الفصل 6 | من 23 فصل

رواية حارة تايسون الفصل السادس 6 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
20
كلمة
1,684
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

الساعة السابعة ونصف صباحا بحارة تايسون. كانت وعد تقف أمام باب غرفة مكتب تايسون. ملامحها تسيطر عليها تعابير الجمود، لا حياة بعيونها. بريق الأمل الذي ما كان يفارقها اختفى الآن من بؤبؤ عينيها. تنهدت وهي تطرق على بابه. كأنه كان ينتظرها، حيث وجدته يفتح الباب لها وبسمة واثقة مرتسمة على شفتيه. دخلت وسارت أمامه بخطوات هادئة وهو خلفها يسير بخطوات أقل من البطيئة. يتابعها من الخلف بنظرات معجبة.

لم يستطع أن يكبح إعجابه فأطلق صفيرًا عاليًا. نظرت بفزع خلفها فلم يستحِ حتى ويبعد أبصاره عنها، بل ظل مركزًا بصره عليها وعلى وجهه ابتسامة عابثة. رددت بصوت مسموع قليلاً: -وقح. وصلت همستها له فزادت بسمته وكأنها تمدحه بنعتها له بذلك اللفظ. جلست على أقرب مقعد قابلها فجلس هو أيضًا على المقعد المقابل لها. وضع قدمًا على الأخرى بعنجهية واضحة. تنهدت بضيق من الحال برمته لكنها تماسكت وهي تنطق بصوت جامد: -أنا موافقة.

نطق بعدم فهم مصطنع: -على إيه؟ رمقته برفعة حاجب ساخر لكنه لم يهتم بل قال بتذكر مصطنع: -أها، قصدك على جوازنا يا وعدي.. صح؟ سيطر الجمود عليها وهي تؤمي بنعم. فتغيرت ملامحه هو أيضًا للجدية و: -كلمة موافقة بعدها مفيش رجوع، لو رجعتي لبطن أمك هجيبك.. بعد الموافقة مفيش هرب مني. وعد: -وأنا مش هرجع في قراري. نهض عن مجلسه وارتسمت على وجهه بسمة منتصرة: -يبقى نجهز بقى لفرحنا يا وعدي. -هو النهارده؟ علق بجدية:

-لأ.. النهارده مش فاضي، بكرة كتب الكتاب والدخلة يا عروسة. وبكل فظاظة أرسل لها قبلة في الهواء. وجدت الباب يطرق وتدخل منه أم السعد ومعها حامل به طعام. تذكرت الآن أنها لم تأكل منذ زمن وشعرت بجوع قوي يغمرها. معدتها أيضًا أصدرت أصوات سائمة من كل هذا التأخير، لذا لم تعترض بل ما إن وضعت الطعام أمامها حتى بدأت بألتهامه بشهية كبرى. جلست أم السعد معها تنتظرها حتى تنهي طعامها. لاحظت نظراتها المبتسمة التي تناظرها بها

فرمقتها بتعجب مستفهم و: -بتبتسمي ليه؟ أم السعد بصدق: -فرحانة إن تايسون بيه هيتجوز. وعد بضحك: -ما صدقتي هتخلصي منه وتلاقي غيرك تستحمل غضبه. ضحكت أم السعد بقوة وأومأت بالنفي عدة مرات: -لأ متخفيش، لو جت ألف واحدة هيدي كل واحدة حقها من عصبيته وغضبه. وعد بسخرية وهي تتناول رشفة من الحساء الساخن: -لأ وهو الحقيقة حكيم أوي. أم السعد بعيون صادقة محبة: -لما تعرفي تايسون بيه هتعرفي إنه مفيش في طيبته وكرمه وحكمته.

علقت بدهشة مذكرة إياها بإحدى المواقف التي تعايشتها بحارته: -ده بأمارة الألف اللي كان عايز ياخده من الراجل خمسة! تنهدت أم السعد وهي تفهمها ما حدث: -أبو محمد أب لأربع عيال غير الخامس اللي مراته حامل فيه عايشين كلهم في أوضة وصالة.. مفروض يعمل إيه؟ علقت بتلقائية: -يحاول يوسع على نفسه وعلى عيالها. أكملت أم السعد:

-هو بيتداين بقى ويضيعه على القمار، اتسلف من رجالة الحارة كلها ومكنش بيرجع غير بطلوع الروح لحد ما لجأ لـ تايسون فـ حب يعلم عليه يمكن يفوق ويتكسف على دمه. -وفاق؟ قالت أم السعد مبتسمة: -تايسون بيه مبقاش فاضي يشوفه ويشوف غيره، جيتي إنتي شغلتيه عن كل حاجة. كلماتها من المفترض أن تخجلها لكنها لم تفعل! بل ظهر الضيق عليها وقد ذكرتها تلك الكلمات بواقع سقوطها بين يديه وتملكه التدريجي لها.

بوقت العصرية تقريبًا، علا رنين الجرس بمنزل تايسون. أسرعت أم السعد باتجاه الباب لتفتحه بوقت نزول وعد من الأسفل. فتحته فوجدت أن الطارقة هي علا. تغيرت ملامحها للضيق وهي تسمح لها بالدخول: -اتفضلي يا علا. وصلت أخيرًا وعد لهن فنظرت لـ علا بتعجب ثم لـ أم السعد باستفهام. فقالت أم السعد معرفة إياها بـ علا: -دي علا أخت جعفر دراع تايسون بيه اليمين.. صمتت ونطقت مرة أخرى كلماتها بتعمد:

-وهي خدامة هنا بس مبتجيش كتير، بتيجي يومين بس في الأسبوع علشان تساعدني في التنضيف. قالت علا بغرور: -برغبة تايسون بيه. صححت أم السعد عبارتها باستفزاز: -بعد ما أنا قولتله يجيبك علشان تساعدي أخوكي في المصاريف.. يعني علشان هو طيب.. عطف عليكم يا حبيبتي. رمقتها بضيق فبادلتها أم السعد نظارتها ببسمة استفزاز. وكانت وعد تحرك عيونها بينهم بعد فهم بالحرب الكلامية التي تجمعهم.

كانت أم السعد أكثر واحدة تعلم بدواخل علا ونواياها، لذلك هي أكثر واحدة تبغضها في الحارة. أكملت أم السعد معرفة علا بـ وعد: -ودي وعد هانم، بكرة هتبقى مرات البيه وسيدة الحارة. قالت آخر كلماتها بفخر كبير، فأستشاطت نظرات علا المتضايقة واقتربت منها. مدت يدها لها و: -أهلا يا هانم. كادت وعد تسلم لكن أم السعد سحبت علا بعيدًا وهي تردف:

-تعالي يا علا ومتكسفيش، وعد هانم يمكن مش عايزة تسلم علشان إيدك مش نضيفة بس مكسوفة تحرجك، أصل الست وعد زي ما إنتي شايفة شكلها بنت أكابر وإنتي فاهمة بقى. يزداد الغيظ بقلب علا، أما وعد فرمقت أم السعد بدهشة وكادت تتحدث لكن نظرات أم السعد المحذرة أصمتتها. أم السعد: -كنتي عايزة تايسون بيه صح؟ -ا.. الم تكد ترد حتى أكملت أم السعد: -البيه شوية وجاي، استنيه في المكتب عقبال ما يجيب. بعدما كادت ترفض.. وافقت!

لمحت الغيظ والضيق بعيون علا فـ بـ مكر أنثى أحبت أن تزيد غيظها. فتحركت بخطوات متدلعة نحو غرفة المكتب وهي تلعب بخصلات شعرها القصير بيدها بحركات بطيئة مستفزة. وقد أعجبتها تلك الحرب الخفية التي تمارسها وإن لم تفهم سببها من الأساس. فتحت الباب ودخلته، تاركة خلفها علا تتميز من الغيظ والكيد. جلست لمياء بجوارها وبيدها كوبًا من الحليب الساخن. مدت لها الكوب وهي تردف بحزن عليها: -نشوى اشربي اللبن ده علشان خاطري.

لم ترد ولم تلتفت لها حتى.. فتابعت لمياء: -طيب لو مش علشان خاطري يبقى علشان خاطر وعد بنتك يا نشوى. وهنا فقط.. عند تلك السيرة. نظرت لها نشوى بعيون محمرة متجمعة فيها دموع غزيرة. قالت بقلب متقطع من الحزن على ابنتها المختفية: -وهي فين بس وعد يا لمياء، فينها بس؟

أخذت تكرر العبارة بصوت يتعالى تدريجيًا بانهيار. أعصابها المتماسكة بدأت تنفلت بألم. تفكيرها يكاد يفقدها باقي فصوص تعقلها. الأفكار تكاد تعصف بها.. كلها أسوأ من بعضها البعض. هل اختطفت؟ وإن اختطفت ماذا يا ترى فعلوا بها؟ بأي حال هي؟ أما زالت تتنفس؟ أما زالت حية ترزق؟ أم أنها قد فقدت حياتها.. !! فلأطمئنك وأخيفك بذات الوقت يا سيدة نشوى وأقول لكِ أنها مازالت حية لكنها تعيش كالميتة.. !!

دخلت الغرفة والبسمة على وجهها تشعر وكأن القدر فتح لها طاقة من الأمل الجديد. توجهت سريعا لـ مكتب تايسون. فتحت أول أدرجه فوجدت به أوراقًا فارغة وأقلامًا كثيرة، لن تفيدها بشيء. تركت الأول وفتحت الآخر وجدت فيه أوراقًا خاصة بعمله هو ظلت تعبث بها قليلًا لم تجدها مهمة بالدرجة التي قد تفيدها. فتحت آخر درج وقد وضعت فيه جميع آمالها. ولم يخيب الله آمالها، حيث وجدت فيه محتويات حقيبتها جميعها وأول تلك الأشياء كان هاتفها العزيز.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...