني... يا رب احميها يا رب." "هي هتبقى كويسة يا نعمان؟ أنا عايزة أشوفها." أومأ نعمان وقال: "هنروح لهم." بكت سهير وشاركتها روان البكاء حزناً على ما حدث لكارمن وصلاح. لتسأل روان: "طب أنتوا مفضلتوش معاهم ليه؟ رد كارم: "في أمور لازم نحلها الأول وهنرجع لهم تاني. صلاح بقى أحسن كتير، وعمار معاهم."
صمتوا بتفهم. ليردف نعمان بتعب: "أنا عايز أنام." تمتم كارم: "ومين سمعك." هتف سيف: "طب إحنا هنمشي بقى وهنبقى على اتصال يا نعمان. شكراً يا ست هدير على استضافتك لسمران." ردت هدير: "دا الواجب يا سيف باشا. وسمران خلاص بقت واحدة منا وتيجي في أي وقت." ابتسم سيف وودعت سمران الفتيات على أمل اللقاء مرة أخرى. وركبوا سيارتهم وانطلقوا إلى فيلاتهم.
نظر كارم لسهير وقال: "يلا يا سهير، أنتِ وروان نطلع بيتنا. ويلا أنت كمان يا نعمان اطلع عشان تستريح ونتكلم الصبح. سلام عليكم." ثم انطلق كل منهم إلى بنايته. *** في صباح اليوم التالي. استلمت أسما الشرقاوي وزوجها جثمان أخيها جاسم. وانطلقوا به إلى المقابر حيث يُشيع إلى مثواه الأخير، آملين أن يغفر له الله الغفار ما جناه في حياته. رغم ما فعله بنفسه ونهى حياته بهذه الطريقة المحرمة، فبانتحاره قد خسر الدنيا والآخرة.
ولكن الله هو من يحاسب العبد لا نحن، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، فالأمر كله لله. *** دخل صلاح إلى غرفة العناية المركزة الموجود بها كارمن. اقترب منها ووقف بجانب الفراش وتكلم بوجع: "لحد إمتى هتفضلي توجعي في قلبي... لحد إمتى يا كارمن... رميتي حبي زمان وفضلتيه عليا وشوفي عمل فيكي إيه. رميتي الحب واشتريتي الفلوس. اشتريتي جاسم باشا رجل الأعمال اللي هيحققلك كل اللي بتتمنيه...
كل حاجة نفسك فيها هتجيلك لحد عندك. أما صلاح دكتور صغير عايش في حارة مش هيعرف يقدم لك حاجة غير قلبه... والله كنت هعمل كل اللي نفسك فيه لو كنت طلبتي عيوني كنت أدتهالك من غير ما أفكر. زي ما أنا دلوقتي مستعد أضحي بروحي بس انتي تعيشي...
مستعد أعمل أي حاجة بس تفوقي وترجعي أحسن من الأول. بحبك يا كارمن، بحبك رغم وجع قلبي وسنين حزني وقهرتي منك، بس بحبك وهفضل أحبك. قلب صلاح لا عمره حب ولا هيحبك غيرك. ارجعيلى يا كارمن، ارجعي عشان لو جرالك حاجة أنا مش هستحمل وهموت وراكي. السنين اللي فاتت دي استحملتها بس عشان كنت عارف إنك عايشة ومرتاحة. فُوقي يا كارمن... فُوقي عشان خاطري." *** بعد يومين. فتح كارم باب شقته ليرى روان كانت تهم بطرق الباب.
ابتسم في وجهها وقال: "صباح الخير يا رورو." ردت بابتسامة ناعمة: "صباح النور يا بيه. أنا عرفت إن أنت رايح عند كارمن وأبيه صلاح. ممكن تاخدنا معاك أنا وسهير عشان عاوزين نطمن عليهم؟ أغلق كارم إحدى عينيه بخبث: "سهير اللي بعتاكي، مش كده؟ نفت روان برأسها سريعاً: "لا لا، أنا بردو عايزة أطمن عليهم." أومأ كارم برأسه: "ماشي، ماشي. بس يلا البسوا واجهزوا بسرعة، عمّا أدور العربية وأشوف نعمان خلص ولا لسه." ضحكت روان وهي تجري باتجاه
شقتهم وهي تقول بشقاوة: "فوريرة... ثواني وهتلاقينا قدامك." ابتسم كارم بيأس ونزل إلى الحارة ليرى نعمان يمسح زجاج سيارته. هو يتأفف ليلقي عليه الصباح قائلاً: "صباح الخير يا معلم. مقريف ليه ع الصبح؟ نظر له نعمان ببشاشة وقال: "صباح النور. مرات أخوك يا عم مصممة تيجي معانا تشوف كارمن، ولا كأننا رايحين رحلة." ضحك كارم وهتف: "مش لوحدك، أنا بردو سهير وروان مصممين يجوا معانا."
هز نعمان رأسه بإدراك: "آها، قولتي بقى يبقى هما متفقين مع بعض." بعد عدة دقائق هتفت الفتيات في صوت واحد: "إحنا جاهزين." نظر لهم نعمان بغيظ وقال: "سلاماً قولاً من رب رحيم." هتفت هدير بعنف: "بتقول حاجة يا نعمان؟ نفى نعمان برأسه سريعاً: "لا ولا حاجة يا حبيبتي." ضحك الجميع بقوة. لتهتف روان وهي تلاعب حاجبيها لنعمان: "مسيطرة... همشيك مسطرة." أشار لها نعمان بتهديد.
لتضحك بشدة وهي تتجه إلى سيارة كارم وينطلقوا إلى المستشفى الموجود بها كارمن. *** وصلوا إلى المستشفى بعد ساعة واتجهوا إلى الغرفة الموجود بها كارمن. ليقابلهم عمار الذي رحب بهم بشدة. وابتسم ابتسامة واسعة حينما رأى سهير تختلس له النظرات كي تطمئن عليه. دخلوا إلى الغرفة وتأخرت سهير قليلاً كي تتحدث مع عمار. تكلمت سهير بخجل: "أستاذ عمار، أخبارك إيه؟ ابتسم ورد: "بخير الحمد لله. أنتي عاملة إيه يا آنسة سهير؟
خجلت سهير وردت: "كويسة الحمد لله. قولي اليومين اللي فاتوا عدوا عليك إزاي؟ أغمض عمار عينيه بتعب وقال: "ياااه...
أصعب أيام مرت عليا. من وقت ما عرفت إن أختي في خطر وانتهى بها الحال مضروبة بالنار بين الحياة والموت، كنت حاسس إن قلبي هيقف من الخوف عليها. فجأة لقيت صلاح وقع هو كمان، مبقتش عارف أعمل إيه ولا أشتكي لمين. حسيت إن كل حاجة قفلت في وشي. بس الحمد لله ربنا كان رحيم بينا وصلاح بقى كويس وكارمن فاقت امبارح بالليل واتنقلت أوضة عادية. الحمد لله." رددت سهير خلفه: "الحمد لله." ثم استطردت: "ربنا يجعل أيامك الجاية كلها فرحة."
رد عمار بابتسامة ممتنة: "يارب يا آنسة سهير... يارب." في الداخل. هتفت هدير بلهفة: "حبيبتي يا كارمن... سلامتك ألف سلامة." ردت كارمن بضعف: "الله يسلمك يا هدير." ازيك يا رورو. ردت روان: كويسة يا كارمن، المهم إنتي. ابتسمت كارمن بضعف وأغمضت عينيها. ليقول نعمان بهدوء: يلا يا جماعة نخرج، إحنا اطمنا عليها... خلوها ترتاح. خرجوا ووقف كارم بجانب صلاح وسأله باهتمام: عامل إيه يا صاحبي؟ جاوبه صلاح بهدوء: الحمد لله يا صاحبي، أحسن.
اقتربت منهم روان وهتفت: أبيه صلاح. ابتسم صلاح ورد: رورو... أبيه إيه؟ إنتي نسيتي إننا مخطوبين؟ ضحكت روان بشدة. ليهتف كارم بغيظ: صلاح! نظر له صلاح بلامبالاة: نعم... خير يا كارم بيه؟ جز كارم على أسنانه يتكتم غضبه. ليعاجله صلاح: طالما إنت بتغير كده وهتموت عليها، ما تتجوزها واخلص. صرخ كارم بعنف: صلاح! تمتم صلاح بغيظ: بلا صلاح بلا زفت، أولعوا. وتركهم وغادر. لتقف روان تتقافز أمام كارم قائلة: كارم... كارم...
إلا أبيه صلاح قالوا بجد... بالله عليك قول إنه بجد وإني مش بحلم. ضحك كارم بيأس وهز رأسه قائلاً: بجد... بحبك يا روان... بحبك معرفش إمتى ولا إزاي بس بحبك. دارت روان حول نفسها بذهول وقالت: أنا مش بحلم... مش بحلم.... يلا نتجوز. قهقه كارم بشدة وقال: ما تتقلي يا بنتي، ده إنتي واقعة أوي. ضحكت روان وبكت في نفس الوقت وهتفت: واقعة.. إنت مش فاهم حاجة... إنت حلم عمري... يا أبيه. نظر لها كارم بغيظ ليقول: أبيه...
طب ابقي شوفي مين اللي هيتجوزك. وتركها وغادر. توسعت عينيها بشدة وهي تركض خلفه تنادي: يا أبيه استنى... قصدي يا كارم... كاارم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!