الفصل 4 | من 23 فصل

رواية حارة تايسون الفصل الرابع 4 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
19
كلمة
2,294
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

مرت ساعات النهار عليها كجلاد يجلدها بسوط من نار. كادت تحترق من فرط الانتظار للساعات بأن تمر. يظنها تفكر بعرضه وهي تستعد لتهرب. بدأت ويلات الليل تظهر من خلف شرفتها المفتوحة، وكم كانت تنتظر أن يحل هذا السواد على العالم. نهضت متجهة نحو خزانة الملابس، أخرجت منها بنطالًا من القماش الجينز أسود اللون ويعلوه قميص فيروزي. طالعت الملبس الذي بين يديها بإعجاب واضح، لم تستطع أن تنكر إعجابها بذوقه الرفيع.

بدأت برفع أجزاء منامتها عن جسدها وارتداء تلك الملابس. للغرابة وجدت أن الحركة بتلك الملابس سهلة، وهذا سيساعدها كثيرًا. خصلات شعرها لأنها قصيرة لم تحيرها ولم تهتم لربطها، فطولهم القصير المحبوب لقلبها لا يعد بالنسبة لها عائقًا أبدًا. ارتدت حذاءها الرياضي الذي مازال موجودًا، وهكذا صارت جاهزة.

توجهت للشرفة، نظرت من خلالها وجدت الحراس ليسوا موجودين من الأساس. لو كان فيها وقت لكانت أخبرت تايسون أن حراسه لا ينفعون لتلك المهمة. عدم وجودهم منحها شعورًا بالاطمئنان. توجهت للجزء الآخر من الشرفة المطل على جانب المنزل ونظرت من خلاله للأسفل.

كانت المسافة ليست بالقصيرة لتقفزها مرة واحدة. جالت ببصرها بأرجاء المكان فلمحت شجرة بالقرب من الشرفة. لم تفكر كثيرًا بل اقتربت من مكانها وبلحظة كانت واقفة على سور الشرفة. تمسكت بطرف قوي من الشجرة وألقت بجسدها كله عليه، بدأت بالهبوط للأسفل ببطء وهي تشعر بروحها تكاد تنسحب.

لأول مرة تجرؤ على فعل أشياء كهذه، ولكن بحارة تايسون يبدو أنها ستحارب كل ما هو غريب قبل أن تفارقها. وصلت أخيرًا لأرض المنزل بسلام، لم تفكر كثيرًا بل أسرعت بخطواتها نحو الجهة الخلفية للمنزل. كان منزله عبارة عن طابقين يتوسطان حديقة تلتف حوله من جميع الجهات، وإن كانت مساحة الحديقة من الأمام أوسع من باقي الجهات. وهناك باب خلفي وباب أمامي وهي الآن تقترب من الباب الخلفي.

وصلت له فناظرته بنظرات مطولة وكأنه طريق الخروج من الجحيم أو أن خلفه تقبع جميع أحلامها. توجهت له وحاولت فتحه لكنه كان صعب الفتح. حاولت ولم تستطع، فأبتعدت عنه ترمقه بضيق ونظرت للأسوار المنزل لعلها تكون قصيرة وتستطيع أن تتسلقها، لكن آمالها تحطمت على أرض الحقيقة حيث كانت أسوار شاهقة تحيط بالمنزل.

لم تجد حلًا سوى المحاولة بفتح الباب مرة أخرى. ظلت تحاول وتحاول حتى بدأت تتكون حول جبينها قطرات من العرق، لكنها لم تستسلم. أخيرًا جاء صوت من خلفها ساخرًا: "تحب أساعدك؟ التفت بفزع للخلف فوجدته واقفًا خلفها تمامًا يفصل بينهما خطوتين فقط، واضعًا يديه في جيب بنطاله الأسود. وقفته كانت عنجهية جدًا وقد ارتسمت على شفتيه بسمات سخرية وفي عينيه نظرات عابثة متسلية. لم يطل الصمت قليلاً حيث أردف وهو يقطع الخطوات الفاصلة بينهما:

"طبيعي قطة شرسة زيك كدا تحاول تهرب." وصل أخيرًا لها. مد يده وأمسك خصلة من خصلاتها قد سقطت على عينيها ووضعها خلف أذنها متابعًا: "والطبيعي كمان إن تايسون مبيسمحش لقطط تخرج برة حارته." اقترب من أذنها فلفحت أنفاسه الساخنة بشرتها مما جعل الرعشة تصيب عمودها الفقري و: "لأنه بيخاف على قططه أوي.. أوي ياقطتي." نطقت بغل: "هرب.. في يوم ههرب وهحقق المستحيل في حارتك وهتشوف." تلاعبت السخرية على شفتيه ولم يجيب، فتابعت:

"ولو مهربتش فبرضوا مش هتجوزك حتى لو عملت إيه." غابت السخرية والتسلية عن وجهه، فهي وإن كانت تعجبه وتؤثر فيه إلا أنها هنا أساسًا لسبب واحد، هي هنا لأجل إنجاب طفلًا وفقط. "قولتلك أنا بحب آخد الحاجة بالغصب وكمان قولتلك مفيش هرب من هنا وقولتلك إنك عجبتيني ودلوقتي بقولك إنك تخصيني وملكي. ومعنى كلمة تخصيني في قاموسي إن حتى نفسك محسوب عليكي لأن روحك بقيت تهمني أكتر ما بتهمك. ودلوقتي... أشار لغرفتها التي تقبع بالأعلى و:

"تروحي زي الشاطرة لأوضتك هتلاقي فستان ألبسيه علشان نكتب الكتاب ياعروسة." جاءت لتتحدث فقاطعها بعيون منذرة بالشرر: "لو مش موافقة معنديش اعتراض إنك تجيبيلي عيل بالحرام صدقيني، بل بالعكس دا هيساعدني إني أخلي الولد معايا دايما ووريني هتعرفي تشمي ضفره كيف." قالت بسخرية: "دا باعتبار إني هخليك تلمسني أصلًا! تايسون بجمود: "تخافي تخليني ألمسك؟ وفي قلب الجنينة هنا وأثبتلك إن كل كلمة بقولها هتتنفذ؟ صدقيني معنديش اعتراض."

"إنت.. إنت... رد بلامبالاة: "حقير، وقح، معندوش دم، قليل الأدب، كلها مسميات لذيذة جدًا بتوصفني وبتمثلني جدًا." لم تستطع أن تتحدث، فقال بنبرة صارت جدية أكثر: "اطلعي اجهزي ياعروسة." وتابع غامزًا: "أقصد يامراتي المستقبلية." وكم تلذذ وهم ينطق حروف تلك العبارة، زوجته ستصير زوجته عما قريب.. أي ملكه. بالله يسكنه شعور من النشوة الآن، شعور لذيذ للغاية ومنعش! ***

طرقات الباب العالية أفزعت مي ووالدتها. انتفضت مي واقفة من مقعدها الجالسة عليه بقلب صالة منزلهم متوجهة نحو باب المنزل الذي كاد أن ينكسر نتيجة لطرق رامز القوي عليه. صاحت وهي تحاول أن تفتحه فقد كان بابًا قديمًا صعب قليلًا في الفتح: "دقيقة يا اللي بتخبط، دقيقة الدنيا مش هتطير." فتحته أخيرًا فظهر أمامها رامز والسيد نصري. نطقت بتعجب وهي ترمقهم بعدم فهم: "رامز.. عمو نصري!

لمح نصري فزعها الذي كان سببه طرق رامز القوي على الباب، فقال ليظهر لها سبب فعلته الهوجاء تلك: "إحنا آسفين يا مي يا بنتي، بس وعد مختفية من امبارح واللي عرفناه إن آخر مكان كانت فيه هو عندك، فجينا نسألك لو تعرفي حاجة عنها؟ صاحت بزعر: "اختفت، اختفت إزاي يعني؟ رامز بملامح جامدة: "شاكين إنها اتخطفت." صاحت برعب أكثر: "إيه.. اتخطفت!! يبدو أن صبر رامز بدأ في النفاذ لذا صاح متضايقًا:

"مي دا مش وقت ذهول، قولي لنا تعرفي عنها حاجة ولا لأ؟ وخرجت امتى من عندك؟ ارتعشت بخوف من صريخه فيها، لكن حاولت أن تتماسك و: "مشيت على الساعة عشرة تقريبًا، لما طنط اتصلت بيها وقالت لها إنها اتأخرت. محاولتش أتصل بيها للأسف لأني نمت على طول بعد ما مشيت." توجه نصري لشرفة منزلهم، فتحها ونظر من خلالها على كل جوانب الشارع. نظر لها بعد ذلك مردفًا: "مفيش غير الطريق دا اللي بتطلعوا منه للشارع الرئيسي صح؟

قالها مشيرًا على الفتحة الموجودة ببداية شارعهم والتي تسوقك للشارع الرئيسي. أومأت بالنفي واقتربت من الشرفة أيضًا، أشارت لشارع بين أزقة المنازل هاتفة: "في الشارع دا كمان طريقه مختصر، ووعد بتحب تعدي منه رغم إني حذرتها كذا مرة." نطق رامز بنفاذ صبر ومشاعر منفلتة: "حذرتيها من إيه؟ "الشارع دا فاضي ومحدش بيرضي يعدي فيه علشان مشاكله كتيرة ومليان لبش، بس أنتوا عارفين وعد عنادية." نطق نصري بتأكيد: "أكيد عدت منه."

ثم نظر لرامز قائلًا وهو يستعد ليرحل: "يلا يا رامز." ووجهتهما كانت لذلك الشارع الذي بالفعل تم اختطاف وعد منه، لكن ما الدليل على ذلك؟ لا يوجد، فالمختطفة ليست موجودة وكل ما يخصها ليس موجود. ما بقي فقط مكان حدوث الجريمة بدون دليل على وجود الجريمة. *** عودة لـ حارة تايسون.

لم يكن يتمازح معها عندما أخبرها بأنهم سيقومون بكتب الكتاب، فبالفعل وجدت فستانًا يفترش فراشها وهناك جلبة بالأسفل تدل على التجهيز المقام لاستقبال المأذون. صرخت بكتوم بخنقة من الحال برمته، ماذا تفعل بحق الله؟ كيف تكون بين حياة رغدة هنيئة وبلحظة تصبح بأخرى عبارة عن جحيم.

ذلك الرجل الذي قام باختطافها يظهر عليه ومضات الذكاء والنباهة، لن تستطيع أن تتلاعب به، بل يبدو أنه هو من سيتلاعب بها كقطعة من الشطرنج. لا هربًا سيجدي نفعًا ولا صراخًا. لكن.. ربما الموت يجدي! ربما الموت ينقذها من بين براثنه المتوحشة ومن مستقبل بات وشيكًا على الحدوث، ومن هنا تستطيع أن تجزم أنه مستقبلًا ناصعًا في السواد. بـ منزل جعفر.

ارتدى جعفر ملابسه بعجلة شديدة وبينما يفعل ذلك كان يقوم بعدة اتصالات. حالته المربكة تلك أربكت شقيقته، والتي تعد الفتاة الوحيدة التي تقربه في تلك الحياة. مما دفعها للتساؤل بدهشة: "إيه يا جعفر مالك متسرع كدا ليه ومش على بعضك؟ أجابها بعجلة: "البيه عايزني." علا بتعجب: "ما طول عمره البيه بيعوزك ومبتكونش متسرع كدا." نطق وهو يقطع الخطوات الفاصلة بينه وبين باب الخروج من المنزل: "النهاردة غير كل مرة."

"فيها إيه المرة دي زيادة عن كل مرة؟ أجابها قبل أن يختفي ويغلق الباب خلفه: "علشان إنهاردة هيكتب كتابه يا علا." وتركها تنظر لمكان اختفائه بذهول واضح وعيون مجحظة. من الذي سيكتب؟ وماذا سيكتب بحق الله؟ هل ما سمعته حقيقيًا؟ لا.. لن تسمح بحدوث هذا أبدًا. لن تسمح بأن تلقى فتاة ما بجهنم تايسون الواعرة. ***

كان يجلس بمكتبه بكل برود، عالمًا بأن تلك التجهيزات لن تصيب هدفه هذه المرة، متأكدًا مئة بالمئة أن هناك ما سيجري ليوقف تلك المراسم. فهو خير عليم بالنساء ومكرهم، خير عليم بعندهم وقوتهم القابعة بقلب ضعفهم. ومن خلال نظرته لتلك الفتاة التي بالطابق العلوي المسماة بوعد، علم أنها لن تستسلم بسهولة أبدًا. ستحرق اليابس قبل الأخضر. ستفعل المستحيل للنجاة من براثنه، وعندما تفشل بكل تلك المحاولات هنا فقط ربما تستسلم وترفع الراية البيضاء.

وبالحقيقة بال أول كان يريد طفلًا وفقط، لكنه الآن أعجبه الحال وأعجبته لعبة القط والفأر الذي يلعبها وسيلعبها معها، بالإضافة لمشاعره التي تثيرها نحوه، مشاعر تجتاحه لأول مرة وتثير على إعجابه. لذا سيؤجل حكاية الطفل لأيام بعد.. أيام قليلة يستمتع فيهم بشراسة تلك القطة.. قطته وفقط. قطع تفكيره المستمع صراخ أم السعد العالي: "تايسون بيه.. الحقنا يا تايسون بيه العروسة واقعة على الأرض قاطعة النفس."

ألم يقل لكم أنها ستفعل المستحيل قبل أن تستسلم له؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...