الفصل 14 | من 23 فصل

رواية حارة تايسون الفصل الرابع عشر 14 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
21
كلمة
2,416
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

منزل عائلة الصاوي، يقع بمدينة القاهرة، تحديدا بوسط البلد، كان كبيرا وفخما، من أفخم المنازل تقريبا بذلك الوقت. يعود هذا لعلو مكانة فاروق الصاوي بين رجال الأعمال بذلك الحين، حيث استطاع أن يثبت اسمه بطريقة جيدة بين رجال الأعمال ويبقي من أزهى أغنياء مصر. لم يكن وحده بل انضم له ثلاثة: السيدان مجدي وعصام المنصوري وفتحي عاجور.

الساعة التاسعة ليلا بالمنزل، بمكتبه تحديدا، كان يجلس على مكتبه بين يديه عديد من الأوراق يقرأها بنظرات سريعة قبل أن يمضيها. ورقة وراء الأخرى، إلا أن هناك بعض البنود والكلمات التي توقفته. ضيق ما بين حاجبيه بعد فهم وتفكير. سرعان ما أعاد قراءة الأوراق مرة أخرى بتركيز جم، ثم أطلق صيحة غاضبة وهو يضرب بكفيه على سطح مكتبه. ترك المكتب وتوجه لخارجه. وجد زوجته السيدة ليلي تسأله وهي تراه يتجه نحو باب المنزل: -رايح فين يافاروق؟

قال بنبرة متعجلة لا تحمل الانتظار: -عندي شغل ميتأجلش في الشركة. ليلي: -بس ياحبيبي... قاطعها ناطقا وهو يفتح باب المنزل: -مفيش بس ياحبيبتي، لازم أروح. وغادرها وهي تطالعه بهدم فهم.

وصل لمقر شركته وظل يبحث عن أوراق معينة. أتى بها وبدأ بقرأتها بعيون مركزة، ثم تركها وتوجه لمكاتب شركائه تباعا. بدأ بالبحث هناك لمدة تصل لساعة في كل مكتب. بالنهاية خرج من كل مكتب وهو يضم عددا لا بأس به من الأوراق، وقد ظهرت على وجهه علامات لا تبشر بالخير أبدا.

طال يومه بغرفة مكتبه بالشركة، ورقة وراء الأخرى والصدمة كل مرة تتزايد أثرها على وجهه، وهو يرى تورط أصدقائه بأعمال غير مشروعة تُقام عن طريق شركته وهو بالتالي متورط معهم. لثقته بهم كان يمضي على بعض البنود والأوراق التي تدل على أنه موافق على مرور البضائع مهما كانت تُحمل، ما دام الجمارك موافقا على ذلك. وماذا اكتشف بحق الله؟ اكتشف تهريب مخدرات واستلامها، تهرب أعضاء وتصفيتها واستلامها وأشياء أخرى لا تُعد ولا تُحصى.

راح جسده لـ الخلف وهو يهمس بداخله: -ياولاد الكلب. لم يستطع أن يغادر إلا عندما يواجههم. بالساعة الثامنة صباحا بدأت الأرجل تتوافد على المكان، عندما علموا ثلاثتهم بأنه موجود منذ الصباح الباكر جدا، كما أخبرهم الساعي. دخلوا له وملامح المرح الكاذب مرتسمة على وجوههم. قال مجدي بمرح: -إيه ياعم فاروق ارحم نفسك شوية الشغل مش هيطير يعنى. نهض فاروق عن مقعده واقترب منهم هاتفا بصوته القوي:

-الشغل فعلا مش هيطير بس في رقاب انهاردة هتطير. طالعوه بعدم فهم وشك. سأله فتحي بنبرة متشككة: -تقصد إيه؟ أمسك الأوراق القابعة خلف ظهره والقاهم عليهم مرددا: -اقروا دول وهتفهموا. كل منهم أمسك بعض الأوراق وقرأها بحيرة، سرعان ما تغيرت الحيرة إلى توتر ثم إلى... غضب. هتف عصام في محاولة منه أن يهديه: -وإنت زعلان ليه؟ هتف بفوران دم: -زعلان ليه؟ بتتاجروا في أرواح الناس وبتسألوا سؤال زي دا، مورطيني معاكم وبتقولولي زعلان ليه؟

قال فتحي ببرود: -لو مش عايز من الشغل دا... بلاها، نفض الشراكة ونخلص. فاروق بملامح جامدة: -ما دا اللي هيحصل فعلا... بس برضوا أنا مش هسكت غير لما أوديكم في داهية. رمقوه بقلق حاولوا اخفاءه، وقد هتف أحدهم بلامبالاة مصطنعة: -اعمل اللي تعمله. نظر لهم وتركهم وغادرهم مغلقا الباب خلفه بعنف. قال عصام بقلق: -أحسن يبلغ علينا. مجدي بملامح مفكرة: -لازم قبل ما يبلغ نسبقه ونكسره. فتحي بـ شر: -أنا هقولكم نعمل إيه... نظروا

له بفضول وقلق سائلين: -إيه؟ فتحي: -نهدده بالحبايب. سكت تمام. لم تسكت، بل مسكتش يبقي دا رزق وجه لينا. وصل لمنزله ودخل ومازالت علامات الصدمة والغضب من ما حدث مرتسمة على وجهه. قبل أن يصعد درجات منزله وجد صوت رسالة أوقفته. أخرج هاتفه فوجدها منهم يهددوه بأحبابه إن لم يصمت. لكنه مناديا لـ الخير وباحثا عنه، واقفا ضد الشر، لذا... لم يهتم بتهديدهم. وجد زوجته تخرج من غرفة أبنائهم. عندما وجدته اقتربت منه قائلة بلهفة:

-فاروق حبيبي إنت جيت. ابتسم بارهاق بائن وهو يهتف بتعب: -كان في شغل كتير لازم يخلص. هروح آخد شور وأتحرك على النيابة. قالت بتعجب: -نيابة؟ هتروح ليه هناك؟ قال وهو يتجه ناحية الغرفة: -هتعرفي بعدين. بعد ساعات قليلة كان في طريقه لـ النيابة، وعيون متربصة تراقبه. عندما علم بما يدور بخلد فاروق وإلى أين سيذهب، ضغط على زر الاتصال بأحدهم.

وقبل أن يدخل فاروق لـ النيابة، وصلت له رسالة أخرى. كاد يتجاهلها لكنه باللحظة الأخيرة قرر فتحها. فوجد مضمونها: " عيالك الحلوين عندنا... لسة برضوا عايز تعترف علينا؟ انتزع قلبه من بين أضلعه بخوف. وبقي قاب قوسين وعيونه تتحرك بحيرة بين باب النيابة وسيارته. أيقلها ويعاود المغادرة من جديد أم يدخل ويبلغ عنهم؟ لحظات وقرر إن....... عودة إلى الحاضر.

بوقت الظهيرية فتح تايسون عينيه فوقعت عيونه عليها. ظل ينظر لها بابتسامة خفيفة على وجهه، وقد لمعت في عينيه بوادر العشق والحب لها. ليلته بالأمس معها كانت ضربا من الجنون، لم يتوقع أن يكون سعيدًا هكذا أبدًا وهي بين أحضانه وذراعيه. لكن لحظات واختفت سعادته. وعاد الجمود لملامحه وهو يفكر بأي دربا يسير! درب الكرة والتخطيط، أم الحب؟ ماذا يفعل معها؟

أيظل هادئًا معها ويزيق معها الحب ويعيش الحياة، أم يفر هاربًا من السعادة ويتجه إلى المشقة؟ فاق على صوتها وهي تئن بصوت خافت وهي تتحرك بالاتجاه الآخر. نسي كل ما كان يفكر فيه وهو يتجه بأصابعه نحو خصلاتها ويضعها بداخلهم ويبدأ في تخليل أصابعه فيهم بحب. بدأ عليها الراحة والاسترخاء من حركته، فاتسع مبسمه أكثر. دقائق وطرقت أم السعد الباب. هتف بصوته الرخيم: -عايزة إيه يا أم السعد؟ أجابته:

-أهل وعد هانم تحت يا بيه وعايزين يطمنوا عليها. -طيب قوليلهم شوية ونازلين. غادرت أم السعد وبقي هو، يحرك يده على طول ذراعها وهو يقول بنبرته الحنونة الخافتة: -وعدي يا وعد. همهمت وهي ما زالت مغلقة عيونها. -يا وعد. نطقت أخيرا بصوت ناعس: -في إيه يا تايسون؟ هتف وهو يلاعب وجنتيها بيده: -أهلك تحت وعايزين يشوفوكي. أجابته بصوت ناعس: -مشيهم. قال بعبث: -والله الود ودي أعمل دا بس للأسف هيشكوا إني قتلتك لو فعلا عملت كدا.

لم ترد وعادت لـ النوم مرة أخرى. حاول أن يفيقها لكنها لم تجيب على محاولاته. آخر ما وصل لـ أخره نهض عن مكانه وحملها على ذراعيه مرة واحدة. صرخت وهي تحرك قدميها في الفراغ: -بتعمل إيه يا تايسون؟ أجاب بمكر: -هفوقك ياعيون تايسون. توجه بها نحو حمام الجناح، أدخلها ووضعها في "البانيو"، وأشعل صنابير المياه لتبدأ بملء "البانيو" بالماء. شهقت بفزع عندما شعرت بالماء يغمرها. نظرت له وهتفت بعتاب: -المية ساقعة ياتايسون.

ربما حركت في قلبه شيئا! حيث لحظات وكان يدخل معها هو أيضا إلى "البانيو". قام باحتضانها وهو يردف: -أنا آسف ياعيون تايسون. ابتسمت له واقترب هو مقبلًا خصلات شعرها. كان يتعامل برومانسية وهدوء يشبهان لتعامله معها قبل أسبوع مضى، طوال الفترة التي كانت تسبق الزفاف، حيث كان تعامله راقيًا إلى حد كبير جعلها تصفو له. والآن مع تعامله هذا تشعر وكأنها ليست فقط تصفو وتعجب به... بل بدأت في أن تحبه!

ظل يداعبها قليلا ويتضاحكان معا. كانت تخرج ضحكاتها من القلب أثر أفعاله، فيبقى هو يراقب ضحكتها الآسرة بعيون لامعة بالحب ونابضة بالسعادة. لكن صرخ فجأة وكأنه تذكر شيئا: -أهلك يا وعد. طالعته بعدم فهم، فقال موضحا حديثه: -أهلك بقالهم ساعة تحت. انتفضت لتغادر "البانيو" وهي تقول: -حرام عليك ياتايسون وجاي تقولي دلوقتي! وتركت الحمام وتوجهت إلى الخارج لترتدي ملابسها.

وبقي هو ينظر لمكان اختفائها بشرود. كانت خطته في البداية أن يعاملها بعنف كي يحزن قلب والدها عليها عندما يعلم ما كانت تعانيه ابنته على يده. لكنه غير خطته بالاسبوع الفائت وقرر أن يعاملها بلطف حتى تتعلق به وعندما يهجرها تتألم، فيتألم والدها على تألمها. وهذا ما بدأ بتنفيذه... لكنه وجد نفسه يتعلق بها قبل أن يعلقها به أيضا، ويحبها قبل أن تحبه حتى. وجد نفسه يغضب عندما يفكر في فكرة البعد عنها. وما الحل؟ الآن ما الحل بالله؟

يختار سعادته أم يختار السير في طريق انتقامه؟ بعد قليل. هبطت وهو بجوارها، يده ملتفة حول خصرها بتملك واضح. ولم تكن كالماضي حزينة من مسكته بل كانت سعيدة! اقتربت من تجمعهم وبدأت السلام عليهم واحدًا تلو الآخر. عندما وصلت لوالدها هتف بقلق عليها بصوت خافت يسألها: -إنتي كويسة يابنتي؟ فهو ما زال يبحث ولم يجد شيئا يدل على ربط تايسون بـ آل الصاوي. لكن خوفًا من أن يكون هناك رابطًا وتايسون يعلم ما حدث قديمًا، هو يسأل الآن ليطمئن.

أجابت ببسمة حقيقية: -اها يابابا كويسة. وأضافت بسعادة حقيقية: -ومبسوطة كمان. وصلت لحيث سامح فسلمت عليه وقامت باحتضانه. كان تايسون مازال بجوارها فقال بالضغط بقوة بيده على خصرها وكذلك قام بقرصها. تألمت ونظرت له بضيق، اقتربت تهمس له بتوضيح: -على فكرة دا أخويا في الرضاعة. هتف بطريقة تشبه طريقة "أحمد حلمي" وهو يردد: -ولو.. ولو، إلا قلة الأدب. ضحكت ولم تتحدث.

دخل جعفر إلى المخزن، معه عدة مغلفات مليئة بالأطعمة. دخل إلى الغرفة التي بها الأطفال وبها الحراس الذين يحرسوهم. أعطاهم العلب وهو يهتف: -متوكلوش غير لما تضمنوا إنهم مش هيزعقوا لو بعدتوا اللزق عن بوقهم. أومأوا له بتفهم، بينما نظر هو للأطفال بحزن وهو يهتف بداخله:

-مالكمش ذنب، بس ضعف وسكوت أهالكم هو السبب. اختاروا يسكتوا عن الحق عشان يعيشوا، فـ كان لازم يضحوا عشان هو كمان يرتاح ويحس إن أخوه وأهله مرتاحين في قبرهم. لازم يقدموا تضحية ويدفعوا تمن لحياتهم اللي عايشينها وانتوا تمن التضحية دي للأسف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...