دخل لغرفتها فوجدها متسطحة أرضاً، فارده جسدها على أرضية الغرفة، مغمضة العينين. ومن معصم يدها تتقاطر نقط الدماء. رغم أن المنظر يُفزع، إلا أنه كان بارداً. توجه نحوها وحمل جسدها. فأصابتها قشعريرة اعتادت عليها بوجوده. وشعر هو بذلك، فأبتسم بخبث، عالماً بأنها تمثل عليه. نطق آمراً أم السعد: "خلي جعفر يجيب الدكتور بسرعة." قالت بعجلة وهي تستعد لتغادر الغرفة: "حاضر ياتايسون."
بما أنها من المفترض غائبة عن الوعي، إذن ليعبث معها قليلاً. مستغلاً ذلك، عالماً بأنها لن تعترض. سطحها على الفراش أخيراً وجلس بجوارها. رفع يده واضعاً إياها على جبهتها، وأخذ يحرك يده ببطء من أعلى جبهتها حتى وصل لأنفها. كان يتحرك ببطء مثير، عاملاً على إنفاذ صبرها. تعالت أنفاسها تدريجياً غضباً وخجلاً من فعلته، ولكن لم تستطع أن تفعل شيئاً.
وصل أخيراً بيديه لشفتيها. ابتسم وهو يمرر إصبعه الإبهام على شفتيها العلوية ببطء. انزعجت ملامحها باصطناع، كأنها تضايقت من حركته، لعله يبتعد. لكنه لم يفعل، بل ترك الشفاه العلوية وتوجه للأخرى. واقترب بوجهه من وجهها، جاعلاً أنفاسه تضرب وجهها بقوة، حتى أنها احمرت خجلاً. لكن لم تحاول أن تبتعد كي لا يكتشف خدعتها. كاد يلصق شفتيه بخاصتها، لكن طرق الباب أوقفه. ابتعد وهو يهمس بنزق:
"مكنتش بوسة دي اللي كل ما أجي أديهالها حد يدخل." سمح للطارق بالدخول، فدخل الطبيب ومعه أم السعد. اقترب الطبيب منها. نظر لتايسون سائلاً: "بتعاني من تعب معين؟ نطق تايسون ببرود: "لا.. دي محاولة انتحار." ظهرت الدهشة على وجه الطبيب من الخبر، وكذلك من الناطق للخبر الذي قاله بكل برود، كأنه يعلن عن طقس اليوم. الطبيب بهدوء: "طيب تقدروا تتفضلوا برة وأنا... قاطعه تايسون بجمود: "إكشف عليها وأنا موجود، مش هتحرك من هنا." الطبيب:
"بس يافندم.... "أنا جوزها." قالها هكذا وفقط. وأمام نظراته التي تحذر الطبيب بألا يغضبه، صمت الطبيب فعلاً وبدأ بالكشف عليها وعلى يدها المصابة. كان جرحاً سطحياً جداً. من فعله يعلم جيداً أنه لن يضره، فقط سيحدث جلبة لمن يراه. لكنها لم تؤذِ أي شريان من شرايينها بعد. أخرج الطبيب لاصقاً طبياً وقام بلفه حول معصمها بعناية. انتهى أخيراً، فقام بلم حوائجه وهو يردد: "الجرح مش خطير خالص، متقلقش عليها."
نظر لتايسون نظرة فيما معناها أن يتبعه، وبالفعل خرج تايسون معه. وقفا أمام باب غرفتها من الخارج، منتظر تايسون أن يتحدث الطبيب ليقول ما لديه، والذي توقعه بطبيعة الحال. لحظات وخرج صوت الطبيب رادفاً: "أنا كشفت عليها، مفيش أي آثار لصدمة عصبية أو غير تدفعها للانتحار. من طريقة الجرح باين أوي إنها عارفة هي بتعمل إيه." سأل تايسون بهدوء: "بمعنى؟ الطبيب:
"هي عاملة جرح زي أي جرح أي حد بيتجرحه من سكينة مثلاً، بس اختارت إنه يكون في المكان الصح. وأعتقد عملت كدا كتهديد أو هرب من حاجة." أومأ بتفهم وأشار لجعفر الواقف بعيداً عنه قليلاً بأن ينزله لأسفل. عندما اختفيا الاثنان، ظهرت بسمة شيطانية مرحة على شفتيه. قطته الشرسة تتلاعب به أذناً. حسناً، وهو بالحقيقة رجل يعشق اللعب واللهو، لكن بشرط واحد. أن يكون هو سيد اللعبة الوحيد المتحكم بخيوطها. قال لـ أم السعد بعدما دخل الغرفة:
"قولي لجعفر يلغي كتب الكتاب." قال تلك الكلمات وعيونه متعلقة عليها. فلمحها تكاد تصرخ من فرط ساعدتها، لكنها تماسكت بآخر لحظة حتى لا تنكشف أمامه. غادرت أم السعد وبقيت القطة في مواجهة الأسد. اقترب بخطواته فجأة منها. أمسكها من معصمها المجروح وجعلها تعتدل في جلستها غصباً. انتفضت بين يديه بذهول من ما حدث خلال ثوانٍ، وتعلقت عيونها به بدهشة واضحة. خرج صوته المنذر بالشر لها:
"حركات العيال الهبلة دي مش عليا. انتي لو معدية عليكي عربية أربع مرات وفرماكي وعايز أكتب عليكي كنت هعملها ومش هيهمني، ولو هتموتي بعد ما أكتب. لكن بما إنك رافضة الحلال قوي كدا، يبقي شكلك ليكي في الحرام." ودون سبق إصرار، قيد يديها الاثنين خلف ظهرها بيد واحدة، والأخرى بدأت تعبث بخصلاتها وهو يكمل: "مكنش ليها لازمة تعوري نفسك على الفاضي يا وعدي. كنتي قولتيلي اللي نفسك فيه وأنا كنت هنفذه على طول." صرخت به: "انت بتقول إيه؟
ابعد عني." حاولت أن تبعده لكن لم تستطع. حاولت أن تفلت يديها من بين يديه لكنها أيضاً لم تستطع. مستمتع هو بذلك الدور، أن يجعلها تظن أنها تنجح بمخطوطاتها، ثم بلحظة يجعلها تقف كعصفور مبلل من الخوف، كالآن مثلاً. حيث كانت ترجف بين يديه رجفاً من الرعب منه. ظنت أنه استسلم وسيغادر بعد ذهاب الطبيب، فتستطيع أن تهرب مرة أخرى، لكن محاولاتها فشلت. "انتي عايزة إيه؟
قالها وهو يبتعد عنها فجأة. بكل هدوء نطقها. نظرت له فوجدته شخصاً آخر غير الذي كان يتكلم، كأنه تحول أو تبدل. لا تعلم هل هو فعلاً شخصان، أم أنه يتلاعب بأعصابها ليصيبها بالجنون. كان هادئاً.. صار وحشاً.. ثم عاد لإنساناً في غاية الرقي يسألها: "ماذا تريدين؟ استغلت هدوئه وهي ترد بلهفة:
"اخرج من هنا، أنا واحدة مخطوبة وبحب خطيبي وفرحنا قرب والله، مش هينفع أنفذ اللي بتقوله دا. مينفعش أتجوز واحد معرفوش. ولو حصل مقدرش أجيبلك طفل وأسيبه وأمشي. مقدرش أستحمل فكرة إن راجل غريب يلمسني. أرجوك افهمني، عايز طفل دور على واحدة غيري تنفعك." سمع حديثها حتى الآخر، لم يعلق. وبهذا ظنت أنه ربما تأثر. ربما سأم منها ومن محاولاتها في الهرب فقرر تركها والبحث عن أخرى. بداخلها انفتحت نافذة أمل، لكنها سرعان
ما انغلقت وهي تسمعه يردد: "فهمتي سؤالي غلط يا وعدي، أنا قصدي عايزة إيه عشان توافقي على جوازنا من غير شوشرة. أصل بعيد عنك أنا مفاصلي وجعاني ومش في حمل إني أشيلك كل شوية، وإنتي برضوا تخينة مش رفيعة." تركت كل حديثه وهي تردد بذهول، بينما تنظر لجسدها: "أنا تخينة! توسعت عيونه ذهولاً هو تلك المرة، وهو يراها تترك كل ما قاله وتمسك بعبارته الأخيرة. لكنه تذكر أنه يقف أمام فتاة، فتبدد ذهوله فوراً. تايسون:
"سيبنا من حوار التخن والرفع دلوقتي، وهقولك على حاجة تمشي عليها طول عمرك." همتفت بانتباه: "إيه هي؟ أجاب ضاحكاً: "رجلك."
رغماً عنها، تعالت ضحكاتها أيضاً. تناست ما تعاني منه وما يحدث حولها وضحكت على مزحته السخيفة تلك. ضحكت حتى برزت غمزتان كانتا مغمورتين في وجنتيها ولم تظهرا له من قبل. تعلقت عيونه بضحكتها، فأزدادت ضربات قلبه دون شعور منه، ورفرفت فراشات الحب أجنحتها في معدته، فتأوه بخفوت من لذة الشعور الذي يغمره بتلك الثواني تحديداً. واستطاع أن يجزم أن ضحكاتها تستطيع أن تدفعه لفعل أي شيء ليستطيع أن يسمعها مرة أخرى.
توقفت عن الضحك أخيراً، فتعلقت عيونها بعيونه الناظرة لها بنظرات مختلفة عن كل مرة، فصمتت وهي ترمق النظرات تلك بتعجب. نظرات ليست مخيفة أو كريهة، بل نظرات لطيفة أربكت قلبها دون شعور منها. فاق أخيراً من حالته، فتنحنح بخشونة، وقد عاد لتايسون بجبروته وهو ينطق بجمود:
"متبقيش سذاجة وتفكري كل الناس زيك. أما أجلت كتب الكتاب النهاردة مش إثبات على نجاح فكرتك، دا برهان ليكي إنك هتندمي لو مكتبناش الكتاب وقربت منك وحملتي. لأن وقتها الولد هيكون يلزمني وبس ومش يخصك، ووقتها هتندمي عشان هتخسريه، وهتندمي عشان وصمة العار اللي هتلتصق فيكي طول العمر. متفكريش كلمة إنك مخطوبة وبتاع هيأثر فيا، ولا الهوا. آخر فرصة هدهالك دلوقتي إنك تفكري إنتي عايزة إيه مقابل إنك توافقي تتجوزيني من غير شوشرة؟
شوفي عايزة إيه وقدامك الليل بطوله، وبكرة الساعة سبعة ونص بالدقيقة هكون مستني قرارك الأخير في مكتبي يا وعدي." وكاد يغادر، إلا أنه توقف وعاد لها مكملاً: "على فكرة عندي استعداد نكمل لعبة القط والفار دي، وتهربي وأجيبك كل مرة، بس... بعد ما أضمن إنك حامل يا وعدي، عشان ألعب ساعتها بنفسي." كلامه متناقض! أفعاله متناقضة!
شخصيته ليست مفهومة وقراراته متبدلة. يفكر في شيء ولا ينفذه. ينفذ أشياء لم يفكر فيها أساساً. يقول يريد اللعب وفجأة يتغير قراره، ويبقى فقط راغباً شيئاً واحداً... أن يكون أباً لطفلها! هذا هو تايسون! بعض القوات أتت ومنذ الساعة الثامنة ليلاً حتى الحادية عشرة والنصف ليلاً وهي تبحث هنا وهناك عن أثر خاص لـ وعد بقلب تلك المنطقة. لكن لم يصلوا لشيء. مر والدها من جوار المكان الذي حدث فيه الاختطاف ولم يشعر بشيء.
وكاد يجن، لكن من جن بالفعل هو رامز، الذي شعر باقتراب فقدانه التماسك بأعصابه، وبكل لحظة تأتي بمخيلته كثيراً من الأفكار السيئة حول الذي من الممكن أن يكون جرى لـ وعد، خطيبته وحبيبته. هتف سائلاً إحدى سكان المنطقة: "كل الأماكن اللي حوالين المنطقة أمان صح؟ مفيش غير الشارع دا اللي لبش؟ أجابه الرجل باستنكار:
"ياباشا الشارع دا فاتح على ناصيتين، الأولى تطلعك للشارع الرئيسي، والتانية توصلك لقلب اللبش أصلاً. هناك توصل للحارات وجوه الحارات هتشوف العجب يابيه، هناك مفيش كبير يحكمه." تساءل بمنطق: "ممكن يخطفوا؟ هتف معداً على أصابعه: "ويقتلوا ويسرقوا وينهبوا ويغتصبوا، وكل اللي قلبك يكرهه ياباشا." أشار لعسكري أن يتقدم منه، وعندما أتى أمره بحدة هاتفا:
"عايزك تفتشلي كل الحارات اللي هنا حتة حتة، واللي يمنعك تفتش بيته تخربهوله فوق دماغه. خد معاك قوة وابدأوا شوفوا شغلكم." أجابه بخضوع: "حاضر يابيه." دخل جعفر منزله مساءً بإرهاق، فوجد شقيقته علا تنتظره بملامح متضايقة. وعندما لمحته قالت بتساؤل: "كتبوا الكتاب يا جعفر؟
كانت تسأولاً مليئاً بالقلق والخوف بأن تكون الإجابة هي الإيماء بنعم، لكنه عندما نفى الخبر، توسعت بسمتها براحة كبيرة وهي تهمس بداخلها "الحمد لله". فهي لا تريد أن يدخل أحد جهنم تايسون الوعرة، لا تريد أن يقع أحد بشباكه. ستفعل المستحيل كي لا يحدث هذا ويملك تايسون أي فتاة ويجعلها ملكه. وبصباح جديد، كانت هناك حكاوي تنتظر لتحكى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!