طال شروده وهو ينظر لها وقد ارتسمت على وجهه بسمة غير مفهومة لها بالمرة. نظرت له بتعجب من نظراته لها وللفستان الذي بين يديها. لا تنكر أن الفستان نال على إعجابها رغم سواده. نادت عليه لتسأله: -تايسون، أنت جايبه لي ليه أسود؟ أخيرًا فاق من شروده، خرج صوته الرجولي قائلاً: -أنا شايفك مجنونة وبتحبي التجدد، فقلت أجيبه لك أسود وتتجنني فيه دا كمان. أعجبتها كلماته وأفكاره، فاحتضنت الفستان لها وهي تهتف: -تصدق فكرة حلوة!
ابتسم لها بنظرات رغم عنه كانت حنونة ولامعة. نظرت له فرأت تلك النظرات، فبقيت تطالعه ببسمة سعادة كبيرة مرتسمة على وجهها، وهي تشعر بدقات قلبها تتعالى تدريجيًا بحب له. وكلما زادت لمعة عينيها ولين نظراتها، كانت تتسع بسمته تدريجيًا. فاق أخيرًا من حالته تلك، فتنحنح قائلاً قبل أن يغادر الغرفة: -هسيبك بقى عشان تجهزي يا عروسة. وتركها تقفز في مكانها بسعادة عليا لأنها ستتزوج به بعد قليل.
مع ارتفاع أذان المغرب، كانت الأصوات بدأت تعلو حول منزل تايسون والأرجل بدأت تتوافد على المكان. ما إن خفت صوت الأذان الخاشع، حتى بدأت ترتفع الزغاريد من سيدات الحارة والأغاني. الجميع كان يتراقص بسعادة. بينما يتم توزيع المسليات عليهم والهدايا. كانت الهدايا تزيد من سعادتهم أضعافًا. وصلت أخيرًا نشوى لمقر المنزل، أخذتها أم السعد لغرفة ابنتها. فتحت الباب دون طرق ودخلت بلهفة.
عندما لمحتها وعد تركت طاولة الزينة واقتربت منها لتحتضنها. ما إن ضمتها، حتى علا صوت بكاء الاثنتين. ونشوى تقوم بتقبيل كل ما يطولها من وجه ابنتها وهي تهتف: -حبيبتي، وحشتيني يا عمري، وحشتيني يا روحي. وكلمات كثيرة من ذلك القبيل. لم تبتعد عنها بسهولة قط، بل طال الحضن ربما إلى مدة العشر دقائق. حتى فرقتهما مي من أحضان بعضهما وهي تهتف بمرح: -كفاية كآبة يا وعد وعياط، المكياج باظ. ضمت نشوى وجه ابنتها بين يديها وهي تهمس بحب:
-برضه لسه حلوة من غير حاجة. ابتسمت وعد لوالدتها وعادت تحتضنها باشتياق بالغ، وقد ترقرق الدمع في عينيها من جديد. كان الجميع على علم مسبق بأنه تم كتب الكتاب، فلا حاجة للانتظار أكثر. لذا، على الساعة السابعة مساءً تقريبًا، طرق تايسون على باب غرفتها ودخل. وقعت عيناه عليها فتوقفت خطواته عن السير. فتح فمه مشدوهًا من جمالها، حيث ارتدت فستانها الأسود الأنيق الذي كان يغطي جسدها كله. ورغم ذلك كان فائق الجمال عليها.
صففت خصلاتها القصيرة ووضعت مشبكًا ماسيًا على جانبه، فكان مظهرها ما بين الطفولة والجمال. ظل شارداً إلى أمد بعيد، يحاول أن يستوعب أن تلك الساحرة التي أمامه هي زوجته حقًا. عندما طال تطلعه، زاد احمرار خديها. ابتسمت بخجل وهي تنظر للأرض. تركتهم مي واستأذنت لتغادرهم، هي وتتركهم على راحتهما. اقترب منها بخطوات بطيئة، ما زالت تؤثر عليها شدة جمالها. وعندما وصل، رفع كفه ليتلمس وجنتيها.
ارتعشت بين يديه بخجل بيّن، بينما خرج صوته هامسًا بحرارة: -أنتي أجمل من الجمال يا وعد. رمشت بعينيها عدة مرات بكسوف. فقال وهو يمرر يده على سائر وجهها: -أنا بقول نلغي الفرح. وغمز لها بعينيه. فقالت برجاء: -لا، أرجوك، أنا عايزة أنزل. أومأ بالنفي وهو يقول بعبث: -تعالي بس معايا أوضتنا وهنعيش. زمت شفتيها بضيق وخوف من أن يفعل ذلك. فتبسم وهو يضع يدها بين يديه ويتجه بها صوب باب الغرفة. -مش هنزعلك يا وعدي، وهننزل يا ستي.
قالت بتساؤل: -أنت ليه بتقول وعدي؟ أجاب ببساطة: -عشان انتي وعدي. حديقة المنزل الكبيرة كانت مقسمة لنصفين، أحدهم خاص بالرجال والآخر للسيدات. يفصل بينهم ممر طويل، على نهايته كان يوجد مقعدين مزينين خاصين بالعروسين. كانت هناك أضواء تلف المكان أجمعه، والطاولات عليها أغطية زرقاء اللون جميلة. "كوشة" العروسين كذلك كانت بها نقوشات زرقاء. عندما طلت من بوابة المنزل، توسعت عيون الناس زهولاً من طلتها. فستان أسود؟
هل ترتدي أحدهم فستانًا أسود يوم زفافها؟ أي تشاؤم هذا بالله؟ نطق نصري بزهول وهو ينظر لابنته: -إيه اللي بنتك لابساها دا يا نشوى؟ نطقت نشوى بسعادة: -فستان أسود، تصدق حلو وفكرة مجنونة. تدخل سامح بضحك: -والله يا مرات عمي، أنتي غريبة. نشوى براحة: -ما دام بنتي فرحانة في أي حاجة، يبقى أنا فرحانة. وبعدين ماله الأسود؟ ما مخلياها منورة أهي. على الناحية الأخرى.. همست وعد لتايسون بضحك: -الناس من الصدمة. ابتسم وهو يوافقها رأيه.
-أصلهم أول مرة يشوفوا عروسة لابسة أسود. طالعته بنظرات ذات معنى وهي تغمغم: -وهو مين السبب؟ مال ناحيتها وقبل إحدى وجنتيها. -خلاص، متزعليش يا وعدي. شهقت بقوة من أثر فعلته وطالعته بنظرات محذرة. ابتسم لها بلامبالاة مصطنعة وهو يعاود النظر للأمام بحثًا عن جعفر. وجده بعد قليل، فتم تواصل بصري بينهم قصير، ثم اختفى جعفر عن الساحة. كان عقل نصري مشوشًا وهو يحاول أن يربط الخطوط ببعضها، لعله يصل لشيء.
ينظر أمامه لابنته وزوجها وسعادتهما، بعقل شارد في أمر جاسر الصاوي وعائلة الصاوي. حتى الآن لا يعرف أهناك علاقة تجمع بين الاثنين فعلاً أم لا؟ وإن كان.. فهل فعلاً جاسر يعرف بتلك الحكاية؟ إن كان يعلم، فحتماً ما يحدث الآن ليس من تدابير القدر وفقط، بل ممزوج أيضًا بتخطيط ذلك الـ تايسون. حقًا بات تائهًا، أأخرج ابنته من جوف رامز ليضعها في جوف المخاطر؟! على جانب آخر.. بعيدًا عنهم كليًا.. بوسط البلد..
هتفت السيدة فوزية وهي تتطلع للسماء بعين حزينة، رافعة يدها للسماء تشكو لربها وتدعو قائلة: -يارب، أنا أكتر واحدة عارفة حفيدي ووجع قلبه وناره. متحرقوش بنار الكره يا رب، وفوقه منها. انتقم منهم من غير ما يرتكب هو حاجة يا رب، وسامحه. هو بيعمل كدا عشان حرقته على عيلة مقدرش يحس بحنانهم يا رب، خطفوهم من بين إيده، فماتخطفوش من الجنة يا رب. فوقه قبل فوات الأوان يا رب. ولعل الله يستجيب لدعائها يومًا.. لعل!
أتذكرون تلك السيدة التي عملت وعد على إعفاء زوجها من الديون؟ ها هي تقترب من وعد، وبعينيها نظرات الامتنان. لم تتذكرها وعد عندما نظرت لوجهها، لكن السيدة لم تُمحَ من ذاكرتها صورة تلك الفتاة أبدًا. هتفت وهي تضم يد وعد بين يديها هاتفة بشكر: -مش نسيالك معروفك أبداً. لحظات كانت تطالعها وعد ببلاهة، حتى تذكرتها، فربتت على يدها. -أي حد غيري كان هيعمل نفس اللي أنا عملته. طالعت السيدة تايسون وهي تردف:
-ربنا يخلهالك يا تايسون بيه، ويبعد عنها الشر ويقربلها الخير يا رب. معروفها مش هنساه أبداً، ولو في يوم طلبت رقبتي، فرقبتي سدادة. ونظرات تايسون التي كانت في ذلك اليوم جامدة.. الآن طالعتها ببسمة هادئة وهو يؤمن على دعائها بخفوت. ماذا جرى له؟ أغيره الحب؟ أم أنه شارد في ملكوت آخر!
دخل أربعة رجال من رجال تايسون لمخزن الحارة وبيدهم أربعة أطفال في سنون مختلفة، مربوطين الأيدي وعلى أفواههم لاصقات لتمنع صرخاتهم عن الخروج، وعلى وجوههم أغطية سوداء. هتف جعفر يأمر أربعتهم: -دخلوهم الأوضة دي واقفلوا عليهم كويس، وتأكدوا إن مفيش صوت هيطلع منهم. قال أحدهم: -يعني نقتلهم يا باشا؟ جعفر بصراخ فيه: -لا يا غبي، اتأكدوا بس إنهم ميعرفوش يصرخوا عشان ميفضحوناش، لكن القتل فمش دا وقته خالص.
أومأ بتفهم وخشوع، ودخلوا إلى إحدى الغرف ورصوا الأربعة بجوار بعضهم البعض. نزعوا عنهم أغطية وجوههم، فكانوا عبارة عن ثلاث أولاد وبنت ينظرون لهم بخوف بيّن ودموع. لكن نظراتهم لم تؤثر في الأربعة أبدًا! انتهى الزفاف على خير بعد رقص طويل وغناء. دخلت وعد لجناحها معه، وهو خلفها. ظلت تتطلع للجناح بنظرات مبهورة بها، ثم نظرت له قائلة: -جميل أوي الجناح ده يا تايسون. هتف بنبرة غريبة عنها، وقد ارتسمت على وجهه بسمة مخيفة:
-مش بجمالك يا وعد. رمقته بتعجب هاتفة: -مالك يا تايسون؟ وتايسون بملامح ما زالت غريبة.. هتف: -مفيش يا وعد تايسون، مش يلا بقى. ونظر بعينيه لطرف الفراش. كادت تتحدث، لكنه لم يسمع لباقي حديثها أن يخرج، حيث كان لحديثه هو بقية. بقية كانت في غاية الحب والرومانسية، ولكن هل بعدها سيكون على نفس المنوال أم... لا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!