فاق صلاح من شروده على خروج الطبيب من غرفة العمليات، فهرع إليه سريعًا يسأله: طمنا يا دكتور. أجاب الطبيب بعملية: الحمد لله العملية نجحت وقدرنا نطلع الرصاصة... بس للأسف هي فقدت دم كتير، وأنتم اتأخرتوا على ما جبتوها... فهتفضل في العناية المركزة لحد ما تتجاوز مرحلة الخطر... ادعولها. ثم تركهم وغادر دون أن يضيف كلمة أخرى. اقترب عمار قائلاً: أنا مش فاهم حاجة... هي هتبقى كويسة صح؟ هز صلاح رأسه إيجابًا:
أيوه هتبقى كويسة بإذن الله متقلقش. تضرع عمار بالدعاء: يارب... يارب. في فيلا جاسم، حيث وقع الحادث، وقف رجال الشرطة يعاينون الحادث ويفهمون ملابسات الأمور، بعد أن تحفظوا على جثمان جاسم وأخذوا البصمات. فالأمر واضح أنه هو من قتل نفسه، ولكن لماذا؟ هل كان يعاني خللًا ما؟ أم هي زوجته من أوصلته لذلك؟ وحسب ما تم قوله، أنه أطلق عليها الرصاص هي الأخرى وترقد حاليًا في إحدى المستشفيات ولم تتجاوز مرحلة الخطر.
وجه الضابط السؤال لنعمان وكارم قائلاً: أنا عاوز أفهم بالظبط إيه اللي حصل، وأنتم جيتوا هنا إزاي وليه؟ وأي المشاكل اللي وصلت جاسم الشرقاوي إنه يضرب على زوجته الرصاص ويقتل نفسه؟ ليه يعمل حاجة زي كده؟ وقف نعمان بجانب كارم بثبات وتولى هو مسؤولية الرد، وكارم يؤمن على كل ما يقوله: إحنا كل اللي نعرفه يا باشا...
أن كان فيه مشاكل كتير ما بينهم، وأنها كانت طالبة الطلاق وسابت بيتها وجت تقعد مع عمار أخوها عندنا في الحارة. بعد كده عرفنا أنه خلاها ترجعه بالغصب، وأنه بيضربها وبيبهدلها، وهي استنجدت بأخوها وابن عمها الدكتور صلاح، ودول أعز أصحاب لينا أنا والباشمهندس كارم. وعشان إحنا ولاد بلد وبنفهم في الأصول، مرضناش نخلي عمار وصلاح يجوا لوحدهم عشان ميحصلش مشاكل ونحل الموضوع بالتراضي. بس تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن...
الموضوع كبر والخناقة زادت ما بين جاسم والست كارمن مراته، وهو فقد أعصابه وراح ضربها بالنار. ولما شافها وقعت قدامه ضرب نفسه هو كمان. هز الضابط رأسه إيجابًا بتفهم: تمام... تمام، يعني دا كل اللي تعرفوه؟ رد نعمان سريعًا: أيوه والله يا باشا دا كل اللي نعرفه. هتف الضابط مرة:
ماشي، بس أنتوا لازم تيجوا معانا القسم عشان ياخدوا أقوالكم، وبرضه هناخد أقوال أخو مدام كارمن وابن عمها، ونستنى لما هي تفوق عشان ناخد أقوالها هي كمان ونقفل القضية. أومأ نعمان ورد: إحنا تحت أمرك يا باشا. وصل سيف وسمران إلى الحارة، لتتساءل سمران بذهول: إحنا فين يا سيف؟ ابتسم سيف وقال: إحنا في الحارة... حارة العشاق. ضحكت سمران: بجد اسمها كده؟ أنا أول مرة أجي مكان زي ده. رد بابتسامة:
أهو دا بقى يا ستي المكان اللي أنا متربي فيه. اتسعت عين سمران بتفاجؤ وهتفت: بجد؟ أنت كنت ساكن هنا زمان؟ هز رأسه بتأكيد، لتستطرد: طب إحنا هنعمل إيه هنا؟ أجاب بهدوء: أنا جايبك تقعدي مع ناس معرفة ليا من زمان... ناس طيبين أوي مش هتلاقي حد زيهم لا في جدعنتهم ولا كرامتهم. ناس هبقى مطمن عليكي وسطهم، ومتقلقيش هتحبيهم. عضت سمران شفتيها وقالت بخوف: أنت متأكد؟ أنا خايفة. أمسك يديها وقبلها، ثم وضعها على قلبه:
متخافيش، أنتِ هنا في أمان. ويلا ننزل بقى عشان بقالنا كتير في العربية. نزلوا من السيارة وأمسك يدها واتجهوا إلى إحدى البنايات وصعدوا إلى الطابق الثاني وطرق الباب. ثوانٍ وفتحت هدير التي تفاجأت بوجود سيف قائلة: سيف باشا... أهلاً وسهلاً. ابتسم سيف بوقار: السلام عليكم... إزيك يا ست هدير. ردت هدير ببشاشة: إن شاء الله تسلم. ثم وجهت نظرها لسمران، ليعرفها سيف بمودة: سمران مراتي.
لتنطلق هدير تضمها بقوة ترحب بها، لتتأوه سمران بضحك، لتقبلها هدير على وجنتيها: يا أهلاً وسهلاً يا حبيبتي، دا الحارة نورت... تعالوا اتفضلوا. ابتسم سيف وهتف: سمران بس اللي هتتفضل... وأنا همشي عشان هروح لنعمان. شهقت هدير ووضعت يدها على قلبها: انت عرفت حاجة؟ طمني يا أخويا... هما كويسين؟ طمأنها سيف قائلاً: متقلقيش كلهم كويسين... فيه بس شوية مشاكل حصلت بسبب جاسم، وأنا هروح لهم وهنرجع كلنا سوا. تفهمت هدير وهتفت:
أنا قولت الراجل ده خسيس ومش هيعديها بالساهل... المهم بس يرجعوا بالسلامة. هز سيف رأسه: هيرجعوا متقلقيش... المهم مش هوصيكي على سمران... هي بس تعبانة شوية، فخدي بالك منها. ردت هدير بجدعة: في عيني متقلقش... اتكل أنت على الله ومتشلش هم. هز سيف رأسه بتفهم ووجه كلامه لسمران: مش هتأخر عليكي يا حبيبتي... وخلي بالك من نفسك. ودعته سمران ودخلت مع هدير إلى شقتها، لتقول هدير بفرحة حقيقية: نورتي الدنيا كلها والله....
تعالي أما أعرفك على صحابي هتحبيهم أوي، ثم نادت بصوت عالٍ: يا سهير..... بت يا روان تعالي. خرجت روان سريعًا، ومن خلفها سهى التي قالت: إيه يا هدير.... ثم نظرت إلى سمران وقالت: الله مين الحلوة دي؟ ضحكت هدير قائلة: دي سمران مرات سيف باشا صاحب نعمان. هزت سهير رأسها وسلمت على سمران قائلة: أهلاً يا قمر... نورتي... ألا أنتِ ليه اسمك سمران مش سمر واحدة وخلاص؟ ضحكت سمران برقة شديدة، لتهتف روان بانبهار:
هما بيجيبوا النسوان الحلوة دي منين؟ انفجروا في الضحك، لتردف سمران موجهاً حديثها لهدير: صحابك دمهم خفيف أوي يا هدير. ربتت روان على صدرها بخفة قائلة بدراما: الله يخليكي... الله يخليكي. دخلوا إلى غرفة الجلوس وجلسوا يتسامرون، واندامجت سمران معهم سريعًا، لتسألها هدير: صحيح سيف باشا كان بيقول إنك تعبانة.. هو أنتِ حامل ولا إيه؟ احمرت سمران بشدة ونفت سريعًا برأسها: لا... لا مش حامل... أنا بس عندي شوية برد. ابتسمت هدير
وربتت على يديها قائلة: سلامتك يا حبيبتي... ربنا يرزقك عن قريب إن شاء الله. ابتسمت سمران بخجل ولم تجب بشيء سوى الصمت. وصل إلى سيف إلى قسم الشرطة الموجود به نعمان وكارم، بعد أن أخبروه بوجودهم هناك. وقف أمام مكتب الضابط ليقول للعسكري بالخارج: قولي للباشا سيف الدسوقي. هز العسكري رأسه وأخبر الضابط بوجود سيف بالخارج، ليقوم الضابط من مكانه يرحب به سريعًا: سيف باشا يا أهلاً يا أهلاً اتفضل.
حيا سيف بوقار وجلس بهدوء، ليسأله الضابط قائلاً: خير يا باشا.. أي خدمة؟ تكلم سيف بجدية: أنا عرفت إن أنت محتجز أصدقاء ليا هنا. سأله الضابط: مين دول؟ رد سيف: كارم إبراهيم.. ونعمان الخطيب. هز الضابط رأسه وقال: آها... إحنا مش حاجزينهم، بس كنا بناخد أقوالهم في حادثة انتحار جاسم الشرقاوي. سأله سيف مرة أخرى: يعني هما مش عليهم أي حاجة؟ نفى الضابط برأسه: لا يا باشا متقلقش.. أنا هدخلهم لحضرتك دلوقتي. ثم نادى للعسكري:
أنت يا بني دخلّي كارم ونعمان من بره. ضرب العسكري التحية العسكرية وخرج، ثم عادت بعد ثوانٍ ومعه كارم ونعمان. استقبلهم سيف بتساؤل: انتوا كويسين؟ أجاب نعمان: أيوا بخير... بس عاوزين نروح لصلاح. وجه سيف السؤال للضابط قائلاً: نمشي يا حضرة الظابط ولا لسه عاوزهم في حاجة؟ الضابط يده بالسلام وقال: لا يا باشا اتفضلوا... مع السلامة. وقفت تصرخ على صغيرتها التي تركض هنا وهناك بمشاكسة: يا بنتي يا بنتي.. اتكني في مكان بقى...
أنا تعبت. دبدبت الصغيرة على الأرض بعنف بقدمها الصغيرة وقالت: يا ماما سيبيني ألعب براحتي بقى... أنا زهقت. زفرت أسماء رأسها بلا فائدة وقالت: يا قلب ماما أنا خايفة عليكي... تتعوري. نفت الصغيرة: لا متخافيش مش هتعور. ردت أسماء بابتسامة: إن شاء الله يا حبيبتي. قطع كلامهم صوت رنين الهاتف، لتقول أسماء لابنتها: هاتي الفون يا لولي. ردت الصغيرة: حاضر يا مامي. ذهبت الصغيرة وأحضرت الهاتف لوالدتها، لتنظر أسماء للرقم الغريب بتساؤل:
رقم مين ده؟ ثم فتحت الهاتف، ليأتيها صوت أحدهم قائلاً: السلام عليكم... مدام أسماء الشرقاوي معايا. ردت أسماء: أيوه يا أستاذ مين معايا؟ أجاب: معاك الرائد محمد فوزي. هزت أسماء رأسها: أهلاً يا فندم خير. حمحم الضابط قائلاً: أنا عايز أبلغ حضرتك إن جاسم بيه الشرقاوي انتحر النهارده الصبح. جحظت عين أسماء بشدة، لتصرخ بصوت عالٍ: أخوياااااااا. ترنح صلاح في وقفته أمام غرفة العناية المركزة، ليسانده عمار وهو يقول بهلع:
إيه يا صلاح في إيه؟ لكن صلاح لم يرد عليه، وهو يسقط مغشيًا عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!