فتح باب غرفتها ودخل دون استئذان. كانت هي جالسة على أريكتها، وعندما لمحتـه نهضت فوراً وهي تصرخ بضيق: -إنت إزاي تدخل كدا؟ متعرفش حتى إنه من الذوق تخبط قبل ما تدخل على واحدة؟ أجابها ببرود وهو يرفع إحدى حاجبيه بتسلية: -والـست دي تبقى مراتي وأنا سايبها في حالها لدلوقتي بمزاجي. رمقته بضيق ولم ترد. اقترب منها متابعاً: -أبوكي جاي كمان شوية. رفعت عينيها تناظره بلهفة وقالت: -هخليك تقابله بس بشرط.
تساءلت عيونها عن الشرط، فقال وهو يحاصر خصرها بيديه جاعلاً عينيها تقابل عينيه السوداء: -تفهميه إنك موافقة على جوازنا. كانت عينيها بدأت تتأثر بعيونه، إلا أنها مازالت مستيقظة، لم تغرق كلياً به وبسحره، فقالت: -بس كدا ممكن يفهمني غلط وإني متخطفـتش وجيت بمزاجي. -أنا هقولك إنك اتخـطفتي وهقوله كمان إنك حاولتي تهربي، بس إنتي هتقولي إنك بعدين رضيتي بالأمر الواقع وموافقة من قلبك كمان.
ضيقت حاجبيها بتعجب من حديثه. غريب فعلاً ما قاله. أيراضيه أن يظهر بتلك الصورة السيئة أمام والده؟ لن يخجل وهو يعترف أنه خاطفها بالفعل. ذلك الرجل حقاً محير وبالنسبة لها لغز صعب أن ينفك أبداً. وصرحت له بأفكارها، فأجاب بلامبالاة: -ما يهمنيش رأي حد فيا وكيف عايز يشوفني وكيف هيشوفني، اللي يهمني هو أنا ورأيي أنا فيا ورأي اللي بحبهم. مرر يده على وجنتيها بخفة فأنقشعرّت أثر لمسته وقـال: -وإنتي من اللي بحبهم على فكرة.
قالها بخفوت شديد وهمس أشد، لاعباً بهمسه على أعصابها فزاد هذا من توترها. لا تعلم ما يحدث لها بالضبط وهي معه، لكن بالفعل تصيبها مشاعر غريبة وتجتاحها أثر قربه وهمسه لها. غريب أن تشعر بتلك المشاعر بقرب خاطف و... قاتل. أحاسيسها كلها تنقبض بلذة غريبة عندما يتلاعب بها بكلماته المثيرة. حقاً يكاد يصيبها الجنون أثر جميع ما يحدث معها. كيف تتحرك مشاعرها لرجل وهي تعترف بحبها لآخر؟
لرامز الذي كان ينتظر أن تنتهي من بطولة التنس ليقوما بكتب الكتاب ثم الزواج. ماذا ستقول لرامز إذا تقابلا وتواجدا بمكان يجمعهم منفردين؟ تقول إنها تزوجت بآخر بكل بساطة. صارت على اسمه ولن يتركها إلا إذا أنجبت طفلاً! والأغرب أنها لا تشعر بالكره نحوه أو النفور إلى الحد الذي تقوله عنه، بل هي تستلطفه!! تايسون وقد تركها وابتعد فجأة كعادته:
-لو هتمشي بكلامي يبقى تنزلي لما أبعتلك مع أم السعد. لو هتخلفيه يبقى أحسن لك متنزليش عشان هتشوفي مني اللي مش هيعجبك. قالت بإستكانة: -هسلم عليه بس والله. طالعها بنظرات غير مصدقة، إلا أنه لم يقل شيئاً وتركها مغادراً الغرفة. *** بعد نصف ساعة.
دخل نصري مع جعفر لغرفة مكتب تايسون. نهض تايسون عن مكتبه ما إن لمحه وأشار لجعفر بالمغادرة. سلم عليه باليد سلاماً بارداً وهما يوجهان نظرات تحمل الكثير والكثير لبعضهما البعض. نظرات تخفي مشاعر البغض من ناحية نصري لتايسون والكرة. يطالعه كلص خطف وحيدته منه، لكن نظرات تايسون لم تكن مفهومة كالعادة. أشار له ليجلس على إحدى المقاعد رادفا: -اتفضل يا نصري باشا. جلس نصري وبدون سابق إصرار قال:
-أنا عرفت عنك اللي يخليني أخاف أقرب منك يا جاسر. لم يتأثر تايسون بحديثه، بل فقط كانت نظراته تحث الآخر أن يتابع حديثه وقال: -إنت لو مكاني وعرفت إن بنتك مع واحد زيك... مش هتخاف عليا؟ أجاب بدون شك: -هترعب كمان. الغريب دوماً في الأمر أنه يتحدث عن نفسه بالسوء ولا يحاول أن يخفي ذلك! -يبقى تقدر إحساسي وتفهمني، أنا عايز بنتي ترجع لحضني أنا وأمها. قال تايسون ببرود، مريحاً جسده على مقعده للخلف: -وده مستحيل.
قال نصري بنظرات محتدمة: -أنا أقدر دلوقتي أقبض عليك بتهمة الخطف. قال تايسون ساخراً: -هو في حد بيخطف مراته يا باشا؟ -جواز مش شرعي تم بدون موافقة ولي الأمر وبدون موافقة العروسة أصلاً. -بنتك عندها ستة وعشرين سنة يعني تقدر تبقى وكيلة نفسها، وهي موافقة عليه جداً وتقدر تسألها وبكده أركان الجواز تمت بما يرضي الله. عشان مكنش كذاب بس، الأول كنت مهددها لكن بعدين هي وافقت بكل رضا. قال نصري بغضب: -إزاي وافقت؟
وعـد مستحيل تكون موافقة، وعـد بتحب رامز. -آهـو دا اللي مجنني، إزاي واحد زيك رضي يجوز بنته لواحد زي رامز دا؟ قال نصري بتعجب من حديثه: -ومـوافـقـش عليه لـيه؟ ابن صاحبي ومننا وعلينا ومشفناش منه حاجة وحشة. -كدا فهمت. يعني إنت من ثقتك بيه مفكرتش حتى تسأل عليه. نهض فجأة من مقعده وتوجه لأحد الأرفف، سحب من عليها ملفاً وقدمه لنصري. امسكه نصري منه وهو يسأل بعدم فهم: -إيه دا؟ قال تايسون ببرود: -ده ملف عن تاريخ رامز الأسود.
فتحه نصري وراح يقرأه بعيون تتسع تدريجياً بصدمة أثر ما يجده من أفعال صعبة نتجت عن رامز بالدليل القاطع والصور. لم يتوقع أن يكون رامز بهذا السوء في يوم من الأيام. يستعمل اسمه ورتبته بأشياء عديدة كالتعذيب بطرق بشعة وإقامة بعض الأفعال المحرمة بالتهديد. ظهر وجهاً وقحاً له لم يتوقع نصري أن يكون رامز يملكه. خرج صوت تايسون ليفوقه من صدمته:
-الباشا اللي عايز تجوز بنتك ليه متجوز أربعة عرفي ومطلقهم. اتنين منهم كانوا حامل وخلّـاهم بالغصب نزلوا الطفل. ولما أهلهم وقفوا ضده اشتري سكوتهم بالفلوس. في واحدة أبوها مرضيش يسكت فاستغل اسمه وطرده من شغله وفضل مطارده في كل حتة لحد ما وطّى له راسه وسكت بالفلوس. دي شوية من بلاويه. نبذة مختصرة. تحب تسمع أكتر؟ ردد نصري مصدماً: -رامز؟ -أيوه رامز.
ساد صمت قصير على الغرفة، ثقيل على صدر نصري الذاهل بتلك المعلومات الذي يسمعها ويعرفها للتو. يعلم أن تايسون لم يكن ليكذب عليه. كل شيء أمامه بالدليل القاطع، وتايسون لم يكن شخصية من تلك التي تمزح. لكن... هل هذا كافٍ ليوافق على تسليم ابنته لـ تايسون؟ بالطبع لا. لذا قال: -طيب وعايزني أرحم بنتي من لعنة أروح أسلمها بأيدي لـ لعنة أكبر؟ قال تايسون بملامح لا تقرأ، هادئة وكأنه يقول حديثاً مرفهاً ليس كارثياً أبداً:
-على الأقل أنا صريح، بل صراحتي توصل لـ الجرأة، لكن رامز لا. -علشان إنت صريح أحمي بنتي من واحد زي رامز وأرميها في إيدك... إيد قاتل! قال تايسون: -بس إيدي مبتمسش اللي يقربلي، يعني هتكون في أمان. كاد يصرخ. بالله كاد يصرخ من حديثه البارد هذا. الكارثة ليست هنا. الكارثة أنه يتحدث ببرود وكأن ما يقوله عادي! اعتدل تايسون في جلسته أكثر وهو يقول: -طيب عشان أنا مش عايز الموضوع يطول أكتر وعايزك ترتاح من ناحيتي...
هتكلم معاك بصراحة. طالعه نصري باهتمام فتابع: -وعـد بنتك أنا حبيتها من أول ما شفتها. حركت فيا حاجات محدش قدر يحركها قبلها. وأنا راجل مبحبش الكذب حتى على نفسي، اللي بحس بيه بأعترف بيه. فأنا عايزها كـ مراتي وأم ابني للأبد. ومعنى إني عايزها إني هعمل المستحيل عشان متـمـشيش. فـ صدقني مهما تعمل وتتعب مش هتقدر عليا ومش هتقدر تبعدني عنها. تمام؟ أخذ نصري بعض الوقت ليفهم كلامه، وبعدما فهمه هتف: -إنت كدا بتخوفني أكتر.
قال تايسون ببسمة باردة: -بالعكس بطمنك إن بنتك هتكون مع واحد بيحبها. نهض نصري من مكانه صائحاً بتعب: -إنت اللي مش قادر تفهم إنك قاتل، وإن وجود بنتي معاك هيخليها في خطر طول الوقت. قال تايسون ببرود: -فين دليلك على إني قاتل وبتاجر في الأعضاء زي ما بتقولوا؟ معاك دليل؟
أومأ بالنفي بقلة حيلة، فالتحريات كلها التي قامت حول تايسون أتت بنتائج غير مرضية أبداً. لا دليل عليه أبداً، لا نقطة من الغبار. الجميع يعلم أنه بالفعل قاتل، ولكن لا يوجد دليل قاطع. قال تايسون بصوت جاد: -هوعدك وعد وصدقيني الوعد ده هنفذه لو فيها موتي. طالعه نصري بإستفهام فقال:
-وعد مراتي هتفضل عندي في بيتي. جوازنا هيبقى جواز طبيعي. مش هسيبها غير يوم ما تجيب دليل على كلامك. يوم ما تجيب الدليل تعالي ومعاك المأذون وأنا هطلقها وهروح أسلم نفسي. بدأت على وجهه علامات الرضا، لكن... ربما يتأخر في عملية إيجاده. هل ابنته ستكون بين يديه لكل تلك الفترة؟ قال تايسون: -متحاولش تفكر في حلول تانية لأن ده أول وآخر حل هقدمه ليك. وبالنسبة لـ الفرح أنا كدا كدا كنت هعملها فرح. تحب تحضره؟
بكل برود يعزمه على فرح ابنته. كأنها ليست ابنته! خرج صوته متعباً: -عايز أقابله. قال تايسون بتساؤل: -مجاوبتش هتحضر الفرح ولا؟ رمقه بضيق. فقال بلامبالاة: -شكلك مش هتحضر. براحتك. ده أنا حتى كنت هدبح خرفان ومقولكش على طعم الخرفان. خرافة. *** بعد قليل.
فتحت باب المكتب بعدما طرقته ودخلت سريعاً لهم. فعندما نادتها أم السعد لم تنتظر، بل كانت تسابق الرياح بخطواتها لتصل لأبيها. عندما لمحتـه اقتربت منه راكضة واحتضنته. كان مشهداً درامياً بحت، فيه عدة مشاعر قوية، لكن ذلك البارد كان يتابع الأمر بسخرية مريرة. ابتعد عن ابنته أخيراً، تلمس وجهها بكفيه سائلاً: -إنتي كويسة؟ أومأت بنعم وهي تبكي بضعف. اقتربت تحتضنه مرة أخرى وقالت:
-أنا كويسة بس إنت وحشتني أوي إنت وماما. هي فين لية مجتش معاك؟ ابتلع ريقه بصعوبة ولم يرد. ابتعدت لتناظره بإستفهام، فأخفض عينيه عن عينيها ولم يتحدث. سألته بتوتر وخوف: -ماما كويسة صح؟ محصلهاش حاجة صح يا بابا. جاوبني يا بابا. لم يرد، لكن صوت تايسون البارد وصل لها: -امبارح بس اغمي عليها وودوها المستشفى وطلع عندها جلطة في القلب بس متقلقيش الدكاترة عملوا اللازم وبقت أحسن يا وعـدي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!