الفصل 3 | من 20 فصل

رواية حارة العشاق الفصل الثالث 3 - بقلم أمنية أشرف

المشاهدات
25
كلمة
1,330
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

تسمرت أمام الباب وهي ترى جاسم زوجها واقفًا أمامها ينظر إليها بغضب شديد، ثم تكلم بصوت يشبه فحيح الأفاعي رغم ما يشوبه من التهكم: "كنتي فاكرة إني مش هعرف أوصلك؟ تحكمت كارمن سريعًا في ملامح وجهها لتظهر اللامبالاة، رغم تفاجئها بوصوله السريع إليها. ثم كتفت ذراعيها حول صدرها وقالت: "لأ.. كنت متأكدة إنك هتيجي، وكنت مستنياك على فكرة." ابتسم جاسم وهو يفكر أنها قد لانت وسامحته: "طب يلا بينا نروح بيتنا." اتسعت عين كارمن بلا

تصديق من بجاحته الشديدة: "انت سامع نفسك بتقول إيه؟ هز جاسم رأسه وقال: "أيوه بقول، كفاية كده.. ويلا قدامي على البيت." تنفست كارمن بسرعة وهي تكاد أن تنفجر من شدة الغيظ: "لأ دا انت بجح أوي." صرخ جاسم بحدة: "كارمن.. أنا مسمحلكيش." صرخت كارمن بالمقابل وقد طفح بها الكيل: "يا أخي بلا كارمن بلا زفت.. وانت مين أصلًا عشان تسمحلي ولا متسمحليش؟ انت معدتش ليك أي دخل بيا، واتفضل يلا من غير مطرود عشان أنا مش طايقة أشوف وشك قدامي."

احمرت عين جاسم بشدة وكاد أن يضربها، ولكن يدًا قاسية كادت أن تقتلع يده من شدة قوتها وهي تقول: "جرى إيه؟ انت هتمد إيدك عليها وهي في وسطنا ولا إيه؟ كان صلاح عائدًا من نوبته من المستشفى يشعر بالإنهاك، ولكن سمع صوت كارمن وهي تصرخ، فتحفزت كل خلاياه للمشاجرة الوشيكة، حتى كاد جاسم أن يضرب كارمن، ليُمسك صلاح يده بحدة يبعده عنها. صرخ جاسم: "ابعد إيدك.. وانت مين انت عشان تدخل ما بين واحد ومراته؟ ضحك صلاح بسخرية:

"وهو فين التدخل دا؟ انت واحد معندوش رجولة وهيمد إيده على واحدة ست، وأنا رجولتي متسمحليش أبدًا إني أشوف واحد هيضرب واحدة وما أدخلش." غضب جاسم وقال: "الست دي تبقى مراتي." لم تتغير ملامح صلاح ولم تهتز عضلة واحدة في وجهه وهو يجيب: "حتى لو مراتك، دا مديكش الحق أبدًا إنك تهين كرامتها وتمد إيدك عليها." تكلمت كارمن من خلف صلاح: "سيبه يا صلاح، هو خلاص هيمشي ويورينا عرض أكتافه." هز جاسم رأسه بنفي:

"لأ مش همشي غير ورجلي على رجلك." ضحكت كارمن بسخرية: "لأ هتمشي، وهتمشي لوحدك، وهستنى ورقة طلاقي توصلي." تفاجأ صلاح بكلام كارمن، فهو حتى الآن لا يعرف سبب الخلاف بينها وبين زوجها، ولكنه سكت. أما جاسم فاحمرت عيناه بشدة وقال: "طلاق مش هيحصل يا كارمن." ظلت كارمن على سخريتها واحتفظت بجمود ملامحها: "لأ هتطلقني.. ولا تحب أرفع عليك قضية خلع والأخبار تنتشر إن جاسم بيه الشهاوي مراته خلعته؟ جز جاسم على أسنانه بعنف:

"كارمن ما تتحدنيش." ضحكت كارمن بصوت عالٍ: "لأ هتحداك أنا يا باشا، معنديش حاجة أخاف عليها، وعندي ضدك بدل الدليل عشرة.. وانت عارف إن كارمن مش ضعيفة وعمرها لا كانت ولا هتكون." ضحك جاسم بسخرية: "اتغيرتي يا كارمن." ابتسمت كارمن بسخرية مرة: "من بعض ما عندكم يا جاسم." ظل صلاح يتابع هذا الحوار المبطن بالكثير من التهديد والوعيد وهو لا يفقه شيئًا، ولكنه بقى واقفًا حتى لا يتهور جاسم ويؤذي كارمن. أما كارمن فنظرت

لجاسم باستهانة وقالت: "شرفتنا يا جاسم." زفر جاسم بضيق، ولكنه آثر السلامة، فهي في نقطة قوة، وأيضًا قد اختارت المكان الصحيح حتى تحتمي خلف رجاله، فالحارة كلها كبيت واحد، ولو تهور قد يصبح في خبر كان، وهو الآن وحيد أعزل، فلْينسحب هذه المرة ويعود المرة القادمة ومعه رجاله: "ماشي يا كارمن.. بس أوعي تفتكري إنك خلصتي مني، أنا همشي دلوقتي بس هرجعلك تاني." ورحل دون أن ينتظر الإجابة.

دخلت كارمن وتركت الباب مفتوحًا، ثم جلست على أقرب مقعد بجوار الباب، ثم وضعت رأسها بين كفيها بيأس. فما كان من صلاح إلا أن وقف عند ضلفة الباب المفتوحة وقال: "ممكن أفهم إيه اللي حصل ما بينك إنتي وجاسم؟ رفعت كارمن رأسها ونظرت لعينه بلا تعبير وردت: "مفيش حاجة.. كل الموضوع اللي أنا وهو هنطلق." ضيق صلاح عينيه وهو يقول بتهكم: "غريبة، يعني مش هو دا اللي انتي حاربتي الدنيا كلها زمان عشان تتجوزيه؟ زفرت كارمن بضيق وقالت:

"صلاح أنا مش بقدم.. لو سمحت أنا فيا اللي مكفيني." أخذ صلاح نفسًا عميقًا ثم أردف: "أنا مش بقدمك يا كارمن، أنا بس عاوز أفهم." زفرت كارمن بضيق: "معلش يا صلاح مرة تانية عشان مش قادرة أتكلم دلوقتي." هز صلاح رأسه بتفهم وقال: "ماشي يا كارمن زي ما تحبي." ثم تركها ودخل شقته.

في بناية أخرى في نفس الحارة، وصل كارم إلى شقته بعد يوم عمل طويل. كاد أن يدخل ليسمع صوت باب شقة والده المقابل لشقته يفتح وتظهر منه روان، الصغيرة ابنة عمه الشقية. نظرت له روان بغضب وهي تضع يدها في خصرها وهي تقول: "اتأخرت كدا ليه يا أبيه؟ ضحك كارم بصوت عالٍ: "أنا آسف على التأخير، بس كان عندي شغل كتير." ثم سكت وضحك مرة أخرى: "والله أمي ما بتعمل معايا كدا." شاركته روان الضحك وقالت: "ما هي أصلًا سابتلي المهمة دي من زمان."

ابتسم كارم وقال: "طب تمام اطمنتِ؟ ادخلي نامي بقى.. عشان أدخل أنام أنا كمان." هزت روان رأسها بنفي: "لأ استني.. هدخل أجيبلك الأكل، زمانك ميت من الجوع." ثم أكملت حديثها وهي تدخل الشقة مرة أخرى. جاءت بعد دقائق تحمل بيدها صينية تضع عليها بعض أنواع الطعام المختلفة، وقالت وهي مبتسمة بفخر شديد: "أنا اللي طابخة النهاردة، ابقي دوّق بقى وقولي رأيك." ابتسم كارم وقال: "من غير ما أدوق أكيد جميل.. تسلم إيدك." ابتسمت روان بسعادة

وقلبها تزداد دقاته بسعادة: "الله يسلمك.. يلا تصبح على خير بقى." ابتسم كارم وهو يهز رأسه: "وإنتي من أهل الخير." ثم دخل شقته وهو يفكر أن رؤية وجهها الجميل هو أجمل ختام لهذا اليوم المُرْهِق له ولأعصابه. خرجت من بوابة البناية وهي تلهث بشدة ووجهها يظهر عليه الفزع الشديد، واتجهت إلى المقهى سريعًا وهي تنادي: "معلم نعمان.. يا معلم! هرع إليها نعمان سريعًا وهو يقول بفزع: "في إيه يا ست هدير؟ إيه اللي حصل؟ تلاحقت

أنفاس هدير وقالت بتلجلج: "أمي الحاجة أم سيد تعبانة أوي ومش عارفة أعملها إيه." ابتلع نعمان ريقه وهتف: "طب اهدي، خير إن شاء الله مفيش حاجة.. أنا لسه شايف الدكتور صلاح وهو طالع شقته، وأكيد لسه ما نامش، هتصل عليه بسرعة ييجي يشوفها." ثم قرن كلامه باتصاله بصلاح، ثم انتظر قليلًا حتى أتاه صوت صلاح يقول: "السلام عليكم.. أيوه يا نعمان." رد نعمان سريعًا:

"وعليكم السلام.. معلش لو بتصل عليك في وقت زي دا، بس خالتي الحاجة أم سيد تعبانة شوية وعاوزينك تشوفها." رد صلاح: "طب ثواني يا نعمان، أنا جايلك أهو." ثم أغلق الهاتف وحاول أن يطمئن هدير، ثم انتظر لدقائق حتى أتى صلاح، وهرعوا إلى منزل الحاجة أم سيد، حماة هدير. بعد بعض الوقت، قالت هدير لصلاح: "طمني يا دكتور، أمي مالها؟ ابتسم صلاح بهدوء: "مفيش حاجة يا ست هدير، خير إن شاء الله.. ضغطها بس عالي شوية." هزت هدير رأسها:

"يعني هي كويسة؟ رد نعمان: "أيوه يا ست هدير كويسة، اجمدي ومتقلقيش كده." مسحت هدير طرف عينيها بحجابها منعًا لانزلاق الدموع: "أعمل إيه؟ غصب عني، أنا مليش غيرها في الدنيا، هي وياسين." نظر لها نعمان بحزن ونفذ قلبه ورق لحالها وقال: "متقوليش كدا يا ست هدير، واحنا روحنا فين يعني، ما إحنا موجودين أهو." ابتسمت هدير بضعف وتقابلت عيونهما في نظرة طويلة وأجابت: "إن شاء الله تسلم يا معلم." تنحنح نعمان وصمت حتى

انتهى صلاح من الكشف وقال: "أنا ادتلها حقنة توطي الضغط وكتبتلها نوعين علاج جديد مع القديم اللي بتاخده، وأهم حاجة تلتزم بالعلاج وتبعد عن أي حاجة تزعلها." هزت هدير رأسها سريعًا: "عنيا يا دكتور، والله ما حد بيزعلها أبدًا، وحاضر هتلتزم بالعلاج.. وألف شكر تعبناك معانا." ابتسم صلاح بهدوء: "ولا تعب ولا أي حاجة يا ست هدير، وأي حاجة أنا موجود دايما." ثم وجه حديثه لنعمان: "يلا بينا يا نعمان." تنحنح نعمان مرة أخرى: "ها؟

أيوه يلا بينا.. هتعوزي حاجة يا ست هدير؟ ابتسمت هدير وقالت: "سلامتك يا معلم، مع السلامة." ابتسم نعمان وخرج خلف صلاح وهو يلقي السلام. دخل إلى الغرفة وهو يشعر بالغضب الشديد، ثم قال لصديقه الجالس بهدوء يثير الأعصاب: "اللي سمعته دا حقيقي؟ ظهرت ابتسامة لزجة على شفتي صديقه وهو يجيب: "سمعت إيه؟ خير." نظر له بغيظ: "ولااا.. متحورّش.. انت فعلًا قررت ترجع مصر؟ ابتسم عمار وأجاب:

"أيوه خلاص، أنا زهقت من الغربة وتعبت سنين من عمري عمالة تضيع من غير أي جديد في حياتي، جيت هنا عشان أتمرد على كل حاجة في بلدي، وبعد السنين دي كلها اتكشفت إني معملتش أي حاجة تستحق الغربة والبهدلة، يا ريتني سمعت كلام أبويا وفضلت معاهم، على الأقل كنت جمعت شوية ذكريات قبل ما يسيبوني ويمشوا، وكمان أختي وحشتني، عاوز أشوفها وأطمن عليها، مش عارف ليه عندي إحساس إنها محتاجاني." هز صديقه رأسه بتفهم: "يعني دي قرارك النهائي؟

ابتسم عمار وأجاب: "أيوه خلاص، وكلها أيام وأسافر بإذن الله." ضربه صديقه على كتفه بمحبة وقال: "ربنا معاك يا صاحبي.. وهتوحشني ياض." ابتسم عمار وعانقه بأخوية وهو يقول: "وانت كمان يا صاحبي، ابقى تعال زورني." ابتسم صديقه وقال: "أكيد هبقى أجلك." هز عمار رأسه بلا معنى، ثم أخذ نفسًا عميقًا وهو يفكر أنه قد آن الأوان أن يعود مرة أخرى إلى أرض الوطن، وبالأخص إلى الحارة وأهلها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...