بعد مرور شهرين. تعالت الزغاريد بشدة بعد أن تم عقد قرآن كارم وروان، وسط جو من الفرح والبهجة الذي عم الأجواء. هلل الشباب وانطلقوا يلقون عبارات المباركة والنكات فيما بينهم، ليهتف عمار بصخب: "مبروك يا عم كارم... خليت نفسي تهف على الجواز." ضحك كارم بقوة وأردف: "طب يلا شد حيلك بقى، عاوزين نفرح بيك." اختلس عمار النظر باتجاه سهير وأجاب بتمني: "ادعولي." ضحك الجميع،
ليقول نعمان لكارم ببشاشة: "أخيرًا عملتها، دا أنا كنت فقدت الأمل." ابتسم كارم وهتف بمشاغبة: "الحمد لله... أقولك عقبالك للمرة الثانية ولا إيه؟ شهقت هدير ونظرت لكارم شزراً وهتفت بغيظ: "جرا إيه يا كارم... قوله يا أخويااا عقبال ولادك.. مرة ثانية إيه! ضحك نعمان وهو يربت على كتف هدير بمحبة وقبل رأسها يسترضيها قائلاً: "مرة ثانية إيه، هو في حد يتجوز أم ياسين ويفكر في غيرها.. دا هي عندي بالدنيا كلها."
ابتسمت هدير بخجل واحمرت وجنتيها، لتشاكسها روان قائلة: "سيدي سيدي على الكلام الحلو... الله عليك يا أبيه نعمان." ثم لكزت كارم في كتفه وقالت له بهمس: "اتعلم." رفع كارم إحدى حاجبيه وهتف: "والله على أساس إني مبقولكيش كلام حلو." هزت روان كتفيها قائلة: "هو فين دا.. أنا شفت منك.. ثم إنك حتى مقلتليش مبروك." ضحك كارم وهمس بجوار أذنيها: "ما أنا مستني لما نبقى لوحدنا، عندي كلام كتير عاوز يتقال."
ثم غمزها بخبث وتحرك باتجاه صديقه الحزين. شهقت روان وتأوهت بقوة، ثم ضربت سهير على يديها لتهتف سهير بضحك: "في إيه؟ بقرصك في ركبتك عشان أحصلك في جمعتك." صرخت روان بغيظ: "وهو القرص يبقى بالغباء ده! هتفت سهير: "أيوه لازم عشان أتجوّز بسرعة، ولا عاوزاني أفضل قاعدة؟ ضحكت روان بيأس، ثوانٍ واحتضنوا بعضهم بشدة، لتهتف سهير بفرحة: "مبروك يا رورو... أنا مفيش حد فرحان قدّي النهاردة.... أخيرًا عشت وشوفتكوا بتتجوزوا."
ضحكت روان بشدة وقالت: "صحيح، لقد هرمنا." قهقهت سهير وقالت: "من مئة وعشرون عاماً وأنا أنتظر هذه اللحظة." هتفت هدير وهي تبعد سهير عن روان: "كفاية، عاوزين نبارك للعريس." ابتعدت سهير تقول بغيظ: "ما تباركي يا أختي، هو أنا مانعاكي." حضنت هدير بقوة تبارك لها بمحبة، لتقترب سهير من كارمن تقول لها: "يلا خدي دورك انتي كمان." ابتسمت كارمن بهدوء: "هستنى لما هدير تخلص."
هزت سهير رأسها: "هدير مش هتخلص النهاردة، دا لسه هتديها الوصايا العشر." هتفت هدير بغيظ: "ما تتلمي يا سهير." تكلمت سهير بمسكنة: "ألاه، هو أنا قلت حاجة؟ نظرت لها هدير بنصف عين: "يا بت." ضحكت سهير بقوة وتمتمت بصوت خفيض: " عاوزين شوية خبرة من اللي عندك يا كبيرة.. أكيد المعلم عامل الواجب وزيادة." قهقت هدير بقوة وغمزت لسهير قائلة: "اتقلي تاخدي حاجة نضيفة."
نزلت سمران على درج الفيلا وهي تجري بشدة، وفي نهاية الدرج تلقفها سيف بين ذراعيه، يضمها إليه بقوة يكاد يلصقها به وهو يتمتم بهمس: "وحشتيني يا قطتي." ردت سمران وهي تغمر وجهها في عنقه: "وانت كمان وحشتني أوي يا سيف.... كل دا غياب، قولتلي هتيجي بعد أسبوع وبقالك شهر بعيد عني." رضاها سيف قائلاً: "معلش يا قلبي، غصب عني والله." دمعت عين سمران برقة: "ينفع تسيبني كل دا لوحدي؟ ضم سيف وجهها بين يديه وقال بحب: "آسف يا عمري."
"مش هتتكرر تاني... بس لما تشوفي المفاجأة اللي أنا عاملها لك هتسامحيني." هزت سمران رأسها بتساؤل: "مفاجأة إيه؟ قبل سيف جبينها برقة وابتعد، يجلي صوته وهتف بقوة: "ادخل يا سليم." دخل شاب في أوائل العشرينات يشبه سيف إلى حد كبير، ولكن تظهر على ملامحه الشقاوة والمرح، يجر رجل في أواخر الخمسينات يجلس على كرسي متحرك، لتصرخ سمران بقوة: "بابي!
تنحنح كارم يريد الجلوس مع روان، ولكن الفتيات يأخذونها منه ولا يتركون له المساحة الكافية كي يتكلم معها لدقائق، فهو حتى الآن لا يصدق أنها أصبحت له حلاله، يريد أن يضمها إلى صدره ليتأكد أنه لا يحلم وأنها حقاً بين ذراعيه. هتفت سهير: "يلا يا بنات... نسيب العريس يقعد مع عروسته شوية." ضحكت هدير قائلة: "ماشي... يلا بينا.. بت يا رورو." "زي ما قولتلك." ابتسمت روان بخجل وقالت: "حاضر يا ديرو.... لا تقلقي."
كتمت هدير ضحكتها وهمست: "أنا مش قلقانة... أنا خايفة عليه هو منك... ربنا يستر وما تفضحيناش." انفجرت سهير في الضحك غير قادرة على منع نفسها، وكارمن تكتم ضحكتها بشتى الطرق حتى لا يظهر عليها شيء، ثم خرجوا وأغلقوا الباب خلفهم وهم يغمزون لروان بمشاغبة. تنفس كارم بقوة واقترب منها ونظر لها بعمق وقال: "ياااه لسه فاكرك وإنتي لسه بيبي قد كده..... مين كان يصدق إن الحلوة اللي ربيتها على إيديا هتكون من نصيبي في يوم من الأيام.....
كبرتي قدامي سنة بسنة لحد ما فجأة لقيت نفسي بحبك... معرفش حصل إمتى وإزاي... كل اللي أعرفه إن عمري ما اتمنيت واحدة غيرك... كل ما كنت أتخيل البت اللي هتجوزها كانت صورتك هي اللي بتيجي في بالي... بحبك يا رورو... بحبك أوي." بكت روان ورمت نفسها بين أحضانها وهتفت بقوة: "وأنا... وأنا.... عمري ما اتمنيت حد غيرك... وعمري ما حبيت حد إلا انت.... من يوم عرفت يعني حب... كنت انت المثال الوحيد في حياتي... انت مش بس حبيبي يا كارم...
انت أبويا وأخويا وصاحبي ودنيتي كلها... انت كل عيلتي يا كارم.... أنا مليش غيرك ومش عاوزة حد غيرك." تأوه كارم يضمها بقوة يريد وشمها على صدره: "آه يا عُمر كارم وأحلى ما في حياته." رفعت وجهها إليه تنظر في عمق عينيه بحب، ليقترب منها كارم يقبلها جبينها بعمق، لتغمض روان عينيها. تستمتع بوجودها بين يديه...
نزل كارم بشفتيه إلى عينيها، ثم نظر لشفتيها وابتلع ريقه بقوة، ولكن لم يقدر على منع نفسه وهو يراها بكل هذه الرقة والوداعة، ليقطف من رحيق شفتيها قبلة تنسيه عالمه. شهقت روان بقوة، ليضمها كارم وهو يمرر يده على ظهرها برقة، ثوانٍ واستسلمت وتركته يتعمق في قبلته أكثر وأكثر. في المساء. دخل نعمان إلى منزله ليقابله الهدوء على غير العادة، انطلق باتجاه غرفته ليرى هدير تقف أمام المرآة وهي تمشط شعرها،
ألقى السلام وهتف: "أومال البيت هادي كده ليه؟ ياسين فين وخالتي أم سيد؟ ابتسمت هدير وأجابت: "ناموا." هتف نعمان بتساؤل: "بدري كده؟ أومأت هدير برأسها: "أيوه ياسين اتنهك من اللعب طول النهار وخالتي أم سيد خدت العلاج ونامت." هز نعمان رأسه بتفهم وقال: "طب أنا هغير هدومي وأدخل آخد دش على السريع كده." نظرت له هدير بتوتر تفكر كيف تخبره بهذا الخبر الذي يؤرق ليلها، تتخيل ردة فعله عندما تخبره، هل سيفرح أم سيكون له رأي آخر.
هم نعمان بالخروج من الغرفة لتهتف هدير منادية: "نعمان." رد نعمان: "نعم يا هدير.. في حاجة؟ عضت هدير على شفتيها تقول بتوتر: "كنت ك... كنت. عاوزة أقولك على حاجة." لاحظ نعمان توترها ليقترب منها يمسك يدها يبثها الأمان وقال: "في إيه؟ قوللي." بلعت هدير ريقها بصعوبة تتمتم: "أنا روحت عند الدكتورة من يومين وقالتلي." قطعها نعمان برعب: "كنتي عند الدكتورة ليه.... انتي تعبانة... مالك يا هدير طمنيني."
ابتسمت هدير تطمئنه: "متقلقش مفيش حاجة.. في بس ضيف هيشرفنا كمان كام شهر." نظر لها نعمان بعدم فهم يقول: "إيه؟ مش فاهم." ضحكت هدير على صدمته لتمسك يده تضعها على بطنها برقة، ليقول نعمان بذهول: "هدير بجد... اللي جه في دماغي صح... انتي حامل؟ هزت هدير رأسها بقوة. ليصرخ نعمان: "يا ما انت كريم يارب.... الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله..... أنا مش مصدق نفسي... أنا هبقى أب يا هدير... هبقى أب."
ضحكت هدير بقوة ليحملها نعمان ويدور بها بقوة، صرخت هدير: "هدوخ يا نعمان نزلني." أنزلها نعمان وحضنها بقوة وهتف: "يا وش السعد يا قلب نعمان..... حققتلي كل اللي كنت بتمناه يا هدير." "عاوزك ترتاحي خالص... متعمليش أي حاجة... واطلبي كل اللي بتتمنيه، كل اللي تعوزيه هتلاقيه قدامك.... اقعدي ارتاحي.... هصلي ركعتين شكر وأجيلك." ربتت هدير على كتفها تقول برقة: "اهدأ... اهدأ."
دمعت عين نعمان بفرحة، رجل تخطى الأربعين لم يكن يصدق أنه بعد هذا العمر الطويل وكل هذه السنين التي ضاعت من عمره أنه سيكون له طفل صغير من صلبه. لقد اكتفى بياسين وحمد الله ورضى أنه حتى لو لم يرزق بأطفال فسيكفيه وجود هدير وياسين بجواره، ولكن الآن بعدما أخبرته هدير أنه سيكون له وريث، طفل يحمل اسمه، يدلله ويحقق له ما يتمنى، يكبر أمامه عينيه ويتعكز عليه، يسنده ويستند عليه.
لو يصف شعوره الآن فهو لا يقدر بثمن، لن يشعر به سوى من مر بظروفه، شعوره كمن كان في عتمة وفجأة امتلأت حياته بالنور. هرعت سمران إلى أحضان والدها تبكي بشدة وتلومه على تركه لها: "وحشتني أوي يا بابا.... ليه سبتني دا كله لوحدي." ربتت الأب على كتفها يشارك ابنته البكاء والشوق: "آسف يا حبيبة بابا، حقك عليا... سامحيني يا سمران... أنا جيت عليكي كتير أوي...
الشغل والفلوس كانوا عندي في المقام الأول لحد ما نسيتك ونسيت نفسي.. بس الفلوس عملتلي إيه؟ خسرت كل حاجة.... كل شركاتي وفلوسي خسرتهم، حتى صحتي خسرتها... سامحيني يا بنتي سامحيني." انتحبت سمران بشدة وهتفت: "مسمحاك يا بابا، أنا مليش غيرك في الدنيا... مهما عملت فيا هسامحك... ومش مهم الفلوس، مش مهم أي حاجة.... المهم إن انت معايا وكويس." ضم ابنته ونظر لسيف بحزن وكبرياء مكسور: "شكراً يا سيف.... شكراً يا ابني...
إنك حافظت على بنتي... ومعرضتهاش للذل والإهانة.... شكراً إنك حميتها وشلتها في عيونك.... سامحني على اللي عملته فيك زمان وإن فرقكم عن بعض.... الدنيا كانت عامية عيني والفلوس بتخلي الواحد جبروت وبتخليه ينسى كل حاجة حتى نفسه." تكلم سيف برزانة: "مسامحك يا خالي..... وسمران في عيوني وهتفضل في قلبي وعيوني... طول ما هي معايا متقلقش عليها.... أنا أضحي بحياتي ولا إنها تتعرض لأذى."
نظرت له سمران بامتنان شديد وهي تبكي بحرقة شديدة، غير قادرة على التوقف، يكفيها ما مرت به وما مر به والدها وهي تراه أمام عينيها قعيد، غير قادر فعل شيء، دارت الدائرة وأصبح الآن في موقف ضعف بعد أن كان يتجبر ويتكبر على من هم أضعف وأقل منه. "لا يا جماعة أنا مش هستحمل نكد أكتر من كدا." كان هذا الصوت لسليم، الذي نظرت له سمران بذهول وهتفت: "انت مين؟ توسعت عين سليم بشدة وهتف بذهول مصطنع: "إيه دا؟ انتي متعرفينيش؟
نظرت له سمران بأسف، ثم نظرت لسيف تستشف منه الإجابة، ليستطرد سليم بحزن مصطنع: "لا لا... أنا مش مصدق أبداً... أبداً إزاي.... هو في حد ما يعرفش سليم الدسوقي، أوسم شاب في مصر والشرق الأوسط. كتم سيف ضحكته ثم تكلم بحده: "سليم اتلم." وجهت سمران الحديث لسيف قائلة: "أنا مش فاهمة حاجة." رد سيف بابتسامة: "ده سليم أخويا يا سمران... لو فاكرة أنا حكيتلك عنه قبل كده." مسحت سمران عيونها وهتفت بفرحة: "بجد... أنت سليم....
سيف حكى لي عنك كتير أوي.... وكنت في نفسي أشوفك." ضحك سليم وقال: "متشوفيش وحش... إزيك يا سمران عاملة إيه؟ ردت سمران بابتسامة: "كويسة..... أنت عامل إيه؟ ضحك سليم وسأل: "هو ده صوتك... أنتِ رقيقة كده ليه.... سيف أنت بتتعامل معاها إزاي؟ هتف سيف بحزم: "سليم متنساش إنها مرات أخوك." تكلم سليم بغيظ: "يا جدع هو أنا قولت حاجة... ده مجرد سؤال بريء... صح ولا إيه يا سمران؟ ضحكت وقالت: "سيبه يا سيف... ده طلع لطيف أوي."
نظر سيف بقرف وأردف: "ده لطيف من أنهي ناحية؟ عدل سليم جاكت بدلته وهتف بغرور: "على طول بيغير مني.... هما كده أعداء النجاح كتير." هتف سيف بوعيد: "بقى أنا بغير منك وكمان ليك أعداء نجاح... طب هتشوف أنا هعمل فيك إيه." صرخ سليم وانطلق يجرى وخلفه سيف يتوعده بعقاب شديد وسليم يصرخ: "الحقيني يا سمران... هيموتني." ضحكت سمران بشدة على أفعالهم وهي تحمد الله على نعمة وجود سيف في حياتها.
رن جرس الباب ليفتح عمار الذي تفاجأ بوجود صلاح ورحب به قائلاً: "أبو صلاح... تعالى اتفضل." دخل صلاح وهتف: "أومال كارمن فين؟ ردت كارمن من الداخل: "تعالى يا صلاح أنا هنا." دخل صلاح إلى غرفة الجلوس حيث كارمن وجلس بهدوء عكس ما ينم بداخله وقال: "خير يا كارمن... عاوزاني في إيه؟ نظرت إليهم هو وعمار وقالت: "أنا مليش غيركم دلوقتي وعاوزة أقولكم على الخطط الجاية في حياتي... أنتو طبعاً عارفين إني ورثت فلوس كتير أوي من جاسم...
بس مش عاوزة أي حاجة... أنا هتبرع بكل ورثي للجمعيات الخيرية والمحتاجين." هز صلاح رأسه بتفهم وقال: "حقك يا كارمن... دي فلوسك وأنتي حرة فيها... وأعتقد إنك كده بتعملي الصح." أيده عمار فيما يقول لتستطرد كارمن قائلة: "ده أول حاجة... تاني حاجة أنا قررت أسيب مصر وأسافر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!