الفصل 17 | من 23 فصل

رواية حارة تايسون الفصل السابع عشر 17 - بقلم زينب سمير

المشاهدات
21
كلمة
2,259
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

لم يكن صاحب الصوت سوى رامز، الذي وصل لعلا بكل سهولة بعدما علم عن حالتها وحبها لتايسون. كان يظن أنه سيأخذ وقتًا طويلاً ليقنعها بأن تتلاحم معه ليقوما بالفصل بين الآخرين والتفارق بينهم، لكنه جاء بالوقت المناسب ليسمع منها ما جعله يقطع شوطًا كان طويلاً دون جهد. هتفت بعيون وامضة بالكرة لتلك المدعاة بوعد: -عايزة أخلص منها في أسرع وقت. مبقتش متحملة أشوفها ولو لثانية واحدة. أجابها بصوته الهادئ المثير للأعصاب:

-متخافيش، إنتي هتخلصي منها وتاخدي اللي يخصك، وأنا هيرجعلي اللي يخصني. نظرت له علا وقالت بتساؤل: -هنفرق بينهم إزاي؟ رامز بعيون ماكرة: -هنوري وعد حقيقة بطلها الهمام بتاعها، ونشوف هتقدر تتحمل حقيقة إنه قاتل ولا لأ. علا: -بس هي عارفة إنه قاتل واتجوزته. رامز بنفي من رأسه: -لأ. سمعت بس مشافتش، والفرجة دايماً بتسيب أثر. علا ببسمة إعجاب بذلك الشيطان: -إنت مش سهل. رامز ببسمة وغد واثقة:

-أنا متفهمش، واللي يفكر إنه فاهمني يبقى أهبل. *** بعدما تناولا طعام الغداء في جو ملئ بالرومانسيات، توجهت هي لغرفة نومها وتوجه هو لمكتبه. بدأ بالعمل ومراجعة بعض الأوراق بتركيز شديد، لكن قطع تركيزه ومضة من الماضي لأخيه وهو يضحك ويتلاعبان معًا. كان صغيراً، ولكن تلك الومضات لازال يتذكرها ولا تغادره أبدًا. غادرت تلك وجاءت الأصعب.

شعر أنه يسمع صوت أخيه يصرخ بقوة، وأحدهم يمسك بيده مشرطًا ويقوم بتشريح جسده بكل برود. كان يشعر ويرى، يسمع وكأنه ما زال بينهم، وكأن لم تمر السنوات على ذلك المشهد الذي ما زال محفورًا في ذاكرته اللعينة. بدأ يضغط على أسنانه بعنف، واضعًا يده على رأسه يضغط عليها بقوة وهو يصرخ ويطلب أن تغادره تلك الذكريات، لكن لا حياة لمن تنادي. فُتح الباب فجأة ودخلت وعد ببسمتها الجميلة. قالت وهي تتقدم منه: -تايسون... قاطعها بصراخ:

-اطلعي برة! اطلعي برة! مش عايز أشوفك! تفاجأت من رد فعله وتعصبه الظاهر عليه. اقتربت منه وهي تهمس بـ: -مالك يا تايسون؟ ألقى كل ما على المكتب على الأرض ووقف عن مكانه وهو يهتف بغضب عارم: -قولتلك برة! إنتي مبتفهميش! مش عايز أشوفك! مش عايز! وعد: -إنت... اقترب منها وفي لحظة وضع يديه حول عنقها، عينيه تحولت إلى الأحمر القاني، يتصرف وكأنه ليس تايسون المحب، بل ذلك الذي رأى مقتل أخيه بعينيه و: -هقتلك والله هقتلك! إنتي السبب...

كلكم السبب! بدأت علامات الاختناق تظهر عليها وفي عيونها قد ارتسمت علامات الصدمة من حالته تلك وحديثه الغير مفهوم بالمرة. ظل يضغط على عنقها حتى كاد تنفسها أن ينقطع بالفعل. هتفت بصعوبة نطق شديدة: -هـ... مـ... و... تهمسها الخافت وصل لمنطقة الإنذار بالخطر بخلايا عقله، فانتفض مبتعدًا عنها وهو يرمقها بصدمة. بدأت هي تسعل بقوة وهي تنظر له بعيون دامعة. قال باعتذار:

-وعد، أنا آسف. أنا مكنتش شايفك أصلاً والله ما كنت شايفك. أنا مكنتش في وعيي. لم ترد. ظلت فترة تسعل بقوة وهي تربت على قلبها بخفة، فهي كادت أن تفقد حياتها. دقائق واستطاعت أن تلملم جأشها. هتفت بنبرة جادة وهي تنظر له بتفحص شديد: -تايسون، إنت وراك أسرار كتير أنا عايزة أعرفها... أنا مش عايزة أفضل شايفاك لغز كبير يا تايسون ملوش حل. قولي إنت مين وفهمني. نطق بنبرة باردة وهو يستعد ليغادر المكان: -أنا جاسر الصاوي... وفقط.

قال تلك الكلمات وفقط، ثم غادر ببرود. *** كانت هويدا تحمل بيدها عدة حقائب بلاستيكية معبأة بمستلزمات المنزل. كانت ثقيلة لدرجة أنها لم تعد تستطيع حملها. تركت جميع الحقائب على الأرض وأمسكت يدها تمرسها بلطف وهي تتأوه بخفوت. لمحها جعفر فاقترب منها وعلى وجهه ارتسمت بسمة هادئة دون مبرر. عندما لمحته، طف الخجل على وجهها وهي تنظر للأرض. هتف بعدما وصل لها: -عايزة مساعدة؟

قالها وعينيه تمر بين يدها وبين الحقائب القابعة على الأرض. قالت وهي تميل لتحمل الحقائب من جديد: -لأ، شكراً. سحب الحقائب من بين يديها بحركة خاطفة وهو يقول: -بس أنا عايز أساعدك. كادت أن تتحدث فأوقفها بإشارة من يده و: -امشي جنبي وإنتي ساكتة. وحمل الحقائب جميعها وسار بالطريق وهي جواره. كل لحظة والأخرى تنظر له نظرات خاطفة بإعجاب وخجل، ثم تعود النظر للأمام من جديد.

كان يلمح نظراتها تلك، لكنه تعمد أن يتجاهلها كي لا يحرجها وكي يستمتع بنظراتها الخاطفة تلك أكثر. كان قد قرر ألا يغرق في بحر حبها كي لا تغرق في بحر ذنوبه، لكنه لم يستطع. حقًا لم يستطع. كلما جلس وحيدًا وجد نفسه يفكر فيها بلا هوادة. تلك الفتاة بدأت بأمتلاك جميع خلايا عقله وقلبه بكل سلاسة بالله. ***

جلست وعد على فراشها تنظر لسقف الغرفة بعيون شاردة تفكر بالذي حدث منذ قليل بعقل شارد. رغم كل السعادة التي تحياها بين ذراعي تايسون، إلا أنها مازالت تشعر بالقلق منه ومن ماضيه. لا زالت تجهله ولا تعرف عنه شيئًا. كيف صار كبير حارته وهو بالكاد يتعدى الثلاثين من عمره؟ كيف استطاع أن يحكم حارة كهذه بالله وبقوته وليس عن طريق الوراثة؟ من أين جاء له الجبروت الذي ساعده على أن يفعل ذلك؟ ما زال يخفي عنها الكثير.

لكنها ستفعل المستحيل لتعرف ذلك الكثير. فاقت من شرودها على صوت هاتفها الذي علا رنينه. ضغط على زر الإجابة ففاجأها صوت والدتها الحنون: -وعد حبيبتي. نطقت وعد اسمها بسعادة: -ماما. نطقت والدتها بصوت حنون وقد اقتربت على البكاء: -قلبي ماما، أخبارك يا حبيبتي. قالت بصوت حاولت جعله سعيدًا يخفي داخله جميع أفكارها التي تعصف بخيالها: -الحمد لله، أنا مبسوطة أوي يا ماما. أخبارك إنتي وبابا؟ بشوي بحزن ناتج لـ مغادرة ابنتها عنها:

-مش كويسين خالص من ساعة ما اتجوزتي يا وعد. لسه مش مستوعبين فكرة فراقك، بس اللي مطمنا إنك مبسوطة مع جوزك. مش إنتي مبسوطة يا وعد؟ هتفت لتريح قلبها: -طبعًا مبسوطة يا ست الكل. حد يتجوز تايسون وميبقاش مبسوط برضوا يا أمي. بشوي بدعاء لابنتها: -دايماً يا رب متهنية في حياتك يا حبيبتي. *** استمعت علا لصوت جعفر يحادث أحدهم ويقول:

-العيال اللي عندنا في المخزن متجوش عندهم. الباشا بعد ما قال نخلص عليهم رجع في كلامه تاني. اشترالهم أكل ووكلهولهم. صمت قليلاً... ثم تابع: -إحنا هنستهبل يالا؟ ما إنت جاي وعارف كويس هتعمل إيه وهتخلص إزاي، بس عادي نقرر الكلام من جديد. عايزين كل حتة في جسم العيال لوحدها. ارتحت؟ وعمولتك بالدولار متقلقش. ابتسمت وهي تستمع لتلك الأحاديث وأمسكت هاتفها

لترسل لرامز رسالة محتواها: "عرفت المكان اللي هيخلي وعد تشوف تايسون فيه على حقيقته". *** متاهات بداخل عقولنا، متاهات تجعلنا نجهل الشعور بالراحة كيف تكون. نغرق في بحور التيهة إلى الأبد، حتى أننا نفقد معنى الأمان. رغم الحب يظل الكرة منتشر، رغم الأمان يظل الخوف بائن، رغم السعادة يظهر الحزن موجود. هكذا حياته، يحب من يجب أن يكرهه، يفرح معها فرحة دائمًا ما تكون ناقصة.

فهو لازال ومازال وسيزال يراها فقط ابنه القاتل، بسببه فقط جميع أسرته، لأنه باع ضميره بأخبث الأسعار. عذرًا تايسون، لكنه مئة ألف جنيه ليست ثمنًا قليلاً!!! *** مساءًا... عاد وبيده باقة من الورود الحمراء. يمسكها بيده ويطالعها بتعجب وينظر له بتعجب أكبر. هل هو نفسه من يحمل ورود حمراء؟ هل وصل به الأمر إلى تلك الحالة؟ لكن لا يهم. ما دام سيأتي ذلك بنتيجة جيدة، إذن لا يهم.

طرق على باب الجناح ودخل فوجدها جالسة على الفراش ويظهر عليها جيدًا الحزن. اقترب منها ووضع الورود بأحضانها وهو ينطق بأسف حقيقي وندم: -أنا آسف مرة تانية. والله ما كنت في عقلي. سامحيني. لم ترد. كل ما فعلته أنها أخذت الباقة بأحضانها وراحت تتلمسها بسعادة وتشمشم زهورها بأعجاب. بينما تابع هو:

-أنا فعلاً لسه لغز بالنسبة ليكي، بس صدقيني دا أحسن لينا. إنتي لو عرفتيني هتكرهيني يا وعد. هتكرهيني أوي وهتتمني لو إنك مكنتيش عرفتيني وقابلتيني كمان. نظرت له وقالت بعيون سائلة باهتمام: -إنت مين؟ ومخبي عني إيه؟ عرفني ووعد هفضل أحبك ولو كان ماضيك إيه. عرفني بس أنا عايشة ظن مين، مين تايسون دا ومين جاسر؟ إنت عايش بأي شخصية وشايل إيه وراك؟ *** -خلصوا عليهم، مبقاش فيه اللي نخاف منه. سجلنا نضيف في النيابة.

قالها فتحي لـ صديقيه عبر الهاتف وقد ارتسمت على ملامحه علامات خبث. هتف مجدي: -طيب وبعد ما نخلص عليهم إيه خططنا للي جاي؟ عصام: -نبعتله العنوان في مسج ومعاها وردة حمرا كدا حلوة ونروح الشركة نفض الشراكة ونفلس. مجدي بتساؤل: -نهرب يعني؟ فتحي ببسمات باردة: -لأ. نقعد نتفرج من بعيد عليه وهو بيموت بحسرته وكدا كدا إحنا معليناش حاجة نخاف منها. وقد كان. المنظر كان كالاتي...

يفتحون أحشاء كريم أمام عيون جاسر الصادمة. كان الطفل يصرخ... ويصرخ حتى أن حنجرته لم تعد تستطيع أن تتحمل أكثر، فـ راح صوته وهو مازال ينادي على أخيه الذي كان يتألم أمامه. فالبنج كان قليلاً وعديمي الرحمة لم يهتما بذلك وأكملا إجراء العملية. كانوا يخرجون أحشاءه بكل برود. أمسك أحدهم القلب ووضعه أمام جاسر. نطق ببسمة تبث فيك الشعور بالقرف والاشمئزاز: -دا قلب أخوك يا بيضة... شايف بينبض إزاي؟

نظر له بكره شديد وأبعد نظره عنه، ثم بامتداد بصره رأى كريم الذي بات كجثة هامدة. هتف بداخل نفسه: "مش هنسى حقك يا كريم، بابا أكيد هيجيبه يا كريم". الدور كان من المفترض أن يكون عليه، لكن قرر الطبيب أن يرتاح قليلاً ويؤجل عمليته لساعة أخرى. لم يعرف مجدي والرجال بذلك المخطط فارسلوا العنوان لـ فاروق الذي أسرع نحو المكان بسرعة. وما إن دخل حتى وقعت عيونه على جثة ابنه الهامدة ذات البطن المنفتح... وفارغة الأحشاء!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...