استيقظت كارمن من نومها تضع يدها على رأسها وتتأوه بألم. نظرت حولها بتشوش وقالت: "أنا فين؟ سمعت صوت جاسم يقول: "أخيراً فوقتي يا حبيبتي." شهقت كارمن بفزع وتلجلجت تهتف بكلام غير مفهوم: "أنا فين؟ وجيت هنا إزاي؟ أنت عايز مني إيه؟ اقترب منها جاسم يضع يده على خدها وهو يقول: "اهدّي يا قلبي.. انتي خايفة كده ليه؟ أنا جاسم جوزك وحبيبك." أشاحت كارمن بوجهها عنه تنشج ببكاء ناعم مثلها. تنهد جاسم بضيق وأردف بهدوء: "كارو زعلانة ليه؟
أنا عارف إن أعصابك تعبانة عشان كده جبتك فيلا الساحل عشان تغيري جو وتريحي أعصابك." صرخت كارمن بهستيريا وهي تفقد أعصابها: "مش عايزة حاجة منك.. ابعد عني وسيبني في حالي.. امشي مش عايزة أشوفك.. اطلع بره." وقف جاسم يقول بهدوء: "خلاص اهدّي.. اهدّي.. هسيبك لوحدك عمّا تهدي يا روحي وهرجعلك تاني." ثم خرج وأغلق باب الغرفة خلفه. وضعت كارمن رأسها بين كفيها وانفجرت في بكاء يقطع نياط القلب من شدته. *** في الحارة بعد انتهاء الفرح.
وقف عمار يشعر بالقلق الشديد، فكارمن قد اختفت تماماً ولا يعرف إلى أين ذهبت وهاتفها مغلق، مما ينبئه أنه حدث لها شيء ما. اقترب منه صلاح يضع يده على كتفه وقال: "مالك واقف كده ليه؟ نظر له عمار بقلق وأردف بخوف: "كارمن مش في البيت.. ومش عارف هي فين.. وكمان تليفونها مقفول." تسرب القلق لقلب صلاح هو الآخر وقال: "طب وهي هتروح فين؟ في وقت متأخر كده." عمار رأسه بقله حيلة وهتف: "مش عارف.. مش عارف." صمت صلاح لدقائق ثم هتف بأمل:
"أنا هكلم كارم أقوله يسأل سهير أو روان يمكن يعرفوا حاجة عنها." ثم أخرج هاتفه من جيبه وطلب كارم وانتظر حتى جاءه صوت كارم يقول: "أيوا يا صلاح." رد صلاح سريعاً: "كارم آسف لو بتصل في وقت متأخر.. بس ممكن تسأل روان أو سهير لو شافوا كارمن أو يعرفوا عنها حاجة." استفسر كارم متسائلاً: "ليه هي كارمن راحت فين؟ زفر صلاح بضيق: "مش في البيت وتليفونها مغلق ومش عارفين هي فين." رد كارم سريعاً متفهماً:
"ماشي.. تمام.. ثواني هسأل روان وأرد عليك." هز صلاح رأسه كأنه يراه ثم قال: "ماشي بس بسرعة والنبي يا كارم." ثم أغلق الخط ينتظر أن يسمع خبر يطمئنه قليلاً. خرج كارم من شقته يذهب إلى شقة البنات المقابلة له. طرق الباب وانتظر قليلاً حتى فتحت له روان باب الشقة ووقفت تنظر له متسائلة ببرود على غير عادتها: "في حاجة يا أبيه؟ كتفت روان ذراعيها حول صدرها وسألت بجمود: "ليه في حاجة؟ وضع كارم يده في جيبه ونظر إلى الأرض وهو يقول:
"كنت عايز أسألك عن كارمن." جزت روان على أسنانها ونيران الغيرة تشتعل في قلبها ولوحت بيدها تهتف بغضب: "وعايز تسأل عليها ليه إن شاء الله؟ انتفض كارم يستنكر انفعالها وهتف بهدوء: "مش أنا ده صلاح اللي بيسأل عليها." هدأت روان وهي تعود للبرود: "آها صلاح.. ماشي.. بس بيسأل عليها ليه بقى؟ نظر لها يستفسر: "مش هي يا بنتي كانت معاكوا عند هدير؟ هزت روان رأسها بتأكيد: "أيوا كانت معانا.. بس بعد كتب الكتاب مشيت على طول."
سأل كارم مرة أخرى: "طب مقالتش هي راحة فين؟ نفت روان قائلة: "لا مشيت من غير ما تقول.. هما مش لاقينها ولا إيه؟ أومأ كارم برأسه إيجاباً: "أيوا صلاح وعمار بيدوروا عليها ومعرفوش هي راحت فين." قضمت روان أصابعها بقلق وقالت: "طب هتكون راحت فين يعني؟ كارم كتفه بعدم معرفة ورد: "مش عارف.. المهم ادخلي انتي نامي.. وأنا هكلم صلاح وأشوفه وصل لأيه." أومأت روان برأسها إيجاباً: "ماشي.. بس ابقى طمني."
رد عليها كارم عليها وهو يتحرك باتجاه السلم قائلاً: "ماشي هبقى طمنك." *** وقف أمام الغرفة يهم بطرقها ولكن في كل مرة يقرر العكس. فمنذ أن دخلوا إلى شقتهم الجديدة واتجهت هدير إلى الغرفة ولم تخرج منها حتى الآن. وهو تركها على راحتها لربما تشعر بالخجل منه، فهي لم تعتد بعد على صفته الجديدة في حياتها. فالزواج قد تم سريعاً دون أن يأخذوا الوقت الكافي للتعرف على بعضهم وتقبل كل منهما وجود الآخر في حياته.
لذلك قرر أن يتركها الليلة تفعل ما يحلو لها، ويكون له معها كلام آخر منذ الغد. جلس على أحد المقاعد المتجهة لباب الغرفة المغلق وخلع عمامته ووضع بجانبها عباءته الثمينة التي يضعها على كتفه وهو يسند ظهره بأرهاق على المقعد. في داخل الغرفة قضمت هدير أظافرها بقلق تنتظره أن يدخل إليها، ولكنه تأخر كثيراً. لا تعرف ماذا عليها أن تفعل، هل تذهب هي إليه؟ لا لا.. يجب أن يأتي هو إليها. ولكن هل ستتركيه يا هدير من أول يوم لكما معاً؟
عنفت نفسها قائلة: بلاش شغل المراهقين ده يا هدير.. اعقلي انتي واحدة كبيرة.. واتجوزتي قبل كده. شجعت نفسها ثم أخذت نفس عميق وخرجت من الغرفة. حينما سمع باب الغرفة يفتح تنبه له، ولكنه تسمر مكانه حينما رآها تخرج من الغرفة ترتدي قميص أزرق من الستات طويل بعض الشيء وذو حملات عريضة، تضع القليل من مساحيق التجميل وتترك شعرها الأسود المجعد ينسدل على ظهرها حتى آخره.
لثوانٍ أو ربما لدقائق نسي نعمان أن يأخذ نفسه من شدة جمالها ورؤيتها بهذه الطريقة التي تأسر القلب. حاول أن يسيطر على ذاته وهو يتنحنح ويجلي صوته، وتظهر في نظرته نظرة عبثية غير تلك النظرة الوقورة التي اعتادت عليها، ثم هتف وهو يغمز بعينه: "هي باينها هتبقى ليلة فل ولا إيه؟ ضحكت هدير ضحكة ذات رنين عالٍ ليصفق نعمان بسعادة وهو يقول: "الله." ثم دون مقدمات حملها سريعاً وهو يقول بعبث: "استعنا على الشقي بالله." ***
جز سيف على أسنانه بغيظ وهو يقف أمام باب غرفتها يستمع إلى صوت بكائها العالي. فمنذ ساعتين تبكي بشكل متواصل وهو واقف يستمع إليها. يعنفه قلبه بشدة على ما فعله معها، ولكنه لا ينصت له ولا يلقي له بالاً. ففي نظره هي تستحق.. وتستحق أكثر بكثير مما فعله بها. شحن نفسه بجرعة من الغل ليتحرك من أمام الباب ويذهب إلى غرفته. جلس على سريره وسند عليه يغمض عينيه وهو يتذكر ما حدث منذ ما يقرب الخمسة عشر عاماً.
كان والده يمر بوعكة صحية شديدة جداً وقد تقرر له عملية بمبلغ طائل. لو ظل سيف يشتغل لعمر كامل ليلاً نهاراً لم يكن ليحصل عليه أبداً.
فكر في جميع الطرق التي من الممكن أن يحصل على المال من خلالها، ولكن لم يجد أي طريقة تسمح له بجني هذه الأموال. لذا قرر أن يذهب إلى خاله إسماعيل المسيري، رجل الأعمال الشهير المعروف بأعماله الخيرية الكثيرة. طلب أن يقابله لعدة مرات، ولكن كان يقابله الرفض في كل مرة، حتى سمح له أخيراً أن يراه في فيلته. دخل سيف الفيلا ينظر بانبهار إلى مظاهر البذخ والترف التي ينعمون بها، وهو يبتسم ويدعو لهم بالبركة.
رأى خاله يجلس على أحد الكراسي، ولكنه كرسي مختلف قليلاً.. يبدو صنع خصيصاً له. كاد أن يلقي السلام ويتحدث بأدب، ولكنه عاجله إسماعيل قائلاً بتكبر وعنجهية: "خير.. من فترة وأنت عايز تقابلني." بلع سيف ريقه بصعوبة يشعر بأن الكلام قد وقف في حلقه، ولكنه ابتسم بمجاملة وغير مسار الحديث قائلاً: "ازيك يا خالي." زفر إسماعيل بضيق وهتف: "هو أنت جاي تتعرف عليا؟ أنا مش فاضي للكلام ده، أنا وقتي بفلوس."
شعر سيف وكأن دلواً من الماء انسكب عليه، ولكنه آخر كارت لديه، فليأتي على كرامته قليلاً.. من أجل والده الحبيب. حمحم سيف ودخل في الموضوع مباشرة: "أنا والدي تعبان وكنت.." لم يجعله يكمل حديثه وقال: "عايز فلوس يعني." هز سيف رأسه بحرج: "آه.. بس والله العظيم هرجعهم، هيبقوا دين عليا.. وهرجعهم، أو ممكن أشتغل عند حضرتك أي شغلانة." أشار له إسماعيل يوقفه عن الكلام وسأل: "أنت في كلية إيه؟ ابتسم سيف وأجاب سريعاً بفخر: "هندسة."
هز إسماعيل رأسه بتفهم: "آه.. ماشي وأنا موافق أديك الفلوس اللي انت عايزها." ابتهجت ملامح سيف وكاد قلبه أن يرقص فرحاً، ولكنه قتل فرحته في مهدها وإسماعيل يسأله مرة أخرى: "بتعرف تسوق؟ هز سيف رأسه إيجاباً. ليقول له إسماعيل: "طب كويس.. جهز نفسك بقى عشان تبقى السواق بتاع الهانم الصغيرة." *** بعد بعض الوقت دخل جاسم إلى الغرفة الموجود بها كارمن. كانت تبدو هادئة بعض الشيء. اقترب منها بابتسامة وهتف: "كارمن."
لم تنظر كارمن ولم تعره اهتمام، ولكنها قالت بعد فترة صمت: "تليفوني فين؟ أخرج جاسم من جيب بدلته هاتفها المحمول وقال: "أهو.. بس عايزاه ليه؟ احمرت عينا كارمن وصرخت: "عايزة أكلم أخويا أكيد قلقان عليا ومعرفش أنا رحت فين." ابتسم جاسم بسماجة وأردف: "ويقلق عليكي ليه انتي مع جوزك." صرخت كارمن مرة أخرى: "انت مجنون.. مش هو عارف إننا هنتطلق.. هرجعله إزاي من غير ما يعرف." فكر جاسم قليلاً وأعطاها الهاتف وقال:
"خدي كلميه.. بس تقولي له إحنا اتصالحنا ورجعنا لبعض.. ولو قولتي حرف زيادة يا كارمن حسابك هيبقى عسير." نظرت له كارمن بكره وودت لو تخنقه بيدها حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولكنها فضلت الهدوء وأن تفكر بطريقة صحيحة حتى تتخلص منه، فهي لم تعد قادرة على العيش معه مجدداً. كان القلق قد بلغ من عمار منتهاه وهو ينظر لصلاح بقله حيلة: "هتكون راحت فين يعني يا صلاح؟ أخذ صلاح نفس عميق يهدي به روحه الثائرة بقلق:
"والله ما عارف.. بس أكيد خير إن شاء الله." ظلوا هكذا لدقائق حتى رن هاتف عمار، ففرح وهو ينظر للاسم: "دي كارمن." تكلم صلاح سريعاً: "طب رد بسرعة." رد عمار سريعاً بلهفة: "الو.. أيوا.. كارمن.. انتي فين؟ أجابت كارمن بهدوء وهي تمنع نفسها من البكاء حتى لا يشعر عمار بشيء: "أيوا يا عمار.. متقلقش يا حبيبي أنا كويسة.. أنا.. اا أنا اتصالححت أنا وجاسم ورجعنا لبعض." عبس عمار بشدة وهتف: "رجعوا لبعض إزاي.. طب ومقولتليش ليه؟
ردت كارمن تغلق الحوار: "هفهمك كل حاجة بعدين.. أنا هقفل دلوقتي.. اوكي.. سلام." أغلقت سريعاً وبقي عمار ينظر للهاتف بصدمة. سأله صلاح مستفسراً: "قالت لك إيه؟ أجاب عمار بذهول: "بتقول اتصالححت هي وجاسم ورجعوا لبعض." ابتسم صلاح بحزن وربت على كتف عمار: "طب كويس يلا نطلع بقى ننام عشان الوقت اتأخر." وأقرن كلامه بالفعل وهو يتجه إلى باب البناية وعقله يعنف قلبه قائلاً: أكنت تعتقد أنها ستترك زوجها وتعود لك بعدما تركتك من أجله...
في كل مرة ينمو الأمل في قلبه، تهدمه دون رأفة، وكأنها اعتادت على أن تجرحه وتدهسه دون أن تدري.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!