منذ الصباح ولحتى عم الليل وهي جالسة في الشرفة دون حراك. قاطع خلوتها صوته الجامد وهو يقول: -عارف إن في مليون سؤال جواكي وأنا هجاوبك عليهم كلهم. التفت تنظر له. كان يقف أمامها بمظهر جديد كليًا عليها، يظهر عليه الإرهاق جليًا، ليس إرهاقًا جسديًا فحسب بل نفسي يكاد يقتله من كثرة التفكير. عينيه ظهر فيها ذبلان كبير، تشعر من مظهره وكأنه كبر فوق عمره عمرًا آخر. على الرغم من تعاطفها مع حالته إلا أنها هتفت بجدية:
-يا ريت فعلاً تجاوبني وتريحني. تنهد بتعب بائن وهو يترك مكان وقفته، توجه لمقعد مقابل للجالسة عليه هي وجلس عليه. نظر لها و: -تحبي تعرفي إيه بالظبط؟ أجابت بحماس واهتمام: -كل حاجة عنك.. من أول ما اتولدت لدلوقتي. صمت للحظات عقب جملتها، استجمع فيها نفسه وثم راح يحكي:
-أنا جاسر فاروق الصاوي يا وعد، ابن فاروق الصاوي واحد الدنيا لعبت معاه فجأة بالحلال وقدر يثبت نفسه. كبر بالحلال وفكر إن كل اللي حواليه كبروا بالحلال زيه. بالصدفة وقعت أوراق في يده بتدين أصحابه في شغل غير مشروع بالمرة. هددتهم إنهم لو مَبطلوش شغلهم ده هبلغ عنهم. أقنعوه إنهم هيبعدوا، بس فجأة لقيهم بيهددوه بعياله، كريم وجاسر. نظرت له بأستفهام فتابع:
-أيوه أنا وأخويا. وثق في العدالة ودخل وبلغ عنهم. روّح وضميره مستريح وحاسس إن القانون هيرجعله عياله، بس للأسف القانون كان الوجه العام للفساد. الظابط اللي مسؤول عن البلاغ باع الحكاية بشوية ملاليم. هددوه ببنتُه فسكت ومحى البلاغ من السجلات. عارفة بنته اسمها إيه؟ وعد بأستفهام واهتمام: -إيه؟ نطق بجمود: -وعد. وعد نصري خالد، أبوها هو الرائد نصري خالد. طالعته بصدمة. تجاهلها هو متابعًا حديثه:
-أبوكي اختار حياتك مقابل حياتنا. مفتش ساعتين وكانوا باعِتين لأبويا مكاننا أنا وكريم. راح بابا لاقى كريم جثة مشرحة مفيهاش أي أعضاء وأنا كنت منهار. الصورة مكنتش بتفارق بالي أبدًا وهم بيشرحوا في كريم والدكتور اللي مسك قلب كريم في إيديه، كان لسه بينبض بين إيديه وهو بكل جبروت بيقولي شايف قلب أخوك؟ بابا قرر يجيب حق كريم بنفسه بس ملحقش. ضحك بمرارة وعيونه لمعت فيها الدموع. دموع غزيرة بتحرق في قلبه و:
-مات وحصل كريم. أمي مستحملتش فراقهم فسابتني وراحتلهم بعدها. كلهم فكروا في نفسهم وراحتهم وسابوني لوحدي مع جدة قلبها محروق ومضطرة تتماسك عشان حفيدها. هي اضطرت تنسى عشان تعيش، بس أنا منسيتش. كبرت وأنا في بالي حاجة، أنا معنديش اللي أخسره فلازم أخسرهم هما قبل ما أموت. الحارة أخدتها بوضع الإيد. معروفة الحارة دي إنها فيها أوباش وأوساخ كتير، إنها ملهاش قانون ولا كبير. دخلتها وبقيت كبيرها بالقوة، دخلت بالسلاح بعد موت كبيرهم
اللي كان قبلي، ضربت رصاصتين وهددت بقتل اللي هيقرب. يومين خناق مع بعض وسب، ويومين متصالحين، سنتين بالظبط وأنا عايش في الحارة وكل يوم ببقى خايف لينطوا عليا ويقتلوني. هما عايزين يعيشوا في أمان وأنا عايز أحقق انتقامي. فاتفقنا. كلهم بقوا رجالتي، فيهم رجالة مخها توزن بلد استغليت أفكارها صح، وكنت حريص جدًا على نشر فكرة إني قاتل قتلة عشان يفضل الخوف صاحي في قلوبهم وقلب الشرطة.
الكل مفكر إني تاجر أعضاء وإيه متأكدين كمان! في حين أنا أصلًا معرفش حاجة عن الحكايات دي ولا أعرف بيتصرفوا فيها إزاي. أنا نشرت الفكرة عشان بس أفضل ناشر الرهبة حواليا. كل شخص في الحارة عندي استعداد أفديه بروحي. كبرت ووصلت. فاضل إيه؟ نظر لها وتابع ببسمة هادئة: -بالظبط.. فاضل آخد حق اللي ماتوا. كنت ناوي أجيبك مع اللي شوفتيهم.. وأخلص عليكي وخلاص، بس لما دورت وراكي عجبتيني فقولت ليه لأ؟
نغير الخطة معاكي شوية. وحصل وخطفتك. واقنعتك بفكرة إني عايز أخلف. قولت أعيش يومين حلوين برضوا. يوم فرحك هو اليوم اللي خطفت فيه الأربع أطفال. كل طفل من دول أبوه كان السبب في حالتي دلوقتي، كلهم آباءهم خوافه، بتخاف من القوي، ضعيفة وإن حاولت تظهر عكس ده، بتموت في الحرام وبتعبده. كان لازم دول اللي أخلص عليهم، لأن دول السبب في نشر الشر والفسوق لدلوقتي. هما سبب عذاب أي حد، الشر موجود وبيزيد بسبب الناس دي وهيفضل يزيد طول ما
الناس دي ساكتين. كل حاجة كانت ماشية تمام.. بس أنا حبيتك. لقيتني برجع معاكي لإنسان طبيعي، بينام من غير كوابيس، بيضحك ويفرح ويحلم ببكرة. بقيت إنسان أنا مكنتش عايزه. تراجعت في قرار الأطفال ده يوم واتنين وكثير، لحد امبارح قولت لازم.. بس لما وقفت قدام أول طفل فيهم مقدرتش أشوفه غير كريم. مقدرتش أقرب يا وعد.
تنهد طويلًا وأخذ نفسًا عميقًا و: -سنيني كلها اللي جهزت فيها نفسي عشان اللحظة دي ضاعت وملهاش لازمة. انتي اللي صحيتي فيا المشاعر؟ ولا أنا اللي كنت هعمل كدا حتى لو مظهرتيش! مش عارف حقيقي بس اللي عرفته إني لو عملت حاجة للعيال دي، قلبي هيوجعني عليهم قبل أهاليهم حتى. في اللحظة الأخيرة عرفت إن انتقام ربنا في الآخرة هيكون أقوى وأشد من انتقامي منهم ألف مرة.
وصمت بعد حديثه الطويل هذا، صمت وعَلي فقط صوت بكائها عليه، كم تحمل وعانى، كم تفاجئت من صورة والدها البشعة التي ظهرت لها، كم أن العالم قاسي. عرفت أيضًا شيئًا هامًا.. هناك ملائكة يظهرون بمظهر الشياطين وهناك العكس. التفكير في كم عانى هذا الطفل يجعلك تبكي دون شعور، مهما قالت لن تستطيع أن تربت على قلبه، مجرد تخيل الأحداث أوجع قلبها لدرجة لا وصف لها. كل ما استطاعت أن تنطقه بعد طول صمت وبكاء: -ينفع نكمل كلامنا بعدين؟
تفهم حالتها فإومأ بنعم. ما أن أشار بالموافقة حتى غادرته، توجهت نحو فراشها وجلست عليه، بينما ظل هو في مكانه، ينظر للمكان. حولت بنظرات جامدة خلفها تقبع آلاف من الحرائق. توجه لداخل الغرفة بعد رُبع ساعة تقريبًا، قال لها قبل أن يغادر الغرفة: -لو عايزة تطلقي يا وعد فأنا مش هرفض، فالنهاية أنا مش هغصب عليكي إنك تقعدي معايا وتبقي مراتي وفي يوم أم أولادي.
بعدما غادر غرفتها توجه لغرفة مكتبه، جلس على مكتبه وفتح درجًا فيه، أخرج منه متعلقاتها الشخصية التي تناستها معه، كانت ضمن متعلقاتها صورة لها. أخذها وراح يلمس على صورتها ببسمة حب، يتعجب من حبه هذا لكنه بالفعل أحبها، هي التي كانت من ضمن أسباب الحياة التي يعيش فيها الآن. إلا أنها استطاعت أن تسرق أنفاسه وحبه.. استطاعت أن تفعل في قلبه الأفاعيل. تنهد عاليًا وهو يهتف بينما ينظر لصورتها: -فداكي قلبي وروحيا.
عاد الصورة لدرج وفتح درج آخر، كانت به صورة مرسومة لوالده ووالدته وأخيه. كان رسامًا رسمها له حسب طلبه، الصورة تضمه هو أيضًا بينهم. ابتسم بدموع حارقة وهو يتأمل الصورة، الرسام بإحترافية شديدة استطاع أن يرسم على ملامحهم الراحة وعليه هو الحزن والمشقة في بعدهم كما طلب. بالفعل كان رسامًا بارعًا استطاع أن يرسم كل ما يجول بقلبه من متاعب على ملامح وجهه. هتف بأسف لهم: -مقدرتش آخد حقكم.. سامحوني، سامحني يا كريم.
على رنين هاتفه بتلك اللحظة، أخرجه من جيبه فوجد المتصل هو رقم فوزية. تاب بلهفة عليها فأتاه صوتها الباكي: -جاسر يابني طمني عليك. رد بصوت هادئ محاولًا أن يطمئنها: -أنا كويس يا فوز والله. قالت بدموع: -قلبي متوخوش عليك وحاسة إنك مش بخير، خلي بالك من نفسك كويس. جاسر بأيجاب: -من عيوني. أكملت بعتب: -وابعد عن سكتك يا جاسر، ابعد عن العالم اللي عايز تدخله ده. تنهد عاليًا وهو يهتف: -بعدت يا فوز والله بعدت، مقدرتش أدخله.
هتفت بنبرة فرحة كأنها عروس بليلة زفافها: -بتتكلم جد يابني؟ ابتسم وهو يجيبها: -أيوه يا ست الكل. فوزية بسعادة بالغة من الطرف الآخر: -رضيت قلبي.. رضي عنك ياحبيبي، رضيت قلبي والله. وبعد عبارات كثيرة من الحب أغلقت معه أخيرًا. مساءً كان حزينًا.. تعيسًا على البعض، مظلمًا رغم سطوع قمَره، عليه وعليها، على علا وعلي رامز. المساء على الجميع كان تعيسًا إلا على جعفر الذي بات ليلته مبتسمًا وصورة هويدا في جوف عينيه. وبالصباح.
استيقظت. نهضت عن مكانها فوجدت الجناح فارغًا. علمت أنه ترك لها المكان طمعًا كي لا يضغطها بوجوده. كانت قد قررت ماذا ستفعل، لذا نهضت عن مكانها وتوجهت لحمامها. خرجت وتجهزت، ثم هبطت للأسفل. قابلت أم السعد فسألتها عن مكانه. وكانت الإجابة أنه مازال بغرفة المكتب منذ مساء الأمس. دخلت للمكتب وجدته نائمًا على الأريكة. اقتربت توقظه بصوتها الرقيق، تلملم وهو يتشدق باسمها بنعاس ودون شعور، ابتسمت وهي تستمع لكلماته
التي تخرج بدون وعي: "بحبك يا وعد.. حبيبتي.. وعدي". وأخرى وأخرى من ذلك القبيل. هزته مرة أخرى ففتح عينيه هذه المرة بنعاس ينظر لها بتشوش. هتفت وهي تحاول أن ترفع جسده عن الأريكة: -قوم ياتايسون. رد وهو يعاود النوم على الأريكة مرة أخرى: -اسمي جاسر. هتفت بنفي: -اسمك تايسون.. أنا معرفكش غير بالاسم ده. رد بصوت ناعس: -عايزة إيه يا وعد، لو عايزة تطلقي استني لما أصحى. أومأت بالنفي بدلال وهي تتسطح فوقه وتعقد ذراعيها حول رقبته و:
-توء، عايزة أزور تيتا فوزية وأزور قبر حمايا وحماتي. فتح عينيه ونهض فجأة فسقطت هي على الأرض. صرخت بتأوه وهي تهتف: -مش تخلي بالك ياتايسون! تايسون بسعادة: -حماكي وحماتك يعني مفيش طلاق. قالت ببسمة خفيفة: -توء مفيش طلاق، المشكلة إني حبيتك. أنهضها عن الأرض وأجلسها بين ذراعيه وعلى قدميه: -أنا اتحبيت فعلاً معاكي. لعبت بشعيرات ذقنه المنبتة بأصابعها الطويلة و: -مغرور. قبل إحدى وجنتيها: -حقي أتغر مش متجوز قمر.
أمسكت خصلة من شعرها ولعبت بها بغرور مصطنع فتعالت ضحكاته عليها، قبل إحدى وجنتيها وتوجه صوب فمها وهو يهتف بنبرة ناعسة: -بس أنا عايز العيل اللي اتجوزتك علشانه. وعد: -هو أنا مقولتلكش. تايسون بتعجب: -قولتيلي إيه! وعد: -إني هعاقبك على الرعب اللي عيشتني فيه في الأول فمش هخلف. حملها على ذراعيه وهو يقول: -لا دا احنا نشوف الموضوع ده بقي في أوضتنا.
وخرج بها من المكتب وتوجه بها صوب غرفتهم بوسط ضحكاتها العالية المرحة.. ودعوات أم السعد لهم بالذرية الصالحة ودوام الحب بينهم. وعلى جانب آخر كان رامز يتلظى بنيران غضبه. وبعد تفكير شيطاني طويل أخذ منه ليلًا كاملًا هتف بنبرة غل: -طالما مش نافع معاك حاجة يا جاسر الزفت فأنا هخلص عليك بنفسي ومش هسيبك غير لما أطمن إن روحك طلعت في إيدي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!