الفصل 9 | من 23 فصل

رواية حارة تايسون الفصل التاسع 9 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
22
كلمة
2,379
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

لا تعلم كيف مر ليلها، آخر ما تذكره أنه عفا عنها بالأمس، مانحًا إياها الليل لترتاح فيه بعيدًا عنه، آمرًا إياها أنها بالغد ستسكن غرفته معه وستكون زوجته حقًا وحقيقيًا. حاولت ألا تفكر بشيء عندما وضعت رأسها على الفراش، وبالفعل من كثرة إرهاقها طيلة الأيام السابقة غرقت بالنوم فورًا حتى حل ضوء الشمس على الكون في الصباح.

دقات مزعجة قوية تعالت على غرفة تايسون، أفزعته وأفزعتها هي الساكنة بغرفة تبعد عنه بمقدار المترين. فانتفض، وخرج هو من الغرفة باللحظة التي فتحت فيها باب غرفتها. لمحها فأشار لها بالدخول. كادت تعترض، لكن نظرات عينيه المنذرة بالشرر أخافتها فدخلت، خاصة عندما لمحت منامتها القصيرة التي ترتديها. نظر لحارسه باستفهام، فقال الآخر: -الشرطة قدام باب الحارة ياباشا. كرر جملته بتعجب: -شرطة! ودول عايزين إيه دول؟

ما كاد يتحدث وسمع سرينات سيارات الشرطة تتعالى أسفل منزله، مما بين أنهم استطاعوا عبور بوابات الحارة ودخولها بدون إذنه. اشتعلت نظراته وهو يدخل لغرفته، ارتدى ملابسه خلال لحظات تكاد لا تُعد. ونزل للأسف، حيث سيارات الشرطة التي هبطت منها قوة على رأسها رامز، وبجوارهم نصري ومعه بعض أفراد عائلته. رمقهم بتعجب: -أهلًا أهلًا بالداخلية، مش تقولوا إنكم هتنورونا على الأقل كنا جهزنا استفاضة تليق بيكم. هتف نصري بنفاذ صبر: -فين بنتي؟

تايسون بدهشة مصطنعة: -بنتك! وإيه اللي هجيب بنتك يا باشا عندي؟ ما كاد يتحدث وسمع سرينات سيارات الشرطة تتعالى أسفل منزله، مما بين أنهم استطاعوا عبور بوابات الحارة ودخولها بدون إذنه. اشتعلت نظراته وهو يدخل لغرفته، ارتدى ملابسه خلال لحظات تكاد لا تُعد. ونزل للأسف، حيث سيارات الشرطة التي هبطت منها قوة على رأسها رامز، وبجوارهم نصري ومعه بعض أفراد عائلته. رمقهم بتعجب:

-أهلًا أهلًا بالداخلية، مش تقولوا إنكم هتنورونا على الأقل كنا جهزنا استفاضة تليق بيكم. هتف نصري بنفاذ صبر: -فين بنتي؟ تايسون بدهشة مصطنعة: -بنتك! وإيه اللي هجيب بنتك يا باشا عندي؟ تقدم منه رامز بغضب، كاد يلكمه وهو يصرخ: -متستعبطش يا روح أمك. لكن لم تصل يده لوجه تايسون، حيث أمسك يده بإحدى يديه وقد تغيرت ملامح وجهه من البرود إلى القسوة والغضب وهو يهتف: -لما تكون في حارة تايسون، إيدك متطولش على أسيادك.

أشار لرجاله الذين أشهروا أسلحتهم على رامز بأن يخفضوها. عصر يده بين يديه بقوة حتى أن رامز تألم، متابعًا: -وحياة أمي اللي جيبت سيرتها دي لهجيبك أنت ومستقبلك الأرض. ثم أخيرًا ترك يده. أشار نصري لرامز بأن يتراجع وألا يتهور، فما رآه من هذا تايسون من نظرات وملامح أثبتت له وهو رجل ذو خبرة عظيمة أن ذلك تايسون ليس سهلاً أبدًا. نصري بهدوء محاولًا إنهاء الأمر دون مواجهات وأعاصير تجمعه مع ذلك الرجل: -أنا بس عايز وعد. نطقت ببرود:

-قصدك مراتي؟ طالعت بصدمة وتعالت شهقات وهمهمة من بعض أهالي الحارة الذين تجمعوا ليروا ما يحدث. لم يستطع رامز أن يتحمل حديثه، فأقترب مرة أخرى ناويًا ضربه و: -أنت بتقول إيه يا مجنون أنت؟ تايسون ببرود ثلجي: -بقول الحقيقة. وضع نصري يده على قلبه بوجع، كاد يسقط أرضًا لكن تلقفته يد ابن أخيه سامح وهو يهمس بخضة: -عمي! انهياره كان قليلًا على ما سمعه، يشعر وكأنه في حلم، لا بل كابوس في غاية البشاعة. تزوجت؟

تغيب عنه ثلاث ليالي وعندما يجدها يجد أن اسمها اقترن بآخر، باتت ملكًا لآخر. تهاوى جسده بالفعل أرضًا بعدما ثقل حمله على سامح، قد غشت الدموع عينيه أيضًا. جاءه صوتها الصارخ من بعيد وهي تتقدم نحوه بخطوات راكضة: -بابا.. مرت من جوار تايسون، فأوقفتها ذراعيه التي التفتت حول خصرها تكبلها وتوقفها. تطلعت له برجاء أن يتركها، لكن عينيه كانت استحالت فيها السواد وكأنه لا يسمعها أبدًا. نطقت برجاء: -سيبني أشوفه.

والنبي، لكن الرجاء لمن لا قلب له، كالمحاولة بجعل الحجر ينطق. فلا ينطق الحجر ولا يرد هو على الرجاء بإجابة مستجابة. مرت دقائق، تمالك فيها نصري نفسه وما زالت هي تنازع لتفك يدها من أثره لكنها لم تفلح، وسط نظرات رامز المحترقة وهو يرمق تمسك تايسون المتملك ليدها وخصرها. أخيرًا نهض نصري من مكانه، اقترب منهم بعدة خطوات يرمق ابنته برغم كل شيء باشتياق وحنين لها. همست بدموع: -بابا أنا آسفة والله، هو اللي...

أشار لها أن تصمت وحرك عينيه لتواجه عيني تايسون الذي رمقه بملامح عادية و: -أنا عايز بنتي. جاء ليتكلم، فأكمل نصري: -هتطلقها وهترجع معايا. تايسون ببسمة استفزاز تخفي خلفها غضبًا مكبوتًا: -بس أنا مبطلقش يا نصري باشا، مراتك بقت على اسمي ومش هسيبها غير لما يجيلي مزاج أعمل كده، غير كده مش هطلقها ولو اتطبقت السما على الأرض. كان يتحدث بصوت يتعالى تدريجيًا ليسمعه كل المحيطين، لكن ليريح ضميره تابع مفهمًا إياه ما جرى:

-بس عايزك تفهم حاجة وتفهمها لكل حد هيتجرأ ويتكلم عليها بعدين، هي اتجوزتني غصب عنها، بتهديد مني يعني.. بس وعد الحكاية دي هتكون لفترة معينة وبعدين هي كمان هتتمسك بجوازها مني أكتر مني شخصيًا. غريب هو.. يقول له أن وعد ليست مذنبًا كي لا يحملها أبوها الخطأ، يعترف بطريقة أخرى أنه ظالمًا. ربما تصل به اعترافاته تلك إلى السجن ورغم هذا لا يهمه!

فاتت لحظات كانت عيون نصري تنظر بها لتايسون بملامح غير مقروءة. كانت ملامح الآخر جامدة. نظر تايسون لرجال الشرطة و: -متفكرش يا باشا إن شوية الرجالة دول هيقدروا يعملوا حاجة، أو إني هخاف من الشرطة، حارة تايسون ملهاش كبير غير ربنا، وتايسون كبيرها اللي هو أنا مبخافش من أي حاجة على وجه الأرض. رجالتك... أشار لرجاله بملامحهم التي تبث بداخلك الرعب متابعًا: -رجالتي هيقدروا يخلصوا عليهم في غمضة عين.

وكانت كلماته تدل على ثقته، وعند رؤية أحدهم بكل تلك الثقة تتزعزع عزيمتك وإن كانت من فولاذ! تَفهم نصري أن الأمر لن يَحِل بترك الطريقة أبدًا، كان عليه أن يدرس الموضوع جيدًا قبل أن يأتي لكنه لم يفعل. لذا قال: -طيب أنا عايز أتكلم معاك بهدوء. البنت اللي بتقول عليها مراتك دي بنتي، من حقي كنت أختار عريسها وأسلمها له بإيدي، من حقي أسأل عليه وأشوفه يستحقها ولا لا. طلقها ومتحرمنيش من حقوقي وتدمرها هي.

ملامحه صخرية وكأن الآخر يتحدث مع تراب! فمد نصري يده ليسحب ابنته من يدي تايسون بحركة سريعة، لكن يد الآخر كانت مكبلة جيدًا لحركة وعد مما أصعب مهمته. نطقت بدموع لوالدها: -بابا متزعلش مني أرجوك.

رمقها هو بقلة حيلة وآسف، فلا يوجد بيديه ما يفعله، وعلى لسانه ما يقوله. معلوماته البسيطة التي قرأها عن تايسون قبل أن يأتي إلى هنا أخبرته أنه يستطيع أن يحول أي ساحة حديث إلى مجزرة بلحظة، وأهالي حارته على استعداد لتلك المجزرة من صغيرها حتى كبيره. أما معه رجال قليلة بالإضافة لبعض عائلته الذين يجهلون كل ما له علاقة بالدفاع عن النفس، إن أقام حربًا سيخرج منها خاسرًا معه العديد من الجثث. أخرجه من شروده صوت تايسون:

-لو عايز تجوز بنتك وتسلمها ليا بنفسك زي ما تقول، فأنا هكون معاك كويس للآخر وهقولك موافق نعمل فرح بس هنا في حارتك. كاد يتحدث، فتابع تايسون: -بس وعد من هنا ليوم الفرح مش هتتحرك من بيتي. فكر وصدقني دي فرصة مش هقدمها ليك مرتين، بالإضافة أن اللي يكسب تايسون لازم يعرف أنه كسب كتير... كتير أوي. قال كلماته وسحب وعد خلفه ودخل بها للمنزل، تاركًا خلفه الجميع ينظرون له بدهشة وذهول من اختفائه هكذا دون الاهتمام بهم.

علم نصري أن لا حديثًا آخر سيجدي نفعًا معه، فأشار لرجاله وعائلته أن يركبوا سيارتهم. فقال إحدى أقاربه بغضب: -هتسيب بنتك في إيده يا نصري؟ نصري بسخرية من غضبه، فالمتحدث كان يبلع ريقه خوفًا منذ لحظات من تايسون: -عندك حل تاني؟ لم يجد حديثًا ليقوله فصمت. وكم كان ذلك الصمت الذي سيطر على المكان بعد ذهابهم موحشًا. ما أن ترك يدها أمام غرفتها حتى صرخت فيه بدموع:

-حرام عليك، أنت ماسيبتنيش حتى أحضنه أو أسلم عليه، أنت ليه قاسي أوي كده؟ وحديثها تفهمه بطريقة خاطئة، ويا للأسف، هي تقصد أباها وهو ظن أنها تقصد خطيبها. فعاد يمسك معصمها ضاغطًا عليه بقوة قاصدًا إيلامها و: -أنتِ عايزاني أسيبك تسلمي على خطيبك وتحضنيه؟ ليه مفكرة نفسك متجوزة واحد بقرون؟ قالت بدموع: -أنا مش على رامز. ازداد غضبه وهي يصرخ بها: -متتطقش اسمه، قلت لك متتطقش اسمه. وعد بألم من يده التي ما زالت تضغط على يدها بقوة:

-أنا أقصد بابا والله. عاد أخيرًا لتعقله وترك يدها بعدما صرحت بتلك العبارة. أين كان عقله صحيح وهو يقول هذا الحديث؟ أستفكر بخطيبها وهي حتى لم تستطع أن تحتضن أباها؟! فركت معصمها المتألم بيدها الأخرى والدموع متجمعة في عينيها. هتفت بعبارة واحدة قبل أن تغادر من أمامه: -أنت ظالم أوي يا تايسون. دخل نصري لمنزله، فهرولت نحوه نشوى بسرعة تسأله بتلهف: -فين بنتي يا نصري، فين وعد؟

رمقها بعيون معتذرة ولم يستطع أن يرد. نظرت خلفه لعلها تكون آتية لكنها لم تأتِ. سألت رامز وهي تتقدم منه: -فين وعد يا رامز طمني يا بني. نطق الآخر بجمود: -مع جوزها.. وعد مع جوزها يا طنط. عادت خطوتين للخلف بخضة من عبارته وهي تكرر: -جوزها! أومأ بنعم، فحركت عينيها بين أوجه جميع الذين كانوا مع نصري ووجدتها مكفهرة. تقدمت من نصري مرة أخرى تصرخ بجنون: -إزاي مع جوزها؟ جوزها مين ده أصلًا يا نصري وإزاي سبتها معاه؟

ليه مجبتهاش بالعافية؟ حرام عليك تسيبها هناك معاه، هو إحنا نعرفه؟ هي أصلًا إزاي اتجوزت.. إزاي اتجوزت، أنا مفهمش حاجة جاوبني يا نصري. يصرخ فيها بأعصاب مقاربة على الانهيار: -أهي اتجوزت يا نشوى، اتحجزت وخلاص، اتجوزت قاتل قتلة. خوفت أتهور معاه فيقتلها قدام عيني ويحسرني عليها أكتر من حسرتي دلوقتي. بنتك اتجوزت واحد ولا يهمه قانون ولا يهمه حد، اتجوزت واحد ملهوش كبير غير ربنا يا نشوى. نشوى بجنون:

-طيب اتجوزته كيف وإزاي برضوا، ليه رضيت تعمل كده؟ رامز بملامح ملتهبة بالغضب: -أكيد غصبها توافق، هددها، عمل أي حاجة خلتها توافق عليه. وضعت نشوى يدها على رأسها بألم فالصداع هاجمها بقوة شديدة الآن، صداع مع وجع قلب. صاحت قبل أن تسقط أرضًا: -أنا عايزة بنتي يا نصري، أنا عايزة وعد. التناقض والتوهان أسوأ ما قد يحتل الإنسان، فكلاهما يجعل الإنسان مشوشًا، تائهًا، غارقًا في بحور من المتاهات. وهو رُزق بالتناقض، وهي بالتوهان.

حديثه الآن.. غير حديث الأمس.. غير حديث الغد. قرارها الآن.. غير قرارها قبل قليل.. غير قرارها بعد قليل. عجيب أمرهم ومن المستحيل أن تتجمع بينهم نقطة وصل تجمعهم! فهل الماء يمكن أن يجلس بجوار النار دون أن تطفيها؟ بعد ليلة من ذلك اليوم كانت هناك مقابلة ستجمع بين نصري وتايسون، تُرى ماذا سيُقال فيها؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...