كانت علا غارقة في بحور إجرامها تفكر وتخطط. قررت أخيرًا أن يوم تنفيذ مخططها هو الغد. وعلى الناحية الأخرى، وقع اختيار رامز على نفس اليوم. المستوى الإجرامي واحد، باختلاف الطريقة والضحية. كم هو غريب، موحش، وحزين. أن يحاول إنسان قتل آخر ويخطط لينفذ ذلك، غير مهتم بأن يده ستختلط بدماءه، غير مهتم بعقاب الآخر. وكل هذا لأجل مشاعر تدعي الحب. وإن كانت مشاعر كراهية وحقد، أيضًا هذا ليس سببًا يدفع أحدهم لقتل الآخر.
كم هو سيء أن يسعى شخص لقتل آخر يبقى في الأخير أخيه في الإسلام! وعلى بعد من تلك المخططات السامة، كانت هناك ضحكات تتعالى من وعد المسطحة على فراشها، وأعلاها تايسون يقوم بدغدغتها بقوة وهو يضحك على صوت ضحكاتها الهستيرية. كانت تتلوي بين يديه بطريقة هسترية وهي تضحك. ضحكاتها تتعالى تدريجيًا، ومن كثرة الضحك لمعت الدموع في عينيها.
كان هو يلمح تلك الضحكات فيبتهج قلبه. فتلك الجالسة أسفله، بات يشعر أنها جزء منه، تكمل كيانه، وبدونها هو ناقص. مشاعره مع مرور الدقائق تجاهها تتزايد بقوة، يزداد حبه لها حتى وصل إلى الجنون. بالماضي، لو كان أحد قال له أن سيكون بتلك السعادة مع فتاة، خاصة وعد، لكان اتهمه بأنه مصاب بالجنون. لكن لا عجب في عالم تحكمه يد الله. حاولت أن تتماسك وهي تردد بأنفاس خاطفة: "بس يا تايسون بالله عليك أنا تعبت." هتف بعبث:
"مش هسيبك غير لما تقولي بحبك يا تايسون مية مرة." صاحت مغتاظة: "حرام عليك." قال وهو يلاعب حاجبيه بمكر: "ولو اعترضتي واتكلمتي في نص العد هتعيدي من الأول." وعد بنرفزة: "تايسون أنت بتخم." تايسون بزهول مصطنع: "بخـم! مال نحوها وعاد يدغدغها بقوة قائلاً: "طيب أنا هوريكي." وراحت ضحكاتها ترتفع عاليًا وتصدح في الغرفة مرة أخرى وهي تحاول أن تبعد عنها.
فهكذا كانت تسير حياتهم في الأيام الماضية. بالصباح هو منشغل في أعماله، وقت العصرية للراحة، بالمغربية في تناول وجبة العشاء والثرثرة قليلاً، بالليل يتحول الاثنان وكأن أصابهم دَرْبٌ من الجنون! *** أخيرًا، بعد ليل مر طويل على الجميع، نام الجميع. بعضهم هناء، وبعضهم جاهل ما سيحدث غدًا معه، وآخر ينتظر غدًا بكل لهفة.
تلملمت وعد في مكانها على الساعة السابعة والنصف. حركت جسدها إلى الناحية الأخرى فرمقت تايسون يقف أمام التسريحة يقوم بتصفيف شعره. هتفت بصوت ناعس: "تايسون متروحش الشغل بليز إنهاردة." ضيق ما بين حاجبيه بتعجب وهو يسألها: "في حاجة يا وعد؟ اعتدلت في جلستها وهي تهتف بقلق وصل لأعماق قلبها: "من الفجر وأنا حاسة بإحساس وحش أوي مش عارفة ليه. بليز متروحش." اقترب منها وقبل جبينها، ثم قال بأسف:
"للأسف يا حبيبتي في طلبية شغل مهمة هسلمها إنهاردة ومينفعش مكنتش موجود. بس أوعدك هخلص وأجي علطول." وعد وهو تتشبث بقميصه بقوة: "مش هتتأخر؟ أومأ بالنفي و: "مش هتأخر.. وعد." وليست كل الوعود يستطيع واعدها أن يفي بها.. للأسف! ***
غادر وتركها وسط ذلك الخوف والقلق الذي بدأ بالتسرب عليها تدريجيًا حتى ملأ جميع وجدانها. منذ الفجرية بلا هدف تشعر بالخطر والقلق من مجهول لا تعلمه. تشعر أن أحدهم سيصيبه مكروه. من الذي سيصيبه لا تدري.. لكن هناك رائحة خطر بالمكان. تنهدت في محاولة منها أن تهدئ نفسها وتبعد عنها الأفكار السوداء. نهضت وتوجهت لحمام الجناح. أخذت حمامًا دافئًا أبعد عنها قليلًا من السلبية ثم خرجت. ارتدت ملابسها ووقفت أمام التسريحة لتصفف شعرها.
فوجدت الباب يُفتح وتدخل أم السعد. هتفت أم السعد وهي تضع على طاولة صغيرة صينية بها وجبة إفطار لوعد: "ياهانم أنا رايحة السوق أجيب طلبات. دا الفطار أنا جهزتهولك قبل ما أمشي. عايزة حاجة؟ ردت ببسمة خفيفة: "تسلمي يا أم السعد." ابتسمت أم السعد وخرجت من الغرفة ثم من المنزل أكمله. وبهذا بقيت وعد بمفردها في المنزل أجمعه. ***
كان هناك لقاء جمع بين نصري وتايسون من عدة أيام. أخبره فيه تايسون أنه فعلًا من عائلة الصاوي الذي كان نصري يبحث عنها منذ زواج ابنته. أخبره القصة كلها وأنه أخطأ بحق ابنته كما أخطأ نصري بالماضي. أبدى نصري ندمه الشديد عند تذكره لذلك الأمر. قال أيضًا بأنه ما إن صرحت امرأته نشوى بالأمر حتى تعاركت معه وأمرته أن يعاود المال لهم ويقوم بتسجيل البلاغ وسيره على النهج الصحيح. لكنه لم يلحق أن يفعل شيئًا، فكان كل شيء قد تدمر بالفعل.
وعندما علمت زوجته بكل ما حدث لعائلة الصاوي، قطعته فترة طويلة وهي توجه له اللوم. لكن بالنهاية سامحته وبقي عذاب ضميره يلازمه لفترة طويلة من الزمن. بالأخير تسامح تايسون ونصري. عادت المياه لمجاريها عندما أخبره تايسون أنه سامحه بالفعل. فحزنه معه في الدنيا لن يجدي نفعًا. عقابه سيكون بالآخرة طبعًا على يد الله. إذن فليصبر ويكتفي بذلك العقاب. وبنت هذه علاقة حب جديدة بين زوج البنت والحما.
أما نشوى، فمنذ البداية كانت واقعة بحب تايسون ورأت فيه سندًا لابنتها وعد. ورأت فيهم صورة مكتملة.. متكاملة.. ناجحة. كلٌ منهم يكمل نواقص الآخر.. وصفاتهم وشخصياتهم ملائمة لبعضهم البعض. ***
وعد كانت تتناول فطورها وتشاهد أحد الأفلام على التلفاز عندما سمعت صوت باب المنزل يُفتح ويُغلق بقوة. ظنت أنها أم السعد ربما تكون قد عادت. لكن لحظات وضيق حاجبيها بتعجب. فلم تمر نصف ساعة على ذهاب أم السعد والمعروف عنها أنها تتأخر كثيرًا بالسوق. ربما مرضت وأتت؟ عند هذا التفكير نهضت وقررت التوجه للأسفل لتطمئن عليها إن كانت هي. وإن لم تكن هي؟ ربما يكون تايسون! سعدت لهذا التفسير أيضًا، فهل فعلًا أنهى عمله سريعًا ليأتي لها؟
كم سيزداد حبها له إن فعل ذلك. هبطت درجات السلم. نادت بصوتها على أم السعد. لم تجد ردًا. نادت على تايسون كذلك. لم تجد الرد. هتفت بتعجب وهي تتقدم للأمام: "لما مفيش حد هنا.. أومال مين اللي فتح الباب؟ سمعت صوتًا من خلفها يقول بنبرة فحيح أفعى: "أنا اللي فتحته."
التفتت برأسها بزعر فوجدت خلفها تقف علا. على ملامحها تعابير الشر. بيدها سكين حاد. يبدو عليها أنها ليست على طبيعتها أبدًا. تشعر أن ملامح النفور تنبض من ملامحها وتقفز قفزًا. وعد بتعجب: "علا! انتي بتعملي إيه هنا؟ اقتربت خطوة منها فرجعتها وعد بدون شعور للخلف. علا بصوت يُبث منه الحقد والكره: "جيالك." وعد بتعجب وعدم فهم ما زال يؤثر عليها: "جيالي أنا ليه؟ علا وهي تقترب عدة خطوات أخرى: "جاية أطلع روحك في إيدي يا وعد."
وقطعت آخر خطوة تفصل بينهما. ومع آخر كلماتها وجهت السكين لقلب وعد. إلا أن الأخرى صرخت بزعر وهي تفر هاربة وتركض باتجاه الدرج. صعدت عدة درجات قبل أن تتلوى قدمها فتسقط أرضًا على الدرج. تأوهت بالألم وهي تنظر خلفها وجدت الأخرى تكاد تصل لها مرة أخرى. تحملت على آلامها وهي تزحف درجات السلم بسرعة. صعدت قرابة نصفه ثم نهضت وبدأت تركض بخطوات متعثرة نحو غرفتها وخلفها علا. التي بدأ غضبها يزداد تدريجيًا أثر هروب وعد منها.
وصلت للغرفة. فتحت بابها وقبل أن تدخل وجدت من تضع يدها عليها. التفت لها. دفعتها بيدها بقوة فسقطت الأخرى على الأرض. استغلت وعد الفرصة ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها جيدًا. توجهت لهاتفها وطلبت رقم تايسون. لم يجيب. دقت ولم يجيب. حاولت مرة أخرى وقد بدأت تدخل في حالة من الهسترية وهي تستمع لطرقات علا العنيفة على الباب وصراخها: "مش هسيبك يا وعد.. مش هسيبك يا وعد." *** على الجانب الآخر.
كان تايسون يشرف على عماله وهم ينقلون البضائع من الخزائن إلى عربيات التحميل. الجو كان هرجًا ومرجًا والأصوات عالية. كان من المفترض أن يهتم أي أحد بذلك الشأن. لكن تايسون، وخاصة في الصفقات المهمة، يحب أن يباشر على العمل بنفسه. شعر بصوت اهتزازة خفيفة في جيب بنطاله. أخرج الهاتف فوجد قرابة سبعة اتصالات من وعد وهذا الثامن.
تعجب وتوجه إلى غرفة مكتبه. كاد يرد عليها ولكن الاتصال انغلق. فتح الباب ودخل وهو ينظر للهاتف. كاد يضغط على زر الاتصال قبل أن يجد من يظهر من خلفه واضعًا السلاح على رأسه. انفتحت عيناه بصدمة من الأمر. التفت ببطء فوجد صاحب اليد الماسكة للسلاح هو.. رامز. حاول أن يخفي صدمته وقلقه جيدًا وهو يبتسم بسخرية هاتفا: "أهلا أهلا بحضرة الظابط." رامز ببسمة سخرية: "تـوؤ.. قولي يا عزرائيل علشان هاخطف روحك منك دلوقتي."
حرك وجهه عدة مرات بالإيجاب وهي يقول بإعجاب ساخر: "إممم كلام جميل.. جميل." غضب رامز لسخرية تايسون منه. فصاح وهو يضربه ضربة ليست بالقوية على رأسه من خلال مسدسه: "متعصبنيش علشان متهورش." تايسون بسخرية: "وهتعمل إيه لو اتهورت يا بيضة؟ رفع المسدس في وجهه وقال بغل وهو يستعد ليضغط على الزناد: "هعمل كدا.... *** على الجانب الآخر.
استخدمت علا أثرية من المنزل وراحت بها تكسر غرفة وعد حتى نجحت. ابتسمت بتشفٍ وهي ترى وعد أمامها من جديد ترمقها بخوف وقلق. هتفت بنبرة تشفٍ: "وريني هتفلتِ مني إزاي يا حلوة.." وبلحظة واحدة.. خرجت صوت رصاصة من مكان.. وصرخة وجع من مكان آخر..!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!