مرت على أحداث ذلك اليوم أسبوعان تقريبًا، كانوا من أسعد أيام الزوجين تايسون ووعد. وجود وعد في حياته ساعده في تخطي أزمة الماضي والمعايشة مع حاضره الجديد بدون شرور، فقد قرر أن يفتح صفحة جديدة تكون هي بطلتها وأساسها. رأى فيها جانبًا آخر لم يره من قبل، وعد شخصية ذهبية قلبًا وقالباً. بدأت تدريجيًا في التعرف على أهالي الحارة والاندماج معهم، حتى أنك يمكن أن تظن عندما تراها بينهم أنها مثلهم وولدت وعاشت كل حياتها بينهم.
مرح.. فرح.. ورومانسية. هكذا كانت أيامها الماضية. هل أيامهم القادمة ستندرج تحت تلك البنود أيضًا؟ لا أظن، خاصة في وجود علا التي تخطط للتخلص من وعد، ورامز الذي يخطط للتخلص من تايسون. من المفترض أن اليوم سوف يقوم جعفر بالتقدم لخطبة هويدا، ولحب تايسون له، قرر أن يذهب معه ليخطبها له. "يعني الباشا هيروح معانا؟ قالت علا بسعادة وهي تردف بعدم تصديق. أومأ جعفر بنعم وقد زادت سعادته بهذا الخبر.
"قالي إنه بمثابة أخويا الكبير وهيروح يتقدملها على الأساس ده." علا التي كانت سترتدي أي من ملابسها، فزت من مكانها وراحت تجوب خزانتها بتركيز مرة أخرى لتختار أنسب زي لها. فخبر وجود تايسون بتلك المناسبة قلب يومها رأسًا على عقب. لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن. "بليز يا تايسون خدني معاك، علشان خاطري.. علشان خاطري." قالتها وعد برجاء بالغ وهي تقفز على أقدامها توًا أمام تايسون، الذي ظهر الاعتراض على ملامح وجهه.
"مفيش مرواح يا وعد، أعتقد كلامي واضح." "لية مفيش مرواح؟ أنا عايزة أروح بليز.. بليز." قالت وعد بتذمر. "أنا قلت لأ." قال تايسون باعتراض. حسنًا، لم تنفع طرق الحيل، لكن ربما تنفع طرق المحايلة والدلال. اقتربت منه وعانقت رقبته بكفوفها، زمت شفتيها للأمام بإغراء وهي تقرب وجهها منه. راحت أنفاسها تلفح بشرة وجهه فتوترت مشاعره من ذلك القرب. همست هي بنبرة خافتة: "مش جعفر يبقي أخوك؟ أومأ بنعم بتوهان. "وأنا مراتك؟ أومأ بنعم.
"وأنا وانت واحد؟ أومأ بنعم. "وجعفر أخوك؟ أومأ بنعم. "وأنا وانت واحد؟ أومأ بنعم. "يبقي جعفر أخويا! أومأ بنعم. سألت بجدية مصطنعة: "فهمت حاجة؟ أومأ بنعم. فاطلقت ضحكة عالية وهي تبتعد عنه وقد علا على ملامحها علامات الانتصار. تنحنح وهتف بجدية بعدما استجمع نفسه: "على فكرة أنا بس موافق على مرواحك المرة دي علشان أنا موافق." "طبعًا يا بيبي.. طبعًا." قالت وعد بمرح.
وتركته متوجهة نحو خزانتها. أخرجت من الخزانة فستانًا باللون الأحمر، ذو أكمام شفافة من خامة الدانتيل، ومن أعلاه لحتى الركبة يضيق على الجسد، ومن الأسفل التف كذيل سمكة منفوش قليلاً، كان شكله مبهر. توجهت بالفستان نحوه، وقفت أمامه ووضعت الفستان من الخارج على جسدها. سألته باهتمام: "إيه رأيك في الدريس يا تايسون؟ رمقه بنظرات شاملة ثم خرج صوته معترضًا: "توء مش نافع مع المناسبة خالص." ضيقت حاجبيها بعدم فهم فتابع يشرح لها:
"وعدي، إحنا لسه هنتقدم يعني ممكن العريس يترفض، الفستان ده في مناسبات ثابتة خطوبة.. كتب كتاب.. كدا يعني." أومأت بتفهم لوجهة نظره، وتخلت عن الفستان واختارت آخر أبسط بكثير، مبهج بألوانه لكنه بسيط بتصميمه. ولكن لأن وعد ارتدته، فكان ساحرًا في جماله جدًا وكأن لا يوجد اثنين منه.
على الساعة السابعة مساءً، كان يهبط تايسون درجات منزله ووعد متعلقة في ذراعيه. هيئتهما كانت جميلة جاذبة للعين. عندما لمحتهم أم السعد، أخذت تدعو لهم بسعادة بالغة طالبة من الله أن يحفظهم ويهدي أمورهم دوماً. ركبا سيارته وتوجها نحو وجهة معينة.. منزل العريس جعفر.
بعد قليل وصلت السيارة أمام المنزل، أطلق تايسون بوقًا من سيارته ليعطي إنذارًا لجعفر بوصوله. فُتح الباب من خلال علا بلحظات، خرجت منه والسعادة مرتسمة على ملامحها، لكن سرعان ما اختفت السعادة والبسمة عن وجهها وهي تلمح الجالسة بجوار تايسون.
كل لهفة الصباح تبخرت وهي تراها تجلس بجواره تتضاحك معه ويتلامسان بالأيدي. توقدت النار بداخل قلبها بدون شعور منها. غلت بداخلها النيران لكن أخفقتها فكرة أنها ستأخذه منها قريبًا، فلا بأس من أن تتمتع معه وبه قليلاً الآن! ركبت السيارة وقبل أن يتحدث أحد، ركب جعفر أيضًا. قال تايسون بنبرته الرزينة: "مبروك يا عريس." "الله يبارك فيك يا تايسون بيه." رد جعفر بسعادة بالغة. "مبروك يا جعفر." قالت وعد ببسمتها الجميلة.
"الله يبارك فيكي يا هانم.. تشكري على مجيتك دي." رد جعفر بنبرة احترام لها. ابتسمت وقبل أن تتحدث، علقت علا: "مكنتيش جيتي... نظر الجميع لها بتعجب فردت سريعًا محاولة أن تصلح الأمر: "قصدي تعبتي نفسك على الفاضي." "جعفر أخو تايسون يعني مكانته في قلبي زي مكانته عند تايسون بالظبط." قالت وعد وأحبت أن تغيظها بعدما رأت ملامح الضيق على الأخرى بادية على وجهها جيدًا من وجودها.
ابتسم جعفر بسمة سعيدة بإحراج، فتايسون يعني له الكثير وبالتالي زوجته. وابتسم تايسون لرد زوجته المنمق. وتجاهل الجميع تلك المدعاة بعلا وغضبها الواضح. وصل الجميع لمنزل العروس هويدا. كانت هويدا يتيمة الأب، فقط تحيا مع والدتها، لا تملك أحدًا غير والدتها من الأساس. استقبلتهم والدة هويدا استقبالًا حافلًا. ازدادت حفاوته عند رؤيتها لكبير الحارة وزوجته. وجهتهم لغرفة الصالون وجلست هناك معهم. "أومال فين العروسة؟
نهضت وعد عن مكانها وهي تسأل بتلهف. شدها تايسون لتجلس مكانها لكنها لم تعره اهتمامًا ونظرت للسيدة باهتمام، التي قالت بضحكة خفيفة: "هويدا في الأوضة دي يا بنتي." وأشارت لأحدي الغرف، فتوجهت وعد للغرفة بخطوات متعجلة. قالت تايسون بحرج: "معلش يا ست الكل هي بتقلب هبلة كدا فجأة." "والله يا ابني تلقائيتها تتحب." قالت والدة هويدا بضحك وحب لتلك الفتاة.
نظر جعفر لتايسون وضربه بقدمه بخفة بمعني تحدث. رمقه الآخر بتلاعب وأومأ بالنفي، فرمقه برجاء. ضحك تايسون بكتوم ثم خرج صوته بعدما تنحنح بخشونة: "إحنا هنا النهاردة يا ست الكل علشان نوفق راسين في الحلال وطالبين إيد كريمتك هويدا لجعفر." "وإحنا شرف لينا جعفر يدخل بابنا يا تايسون بيه، بس المهم رأي العروسة." قالت والدة هويدا. "طبعًا.. طبعًا." قال تايسون. ثم علا صوته حتى يصل لغرفة الفتاتين: "وعد.. هاتي عروستنا."
"قوليلهم مش موافقة." تشبثت هويدا بمقعدها وهي تقول برعب. "يابنتي عيب نسيبهم برة مستنيينك." ضحكت وعد بمرح، حاولت أن تسحبها لكن الأخرى تشبثت بالمقعد بالفعل ولم تستطيع وعد شدها. "روحي قوليلهم إنها مش موافقة." قالت هويدا بخجل. "مش موافقة.. مش موافقة؟ رفعت إحدى حاجبيها. أومأت بنعم، فقالت وهي تمثل أنها تتركها وتنوي الخروج للخارج: "خلاص تمام، أنا كدا كدا كنت عايزة أجوز جعفر لـ....
لم تكمل الكلمة وكانت هويدا تسبقها نحو الخارج. أظهرت وجهها لهم ونطقت بتلهف: "أنا موافقة." ثم عادت أدراجها لغرفتها مرة أخرى، وتعالت ضحكات الجميع عليها، إلا علا التي كانت ترمق الأمر برمته بضيق وتأفف، وعقل شرود بما سيحدث قريبًا على يدها لتلك المدعاة بوعد. وانتهى اليوم وسط سعادة بالغة من العروسين، وقررا أن الزواج وكتب الكتاب سيكون بعد الآن بمدة شهر فقط لا غير.
وسيتكلف تايسون بدفع تكاليف مراسم الزواج كهدية لجعفر لأنه يراه كأخ له. صباح اليوم الموالي، كانا الاثنين في تمام التاسعة يقفان أمام باب شقة السيدة فوزية، فقد قررا أن يزوروها ليتناولوا وجبة الإفطار معها. عندما فتحت لهم الخادمة المسئولة عن خدمتها والجلوس معها الباب، انفجرت أساريرها وراحت ترحب بهم. أشارت لهم ليدخلوا وهي تردف بنبرة سعيدة: "دي فوزية هانم هتفرح أوي بمجيتكم." "هي فينها تيتا؟
سأل تايسون وهو ينزع عنه حذاءه أمام الباب. "في البلكونة." أجابته. أومأ بحسن وسار نحو الشرفة على أطراف أصابعه وخلفه وعد. كانت تجلس على مقعد مطل على الشارع وظهره مطلق عليهما. وضع عينيه على عينيها وهو يقول بمرح: "أنا مين؟ "حبيبي قلبي جاسر." قالت فوزية بحب. ابتسم وهو يبعد يديه عنها ويميل ليقبل عينيها. هتفت وعد وهي تتقدم نحوها لترى وجهها: "ولما هو يبقى حبيب قلبك، يبقى أنا أكون إيه؟ "إنتي قلبي كله بقى."
هتفت فوزية بحب كبير لوعد تمكن من قلبها خلال فقط بعض زيارات جمعتهم سويًا. "كلتي عقل فوز بكلمتين إنتي والله." قال جاسر بضحك. "هروح أجهز لكم بقي فطار، هتاكلوا صوابعكم وراه." هتفت الخادمة وهي تستعد لتغادر تلك الجلسة السعيدة. "اقفي يا دادة والله ما حد هيعمل فطار النهاردة غيري." قالت وعد. ولم تترك لأحد فرصة وتوجهت نحو المطبخ. هتف جاسر وهو يراقب ذهابها بقلق مصطنع: "جماعة.. أنا خائف." "وأنا مرعوبة." قالت فوزية بمرح.
لم يكملا عبارتهم وعلا صراخ وعد وصوت تكسير أشياء بالمكان. فتعالت الضحكات عليها بمرح وقضى الجميع يومًا في غاية السعادة، غير مدركين أن الغد يخفي لهم الكثير و.. الكثير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!