الفصل 15 | من 23 فصل

رواية حارة تايسون الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
22
كلمة
2,195
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

توالت التهنيئات من العائلة والأقارب، ثم غادروا. بدأت تتوافد جماعات من أهالي الحارة وأيديهم محملة بالخير لهم. كانوا يباركون لها ولتايسون بكل حرارة وسعادة، لا تدل أبدًا على كرههم أو خشيتهم منه. سيدات كثيرات وفَتَيات، تعاملن معه باحترام وكأنهم يكنون له فضلًا كبيرًا وشكرًا. راقبت ما يحدث بعيون متفحصة، بينما تدور في عقلها أحاديث علا عنه. يبدو أن علا كاذبة!

وكل ما قالته من أحاديث أيضًا كاذبة، فالجميع يحترمونه ويحبونه، والسيدات تقترب منه باعتيادية ولا تخاف منه! وسط أفكارها الشاردة، وجدت يده تلتف حول خصرها. شهقت برقة وهي تنظر له هاتفة: _خضيتني. هتف بغزل وعيون تطلق لمعات سعيدة: _أحلى خضيتني سمعتها في حياتي. تورّدت وجنتاها خجلًا منه، ونظرت للأرض بكسوف. نظر حوله فوجد من حوله مشغولين بأحاديث جانبية، فمال عليها واختطف قبلة من إحدى وجنتيها. نظرت له بضيق مصطنع و:

_تايسون عيب كدا. تايسون برفعة حاجب: _عيب كدا؟ بتتكلمي ابن أختك أنتِ؟ أمسكت وجنتيه بين يديها وضمتها وهي تقول بضحك: _وأنا أطول يبقى عندي ابن أخت بخدود كدا. مقها بنظرات ضيقة وهو يهتف بنبرة جادة: _تحبي أوريكي ابن أختك دا هيعمل فيكي إيه دلوقتي. تطلعت له فوجدت النبرة الحادة ما هي إلا قشرة تخفي خلفها كثيرًا من الخبث. فهمت على الفور ما يقصده، فضربته على كتفه بخفة مرددة: _أنت مش محترم على فكرة. وكادت تنهض إلا أنه سحبها

لتجلس جواره مرة أخرى و: _أنا دارس في كلية قلة أدب قسم الشخلعة. تعالت ضحكاتها عليه، فجذبت عيون أهالي الحارة لهم. أخذوا يطالعونهم بفضول وسعادة، لرؤية فرحة تايسون، كبيرهم، واضحة عليه. مرت عدة أيام. الحياة بينهم كانت تسير على ما يرام، السعادة تغمرهم كليًا. رأت فيه ما جعلها تقع في عشقه أكثر. استطاعت أن تعترف داخل نفسها أنها تحبه وقررت أن تعترف له بذلك. حاله كان غير... يتعامل بحب وبداخله حيرة العالم أجمع. ليلاً.

دخل لجناحه فوجد الظلام يغمره، إلا من بعض أضواء الشموع التي تملأ الغرفة. ابتسم تلقائيًا وهو يرمق المكان بعينيه والورود الحمراء التي ملأت المكان. لحظات ووجد باب الحمام يُفتح وتخرج هي منه مرتدية قميص نوم أسود اللون، لا يكاد يستر منها شيئًا.

كانت تسير نحوه باستحياء عالٍ، ناظرة للأرض بخجل. ابتسم بزهول عند رؤيته لها بتلك الحالة. لا يصدق أن تلك التي أمامه هي وعد، التي كانت تكرهه منذ شهر أو أقل تقريبًا ولا تطيق أن تسمع اسمه. الآن هي تتزين له! يا للعجب! سارت حتى وصلت له. عندما وقفت أمامه، كبلها بيديه وهو يقول بتغزل: _أول مرة أشوف القمر على الحقيقة وألمسه بإيدي. ردت بصوت مازح: _وأنا أول مرة أعرف أن فيه واحدة بتحب خاطفه.

لم يستوعب كلماتها للحظة واحدة، لكن عندما استوعبه، فتح عينيه بعدم تصديق وهو يقول بزهول: _قولتي إيه؟ نظرت للأرض بخجل وهي تردد: _اللي سمعته. شدد من تمسكه واحتضنها وهو يقول: _مش هسيبك غير لما أسمعها منك تاني. ردت باستحياء: _بحبك. قال بسعادة حقيقية، غير مصطنعة بالمرة: _وأنا بعشق أمك. وعد: _سوفاج. أو يرد بنبرة سوقية مصطنعة: _شاء الله يكرم أصلك.

فتعالت ضحكاتها الصاخبة بقوة، ضحكتها التي تزلزل كيانه دون جهد وتفعل به الأفاعيل. اضطرب قلبه أثر استماعه لضحكتها واقترب منها مقررًا اقتناص قبلة وغيرها الكثير وهو يهمس: _تعبتيني معاكي. هتفت بمشاكسة: _أستاهل تتعب عشاني ولا لأ؟ أجاب بصدق: _تستاهلي ألف، عشانك العالم كله كمان عشان أراضيكي يا وعدي. مش أتعب بس.

وأخيرًا اعترفت بحبها له. كان سعيدًا بالاعتراف لأنه يبادلها الحب بمشاعر أقوى من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه استطاع أن يعلقها به بالفعل. انتقامه يسير على ما يرام، حياته الزوجية تسير على ما يرام، لكن حيرته وقفت بمنتصف الأمرين، وانتقامه ما زال يحثه على التكملة. عائلته تستحق أن يضحي. بحبه وسعادته وروحه. عائلته تستحق أن يقتل جميع تلك السعادة التي يحياها ويدمر فتاة ذنبها الوحيد أنها مرت على حياته.

لو كنت بين نارين. الحب والكره. الانتقام والتسامح. ماذا ستختار؟ قضبان حديدية تُغلق عليه وعلى ذلك الرجل المسكين. بيده كرباجًا ينزل به على جسد الرجل مرة خلف الأخرى بغل وحقد شديد. مع كل ضربة يضربها له، يصرخ الرجل بوجع وقهر، ويصيح هو بكبت كبير. توقف عن الضرب ليجثو على ركبتيه ويتنفس بحدة عدة مرات تباعًا. رفع عينه عن الأرض بعد لحظات ونظر أمامه وهو يهمس بغل: _مش هسيبك يا وعد، وحياتك ما أنا سايبك.

وعاد يضرب الرجل مرة أخرى بغل أكبر. كان يقف عند القضبان الحديدة عسكريان اثنان. هتف أحدهما للآخر: _هيموته في إيديه. هتف العسكري الآخر بضيق: _هييجي يوم وهياخد جزاءه على اللي بيعمله دا. بالداخل. هتف الرجل طالبًا العفو والسماح: _سامحني يارامز بيه، سيبني. والبيضربه على ظهره الذي راح يقطر دمًا غزيرًا وهو يصرخ: _اخرس. وصمت الرجل بوجع، وقد ازدادت آلامه أضعافًا وهو يرى قلة حيلته أمام رجال القانون والشرطة. صباح يوم جديد.

الساعة العاشرة صباحًا. بذلك اليوم، كان قد مر على زواجهم عشرة أيام كانوا كالجنة بالنسبة للاثنين. كانت تقف هي أمام غرفة مكتبه، طرقت على الباب ودخلت بعد أن سمح لها. سارت لحيث مكتبه وهي تردد بدلال: _تايسون حبيبي. رفع إحدى حاجبيه وهو يطالعها بنظرات ماكرة و: _شكلك عايزة حاجة. جلست على سطح المكتب ومالت عليه بدلال. راحت تتدلل عليه وهي تهتف بغنج: _حبيبي عرف إزاي؟ ضرب بخفة على رأسها وهو يقول:

_عشان حبيبك بقى حافظك وفاهمك كويس يا وعدي. قالت بنبرة تدلُّل ورجاء: _عايزة أروح السوق. فتح عينيه بزهول واضح و: _تروحي فين؟ وعد هانم عايزة تروح السوق! معقول. ترك سطح المكتب وتوجه له ووقف خلفه. حاوط عنقه بيدها، مال برأسه نحوه مقبلًا إحدى وجنتيه و: _عايزة أجرب شعور إني ست بيت وأنزل سوق وأشتري الخضرة وكده. أمسك يدها الملتفة حول عنقه وقبلها ناطقًا: _وما له يا حبيبتي. روحي السوق. هتفت بنبرة رجائية أكثر:

_وانت معايا بليز. وانت معايا. هتف ضاحكًا: _من ساعة ما جيتي وإنتي قالبة حياتي، بس حاضر وأنا معاكي. بعد ثلث ساعة. بسوق حارة تايسون، على بدايته توقفت سيارة وهبطت وعد منها ومعها تايسون، المعروف بالطبع بين أهل حارته التي يعد هو كبيرها. سارا متجاورين وبدأوا بالدخول وسط الناس، التي كلما وقعت عيون أحدًا فيهم عليه حتى تتوسع بزهول وعدم تصديق. تَفَ لها وهو يرى نظرات الناس له: _شايفة بسببك الناس بتبصلي إزاي. أحاط ذراعيه بكلتا

ذراعيها وهي تقول بضحك: _هما بيبصوا لك عشان حلاوتك يا حبيبي. _انتي بتاكلي بعقلي حلاوة؟ أومأت بنعم وهي تطلق ضحكة عالية. قرصها في خصرها وهو يقول بينما يضغط على أسنانه: _ضحكتك يا هانم. وضعت يدها على فمها و: _أوبس. سوري. وقفا أمام رجل أمامه خضروات عدة وفواكه. أمسكت ثمرة من التفاح وقطمت منها قطعة ثم سرعان ما أخرجت صوتًا يدل على تلذذها بالطعم. قربت الثمرة من فمه و: _دوّق يا حبيبي كدا وقول رأيك. هتف وهو يلتقط منها الثمرة:

_مش هنغسلها؟ وعد: _توء. كلها كدا. رفع حاجبه وقطم من الثمرة و: _وما له ناكلها ونعمل غسيل معدة عشان خاطر عيونك يا وعدي. وعد للبائع: _هات لنا نص كيلو تفاح ونص خوخة. هتف بغيظ: _حبيبتي هو حد قالك إننا نسانيس! رفعت حاجبيها بتعجب ونظرت له تسأله: _لا. ليه؟ تايسون: _اومال إيه نص دا، دا يدوب بتاكله أم السعد وهي بتغسل الفاكهة. وعد بضيق: _بس كدا تبذير أوفر يا تايسون. تايسون: _وإنتي متضايقة ليه يا عمر تايسون؟ هو انتي اللي هتدفعي.

رفعت حاجبها و: _طيب ما دام كدا يبقى براحتك. نظرت للبائع وتابعت: _هات لو سمحت عشرة كيلو خوخ وعشرة تفاح وعشرة مانجة وعشرة مشمش و... وضع تايسون يده على فمها وهو يردد بزعر مصطنع: _أبوس على إيدك كفاية، أنا الغلطان عشان وقفتك أصلاً، هاتي نص. ماله النص! نظرت له بانتصار أنثوي. فرمقها بضيق وهو يرى تلك النظرة تطفو على عينيها الجميلة. دخل نصري لمنزله فوجد زوجته تتأفف بضيق وهي تضع الهاتف على الطاولة. أراح جسده

على الأريكة وهو يسألها: _إيه اللي مضايقك؟ نشوى بضيق: _لمياء كل يوم تكلمني وتديني كلمتين في جنابي، وعد ظلمت رامز، وعد غلطت في حق رامز. كل يوم أكتر من تلات مرات وكأنها جرعة دوا. ضحك عليها وهو يقول: _معلش استحملي. الصدمة كانت توجع برضه إنها تسيبه في آخر لحظة وتتجوز غيره. نشوى: _بس تعرف، رغم إن حكاية تايسون دا غريبة وخطف وبتاع، إلا إني لما شوفته مقدرتش أكرهه وحبيته، وفرحانة إنه جوز بنتي. نصري برفعة حاجب:

_اللي يشوفك زمان وإنتي فرحانة برامز ميشوفكيش دلوقتي. نشوى بصدق: _أنا بحب رامز دا أنا اللي مربياه وبحبه كأنه ابني، بس شفت تايسون حامي لبنتي وضهر، راجل في نفسه كدا وقلبي مطمن عليها معاه. هتف بداخل نفسه: _المشكلة إن رغم كل الشكوك اللي حواليه، أنا كمان شايفه كدا. بينما هم في طريق العودة لمنزلهم، هتفت وهي ترهف بأسماعها لناحية ما: _استني ياتايسون في حد بيعيط هنا وبيزعق. استني نشوف مين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...