غريب أن تظهر الحب وبداخلك شرور العالم. لا يعلم كيف وافق على حضورها للمشفى لرؤية والدتها، وهو الذي أقسم ألا يخرجها من عرينه إلا على قبرها. أدموعها أثرت به أم أن قلبه بدأ يتلاين تدريجياً في حضورها؟ وصلت للطابق المنشود، الموجود به غرفة والدتها. لم تعلم أي غرفة هي، لكن تجمع بعض الأقارب حول باب إحدى الغرف أعلمها أنها هي المنشودة. توجهت لهم سريعاً وقد بدأت الدموع تتجمع في عيونها. ما إن وصلت، تلقفتها يد زوجة
عمها تحتضنها بحب ناطقة: "وعد حبيبتي." كانت تلك هي أم سامح، الفرع الطيب بعائلة مليئة بالخبث والشرور التي تجتهد في تخبيئتها. جميعهم لا يطيقون بعضهم البعض لكنهم يظهرون العكس. كانت أم سامح وابنها ثم زوجها هم ورقة الخير الوحيدة الموجودة بشجرة العائلة بعد ورقة أسرة نصري بالطبع. سألتها وعد ببكاء: "ماما كويسة يا طنط؟ اشتدت من احتضانها لها وهي تجيبها في محاولة منها بأن تطمئنها:
"كويسة والله يا حبيبتي، لسة واخدة الدوا ونايمة على طول." صمتت، ولكن صمتها لم يدم طويلاً حيث عادت تهتف بدموع: "كانت بتسأل عليكي يا حبيبتي." ازدادت الدموع حتى غشت عيونها بالكامل. طالعت تايسون الواقف بعيداً ببرود بنظرات حزينة متوجعة. وجعت قلبه عليها وتألم من شرور نفسه التي أوصلتها لتلك الحالة. ولأول مرة يحزن من نفسه.
دخلت لغرفة والدتها، وجدتها متسطحة على الفراش يظهر عليها الإرهاق ملياً. تدفقت الدموع في عيونها بغزارة أكثر وهي ترى والدتها بهذا الضعف. سارت حتى وصلت لها، أمسكت يدها بحنان واشتياق هامسة: "ماما أنا جيت."
كان مفعول المنوم الموجود بالدواء كبيراً، لذا كان من المستحيل أن تستيقظ نشوى بذلك الوقت أبداً. ظلت تتلمس يدها ووجهها بحب واشتياق لعله يخف وهي تراها أمام نصب عيونها الآن. تريد أن تشبع منها حتى إذا اختفت وغادرت تكون قد قتلت بعض من الاشتياق نحوها. كان واقفاً ورائها، ينظر لساعته كل دقيقتين ربما. مر بعض الوقت وبعده لم يستطع أن ينتظر أكثر، فهتف بجدية: "يلا علشان نمشي." قالت بدموع ورجاء: "أرجوك خلينا شوية." لم يتأثر بها،
بل تابع بقسوة: "متعاندنيش وامشي يلا، بدل ما تبقى دي آخر زيارة." خافت من أن يحقق تهديده هذا، فنهضت فوراً لتغادر معه. بعدما قبلت كفي والدتها بحب، خرجا من باب الغرفة فوجدا رامز قد أتى. عندما رآها، اقترب منها بابتسامة ناطقاً: "وعد حبيبتي، انتي جيتي؟ كاد يلمس وجنتيها إلا أن يد تايسون الذي أمسكت ذراعيه منعته من فعل ذلك. طالعه رامز بغضب، لكن الآخر لم يتأثر. صرح رامز بضيق: "على فكرة هي خطيبتي." تايسون بملامح جامدة مجيباً
عليه: "وبقيت مراتي." رامز بعنف وهو ينزع يده من بين يدي تايسون: "هتطلقها." دخل نصري هاتفا باشمئزاز من رامز نتيجة لما علمه حديثاً عنه: "مفيش طلاق وهي بقيت مراته يارامز، ياريت تنسى وعد." طالعت وعد والدها بذهول من تحوله. بينما أردف رامز مصدوماً: "انت بتقول إيه يا عمي؟ نصري: "بقولك اللي لازم يتقال. جواز تايسون ووعد أنا راضي عنه وفرحهم هيكون في حارة تايسون بعد ما نشوى تفوق." نظر لتايسون يسأله: "مش صح يابني؟
أومأ بنعم بملامح غير مقروءة. فتابع نصري: "تقدر تاخد مراتك دلوقتي وتمشي." بعدما غادرا، توجهت جميع العيون لنصري تناظره بعدم تصديق لحديثه. هتف رامز بغضب جلي: "إزاي يعني يا عمي أنساها، وعد خطيبتي و.... قاطعه نصري: "اللي عندي قولته. تايسون هتكون في أمان مع جوزها أكتر منك." شعر كأنه بتر كرامته، فأزداد غضبه صارخاً: "يعني هي مش هتكون في أمان معايا، وهتكون في أمان بين إيدين قتال قتلة! نظر نصري له في قلب عينيه، قائلاً
بصوت جامد: "على الأقل بيظهر بوشه الحقيقي مش بيتلون زي ناس، بتعمل نفسها ملاك وهي شيطانة." تزعزعت نظرات رامز وزاغت عينيه، وهو يشعر أن الحديث له هو. للحظة شك أن نصري يقصده هو بحديثه. أيعقل أن يكون فعلاً يقصده؟ هتف والدك سامح: "بس يانصري برضوا غلط الجوازة تحصل بالطريقة دي." نصري بهدوء: "البنت موافقة وأنا موافق، فمبقاش مهم حاجة تانية."
على بداية مشارف الحارة بدأت هي تنظر لكل ما حولها باهتمام. ظنت أن المنازل ستكون من طين صغيرة الحجم ويظهر عليها الفقر. لكنها وجدت العكس. كانت لأول مرة ترى الحارة من الداخل. فعندما دخلت كانت مغيبة عن الوعي وتلك أول مرة تخرج من بيت تايسون. في طريق الذهاب كانت حزينة وقلقة على والدتها فلم تهتم بالنظر للحارة، لكنها بعدما اطمئنت عليها.. راحت تنظر الآن لها بتوسع. المنازل حجمها متوسط يفي بالغرض، ملونة جميعاً بألوان وأشكال رائعة وكأن من يلونها دارس للفنون الجميلة. شوارع الحارة نظيفة بها محال لبيع الأطعمة السريعة الغالية.
عيونها كانت تتوسع تدريجياً نتيجة لما ترى من أشياء عجيبة أمامها. فاقت على صوته: "في حارة تايسون هتلاقي كل حاجة غير." نظرت له هاتفة بصدق: "دي مش حارة، دا كمبوند على الطريقة النوبية." فالألوان والأشكال المتلونة بها المنازل كانت بجمال بيوت النوبة. أردف ضاحكاً: "مش للدرجة." وعد بتساؤل مهتم: "بس ليه الحارة ليها بوابة؟ تايسون بملامح عادت للجمود مرة أخرى:
"علشان الحارة دي ملك تايسون وتحت حكمه وكل حاجة فيها لازم تمشي على مزاجه." وعد قائلة في محاولة منها لفهم ما يحدث حولها: "انت إزاي بقيت كبير الحارة، يعني هي توارث ولا هما اختاروك ولا إيه؟ أجاب ببسمة أخافتها: "أخدتها بالغصب، بوضع الإيد، كنت عايزها فمحدش قدر يعمل حاجة علشان ياخدها مني." خافت حتى أنها انكمشت في مقعدها بخوف منه. فعينيه بدأت تطلق شرارات من السواد بدت لها غريبة ومخيفة في آن واحد.
وصلت السيارة للمنزل أخيراً. هبطت من السيارة بعدما فتح لها الباب وسارت بخطواتها نحو الباب الداخلي للمنزل. وضع يده على خصرها ليجعلها تساير خطواته. حاولت أن تبعد يده إلا أنها لم تستطع، فلم تحاول مرة أخرى. ضغط على جرس الباب فمرت لحظات قبل أن تطل علا فاتحة الباب لهم. عندما رأت حصاره لخصرها تغيرت تعابير وجهها للحنق وقد لاحظت ذلك وعد، لكنها قررت أن تتجاهل تلك التعابير فهي ليست فارغة لها الآن تحديداً. قالت علا لتايسون مرحبة:
"نورت ياتايسون بيه." لم يهتم ليجيب عليها، بل قال آمراً إياها وهو مازال يساير وعد بجواره: "خلي أم السعد تجهز الغدا." "أمرك يا بيه." دخلت غرفة المكتب وهي معه. أشار لها لتجلس على أريكة وجلس هو على مقعد مقابل لتلك الأريكة. فعلت ما أمر به، فقال هو: "نتكلم جد بقى." أومأت وهي تنظر له باهتمام فتابع:
"أنا مكنتش حاطط في بالي أمر عيلتك دا وإنهم هيوصلوا ليكي، لكن ما دام حصل فخلاص. جوازنا هيكمل وكأن مفيش حاجة، بخلاف حاجة واحدة هتتغير وإنك هتروحي تزوريهم كل فترة حسب مزاجي أنا." وعد بضيق: "انت ليه بتتكلم بسهولة كدا وكأني موافقة على الجواز دا من كل قلبي." نطق ببرود: "جوازك مني بقى أمر واقع هيتحقق.. هيتحقق، حاولي تتعودي عليه عشان متتعبيش." تذكرت كلام علا لها فجأة، فبادرت:
"انت فعلاً عايزني مراتك ولا في الآخر هتعمل زي ما بتعمل مع غيري؟ تايسون ببرود: "وأنا بعمل إيه مع غيري؟ وعد بتوتر: "بتصفي أعضائهم." ابتسم ابتسامة مخيفة وهو يقف عن مقعده. اقترب منها ومال نحوها قليلاً حتى وصل لوجهها و: "وأنا لو عايز أصفي أعضاءك معملتش كدا من الأول ليه؟ نطقت بتساؤل وتخمين: "عجبتك؟ أومأ بالنفي. ومازالت عيونه تناظرها فتابعت: "خفت؟ رد بملامح جامدة: "تايسون مبخافش من حد." "اومال ليه مصفتش؟
نطق بنفس تسرع المرة الفائتة معترفاً: "علشان حبيتك." وبالمرة الأولى عندما اعترف تجاهلت الأمر، هل ستفعل تلك المرة أيضاً وتتجاهل؟ لم تستطع أن تتجاهل وعيونه تحاصرها من كل مكان. قالت بملامح مرتبكة: "معتقدش إنك تعرف تحب." ابتسم بألم فجأة ظهر في عيونه. تعجبت من نظراته المتألمة وذلك الوجع القابع فيها. خرج صوته بحديث غريب:
"مفيش حد بيتولد شيطان، كلنا بنتولد ملايكة بنشع نور، بس فيه اللي بيخلينا نتحول ونبقى بالشكل اللي إنتي شيفاه ده." نطقت بتساؤل حزين: "انت وراك إيه؟ أجاب على الفور: "ورايا دم، مش هموت غير لما آخد حق الناس اللي اتدهرت دمهم دي." "من مين؟ "من كل واحد ملهوش ذنب، شاف دمهم ومفكرش يقرب عشان خاف." وعد بعد فهم: "أنا مش فاهمة حاجة." "ولا هتفهمي، لأني بنتقم من الخير عشان أثبت الشر."
تشوش عقلها من حديثه الغير مفهوم بالمرة. حاولت أن تفك شفرة الحديث لكن لم تستطع. ما علمته أنه ينتقم، وما علمته أيضاً أنه لا ينتقم من المذنبين بل من الصامتين، الذين دوماً ما يرون الشر ويصمتون عنه.
آكلت علا غرفة المطبخ ذهاباً ومجيئاً بغيظ. يزداد كلما تتذكر محاصرة يده لخصر تلك الفتاة. لا تعلم كيف لفتاة أن تغير مبادئه، تجعله من كاره للنساء لـ مجنون لتلك الفتاة. معروف بعرفانه أنه لا يحب، لا يهتم بأطفال وما يشابه، معروف أنه جبروت وفقط. لا زواج موجود بلائحة حياته ولا حب. ما الذي حدث فجأة وغير كيانه؟ ما الذي بتلك الفتاة جعله يتوب عن العزوبية ويقترب من الزواج والحب؟ هتفت أم السعد وهي تراقب احتراقها الداخلي:
"طلعي الأكل على السفرة وبعدين ابقي موتي بكيدك يا علا." نظرت لها بكرة ولم ترد، بينما بدأت في أخذ الصحن التي ملأتها أم السعد والخروج بها نحو غرفة السفرة. وجدته جالساً على المقعد الرئيسي والأخرى سكنت على المجاور له تماماً على يده اليمين. عندما لمحت وعد.. علا اقتربت من تايسون وبدأت بالتدلل عليه. ففي قانون النساء اقترب من مَن لا تحب لتغيظ مَن لا تطيقه.
ابتسم تايسون بخفاء وهو يراقب حركاتها ونظرات عيونها المتجهة نحو علا واندامج معها. استغل الفرصة كذلك واقترب من وجنتها خاطفاً قبلة منها. شهقت وهي تناظره بذهول فقال بصوت خافت كي لا تسمعهم علا التي كادت أن تحترق من الداخل: "لما تحبي تغيظي حد متخدنيش كوبري عشان ما استغلش الوضع وأنا كمان آخده كوبري وأعمل حاجات كتير هموت وأعملها." ابتعدت وهي تضربه على كتفه هاتفة بغيظ: "مش محترم." تايسون بحاجبين مترافعان بمرح:
"إنتي لو عرفاني كويس هتعرفي إن الاحترام بيمشي في طريق وأنا في آخر." وتد بخفوت: "ما هو باين." اقترب منها هامساً بخفوت: "المهم مش يلا علشان نجيب العيل، أنا استنيت بما يفوق صبري." احمرت وجنتها وهي تؤمي بالنفي و: "يوم الفرح." رفع حاجبه: "دي حجة جديدة بقيت." أومأت بالنفي وهي ترجوه بعينيها أن يوافق. فتنهد وهو يقول على مضض: "ده آخر معاد.. سامعة." أومأت بنعم وهي تشعر بالسعادة لتأخر الأمر قليلاً بعد.
لكنه لن يتأخر أكثر من ذلك يا وعد. أخبركِ كي لا تضعي آمالاً ستذهب هباءً يوم الزواج.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!