الفصل 19 | من 23 فصل

رواية حارة تايسون الفصل التاسع عشر 19 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
16
كلمة
2,353
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

علي اطراف الحارة كان يقبع مخزن تايسون القديم. المخزن لم يكن بالحجم الكبير، فقط ساحة طويلة علي اطرافها ثلاث غرف متوسطين الحجم واخرتين كُبار كان يتم فيهم تخزين البضائع. بأحدي تلك الغرف سكن سرير ابيض اللون مماثل لـ تلك السرائر التي توجد بالمستشفيات الحكومية. بجوار الفراش كانت هناك طاولة عليها العديد من الادوات الطبية ك المقص وعدة انواع منه، المشرط، بعض الابر، ومغلفات ادوية، واشياء اخري كثيرة.

كان يقف تايسون امام الفراش ينظر له بشرود. يفكر بالماضي وكل لحظة مرت امام عينيه لاخيه، وما كانت تلك الافكار سوي تزيد من وجعه وحقده. بجواره جعفر الذي يراقب الوضع بصمت دون التدخل بأي شئ. ورجلين اخرين مساعدين. امرهم تايسون بالمغادرة حيث هتف بالامر: -مش عايز حد منكم. ردد جعفر باعتراض: -ياباشا..... قاطعه: -مشيهم واستناني انت برة ياجعفر.

ولم يكن بيد جعفر سوي المثول لأوامره. لحظات وبالفعل كانت الغرفة فارغة من الجميع الا سواه. ترجل من الغرفة ودخل الي التي تجواره. كان بها اربعة اطفال. نزع عن كل منهم الغطاء الذي كان يغطي رؤوسهم. رمقهم الاربعة بعيون متوسعة بخوف. لم يتأثر بنظراتهم لـ لحظة، لكن بعد تلك اللحظة ازدادت ضربات قلبه دون شعور منه. وعيونه تتواصل مع عيونهم. هل سيستطيع فعلا ان ينهي حياتهم بيده؟ كما فعلوا اهاليهم من قبل هذا مع اخيه.

سوي بيدهم او ساعدوا بدون قصد في فعل ذلك. تنهد وتنفس طويلا، محاولا ان يخرج كل الافكار السوداء عن باله. سحب يد احدا فطالعه الطفل برهبة كبيرة. لحظات وبدا الطفل بالبكاء العالي وتابعه الثلاث اطفال الاخرين. تنهد بضيق وسحب الطفل خلفه. هتف لـ الباقيين قبل ان يغادر الغرفة تماما: -اللي هسمعه صوت تاني مش هرحمه.. سامعين؟ اومئوا له بخوف وايطاب، وساد الصمت علي المكان.

عاد بالطفل الي الغرفة الاخري، سطحه علي الفراش. امسك ابرة مليئة بسائل البنج ودسها تحت جلـد الطفل. لحظات وغاب الطفل عن الواقع. لحظات اخري وكان الطفل سيغيب عن العالم اجمع. بارتعاش مسك تايسون المشرط ووجهه نحو جسد الصغير و......... طرق رامز علي باب غرفة مكتب نصري ودخل بعد ان سمح له نصري بذلك. بعدما لمح نصري.. رامز تغيرت تعابير وجهه من الهدوء الي الضيق البائن. حاول ان يخفيه وهو يقول: -في حاجة يارامز؟ هتف رامز ببسمة واثقة:

-بقي عندي الدليل اللي يثبتلك ان جاسر الصاوي خارج عن القانون وقاتل ياباشا. طالعه نصري بنظرات غير مفهومة بين التصديق وعدم التصديق. فرامز لا يغفل عنه شئ وربما يقول هذا فقط ليبعد وعـد عنه. تفهم رامز نظراته فقال بصدق: -المرة دي انا معايا الدليل فعلا، تعالي معايا وهتشوف الحقيقة. لم يتزحزح نصري عن مكانه، فتقدم رامز وسحبه عن المقعد و: -هتشوفه بعينك وهتصدقني، وهتعرف انك رميت بنتك في النار بأيدك. نطق نصري محذرا: -رامز.....

قاطعه رامز: -لـو طلعت كداب انا هنسي تايسون دا وهبعد عنه وعن وعـد وهقفل صفحتهم. وامام اصراره تابع نصري خطواته بقلة حيلة وربما رغبة ايضا في معرفة الحقيقة ان كان صادقا.. !! توقع جعفر بالفعل امام مخزن الحارة. كان يعلم ان الامر سيطول وقته حتي ينتهي تايسون، فراح يلعب بالحصي بملل. دقيقة.. فأثنتين وشعر بخطوات تقترب من المكان. حوله تعجب من ذلك، لكن لحظات وعَلي صوت احداهن كأنها تطلب العون.

تتبع الصوت حتي وصل لفتاة محاصرة بعدة شباب يحاولون مضايقتها. عندما دقق النظر وجدها هويدا. أسرع بخطاه نحوهم، وهو يسبهم بداخله. ما ان وصل لهم حتي انقض عليهم ضربا، حتي فرّ بعضهم هربا من المكان. الذي بيده حاول هو ايضا الهرب لكنه لم يفلح. منحه لكمة عنيفة وهو يصرخ: -هخلي تايسون بية يفرج عليكم الحارة كلها بس استنوا، بقي بتتحرشوا علي واحدة من حارتكم دا انتوا ليلتكم مش هتعدي. تابت حديثه بلكمة فأخري. امسكت هويدا معصمه وابعدته

عن الشاب وهي تهتف بخوف: -كفاية ياجعفر هتموته في ايدك كفاية. وما ان تفككت يده عن الشاب قليلا حتي فرّ الشاب هو الاخر هاربا. نظر لها بغضب مزمجرا: -كنتي سيبتيني اطلع روحه. هويدا بشفقة علي الشاب: -هتعمل اكتر من كدا اية بس! تنحي عن غضبه عنهم ووجه غضبه لها هاتفا: -وانتي اية اللي معديكي في منطقة زي ديت. توسعت عيونها زهولا وهي تهتف: -انت مش معقول. نطق سائلا بحدة: -ردي. جابته بتوتر من نبرته: -كنت جاية اشوفك.

توسعت عيونه بزهول وعدم تصديق أثر اجابتها، لم يصدق الاجابة والجراءة التي اتت بها لتجيبه من الأساس. هتفت بخجل وهي تري نظرات عينيه المتوسعة نحوها: -انا قصدي كنت قريبة من هنا ولمحتك فجيت اسلم عليك. كان يعلم انها كاذبة لكنه اظهر التصديق وهو يؤمي بتفهما. استاذنته وغادرته سريعا بخطوات مرتبكة وبقي هو ينظر نحوها وهي تسير مغادرة بابتسامة واسعة.. سعيدة.. فرحة.

اثناء ذلك الوقت.. وصل " توك توك " امام بواية المخزن. هبطت منه وعـد وانقطت سائقه بـ المال. غادر هو وبقيت هي تنظر لـ المكان بخوف وقلق من ما ستراه بعد قليل. متمنية داخل نفسها الا يريها الله ما يوجع قلبها. تنهدت بقوة ثم بخطوات مصّـرة توجهت نحو بوابة المخزن. كانت مواربة فكان سهل فتحها. دخلت من خلالها ثم اعادت اؤرابها من جديد.

كان الصمت يعم المكان فأعبث ذلك الصمت بداخلها بعض الشعور بالطمأنينة من ان يكون حديث ذلك ' فاعل الخير ' كاذبا. لكن.. عندما امعنت السمع وصل لها صوت شهقات اطفال باكية فهوي قلبها باسفل اقدامها. تابعت الصوت حتي وصلت الي الغرفتين. غرفة يجى منها صوت الشهقات واخري يأتي منها اصوات ادوات طبية تتلاحم مع بعضها. اضطرت ان تتجاهل الشهقات وهي تتوجه نحو الغرفة الاخري بخطوات عاجلة. و.. فتحت الباب.

فوقعت عيونها عليه يقف امام فراش عليه طفلا وبيده مشرطين يقل بالتلاعب بهم بشرود. عندما انتبة لصوت الباب يُفتح التف ناحيته. عندما راها التمع الدمع بعينيه وهو يهمس: -مش قادر أأذيه ياوعـد، مش قادر.. شايفه كريم ومش قادر اقرب منه ياوعـد. رغم بشاعة الصورة التي راته فيها الا ان دمع عينيه ابعد عنها اي مشاعر سوداء نحوه. اقتربت منه لتحتضنه و: -انت مش قاتل ياتايسون. بكي داخل احضانها طويلا وهو يقول:

-استنيت كتير وعملت كتير علشان اوصل لـ اللحظة دي ولما وصلتلها مقدرتش اعمل حاجة.. انا ضعيف. ردت علي حديثه بنفي: -انت مش ضعيف، انت عندك انسانية. تايسون: -مش قادر اجيب حق كريم، كريم هيفضل زعلان ومش مرتاح في قبره. هربتت عليه وهي تردد بثقة رغم جهلها بقصة " كريم ": -اخوك كدا فخور بيك، عمر ما في حد بيفرح بسيل الدم ياتايسون. ازداد شهقات بكاءه وهو يهتف: -مش هقتلهم؟ وعـد: -مش هتقتلهم.

بحديثها كانها ضغطت علي زر انفجار الكبت بداخله حيث بدأ يبكي ويصرخ طويلا. يبكي قلىـةحيلته، يبكي وجعه، يبكي كرهه والظلم الذي تعرض له، يبكي علي كل ما فات وعلي كل ما سيأتي، يبكي علي كل لحظة آلم عاشها. ظل يبكي ويبكي حتي طال الوقت، كل هذا وهو بين احضانها ساكن. بعد قليل.. فُتحت بوابة المخزن وخرجت منها وعـد ومعها تايسون. توجه تايسون لسيارته ومعه وعد. هتف موجها حديثه لجعفر قبل ان يغادر: -رجع العيال لأهاليهم ياجعفر.

وغادر تاركا خلفه جعفر ينظر لاثره بزهول. كيف اتت وعـد؟ كيف عاد بقراره؟ كيف وكيف؟ اسئلة لا اجابة لها. بالاخير.. خرج بهم جعفر من المخزن وتوجه بسيارته نحو بوابة الحارة لكي يخرج منها ويَرّجع الاطفال لـ أهاليه.

لان نصري بات معرفا لدي حرس الحارة، دخل ومعه رامز. لم يتوجها لمنزل ابنته بل لمخزن الحارة. نصري يذهب بعقل شارد ومفكر ورامز يذهب بسعادة متشوقا لـ اللحظة التي انتظرها منذ زمن. صفا السيارة امام المخزن ودخلا بسهولة فهو مامال مواربا! ظلا يفتحا بابا خلف اخر بحثا من المشهد المطلوب لكنهم لم يجدا شيئا. دون شعور من نصري تنفس براحة، اما رامز فراح يلقي كل ما تطوله يده علي الارض وهو يصرخ بأنهيار كلي: -ازاااااي... ازااااااي. هتف

نصري له وهو يغادر المكان: -ابعد عنهم بقي وكفيهم من نارك. وهل سيفعل رامز ذلك؟ هل سيبتعد عنهم؟ ربما.. فلما لا! تسطح جسده علي الفراش، نظر لها وهو تنزع عنه حذائه بعيون نصف مغلقة. لم يكاد يتحدث حتي غفي في النوم بدون شعور منه. تركته هي ليرتاح وتوجهت نحو الشرفة. جلست فيها وراحت تفكر بكل ما حدث منذ دقائق لا تُعدم. ظهره وبيده مشرط والطفل امامه لا يفارق عقلها. أكان سيفعل ما كان سيفعله ان لم تأتي؟

كان سيرتكب جرما ك هذابالله هل كان سيفعل؟ تشعر انها مشوشة، هي بالفعل تحيا مع قاتل. ربما لم يستطيع ان يقترب من احدا الان لانه طفل، لكن ربما فعلها من قبل مع كبارا، ربما فعلا كان يفعل كما قالت لها علا من قبل. يستقطب الفتيات ويدخلها عرينه ثم لا رجعه لهم. عليها ان تحادثه وتواجهه، عليها ان تعرف عنه كل شئ. لتستطيع ان تحكم عليه، وتقرر هل ستكفي العيش معه ام ستهرب من عرينه وشروره. عليها ان تتحدث معه.. هي يجب ان تفعل ذلك صدقا.

جنون رامز لم يكن نقطة في بحر حالة الهستريا التي اصابت علا بعدما علمت منه ما حدث وفشل مخططهم. ظلت تصرخ بغل وهي تضرب الحائط بيدها بقوة. تلك المدعاه بـ وعـد ستصيبها بالجنون بلا شـك. كل محاولاتها لان تبعدها عن طريق تايسون تبئ بالفشل، لما بالله؟ لما؟ لما تقع تلك الوعد في طريق الرجل الوحيد الذي تمنته في حياته. اما الذي في تلك الوعـد يزيد عنها مما يجعله يفضل تلك الوعد عنها. تحرقها حية ام ماذا تفعل؟ ستحرقها.. او ستقتلها.

لا بديل لها عن ذلك. ولن تخبر رامز بمخططها، فهو يريد وعد وان علم بمخططها سيرفض، ستنفذ المخطط الجديد بدون مساعدته، ستنفذه بنفسها لتطمئن من انها ارتاحت منها لـ الابـــد. منذ الصباح ولحتي عم الليل وهي جالسة في الشرفة دون حراك. قاطع خلوتها صوته الجامد وهو يقول: -عارف ان في مليون سؤال جواكي وانا هجاوبك عليهم كلهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...